طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > التظاهر على الحاكم الظالم لعزله أو مطالبته بالحقوق (فؤاد أبو الغيث)

ملتقى الخطباء

(3٬309)
697

التظاهر على الحاكم الظالم لعزله أو مطالبته بالحقوق (فؤاد أبو الغيث)

1432/04/05
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

فؤاد أبو الغيث

 

الحمد لله ، لا إله إلا هو ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد فإن =
هذه مقالة تجيب على مسألتين:

الأولى: ما موقف المحكومين من ظلم الحاكم؟

والثانية: ما حكم التظاهر بغير عنف للمطالبة بخلع الحاكم أو بإقامة العدل وأداء الحقوق؟

أما ظلم الحاكم فهو نوعان: ظلم يوجب خلعه ، ولو بالقتال ، بشروط سيأتي ذكرها ، وهذا الظلم هو كفره أو منعه للصلاة أو إقراره للكفر البواح أو حكمه بغير ما أنزل الله حكمًا كليًا عامًا؛ فالحكم بغير ما أنزل حكمًا كليًا عامًا يوجب خلعه، وإن لم يستحله – على القول باشتراط الاستحلال للتكفير في هذه الحالة -؛ لأنه كفر بواح ، ولا يلزم من تعليق منازعته على رؤية الكفر البواح؛ أن يكون الكفر واقعًا عليه ، كما سبق بيان ذلك في مقال موقف المحكومين بالقانون الوضعي.

وظلم لا يوجب خلعه ، لكنه يجعله مستحقًا للعزل بغير قتال ، وهذا الظلم هو ما دون ما سبق من المعاصي؛ فينكر عليه ظلمه ومعصيته لله؛ فإن أصر؛ عمل على عزله بما يمكن دون القتال. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري – في شرح حديث البخاري عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – قال: (دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه ، فقال – فيما أخذ علينا -: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا ، وأثرة علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان) ووقع في رواية (إلا أن يكون معصية لله بواحًا) =: (والذي يظهر حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية؛ فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر ، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية؛ فإذا لم يقدح في الولاية؛ نازعه في المعصية؛ بأن ينكر عليه برفق ، ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف ، ومحل ذلك إذا كان قادرًا ، والله أعلم).

فالتظاهر بغير عنف للمطالبة بخلع الحاكم إذا كان ظالمًا ظلمًا يوجب خلعه = جائز؛ لأنه يشرع خلعه ، ولو بالقتال؛ فبغيره من باب أولى ، ولكن يشترط لذلك:

– أن يكون سبب التظاهر على خلعه: الظلم الموجب لذلك.- وأن يبين له ظلمه ، وتكشف شبهاته؛ فيصر…- وأن يغلب على الظن أن هذا التظاهر يؤدي إلى خلعه.- وأن يغلب على الظن أنه لا تترتب على هذا التظاهر مفسدة أكبر أو إراقة دماء كثيرة.- وأن لا يشتمل التظاهر على منكر؛ كاختلاط النساء بالرجال أو الغناء المحرم أو كلامٍ محرم أو عملٍ محرم…
وقد ذكر بعض الفضلاء أن التظاهر على الحاكم الظالم لعزله أو مطالبته بالحقوق محرم مطلقًا ، وإن كان سلميًا؛ لأنه بدعة محدثة لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا صحابته؛ مع إمكان فعله ، ووجود المقتضي له…

ولكن الظلم الذي يوجب الخلع لم يوجد في عهد السلف الصالح. وخلع الحاكم الذي يشرع خلعه معلق بالاستطاعة ، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فلا يتقيد طريقه. والله أعلم.
وإنما يقال هذا في التظاهر بغير عنف لمطالبة الحاكم بإقامة العدل وأداء الحقوق؛ فقد وجد المقتضي له ، ولم يفعله السلف الصالح ، وإن فعل بعضهم مجتهدين ما هو أعظم من التظاهر بغير عنف ، وهو الخروج بالسلاح؛ ظنًا منهم أن المصلحة في ذلك أعظم من المفسدة؛ فتبين أن الأمر بخلاف ما ظنوا؛ ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيكون أمراء ظلمة؛ يؤخرون الصلاة ، ويأتون شيئًا من معصية الله ، وأمورًا منكرة ، ويمنعون الحقوق ، ويستأثرون بالأموال ، ونهى مع ذلك عن منازعتهم في ولاية الأمر ، وأمر بالصبر عليهم ، وأن لا تنزع اليد من طاعتهم ، وقال: (أدوا إليهم حقهم ، وسلوا الله حقكم)…

وتقدير العدل والحقوق قد يختلف ، ولو جاز التظاهر للمطالبة بإقامة العدل وأداء الحقوق؛ لكان ذلك مدعاة إلى إنشاء الأحزاب المخالفة للسنة والجماعة ، والتداعي إليها ، ولتظاهر كل حزب للمطالبة بما يراه عدلاً وحقًا ، وبذلك تفسد الأحوال ، ويسود الاضطراب…

ولا يؤمن أن يؤول التظاهر إلى استعمال العنف؛ لأنه لا يخلو أن يكون بين المتظاهرين من لا يملك نفسه ، كما أنه لا يؤمن أن يدخل فيهم من في قلبه مرض، ومن يريد الفساد…
ومنع هذه الوسيلة من وسائل الإنكار على الحكام الظلمة ومطالبتهم بالعدل؛ لا يعني منع الإنكار عليهم ومطالبتهم بإقامة العدل وأداء الحقوق مطلقًا؛ فإنه يمكن التوصل إلى ذلك بدون حصول المفاسد الواردة في التظاهر ، وذلك بالدخول عليهم ومناصحتهم مباشرة أو عن طريق من يدخل عليهم أو بالكتابة إليهم ، والامتناع عن معاونتهم على ظلمهم؛ بأن يأبى المرء أن يستعمله الحاكم في ظلم الناس ، ونحو ذلك…

كما أن الأمر بالصبر على ظلمهم ، والنهي عن الخروج عليهم؛ لا يعني طاعتهم في ظلمهم ، وترك مدافعتهم؛ إذا اعتدوا على العرض أو المال ، كما فهم أبو محمد ابن حزم حيث قال في الفصل في الملل والأهواء والنحل (5 / 28): (ويقال لهم ما تقولون في سلطان جعل اليهود أصحاب أمره ، والنصارى جنده ، وألزم المسلمين الجزية ، وحمل السيف على أطفال المسلمين ، وأباح المسلمات للزنا ، وحمل السيف على كل من وجد من المسلمين ، وملك نساءهم وأطفالهم ، وأعلن العبث بهم ، وهو في كل ذلك مقر بالإسلام ، معلنًا به ، لا يدع الصلاة؛ فإن قالوا: لا يجوز القيام عليه… قيل لهم: إنه لا يدع مسلمًا إلا قتله جملة ، وهذا إن ترك أوجب ضرورة إلا يبقى إلا هو وحده ، وأهل الكفر معه؛ فإن أجازوا الصبر على هذا؛ خالفوا الإسلام جملة ، وانسلخوا منه ، وإن قالوا: بل يقام عليه ، ويقاتل ، وهو قولهم؛ قلنا لهم: فإن قتل تسعة أعشار المسلمين أو جميعهم إلا واحدًا منهم ، وسبى من نسائهم كذلك ، وأخذ من أموالهم كذلك؛ فإن منعوا من القيام عليه؛ تناقضوا ، وإن أوجبوا؛ سألناهم عن أقل من ذلك ، ولا نزال نحيطهم إلى أن نقف بهم على قتل مسلم واحد أو على امرأة واحدة أو على أخذ مال أو على انتهاك بشرة بظلم؛ فإن فرقوا بين شيء من ذلك؛ تناقضوا ، وتحكموا بلا دليل ، وهذا ما لا يجوز ، وإن أوجبوا إنكار كل ذلك؛ رجعوا إلى الحق.

ونسألهم عمن غصب سلطانه الجائر الفاجر زوجته وابنته وابنه ليفسق بهم أو ليفسق به بنفسه؛ أهو في سعة من إسلام نفسه ، وامرأته وولده وابنته للفاحشة ، أم فرض عليه أن يدفع من أراد ذلك منهم؟!

فإن قالوا: فرض عليه إسلام نفسه وأهله؛ أتوا بعظيمة لا يقولها مسلم.

وإن قالوا: بل فرض عليه أن يمتنع من ذلك ويقاتل؛ رجعوا إلى الحق ، ولزم ذلك كل مسلم في كل مسلم، وفي المال كذلك). انتهى كلامه.

فالمقصود بالصبر ترك الخروج العام بالسلاح ، وبالطاعة الطاعة في المعروف لا في الظلم ، وقد علل أهل السنة والجماعة الأمر بالصبر على جور الأئمة ، والنهي عن الخروج عليهم؛ بأن مفسدة الخروج عليهم أعظم من مصلحته ، وهذا أصل، شهدت له أخبار التاريخ؛ فأكثر من خرج على ذوي السلطان تولد على فعلهم من الشر أعظم مما تولد من الخير ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (4/313)؛ فإذا تحقق أن المصلحة أعظم ، كما في المثال الذي أورده أبو محمد في مقدمة كلامه؛ لم يمنع الخروج بالسلاح؛ فالتفريق بين هذا المثال والمثال الذي وقف عليه في آخر كلامه مبني على هذا الأصل ، وليس تحكما بلا دليل كما قال عفا الله عنه.

والله أعلم.

 

 

 

المصدر: مدونة فؤاد بن أبي الغيث