طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > المنهج الشرعي في التعامل مع الفتن (1/2) عبد الله العنقري

ملتقى الخطباء

(2٬823)
705

المنهج الشرعي في التعامل مع الفتن (1/2) عبد الله العنقري

1432/04/05
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

عبد الله العنقري
أستاذ العقيدة المساعد في جامعة الإمام سعود بالرياض

 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن الله سبحانه وتعالى شاء وله الحكمة البالغة أن يختبر عباده بأنواع من الاختبار، وبيّن أنه سبحانه وتعالى جعل هذه الدار دار امتحان وابتلاء، يبلو عباده، فتظهر نتيجة هذا البلاء وهذا الامتحان في ذلك اليوم العظيم الذي يجمعهم الله عز وجل فيه " ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ "

وقد أرسل الله عز وجل نبيا كريما بلّغ الرسالة وأدى الأمانة وجعل الأمة على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لايزيغ عنها بعده إلا هالك، صلوات الله وسلامه عليه. وقد تواردت النصوص كثيرا جدا عن أمر الفتن، واتضح من النصوص أنها تكثر وتتفاقم وتعظم في آخر الزمان، ويظهر لها دعاة، وتشتبه على كثير من الناس، مع أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يمت حتى جعل الأمة على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، وهذا يدل دلالة واضحة على أن أمر الفتن إنما يقع الناس فيه لأحد سببين:

إما جهل بأمر النصوص.

وإما هوى حَمَلَ على عناد النصوص، والضرب بها عرض الحائط، وإتيان أمور الفتن بأنواع من التأويلات الفارغة.

وذلك وقع قديما وحديثا وسبّب شيئا عظيما مِن الإرباك، وشيئا هائلا من البلايا التي أثرت أبلغ التأثير في أمة الاسلام، وذلك ما بإذن الله عز وجل سنعرض له في هذه الكلمات التي هي إبراء للذمة، وبيان لحقيقة الحال، وليكون المؤمنون على بصيرة من أمور الفتن في زمن قَلّ فيه الصدق مع الله عز وجل، والجهر بكلمة الحق، وإظهار ما ينبغي أن يظهر في مثل هذه الأمور! وذلك في ضوء إعلام عبث به العابثون، وتسلطوا مِن خلاله على إضاعة الحقائق، وعرض الأمور على خلاف ما يجب أن تُعرَض عليه في كتاب الله وفي سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.

وهذا الوضع لاشك أنه وضع يجب على أهل العلم أن يزيلوه أو يخففوه قدر ما يستطيعون، وأن يحرصوا أهم ما يحرصون على البيان، وعلى الإبلاغ، ثم أن الهداية بيد الله عز وجل الذي بيده مقاليد السماوات والأرض "لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ" .

وهذا الموضوع الذي سنتولاه أحب أن أعرض له من خلال فقرات محددة.

أولى هذه الفقرات:

أن المقصود بهذه الكلمة بيان منهج أهل السنة في باب الفتن، لا التعليق على الأخبار، ولا ذكر تحليلات إخبارية، إنما المراد ذكر المنهج الذي ينبغي أن نكون عليه في التعامل مع هذه الفتن، وذلك أمر نحتاجه في جميع الأوقات والمواضع والمناسبات حينما ترد الفتن.

أما الأخبار والأحوال فإنها تتغير وتتقلب، فإذا كان عند المؤمن منهج واضح في التعامل مع الفتن فإنه حين تقع الفتنة في أي وقت أو في أي مكان يكون فيه على بصيرة، وذلك ما أوجبه الله عز وجل على أهل العلم أن يبيّنوا ماينبغي أن يُبيّن للناس.

الأمر الثاني فيما يتعلق بمعنى الفتنة.

الفتنة في أصلها تعني الامتحان، وكثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه، ولها معان أُخر.

الأمر الثالث في أحوال الناس في الفتنة.

الناس في الفتن أنواع بحسب ما جعل الله لهم من العلم والتقى، فمنهم المبعد بنفسه، النائي عنها، لا يشارك فيها بقول ولا بسيف، لأنها فتنة. ومنهم المشترك فيها، الواقع فيها، ثم هؤلاء المشتركون أنواع، ليسوا على حال واحد من الاشتراك، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله كما في الصحيحين:

(سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ)

ورواه مسلم بلفظ: (تَكُونُ فِتْنَةٌ النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْيَقْظَانِ وَالْيَقْظَانُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَسْتَعِذْ)

وروى أبو داود وأحمد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ)

أي الزموا بيوتكم، والحلس هو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب، شبّهها به للزومها ودوامها.

مِن هذا الحديث العظيم بهذه الألفاظ يتبين أن الناس في الفتنة بين نائم فيها، وبين قاعد، وبين قائم فيها قياما، وبين ماش فيها مشيا، وبين ساع يبذل فيها أكثر مما يبذله غيره! ولهذا ترجم العلماء رحمهم الله على هذا الحديث بما يبيّن المراد منه، فترجم أبو داود رحمه الله بقوله: (باب النهي عن السعي في الفتنة) وترجم الآجري بقوله: (باب فضل القعود في الفتنة).

الأمر الرابع: في صفات الفتنة في النصوص.

جاءت النصوص بوصف محدد للفتن، منها عياذا بالله أنها تتفاقم وتزادا وتكثر وتعظم. روى مسلم في كتاب الإمارة من صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي ثُمَّ تَنْكَشِفُ وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ هَذِهِ). فمن خلال هذا الحديث يتضح أن الفتن -نسأل الله العافية- تتفاقم حتى أن بعضها يرقق بعضا، وذلك يعني أن الفتنة الأولى تكون كبيرة، لكن يعقبها فتنة أعظم منها فترق الأولى مع أنها شديدة بالنسبة للثانية!

من صفات الفتن التي جاءت بها النصوص: شدة اشتباهها، وكونها مظلمة لا يتضح فيها وجه الصواب عند كثير من الناس.

روى حذيفة رضي الله عنه في حديثه المشهور الذي أصله في الصحيح ورواه أحمد وأبو داود بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الفتن ومراحلها التي تمر بها قال: قال في آخره: (فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ صَمَّاءُ عَلَيْهَا دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ فَإِنْ تَمُتْ يَا حُذَيْفَةُ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ أَحَدًا مِنْهُمْ)

والجذل هو أصل الشجرة.

نقل صاحب عون المعبود في شرحه لأبي داود أن المراد بكون الفتنة عمياء صماء: أن تكون بحيث لا يرى منها مخرج، ولا يوجد دونها مستغاث، أو أن يقع الناس فيها على غرّة من غير بصيرة، فيعمون فيها ويصمون عن تأمل الحق واستماع النصح.

من صفات الفتن التي وردت بها النصوص: أنّ التعرض لها يُوقع صاحبه في الورطة بالدخول بها، لهذا تقدم الحديث: (مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ) معناه أنّ مَن تَطَلّع إلى الفتنة وتَعرّض لها وقع فيها كما ذكر صاحب النهاية في غريب الحديث.

الأمر الخامس: إلى أي شيء أرشدتنا النصوص وأرشدنا السلف الصالح رضي الله عنهم عند وقوع الفتن.

من فضل الله ومنته أن النصوص كما تأتي مبينة تغير الأحوال وشدة وخطب آخر الزمان، فإن مِن فضل الله عز وجل ومن نعمته البالغة ومن رحمته لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن بيّنت النصوص المخارج الجلية الواضحة المبنية على العلم النافع لا على الهوى وعلى التخرص والظنون!

فأرشدتنا النصوص في أمر الفتن إلى أمور منها:

أولا: الفرار من الفتن وعدم التعرض لها أو الاشتراك فيها.

في الحديث السابق أن الفتن (مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ) وذلك يفيد التحذير من التعرض لها، ويعني أيضا الفرار من الفتنة. إذا كان استشرافك للفتنة وتعرضك لها يجعلك تقع فيها فإن البُعد عنها طريق للسلامة منها، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في شأن الدجال، والدجال كما في الحديث الصحيح هو أعظم فتنة، ما جعل الله منذ خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أشد من الدجال، يقول صلى الله عليه وسلم في الدجال: (مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ) كما في المسند، فلينأ عنه أي فليبعد عنه، لا تأته، تبعد عنه، وهكذا بقية الفتن، وقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ) هذا هو الشاهد.

هذا الرجل لا همّة له في الأغنام وليس مقصده التجارة بها لكنه صار يتبع شعف الجبال العالية ويتبع مواقع القطر والمطر، لماذا؟ يفر بدينه من الفتن، لأن دينه أعظم ما يملك، أعظم من روحه التي بين جنبيه، فيفر به من الفتن.

فهذا العلاج الأول.

العلاج الثاني: كف اللسان عن الدخول في الفتن. روى ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن الفتنة: (اللِّسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ السَّيْفِ) تأمل هذا الحديث العظيم: (اللِّسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ السَّيْفِ) ولهذا ترجم ابن أبي شيبة على الحديث بقوله -وعلى عدد من الأحاديث أيضا-: (مَن كره الخروج في الفتنة وتعوذ منها). وترجم أبو داود بقوله: (باب في كف اللسان)، وترجم ابن ماجة بقوله ( باب كف اللسان في الفتنة ).

سبب الأمر بكف اللسان أن اللسان في أحيان كثيرة يثير الناس ويحرض بعضهم على بعض ويشجعهم على الوقوع في أشد أنواع الولوج في الفتنة بدلا مِن أن يطفئها ويسعى في تخفيف نارها ويحرض أخوانه على تقوى الله. يدخل فيها ويشجع! ربما جعل في ذلك شعرا، ربما جعل في ذلك مقالات دبجها ورفع بها صوته وحرَّض الناس عليها، فأدَّى ذلك إلى دخول الناس في الفتنة وتشجيعهم على الولوج فيها، ويتسبب هذا في سفك دماء كثيرة، ويُسأل هذا الذي تسبب وهو في أبعد موضع عن الفتنة عن دماءٍ ما قتل أصحابها. ما أزهق أرواحًا، ولا أطلق رصاصًا، ولكنه بلسانه هذا كما في الحديث: (اللِّسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ السَّيْفِ) لأنه يثيرها، ويجعلها تتفاقم،

 

ويحرض الناس على الولوج فيها، ولهذا جاء عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه رأى خطباء الفتنة، قال: (مر بقوم تُقرض ألسنتهم وشفاههم قرضا –عياذًا بالله تقطيع نسأل الله العافية والسلامة رآهم لما أُسري به عليه الصلاة والسلام- مر بقوم تُقرض ألسنتهم وشفاههم، كلما قُرضت عادت،) لأن هذا عذاب القبور، نسأل الله العافية- يستمر لو قرض لسان إنسان وقُطّع؛ لنزف حتى يموت، أما في القبور فالعذاب مستديم –نسأل الله العافية والسلامة- إلا لمن رحمه الله، ومنهم هؤلاء الخطباء الذين يخطبون في الفتن، يحرضون الناس عليها، قال: (مر بقوم تقرض ألسنتهم وشفاههم، كلما قرضت عادت، قال: هؤلاء خطباء الفتنة) نسأل الله العافية والسلامة.

مما أرشدت إليه النصوص أيضا، كف اليد، فإنك إذا أُمرت أن تكف لسانك؛ فكفك ليدك من باب أولى، روى أحمد في المسند عن أهبان بن صيفي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم عهد إليه –يعني أوصاه- إذا كانت فتنة بين المسلمين أن أتخذ سيفا من خشب، وفي لفظ: (سَتَكُونُ فِتْنَةٌ وَفُرْقَةٌ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاكْسِرْ سَيْفَكَ وَاتَّخِذْ سَيْفًا مِنْ خَشَبٍ)، قال -رضي الله عنه-: "فقد وقعت الفتنة والفرقة، وكسرت سيفي واتخذت سيفا من خشب"، وكان قد جعل سيفا من خشب عمدا تطبيقا لهذا الحديث، ويعلم الجميع أن سيف الخشب لا يمكن أن يدخل به أحد في قتال، لأن الناس معهم سيوف الحديد التي تفلق الهام، وسيف الخشب ماذا يفعل؟ المقصود أنه يتخذ سيفًا من خشب، أي: حتى لا يدخل في القتال، ولذا قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كما في المسند لما اعتزل القتال الذي وقع بين المسلمين، جاءه ابنه عامر، في بعض الروايات أن عامرًا قال: يا أبتِ، الناس يختصمون في المُلك، وأنت كالأعرابي في غنمك –لأن سعدا أخذ بعض الأغنام وخرج بها خارج المدينة-، فقال سعد رضي الله عنه أول ما رآه: (أعوذ بالله من شر هذا الراكب)، لأنه تفرس في أنه سيحرضه على الدخول في الفتنة. في لفظ المسند أنه قال: " أَفِي الْفِتْنَةِ تَأْمُرُنِي أَنْ أَكُونَ رَأْسًا لَا وَاللَّهِ حَتَّى أُعْطَى سَيْفًا إِنْ ضَرَبْتُ بِهِ مُؤْمِنًا نَبَا عَنْهُ وَإِنْ ضَرَبْتُ بِهِ كَافِرًا قَتَلَهُ"، وهذا مستحيل لأن السيف لا يعرف الكافر من المسلم، يقول: أنا لا أدخل فيها إلا إذا وُجد هذا السيف الذي إذا ضربتُ به المسلم صار خشبة لا تقتله، وإذا ضربتُ به الكافر صار حديدًا كأصله يقتل، ثم قال: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ التَّقِيَّ) انتهى الحديث.

لتقواه اعتزل وخاف على نفسه من الدخول في الفتنة.

مما أرشدت إليه النصوص علاجًا لأمر الفتنة: عدم التعجل، والتروي، والتثبت، والتؤدة، وعدم الطيش والاستعجال في أمر الفتن، فإن الإنسان لو أتاه أمر من أمور دنياه من بيع أو شراء؛ لتروّى ونظر إلى أحسن السلع، ونظر إلى أحسن العروض، فكيف بأمر الفتن يستعجل ويطيش الإنسان فيها كما سيأتي، فجاءت توجيهات السلف –رضي الله تعالى عنهم- بالتروي والتثبت وعدم الاستعجال، ولهذا روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: "إنها ستكون هنَّات وأمور مُشبّهات، فعليك بالتؤدة، فتكون تابعًا في الخير، خيرًا مِن أنْ تكون رأسًا في الشر"، يعني عليك بالتؤدة، الترفق والتأني، لا تستعجل، هذا لن يجعلك من الزعماء الرؤساء الذين يبرزون في الفتن، يقول: هذا خير لك، أن تكون تابعًا في الخير أحسن من أن تكون رأسا مميزا في الشر والفتنة، ولهذا كان من تراجم ابن ماجة رحمه الله في كتاب الفتن: (باب التثبت في الفتنة)، وروى البخاري في كتاب الفتن من صحيحه في باب: (الفتنة التي تموج كموج البحر)، عن خلف بن حوشب أنهم كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن:

الحرب أول ما تكون فتيَّة تسعى بزينتها لكل جهول

حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ولَّت عجوزًا غير ذات حليل

شمطاء يُنكَر لونها وتغيرتْ مكروهة للشم والتقبيلِ

مرادهم بالتمثل بهذه الأبيات أنَّ النفوس في أول ما ترد الفتن تجد أنها شغوفة مستعجلة إلى الدخول فيها، ولهذا يحرص الناس كثيرًا على أمر الحرب والقتال والدخول في الفتنة، وعدم البحث عن علاج أخفّ من هذا، ولهذا شبهوه بأبيات امرئ القيس هذه.

الحرب أول ما تكون فتيَّة: يعني كالشابة الفتية التي يُرغب فيها.

تسعى بزينتها لمن؟ لكلّ جهول، للجُهال.

حتى إذا اشتعلت وشبّ ضرامها: يعني: ورأى الناس آثار هذه الفتنة وما خلَّفت من قتل وترويع وخوف، ولَّت تلك الفتاة، ولّت عجوزًا غير ذات حليل.

شمطاء، يُنكر لونها وتغيرت مكروهة للشم والتقبيل.

ومن تروّي السلف ونظرهم للعواقب والتؤدة والتطبيق لما أمروا به؛ ما رواه البخاري في صحيحه، قال: خطب معاوية -رضي الله تعالى عنه- فقال: "مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي هَذَا الْأَمْرِ فَلْيُطْلِعْ لَنَا قَرْنَهُ فَلَنَحْنُ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ وَمِنْ أَبِيهِ " يقصد بهذا الأمر أمر الخلافة، فكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما حاضرًا، قَالَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ: فَهَلَّا أَجَبْتَهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَلَلْتُ حُبْوَتِي وَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ: أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ مَنْ قَاتَلَكَ وَأَبَاكَ عَلَى الْإِسْلَامِ، يريد أن يقول: إنّ في الصحابة مَن هو أحق بالأمر منك، وأقربهم الذين أسلموا قبلك، والدليل على إسلامهم قبلك أنهم اشتركوا مع النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في القتال، واشتركتَ أنتَ وأباك قبل أن يهديكما الله عزّ وجل إلى الإسلام، فمن أسلم مُتقدمًا؛ فله فضل، كما قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة : 100].

فللسابقين مزية لا شك. يقول: (فَحَلَلْتُ حُبْوَتِي)، والحبوة عند العرب: ثوب يعقده الواحد منهم على ساقيه حين ينصبها، ويديره خلف ظهره، بمنزلة اتكائك الآن على السارية. يقول: (فَحَلَلْتُ حُبْوَتِي)، وكان الواحد منهم يحل حبوته إذا أراد أن يقوم ويتكلم، فحللت حبوتي وهممت أن أقول: "فَحَلَلْتُ حُبْوَتِي وَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ: أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ مَنْ قَاتَلَكَ وَأَبَاكَ عَلَى الْإِسْلَامِ. فَخَشِيتُ أَنْ أَقُولَ كَلِمَةً تُفَرِّقُ بَيْنَ الْجَمْعِ وَتَسْفِكُ الدَّمَ وَيُحْمَلُ عَنِّي غَيْرُ ذَلِكَ فَذَكَرْتُ مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِي الْجِنَانِ" قَالَ حَبِيبٌ – وهو حبيب بن مسلمة – حُفِظْتَ وَعُصِمْتَ.

تأمل كلام ابن عمر رضي الله عنهما،

هذا الموقف من معاوية رضي الله عنه وأرضاه وأجل الله عز وجل ورفع مقداره في جنات النعيم، لا ينبغي أن يكون سببًا للتكلم فيه، لكن كأنه كان في حال غضب، فقال هذا الكلام، فأراد ابن عمر أن يرد عليه بأن هناك مَن هو أحق بالخلافة منك، لكن خشي من الأمور الثلاثة، وتأمل دقة السلف رضي الله تعالى عنهم

نظر ابن عمر للآتي:

خشي أن تكون هذه الكلمة سببًا في فرقة الجمع، إذ إن ابن عمر رضي الله عنهما من خيار الصحابة، فإذا رد على معاوية رضي الله عنه؛ فقد ينتصر له أناس، ويقومون في ذلك الموضع الذي تكلم فيه، والكلمة كما تَقدَّم تفعل، اللسان يفعل أعظم من وقع السيف، فسكت خشية من تفرق الجماعة، وخشية من أمر آخر يعقب هذا: أن تسفك الدماء بسبب هذه الكلمة، لأن ذلك قد يؤدي إلى فرقة يتبعها حرب وحمل للسلاح. وخشي من أمر ثالث: أن يُحمَل كلامه على غير ما أراد، هو لو ردَّ على معاوية بهذا؛ لكان رده عليه من باب واحد، يقول: تذكر أن في الصحابة مَن هو أولى منك، ويقف عند هذا، لكنه خشي أن المسألة تُحمل على غير هذا، ويأتي من يقول: معنى ذلك أن معاوية يُطعَن في خلافته. مما قد يعزز الفتنة ويؤدي إلى الخروج عليه.

ومن تروي السلف وتؤدتهم وعدم عجلتهم وطيشهم في الفتن، ما رواه ابن سعد أن مطرِّف بن عبد الله رحمه الله تعالى أتاه الحرورية وهم الخوارج، يدعونه إلى رأيهم، فقال على سبيل التعليم والتنبيه لهم: "يا هؤلاء، إنه لو كانت لي نفسان؛ تابعتكم بإحداهما، وأمسكتُ الأخرى، فإنْ كان الذي تقولونه هدى -يعني: ورأيت عاقبته عند الله- أتبعتها بالأخرى، لأن هذا درب رضي الله عنه فأزهق نفسي فيه، وإن كانت ضلالة هلكت نفس وبقيتْ لي نفس، ولكنها نفس واحدة، وأنا أكره أن أغرر بها" يقول: لا أدخل في هذا الأمر غير الواضح.

ولا شك أن أمر الحرورية واضح جدا عند مطرف –رحمه الله-، وأنهم كما تواردت الأحاديث كلاب النار، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- حرض على قتلهم، لكنه أراد أن يبين لهم أن إزهاق الأرواح والدخول في أمور يكون من آثارها سفك الدماء لا ينبغي أن يكون في الأمور المشتبهة، وإنما يكون في الجهاد الواضح البيّن.

ولهذا روى ابن سعد في هذا الموضع أيضًا عن مطرّف –رحمه الله- أنه جاءه ناس يدعونه إلى قتال الحجاج بن يوسف –وهو الأمير الظالم المعروف- وكانوا من أتباع ابن الأشعث الذي خرج على الحجاج، فلما أكثروا عليه، قال: "أرأيتم هذا الذي تدعونّي إليه هل يزيد على أن يكون جهادًا في سبيل الله؟ قالوا: لا. قال: فإني لا أخاطر بين هَلَكة أقع فيها وبين فضل أصيبه".

يقول: أشد ما يكون خروجي على الحجاج أحسن أحواله أن يكون جهادا في سبيل الله، هل يمكن أن يكون أكثر من ذلك؟ قالوا: لا، قال: "أنا لا أخاطر" لا أخاطر لا خوفًا على نفسي، ولكن لأن هذا السبيل وهو سبيل الخروج على الحجاج سبيل هلكة، وأنتم تقولون إنه جهاد، والجهاد هو فضلٌ، وفيه حسناتٌ وأجور، لكن لما تردد الأمر بين الجهاد وبين ضدّه وهو الخروج والهلكة؛ فلن أدخل في هذا الباب رغبة في أن أصيب فضلًا يمكن أن يكون بدلا من هذا الفضل هلكة.

ولهذا قال -رحمه الله- أيضا: "لَأن آخذ بالثقة في القعود – إذا قعدت في الفتنة فأنت على ثقة بأنك على صواب- أحب إليّ من أن ألتمس، أو قال: أطلب فضل الجهاد بالتغرير". لأن الجهاد ما يكون بالتخرص والتوقعات، وإنما هو درب واضح في سبيل الله، أما إذا اشتبه الأمر وكان احتمالًا أن يكون خروجًا، لا، أجلس، ولا أدخل فيه أصلا.

ولهذا روى ابن سعد أيضًا أن مسلم بن يسار –رحمه الله- وهو من خيار السلف، أكرهَهُ ابن الأشعث وأجبره على أن يخرج معه، لكنه لما خرج معه جبرًا لم يدخل في القتال، ولكنه ذهب معهم فترة، ولم يزهق نفسًا، ولم يرم بسهم، فقال لأبي قلابة -متحدثا بما يرى أنه نعمة من نعم الله عليه-: "أحمد إليك الله، إني لم أطعن فيها برمح، ولم أرم فيها بسهم، ولم أضرب فيها بسيف". فقال له أبو قلابة: يا أبا عبد الله، فكيف بمن رآك واقفًا في الصف؟ فقال: هذا أبو عبد الله، وقف هذا الموقف ما وقفه إلا وهو على حق، فتقدم هذا الذي رآك فقاتل حتى قُتِلَ. فبكى وبكى، قال: حتى تمنيتُ أني لم أكن قلتُ شيئًا.

يقول: نعم أنا لم أدخل في القتال، لكن يمكن أن هناك مَن اقتدى بي، وقال: (هذا فقيه البلد، دخل في هذا الموضوع، وها هو الآن خارج معنا، فذلك يدل على صحة القتال)، مع أنه لم يدخل في القتال، لكنه خشي مِن أن يكون هناك مَن ائتسى به فقاتل بسبب أنه رآه.

هذا مجمل ما يقال في هذا الموضوع على سبيل العجلة باستعراض للنصوص، والنصوص كثيرة جدا، لكني آثرت أن أذكر جملة منها، فيها غُنية بإذن الله لمن أراد التبصر والبيان في هذا الأمر العظيم.

فتأتي الفقرة المتعلقة بنا نحن اليوم: أين نحن مِن هذا الهدي العظيم الذي تقدّم في النصوص وفي كلام السلف رضي الله تعالى عنهم ؟