طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > المنهج الشرعي في التعامل مع الفتن (2/2) عبد الله العنقري

ملتقى الخطباء

(2٬875)
704

المنهج الشرعي في التعامل مع الفتن (2/2) عبد الله العنقري

1432/04/05
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

عبد الله العنقري
أستاذ العقيدة المساعد في جامعة الإمام سعود بالرياض

 

نعود إلى ما قلناه في الفقرات السابقة:

أولًا: أحوال النَّاس في الفتنة:

تقدَّم أنَّ النَّاس في الفتنة بين نائمٍ فيها وقاعدٍ فيها وقائم وماشٍ وساع.

ما حال النَّاس اليوم؟

لا ريب أنَّ كثيرين جدًا يدخلون في الفتن، وكثيرٌ منهم أيضًا يثيرها، إمَّا بلسانه الذي تقدّم أنَّه أشد من وقع السيف، وهذا جلي بالذات في وسائل الإعلام التي صارت تحرّض على الفتن كثيرا، وتتسبّب فيها، وتحرص على نوع من التحليلات وعلى نوعية من الضيوف معينين يهيجون الناس ويثيرون بعضهم على بعض، همتهم وغرضهم أن تشتعل هذه البلدان، هذا هو مقصدهم، والدليل على ذلك هذه الحماسة العظيمة فيهم، والسعي الدؤوب لأن تشتعل، ولهذا تلاحظ أنهم يريدون أن يعمّ هذا الأمر جميع البلاد، يريدون أن تعم الفتنة الجميع وأن لا يبقى موضع إلا وقد دخلته، فأمر اللسان أمر خطير والمشتركون فيه كثير بلا ريب.

ومن أنواع الاشتراك في الفتنة في واقع اليوم: الاشتراك بالفعل، والمباشرة والسعي الحثيث، الذي بيَّن عليه -الصَّلاة والسَّلام- أنَّ النَّاس فيه على تلك المراتب، لهذا حَقَّ على كثيرين من النَّاس قول النَّبي –صلَّى الله عليه وسلَّم- في الفتنة: ((مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ))، فتطلّعوا لها واشتركوا فيها، فوقعوا فيها، ويلقون الله مفتونين، يُكتبون في القيامة في المفتونين والداخلين في الفتن، ويلقون الله على هذا الحال، نسأل الله العافية.

من أخطر ما في الموضوع على الإطلاق: أن يشترك أحدٌ من أهل العلم في تهييج النَّاس وتحريضهم، وإصدار فتوى تشوش النَّاس على بعضهم، وتحرِّضهم على سفك الدماء، وتحرِّضهم على التدمير؛ لأنَّ النَّاس إذا رأوا هذا المُقتدَى به يفتيهم؛ فإنهم يكونون على حال من الاطمئنان الشديد بأنَّ ماهُم فيه ما هو إلاَّ نوعٌ من أنواع الجهاد، وأنهم يتقربون إلى الله بهذا الذي هم فيه مفتونون، ولهذا جاء في الحديث أنَّ "مَن أفتى بفتوى على غير بصيرة فالإثم على من أفتى"، فإذا أفتيتَ إنسانًا بقتل إنسان فقَتَلَه فقد اشتركت في الإثم لأنَّك أنت الذي حرضته عليه، ولهذا أمر التحريض والسعي في الفتن ظاهرٌ جليٌ واضح. كثير من الناس يحرّض على الفتنة، ولذلك أحوال سنذكرها في الأخير بإذن الله –عزَّ وجل-.

الأمر الثاني في واقع النَّاس اليوم: هناك عدد غير قليل من النَّاس يحبون التغيير، يحبون أن يُغيَّر الحال، وأن يبدلوا الحال الموجود السائد إلى حال آخر، ولهذا يتغنون كثيرًا بالتغيير ويهتفون كثيرًا مشجعين على التغيير، لكنهم لا يتبصرون في ثلاثة أمور لا يكون التغيير مشروعًا إلا بها، فالتغيير إذا خلا مِن هذه الأمور الثلاثة فإنه لا يكون مشروعًا.

الأمر الأول: هل الوسائل المستخدمة في التغيير شرعية أو لا؟

الأمر الثاني: هل الراية المرفوعة لإيجاد التغيير إسلامية أو جاهلية؟

الأمر الثالث: هل عواقب التغيير مأمونة؟

هذه أمور ثلاثة، أهل البصيرة والعلم والعقل لا يدخلون في أمر التغيير إلاَّ مِن خلال تأملها، فإنْ سقط واحد منها؛ فالتغيير شر محض.

وأُعيدها مرة أخرى: نقول: التغيير لا يكون مشروعًا إلا إذا لاحظ مَن يريد التغيير أمورًا ثلاثة:

الأمر الأول: هل وسائل التغيير مشروعة، الوسائل التي تستخدمها في تغييرك مشروعة أو غير مشروعة؟

الأمر الثاني: الراية التي ترفعها ليجتمع الناس حولها فيُحدِثوا التغيير، هل هي راية إسلامية أو جاهلية؟

الأمر الثالث: إذا تأكدتَ مِن الأمرين معًا؛ هل تأملتَ في أمر العواقب للشروع في التغيير؟ هل عواقب هذا التغيير مأمونة أو غير مأمونة؟

نتأمل هذه الأمور الثلاثة مربوطة بالنصوص حتى نكون على بصيرة وعلى علم، لا نكون منساقين من خلال العواطف، فإن أمر العواطف سهل ميسور، لكن أمر العلم المربوط بالنصوص هذا هو الذي يكون الإنسانٌ فيه إذا لقي الله بإذنه ومنته تعالى على حال من الثقة والسلامة.

الأمر الأول في وسائل التغيير: التغيير ماذا يعني في الشرع؟

يعني باختصار شديد إنكار المنكر. التغيير شرعًا يعني: تغيير المنكر، والدليل على ذلك أنَّ النَّبي –صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ) وذلك يعني أنك إذا أردتَ أن تغير؛ فإنك تسلك المسلك الذي يجب أن يُسلَك في إنكار المنكر.

ولهذا جاء عنه عليه الصَّلاة والسَّلام كما في ابن ماجة في الحديث السابق في الصحيحين وفي ابن ماجة أخبر عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّه "مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَعَزُّ مِنْهُمْ وَأَمْنَعُ لَا يُغَيِّرُونَ إِلَّا عَمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ" منكرات ومعاصي، التغيير الشرعي يعني أن تُنكَر إما باليد وإما باللسان وإما بالقلب على حسب ما فصَّل النَّبي صلى الله عليه وسلم وبيّن أهل العلم. إذن فالتغيير الذي نسمعه كثيرا في وسائل الإعلام إذا كان تغييرًا حقًا يعني إنكار المنكر.

وعلى هذا يجب أن يُراعَى في التغيير جميع ما يُراعَى في إنكار المنكر مِن الشروط نفسها، والنظر في العواقب وأن يكون وفق درجات النهي عن المنكر الثلاث المعروفة.

أما إذا استُعملت وسائل للتغيير ليست مشروعة؛ فهذا التغيير في نفسه منكرٌ، وإن كان صاحبه يريد أن يغيِّر منكرًا، فلا يُغيَّر المنكر بمنكر، المنكر لا يُغيَّر إلا بالأسلوب الشرعي ولهذا ذكر أهل العلم في شروط تغيير المنكر:

أن لا يؤدي إنكار المنكر إلى منكرٍ أشدَّ منه؛ لأنَّه إذا أدّى إلى منكر أشد منه فذلك يعني أن تغييره سيُفاقمه، ستتفاقم الأمور، والمقصود بتغيير المنكر أن يزول أو يخف لا أن يزداد ويضطرم، فالحاصل أن أمر التغيير يجب أن يكون بالأسلوب الشرعي، فإن غُيّر بأسلوب غير شرعي فذلك التغيير منكر، ولهذا روى الآجري أن الحسن البصري –رحمه الله- قيل له: خرج خارجيّ بالخُريبة -وهي محلة في البصرة- فقال –رضي الله عنه: "المسكين رأى منكراً فأنكره، فوقع فيما هو أنكر منه".

هذا الخارجي رأى منكرات، فأتى إلى هذه المنكرات ليغيرها، وربما كان قصده طيبًا صالحًا، لكن لا بد أن تكون وسيلة التغيير شرعية، وإلا فقد توجد نوايا طيبة ومقاصد صحيحة وسليمة لأناس يريدون أن يزيلوا هذا المنكر، فيُقال: لا تزيلوه إلا بالأسلوب الشرعي. ولهذا قال الحسن –رحمه الله-في هذا الخارجي: (مسكين) وذلك يدل على ضعف عقل هذا الخارجي، كما قال عليه الصلاة والسلام فيهم (حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ) رأى منكرًا فوقع فيما هو أنكر منه.

ثانيًا: راية التغيير التي تُرفع، ما هي؟ هل هي إسلامية على منهج محمد -صلى الله عليه وسلم- وعلى منهج أصحابه وسلف الأمة؟ أم هي راية جاهلية؟

إذا كانت الراية التي تُرفع ليجتمع الناس عليها ليست راية الإسلام؛ فهي باختصار شديد راية جاهلية أيًا كانت هذه الدعوة، وإلى أي شيء انتمت، وإلى أي وجهة اعتزى أصحابها، لا تكون راية إسلامية إلا في حال اتباع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وصحبه والسلف، فإن كان الأمر على خلاف ذلك فهي جاهلية وإن رغم أنف مَن لا يريد، لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في كتاب الإمارة (مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِلْعَصَبَةِ وَيُقَاتِلُ لِلْعَصَبَةِ فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي) هذه الراية العِمّية، وفي لفظ -عياذًا بالله-: (فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ) يعني أنه إذا قُتل؛ فليس في سبيل الله وإنما قُتل قِتلةً جاهلية -نسأل الله العافية والسلامة-.

ما معنى الراية العمية؟ العمية كما في النهاية لأبن الأثير: مِن العَمَاء وهي الضلالة، كالقتال في العصبية والأهواء.

واقع الفتن ما هو اليوم؟

الرايات المرفوعة في كثير من الأحيان لا ذِكْر فيها للإسلام أصلًا، لا يُذكر الإسلام نهائيًا في رايات التغيير في كثير من الأحيان.

الأمر الآخر: الأهداف المُعلَنة لا الخفية، الأهداف المعلنة التي يصرّح بها كثير ممن يريدون التغيير لا تتحدث عن إقامة دين الله، ولا عن إحقاق حقّ وفق شرع الله، أو إبطال باطل أبطلته النصوص، بل تركِّز في كثير من الأحيان على أمور دنيوية محضة، وكأنّا سبحان الله كأنّا لم نُخلَق إلا للدنيا، وكأن منكَر الدين أمر يُرمى به خلف الظهور، وإنما ينظر إلى أمر المآكل والمشارب فقط، أما أمر الدين وما يُعصى الله –عز وجل- به ويُجاهر ليلاً ونهارًا، سرًا وجهارًا، فهذا لا يحرك في كثير منهم ساكنًا، ولهذا لا يتحدثون عنه لا في أهداف خفية بل والله في مُعلنة، ماذا تريدون من التغيير؟ استمع إلى ما يقولون في التغيير، ولا أعمّم، لا شك أني لا أعمّم، ولذا فأنا ملازم لكلمة: (كثير من الأحيان) وملازم لكلمة: (كثيرين من الناس) حتى لا أعمّم الكلام، وعلى هذا فمَن رفع مثل هذه الرايات فقد رفع راية جاهلية، لا يجوز أن يدعو إليها مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر فضلًا عن أن يقاتل ويناضل ويجاهد في زعمه في سبيل الله.

وها هنا أمر مهم جدًا في التغيير: في كثير من الأحيان يطالب الناس بتعيين (فلان)، وتمليك (فلان)، وأن يتولى زمام الأمور (فلان)، ويُزهقون أرواحهم ليكون هو الحاكم دون غيره، واعلم أن هذا ليس مقصدًا مشروعًا أبدًا، لأن الواجب أن يُطلَب تحقيق أمر الله، لا أن يكون المُلك لفلان أو فلان. إذا كان المقصود أن يُزاح (فلان) ويأتي (فلان) فقط؛ فلا شك أنَّ هذا ليس في سبيل الله، لأنَّ الذي في سبيل الله قد بيَّنه النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ: (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).

ولنتأمل يا عباد الله هذا الحديث العظيم الصحيح الذي أتمنى أن يُنشر في أمّة الإسلام اليوم، وأن يُترجَم لمن لا يعرف العربية، حديث صحيح رواه النسائي وغيره، روى النسائي -رحمه الله- في (تعظيم الدم) من كتاب السنن حديث ابن مسعود –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يَجِيءُ الرَّجُلُ آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ –يعني في القيامة- فَيَقُولُ: يَا رَبِّ هَذَا قَتَلَنِي. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: لِمَ قَتَلْتَهُ؟ فَيَقُولُ: قَتَلْتُهُ لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لَكَ –يعني لله في سبيل الله-. فَيَقُولُ: فَإِنَّهَا لِي. وَيَجِيءُ الرَّجُلُ آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا قَتَلَنِي. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: لِمَ قَتَلْتَهُ؟ فَيَقُولُ: لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لِفُلَانٍ. فَيَقُولُ –سبحانه وبحمده-: إِنَّهَا لَيْسَتْ لِفُلَانٍ. فَيَبُوءُ بِإِثْمِهِ) نسأل الله العافية والسلامة.

لأن من قاتل ليكون الحاكم فلانًا ولتكون العزة له فليست العزة إلا لله، ولا يجوز أن يكون هذا هدفًا، بينما الأول قاتل، قال: لتكون العزة لك يعني: قاتلتُ لتكون كلمتك هي العليا.

أما الثاني: فقال لتكون العزة ولتكون الغلبة لفلان. ولهذا روى النسائي هذا الحديث عن جندب بلفظ: (قَتَلْتُهُ عَلَى مُلْكِ فُلَانٍ) يعني: حتى يكون فلان هو الذي يتولى. قال جندب -بعد أن روى الحديث-: "فَاتَّقِهَا" يعني: اتقِ أن تدخل في حرب تُزهق نفسك أو نفس غيرك لأجل أن يكون فلان هو الحاكم.

الأمر الثالث: إذا تأكدتَ من الأمرين السابقين، وصارت الراية إسلامية، وكان الغرض منها وجه الله عز وجل، واستعملتَ الوسائل الشرعية للتغيير، فلا بُد من مراعاة أمر ثالث: هل عواقب التغيير مأمونة؟

تقدمت النقول عن السلف في التروّي والتثبت في الفتنة، وأذكر بيانًا لكون كثيرين لا يتروّون في الفتن ما يأتي، حتى تعرف أن هناك مَن يدخل في الفتن ولا ينظر في عواقب التغيير: أنّ كثيرًا ممن يدخلون في الفتن إنما يدخلون فيها من باب ردة الفعل، لإزالة الظلم بتبنّي مفاهيم متحررة، وكأن الشرع لا وسط فيه، فبعد أن يظلمهم الحاكم ويتسلط عليهم سجنا وتعذيبا وإزهاقا للأرواح وأخذا للمال وسفكا للدماء، ينتقلون إلى طرف مقابل، فيُطالبون بحريّة مطلقة، لماذا؟ ليزول الظلم، سبحان الله!

كأنّ الشرع لا وسط فيه؟ إمّا ظلم محض، وإمّا فوضى الغرب! لا يوجد وسط في الشرع يُزال به الظلم وتُنهى به البهيمية المسماة بالحرية، فلهذا تُرفَع في كثير من الأحيان رايات الحرية المطلقة، وأنّ المقصود أن يكون الجميع أحرارًا، في ماذا؟ في كلّ شيء، مَن؟ الجميع بدون استثناء، والله ليس هذا مِن شرع الله، لا في قليل ولا كثير، بل الأمر في التغيير يجب أن يكون على وفق الشرع، لا بأن يُفتَح الباب على المسلمين ليكونوا كالهمل الهمج في الغرب وغيره، الذين يعدّون الفوضى في الأعراض والفوضى في الاعتقادات حرية، لا والله، ليست هذه حرية، وليس هذا أسلوبًا يزيل الظلم، وردة الفعل الحمقاء ليست هي الطريق لإزالة الباطل، بل الباطل سواء صدر من حاكم أو غيره له أسلوبه الشرعي لإزالته أو تخفيفه، وليس الأسلوب الصحيح له أن نتجه وُجهة مقابلة، فنطلب لنزيل الظلم أن تُفتَح الأبواب على مصارعها للفوضى، هذا هو الأمر الأولّ الدال على عدم تروّي الكثيرين وعدم نظرهم في: هل عواقب التغيير مأمونة أم لا.

الأمر الثاني: كثير من الناس يريدون التغيير نعم، لكن لا يتفطنون في العواقب التي يمكن أن تنشأ لو انفلت الأمن.

هناك أناس كثيرون لا يردعهم خوف من الله، ولا يتقونه سبحانه وتعالى، هم في غاية التربص والانتظار لأي انفلات أو فوضى، ليهجموا سرقةً وسفكا لدماءٍ بينهم وبين أناس بينهم ثارات قديمة، وبعضٌ منهم يريد –والعياذ بالله- الأعراض والنساء، فإذا انفلت الأمر انفتحت الأبواب الواسعة لهؤلاء المفسدين في الأرض، لينهبوا وليقتلوا مَن شاؤوا، وليتعرّضوا للمحارم، فكثير ممن يطلب التغيير لا يريد هذا وليس لِصّا، وليس زانيا مجرمًا، لكنه يريد التغيير، ولا يتفطن إلى أنّ هذا التغيير المتعجرف البعيد عن منهج الشرع يمكن أن يفتح لهؤلاء المفسدين الباب، ثم إنه -والعياذ بالله- قد يُفتَح ولا يُغلَق، هؤلاء المجرمون الذين لا يخشون الله قد ينطلقون ويسبّبون زعزعة حقيقية يعجز العقلاء لاحقًا عن أن يردعوهم، لأنهم أهل فوضى وأهل شهوات وانفتح لهم الباب، فقد يعجز الناس عنهم، وفي بعض البلدان انفلت الأمن الآن مِن عشرين سنة، وظل الوضع على ما هو عليه، لا يستطيع كثير منهم أن تمر به ليال متوالية قد نام فيها قرير العين، بسبب تغيير هائج سريع أدى إلى انفلات الأمور وضياع الهيبة، مما أدى إلى دخول هؤلاء المفسدين في أرض الله إلى المحارم والأموال وإلى الدماء، ولهذا كثُر مَن يتشردون مِن بلدانهم بعد أن كانوا في بلدانهم آمنين مطمئنين، تشردوا، وصاروا في حال يُرثَى لها، ولهذا كثيرون يتذكرون ما كانوا عليه قبل أن تدبّ الفتن فيهم فيقولون: ألا ما أحلى الحال السابق الذي كنا فيه، كنا في حال فيه منكرات، وفيه بلايا، لكن بعد أن حصلت الفرقة وحصلت الفوضى صرنا في حال أسوأ بكثير منه.

ولهذا ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه كما روى الآجريّ في الشريعة أنه قال: "ما تكرهون في الجماعة خيرٌ ممّا تحبون في الفُرقة". ما تكرهون في الجماعة: يعني مِن وقوع بعض المنكرات، هو خيرٌ مما تتخيلون أنه سيكون لكم لو وقعت فرقة.

من الأمور وهو الأمر الثالث الدال على عدم نظر كثيرين للعواقب:

أنّ كثيرين ممن يتحدثون لإذكاء الفتنة إنما يحملهم على التحدث أنهم بعيدون عن المكان الذي وقعت فيه الفتنة، فهم غير متضررين، بل يتفرجون من وراء الشاشات مئات الأميال أو آلاف الأميال، يتفرجون على الناس وهم بعيدون. هو بعيد، وأسرته بعيدة، وقرابته بعيدة، فهو يُذْكِي هذه النار وكأن لسان حاله يقول: (أنا غير متضرر)، ولهذا لو أن لأحدهم أسرة في تلك البلاد وسمِع صوت عاقل يدعو إلى التؤدة والتأني لجزَّاه خيرًا، وقال: (هذا صوت العقل، وهذا والله هو الحق، ونحن ينبغي أن نكون إخوة وأن نكون متحابين)، هكذا يقول، لأن النار ستصل إلى أهله، أما إذا كان بعيدًا فإنه يحرّض، ولهذا ينبغي للمسلمين أن يتعقلوا مِن هؤلاء الذين يطلون عليهم مِن شاشات بعيدة في أوروبا وأمريكا وفي غيرها يحرّضونهم على الفوضى، فنقول: نحلف بالله غير حانثين لو أنهم في حمأة هذه الفتنة، اصطلوا بنارها، وقُتل لهم مَن قتل، وباتوا لا يستطيعون أن يهجعوا، لالتمسوا أسباب السلامة والخلاص، لكنهم يتفرجون وليس في قلوبهم ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) لا يشعرون بهذا، يتفرجون على إخوانهم يُقتَّلون، وينفلت الأمن وهم يصفقون ويشجعون، عليهم مِن الله ما يستحقون.

الأمر الرابع الذي يدل على عدم التبصر: أن كثيرين لا ينتبهون إلى استغلال العدو المجرم الكافر للفتن، وتحريكها داخل بلاد المسلمين، إما لإضعاف الأمة ونشر الفوضى والرعب فيها، أو ليتقدم عارضًا مبدأه، وكأنه ينتشلنا ويحلّ مشاكلنا، ويسوِّق لمبدئه الضال، ويقول: (عندي ما يخلّصكم ويجمعكم، ألا فخذوا مبادئي، وعليكم بما بنيت عليه بلدي، ابنوا بلادكم على مثل ما بنيت عليه بلاد الفوضى في أوروبا وغيرها، تسلموا وتهدأ أحوالكم ويُسمَع لأصواتكم!)، فيسوّق مبادئه، والناس مِن شدة سعيهم في التخلص مِن الفوضى يرخون الآذان لمثل هذه الدعوات، ويقولون: (لو أنّا عملنا مثلما عملوا لهدأت بلادنا مثلما هدأت بلادهم)، فيجد العدو المتربص فرصة ليسوق مبدأه، ولهذا لا يُستبعَد أبدا أن تكون بعض الفتن التي تقع في بلاد المسلمين وراءها أعداؤهم، يريدون أن يقسروهم قسرًا على هذه المباديء، وهذا يدل كما قلت –وهو الرابع- على عدم نظر كثيرين في العواقب.

الأمر الخامس: جهل كثيرين ممن يتحدثون في هذه الفتن بأبعادها وأساساتها؛ فإن كثيرا من الناس في مجالسهم وغيرها إنما يردد ما يسمعه ويراه من تحليلات وسائل الإعلام، وليس على دراية لا شرعية، ولا على دراية بالواقع الذي يتحدث عنه، ومع ذلك يتبنى رأيا ويشجع جهة، وهو في الحقيقة لا علم شرعي عنده، ولا دراية دقيقة عنده بالأوضاع وماذا يمكن أن تصل بالناس في تلك البلاد الذين نساؤها أمهاته وأخواته وبناته، لا بد أن يشعر بهذا، ورجالها آباؤه وإخوانه وأبناؤه، إذا شعر بهذا لا يرخي أذنه لهؤلاء الذين يحرضون، وتكون وسائل الإعلام هي التي تجعل الناس يتبنون هذه الآراء لأنها تستجلب كثيرين ممن راياتهم على أسوأ ما يكون من الرايات، ودعواتهم على أسوأ ما يكون من الدعوات، ثم يبدؤون في طرح ما عندهم فيتبنى هذا كثير من الجُهال الذين لا يعرفون هذه المسائل التي دخلوا فيها.

الأمر السادس: عدم رد الأمور إلى مَن أمر الله أن تُرد إليهم، وهم مَن؟ أهل العلم.

قال الله عز وجل في محكم القرآن: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء : 83] لو رُد الأمر إلى أهل البصيرة والعلم، وإلى أهل الدراية والبصر الشرعي الذين ينظرون النظرة الشرعية لا النظرة العاطفية، ولا النظرة العلمانية والليبرالية أو النظرة الحاقدة المتربصة، ينظرون إليها نظر مَن ينظر إلى إخوانه نظر المشفق الراحم لهم، الذي كأنه في وسطهم، وإن كان بينه وبينهم آلاف الأميال، أهل العلم هكذا، إذا رُدت إليهم الأمور؛ علموها وبيّنوا حُكم الله فيها، لكن كثيرين لا يردونها إلى أهل العلم، ويردونها -كما قلت- إلى وسائل الإعلام فيتبنون ما فيها مِن تحريض وتشجيع على الفساد وعلى الظلم وعلى انتهاك الأحكام الشرعية، أنت إذا حرّضت إنسانًا على أخيه فقد اشتركت معه، وقد تقدَّم أنّ اللسان يفعل أكثر من السيف، فلنتق الله عز وجل ولنكن على بصيرة.

وختاما أقول: إن كثيرين اليوم يقرّرون كلامًا غير ما قررناه هنا، عاطفة هائجة، أو حقدا دفينا على شعوب معينة، يتمنون لها أن تكون في موضع الفُرجة في وسائل الإعلام، وأن تكون مِن ضمن ما يدخل في ألبومات التصوير للغرب وغيره، يضحكون بهم، ويستخفون بهم، ويقولون: (إنهم أمة فوضوية). نحن نعرف أن كثيرين لا يروق لهم هذا، ولكن نقول: إنّا قررنا ما قررته النصوص ومضى عليه السلف الصالح الذين ذكرنا جزءًا يسيرا قليلا من أقوالهم، فمن رأى أن منهج السلف الصالح غير مناسب للسياسة أوغيرها فما ذاك إلا لفساد اعتقاده هو، لا لأن منهج السلف فيه إشكال، وانحرافه المنهجي هذا حين لا يرضخ للحق هو مثل انحراف أهل البدع من الجمهية والمعتزلة مثلا حين يُقرَّر منهج السلف في أسماء الله وصفاته، وهو كغضب الرافضة حين يُقرر منهج أهل السنة فيما يتعلق بالصحابة، وكغضب المتميعين من الليبراليين وغيرهم حين يُعرَض منهج الحق في الجهاد في سبيل الله وفي أمر الولاء والبراء، ونحن ولله الحمد لا نلتمس رضاهم كلهم، ونسأل ربنا أن يجعلنا ممن يلتمس رضاه وحده وإن غضب كل أحد إلا أهل الحق فإن أهل الحق لا يغضبون، أما مَن كان ينظر: ماذا سيكون مِن آثار كلمتي هذه؟ لعلها تُغضِب وسيلة إعلامية، أو تُغضِب أناسا طائشين يحرضون على أن يكون النموذج الموجود مُعممًا في جميع البلاد فلا أرضاهم الله عنا إلى قيام الساعة، جَمَعَنا بهم تعالى ليحكم بيننا وهو خير الحاكمين، فإن هذا الأمر على خلاف منهج السلف الصالح رضي الله عنهم، ليعلم ذلك كثير من الناس الذين تحملهم الغيرة وحُب الخير وحُب أن يفشو المعروف ويزول المنكر، يعلم الله ذلك مِن سويداء قلوبهم، لكن علينا أن لا نكتفي بمجرد النية الطيبة، وعلينا أن نتعلم العلم الشرعي سواء في أمر التقرير في مثل هذه المسائل أو غيرها من الأمور حتى نكون على بصيرة، أما مَن كان غرضه أن يرضى عنه فلان أو فلان، أو تلك الوسيلة، فغرضه غرض دنيء وهو لا يقصد الله ولا الدار الآخرة، والواجب عليه أن يحرص على إرضاء الله عز وجل، فإن مَن التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومَن التمس رضا النا بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، والداهية الدهياء لا في سخط الناس ولكن في سخط الله عياذا بالله.

 

نسأل الله بأسمائه وصفاته أن يجعلنا وإياكم وسائر المسلمين ممن يستمعون الحق فيتبعونه، ولا يقدّمون عليه هوى، ونسأله تبارك وتعالى أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه. نسأله تعالى أن لا يجعله علينا مُلتبِسا فنضل، ونسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يرزقهم العود الحميد الصادق له تبارك وتعالى، وأن يجعل ما وقع لهم مِن هذه الكروب والمحن سببا في عودة رعيتهم ورُعاتهم جميعا إلى الله عز وجل، فإن الله تعالى يقول: "وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" فالواجب أن يتوب الرعاة والملوك والرؤساء توبة إلى الله صادقة، والواجب أن يتوب الرعية والناس توبة إلى الله صادقة، فإن الله سبحانه وتعالى يكون الناس عنده بأهون حال وأردأ حال إذا بارزوه بالعصيان، ولا يعبأ بهم سبحانه وتعالى كما في الحديث الصحيح في البخاري: (يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ وَيَبْقَى حُثالَةٌ كَحُثَالَةِ الشَّعِيرِ أَوْ التَّمْرِ لَا يُبَالِيهِمْ اللَّهُ بَالَةً) فإن الناس إذا لم يكترثوا بأمر الله فإن الله سبحانه لا يتكرث بهم ولا يرفع لهم سبحانه وتعالى راية.نسأل الله أن يجمعنا وإخواننا المسلمين على الهدى ويُحسِن لنا العاقبة والخاتمة، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبيينا محمد.