طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > وسائل تحقيق اللُحمَة الوطنية (أ.د حمزة حسين الفعر )

ملتقى الخطباء

(3٬022)
709

وسائل تحقيق اللُحمَة الوطنية (أ.د حمزة حسين الفعر )

1432/04/05
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

أ.د حمزة حسين الفعر
 

 

لم يختلف حَمَلة العلم ، والدعاة إلى الله على بصيرة ، وكذلك العقلاء من غيرهم من أطياف الشعب بمن فيهم الليبراليون بكافة توجهاتهم على أهميّة المحافظة على لُحمة هذا البلد العزيز، هذه اللُحمة التي كانت قدراً من الله سبحانه لم تنشأ بأسباب جغرافية، ولا روابط اجتماعية، ولا أسس اقتصادية ولا غيرها مما يدعو إلى ذلك في أعراف الناس، وحياتهم ولكنها نشأت – كما يعلم المنصفون – بناءاً على مكوّن الدين الذي ربط أوصالها، وقوّى وشائج اتصالها، فأتاح لها كثيراً من سبل الاندماج والانصهار عبر مؤسسات التعليم والصلات الاجتماعية من التزاوج والتجاور والسفر، والتجارة، والعمل، وغيرها.. فتلاشت كثير من المكونات الخاصة التي كانت تطبع كل جزء بطابعها المميز، وإن لم تزل بالكليّة، فرسبت في القاع، بغلبة المكوّن الأقوى – الدين – عليها، فانطلقت المسيرة في مجالات شتى وإن كانت بنسب متفاوتة بحسب المتاح في كل جزء من أجزاء الوطن، وكان بالإمكان أن يحصل أفضل مما حصل لو ضُبطت رمانة الميزان، واتسع النظر ليشمل جميع الأجزاء بنسب متكافئة واهتمام موحد خاصة، مع وجود الوفرة الاقتصادية، والاستقرار، وقد حدث بسبب شيوع التعليم، وانفتاح العالم على بعضه، وتطور وتكاثر وسائل الأعلام، وتقنياته ، وتباطؤ التنمية في عدد من الأجزاء وطغيان كثير من مظاهر الفساد المالي والإداري أن ظهرت على السطح كثير من النواقص، التي أفرزتها هذه العوامل، وبدأت تتحرك المكونات الخاصة التي رسبت في القاع لتظهر من جديد على السطح في ظل تسلل الضعف، والتحجيم للمكوّن الأساس لهذه اللُحمة، ولم يعد بالإمكان إشباع الناس وإسكاتهم بالكلام أو بالوعود المعسولة التي صكت أسماعهم لفترات طويلة، ولم يجدوا لها أثراً في الواقع، وهم يرون الأرض من حولهم تميد بمن عليها سعياً للتخلص من الظلم والقهر، وأملاً في الوصول إلى واقع أفضل .

إن الشعب ليس كله من حَمَلة العلم والدعوة، ولا من أهل العقل الذين يحسنون تقدير الأمور وينظرون في العواقب والمآلآت، بل الكثرة الكاثرة تحركهم مصالحهم وحاجاتهم، وهم عرضة للتأثير عليهم من فئات داخلية و خارجية، تذكرهم بمكنوناتهم الخاصة، وتذكي فيهم نار المطالبة بالحقوق، ومحاسبة المقصرين والمسيئين بلا استثناء والعمل على تحقيق الشفافية في كل الأعمال، خاصة بعد الأحداث الكثيرة الكبيرة المحيطة بنا، وإن مما يُؤسف له أن تعلو في هذه الفترات وتيرة المناداة بالطاعة لولاة الأمر، والصبر على الظلم والعسف والجور، دون المطالبة الحثيثة لمن يعنيهم الأمر بالمسارعة إلى الإصلاح ولجم الأسباب الحقيقية للفتنة وقطع دابرها، ومن عجبٍ أن تجد فيما حصل من ثورات في العالم العربي في هذه الآونة مناداة الظلمة والطغاة – الذين فتكو بشعوبهم واستولوا على مقدراتها وبددوا وسلبوا ثرواتها- بهذا المبدأ الذي لم يعرفوا من الإسلام غيره ولم يقدموا في سبيله ما يمكن أن يجعل لهذه المناداة موقعاً في قلوب أهل الإصلاح والعقل، ولا بين الناس!
 

فيا ولاة الأمر ، ويا أهل العلم ، ودعاة الخير ، ويا أهل العقل والحرص على هذا الكيان العزيز آن الأوان للعمل الجاد المشترك لما فيه خير البلاد والعباد من خلال أمرين اثنين فيهما – بإذن الله- ما يحقق ذلك :
 

أولهما :-
 

العمل على إعادة الاعتبار الحقيقي إلى المكون الأساس الذي جمع أطراف الوطن كلها إلى بعضها، وعزّز تواصلها، وهو دين الله الصحيح، المستند إلى الفهم المستقيم لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بعيداً عن الإفراط والتفريط، فهو الضمانة الحقيقية لوحدة هذه البلاد، وهو الذي يحفظ الحقوق لكل من يعيش على هذه الأرض من أهلها، أو من غيرهم من المسلمين وغير المسلمين.
 

لابد من إصلاح المؤسسات الدينية المعنية بهذا الشأن ، وتقويتها على أُسس سليمة، ومنهج واضح؛ لأن كثيراً منها يعاني من اختلالات هيكلية وتتحكم فيه قرارات وأنظمة غاية في البيروقراطية والتعسف تضعف من أدائها، وتسلبها كثيراً من قدراتها وجمالها، وتتيح الفرصة لمن يناوؤها، ولبعض من هم داخلها أو خارجها من المتنفذين أن يشوهوا صورتها، ويضعوها موضع التهمة التي لا ذنب لها فيها على الحقيقة.

إن هذه البلاد ليست لها قوة عسكرية قاهرة على المستوى العالمي، وليست لديها مقدرة صناعية، ولا اقتصادية تؤثر في مسار العالم انخفاضاً وارتفاعاً، ولكنها تتميز بقوة لا نظير لها، ولا تملكها أية دولة على وجه الأرض ألا وهي القوة الروحية المتمثلة في هذا الدين وفي وجود بلاد الحرمين التي هي مهوى الأفئدة، ومأرز الإيمان في الأرض، فهي منطلق القوة الحقيقية والتأثير البالغ في الدنيا بأسرها.
 

ثانيهما :-
 

المبادرة إلى إصلاح حقيقي عاجل في كافة النواحي، يعتمد الغوص في جذور المشكلات ووضع الحلول المناسبة لها بما يحقق تطلعات المصلحين والخبراء وعامة الناس وأن تُشرك الفئات القادرة المؤهلة في مثل هذا العمل حتى يغيب الشعور بالإقصاء ، والافتئات وحتى تتفجر طاقات المبدعين في سبيل مصلحة البلاد ،كل ذلك في أجواء حُرّة كريمة، لا تضيق ذرعا بآراء الناصحين ولا تسيئ الظن بهم بل تحرص على الإفادة من كل آرائهم ،ومقترحاتهم على حد قول الخليفة الراشد "رحم الله امرءاً أهدى إلي عيوبي".
 

إن هذا الإصلاح لا تكفي فيه بعض التصريحات الإعلامية، ولا القرارات السطحية اليسيرة التي لا تزيد إلا من تفاقم الأوضاع، والشعور بالإحباط وزيادة الاحتقان،وقد آن الأوان لإسكات أصحاب الأبواق الإعلامية التي لا همّ لها إلاّ حجب الحقائق، وتبرير الواقع، وإظهار النقص في صورة الكمال، والسيئ في صورة الحسن، فإن هؤلاء عند كل العقلاء العارفين -وهم كثر- في مرتبة الأُجراء المرتزقة الذين إن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون، ولهم نُظراء كُثر في الدول التي حولنا كانوا يدعمون الأوضاع الفاسدة، ويسلقون المصلحين بألسِنة حداد فلما انقلبت الأمور انقلبوا معها، وأصبحوا يذمون اليوم ويحقرون ما كانوا يمجدونه ويمدحونه بالأمس.

إن المنصفين كثيرون و الحمد لله، لا يتوانون عن إظهار الحقائق الناصعة، ولا يجورون في أحكامهم، وسيسعون إلى الثناء على الأشياء الحسنة، ويمتدحونها ويمتدحون فاعلها، ولكن لا يمكن لهم أن يعملوا مع أمثال هؤلاء المرتزقة الذين لا يؤمن جانبهم و لا يوثق بهم.
 

حفظ الله بلادنا، وجعلها في عين الكمال قدوة في كل خير، ورائدة لكل فضيلة