طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > الاحتباس السياسي في العراق

ملتقى الخطباء

(1٬397)
777

الاحتباس السياسي في العراق

1434/03/03
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

ملتقى الخطباء : سمير الحجاوي

عاد العراق إلى صدارة المشهد في وسائل الإعلام العربية والدولية بعد طول غياب، وبعد أن كاد العالم أن ينسى هذا البلد يعاني من عدم الاستقرار والفوضى والفساد ويواجه أزمة سياسية خانقة وانقساما طائفيا وعرقيا.

لقد سحبت الثورات العربية الكاميرات التي كانت مسلطة على العراق وحولت أخبار القتل والتفجيرات والإعدامات في العراق إلى أخبار روتينية لا يهتم بها احد، كأنها تحصيل حاصل، إلا أن المظاهرات التي اندلعت في الرمادي وسامراء والفلوجة والتي تطالب بإنصاف المسلمين "السنة" أعادت العراق إلى واجهة المشهد، وهو مشهد معقد ومربك ومتشابك بطريقة تحتاج إلى معجزة لفهمه وهضمه وتحليله وتفسيره.

وقد أتاح مركز الجزيرة للدراسات الفرصة لعدد من الباحثين للاستماع إلى باحثين عراقيين هما الدكتور باسل حسين والدكتور مصطفى الكبيسي قاما بتفكيك المشهد العراقي، وخلصا إلى أن الظاهرة العراقية هي أزمة محلية -إقليمية – دولية، غير قابلة للحل في الظروف الحالية فهو يعيش في حالة "احتباس سياسي"، لأن النظام الذي نشا في العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 لم ينشا معه منظومة للحل، وهذا ما جعله ينتقل من أزمة إلى أزمة، فالحكم طائفي بامتياز، والشيعة احكموا سيطرتهم على كل مفاصل الحكم، وتغولت السلطة التنفيذية التي يقودها نوري المالكي وسيطر على السلطة القضائية والتشريعية، مما أدى إلى توفير بيئة لـ "صناعة طاغية" يتحكم بمقدرات البلد، فالمالكي يسيطر على البلد أمنيا من خلال "الفرقة القذرة" والقوات التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية ويهيمن على كل السلطات ويسيطر على المال الهيئات المستقلة، ونجح بتكوين منظومة شيعية تهيمن على صناعة القرار، واخضع البلد لدستور كتب بإرادة "شيعية كردية أميركية" يفسره كما يريد، أما دور المسلمين السنة فلم يكن أكثر من "كمالة عدد" أو شاهد زور.

هذا الأمر يعكس الإبعاد المنهجي للمسلمين السنة في العراق عن مفاصل الدولة وصناعة القرار، في الجيش والقوى الأمنية والوزارات ودوائر الدولة المختلفة، يضاف إلى ذلك توجه المالكي إلى مركزة القرارات وإقصاء الآخرين وعدم تطبيق الفيدرالية التي نص عليها الدستور "الشيعي – الكردي" الذي يحكم العراق، مما أدى إلى تحويل المالكي إلى "صانع أزمات " يستفيد من حالة التفكك السياسي وضعف الخصوم وتفرق المسلمين السنة والسيطرة على الموارد المالية للدولة وتسويق نسفه على أنه رجل التوافق " الأمريكي – الإيراني".

كل هذه الأسباب أدت إلى خروج المسلمين السنة في مظاهرات تطالب بوقف استهدافهم وإقصائهم ووقف الهيمنة الأيديولوجية الشيعية على وسائل الأعلم والمناهج الدراسية وإطلاق سراح المعتقلات والمعتقلين وإلغاء القوانين التي تستهدف المسلمين السنة بحجة الإرهاب.

السياسة التي اتبعها المالكي أدت إلى وضع العراق أمام جملة من التحديات ممثل تأجيج الخلاف العربي- الكردي والصراع الشيعي – السني، في محاولة منه للهروب إلى الإمام وتفادي مواجهة استحقاقات مهمة مثل الفساد وانتهاك حقوق الإنسان وعمد إلى التصعيد مع الأكراد إلى درجة المواجهة المسلحة بين الطرفين، أما المسلمين السنة فقد حولهم إلى غرباء في وطنهم يعيشون فيه وكأنهم ضيوف أو مقيمين وليسوا مواطنين أو مواطنين من الدرجة الثالثة بعد الشيعة والأكراد، وعمد إلى محاربة بروز أي قيادات سنية ومحاولة خلق قيادات تابعة له وتتماهى مع أجندته.

وقد أدت هذه السياسات التي تكوين كتلة حرجة انفجرت في المناطق المسلمة السنية في العراق للاحتجاج على هذا الوضع المتردي للسنة والمطالبة بوقف تهميشهم واحترام عقيدتهم في وسائل الإعلام والمناهج الدراسية ووقف استهداف قياداتهم السياسية وإطلاق سراح المعتقلات ووقف التعذيب والاغتصاب في السجون وإعادة التوازن إلى السلطة القضائية ومؤسسات القضاء.

بصراحة يتحمل العراقيون السنة مسؤولية كبيرة فيما آلت إليه أوضاعهم حاليا، فقد كسروا المقاومة الإسلامية للاحتلال الأمريكي عن طريق "الصحوات" التي مكنت الأمريكيين من تحقيق انتصار رخيص الثمن على كل قوى المقاومة، والأدهى والأمر هو انخراط قطاع عريض من العراقيين السنة في عملية سياسية "مشوهة ومزورة" صنعها الاحتلال الأمريكي على مقاس القوى المؤيدة الشيعية الكردية المؤيدة له، ولم يكن دورهم أكثر من دور "المحلل السياسي"، الذي منح هذا النظام شرعية كان يحتاجها لتسويق نفسه محليا ودوليا، وهي جعلت منهم طرفا في "عملية سياسية مشوهة"، كرست موافقتهم على "قواعد اللعبة" وبالتالي فإن الرهان على قدرة عدة "مظاهرات سنية" في العراق على تغيير هذه القواعد هو ضرب من العبث.

هذا الواقع يحصر مطالب السنة العراقيين في "إصلاح العملية السياسية" وليس إسقاطها، إذ أن إسقاطها يعني إسقاط "حكم الشيعة" وهذا ما لن يقبلوا به، فالكتلة الشيعية تحكم سيطرتها على ثروات البلد ومقدراتها مدعومة أمريكيا وإيرانيا، كما أن الوضع الإقليمي خاصة في سوريا لا يسمح بتأجيج صراع "سني – شيعي" في العراق بسبب كلفته المرتفعة على الجميع وعدم ضمان النتائج، ولأنه قد يفتح الصراع الطائفي في المنطقة على مصراعية.

يعترف الباحثان العراقيان أن المقاومة السنية العراقية لم تكن تمتلك رؤية سياسية أو "مشروع سياسي في الماضي، وكذلك لا تمتلك المظاهرات السنية في العراق حاليا رؤية سياسية، وهي في بعض الأحيان ليست أكثر من توظيف سياسي، ما يفتح الباب أمام فشلها أيضاً أو امتصاصها مالم تتوفر ظروف وقيادة واعية تمنع ذلك.. أما الحديث عن حل سياسي في العراق فهو يحتاج إلى تغيير قواعد كل قواعد اللعبة، فهل سيرضى المالكي والشيعة تغيير قواعد الأمريكي بريمر، هذا يعتمد إلى أي حد سيذهب العرب السنة من العراقيين في موقفهم واستعدادهم لاحتمالات المواجهة المسلحة مع الأطراف التي لن تتنازل طواعية عن استئثارها بالسلطة والثورة

 

المصدر: الشرق