طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > السعودية والأحداث الراهنة ( للعقلاء فقط ) الدكتور محسن العواجي

ملتقى الخطباء

(2٬068)
694

السعودية والأحداث الراهنة ( للعقلاء فقط ) الدكتور محسن العواجي

1432/04/05
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

بقلم : الدكتور محسن العواجي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله القائل ( أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم ) ، والصلاة والسلام على حبيبنا القائل ( من بات آمنا في سربه ، معافى في بدنه ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها…) وبعد
فإن سنن الله ماضية، والأقدار جارية، وليس التزلف من الأمة حصانة للحاكم منها ولا التذمر منه جالبا لها، بل الحكمة ضالة المؤمن في كل حركاته وسكناته، عندما نعيش أحداثا بهذا الحجم، وتقلبات تتسارع بهذه الوتيرة، فلا بد ونحن نحتفل بخلاص إخواننا ممن ظلمهم، أن نستفيد مما يدور حولنا و نستحضر العقل في قراءة الحدث والعبرة منه، فنحن بلا شك جزء لا يتجزأ من العالم، وحرمان الأمة إلى الأبد من حقوقها تصرف لا تقره شرائع السماء ولا قوانين الأرض، وبلا أدنى شك من حقنا المطالبة بكل حق مشروع على المستويين الفردي والجماعي، من حقنا أن نعيش كما يعيش البشر من الشرق للغرب، ومن القطب للقطب، من حقنا ألا نرضى إلا بحكم الله العادل في كل صغيرة وكبيرة، من حقنا أن نحتسب على الحاكم بكل ما نراه مخالفاً بقدر الاستطاعة، إنه محض النصيحة، فلا خير فينا إلم نقلها، ولا خير فيهم إلم يسمعوها، ومن حقنا على الحاكم أن يحترمنا كما نحترمه، ويسمع لمطالبنا المشروعة دون تسويف، ويحكم بيننا بالعدل ويعاملنا بالإحسان.

ومن حقه علينا السمع والطاعة بالمعروف، فالأمر عقد ثنائي، فيه حقوق كل طرف واجبات على الآخر، هذه حقوق مشروعة واجبة الأداء فورا، لا منة فيها لأحد من المخلوقين على أحد، ولكن ونحن نتعاطى مع هذه العبر، يجب ألا تأخذنا سكرة العاطفة مع فوران الأحداث فنذهب بعيدا عن حسابات العقل السليم ، علينا أن نتذكر أمورا يحب وضعها نصب أعيننا من منطلق شرعي مصلحي دنيوي أخروي، وفي مقدمتها :

1- المملكة العربية السعودية هي بلادنا، وبيتنا، ومستقرنا، وأمنها واستقرارها فوق تطلعاتنا كشعب، وفوق تطلعات الأسرة الحاكمة أيضا، فهي بلد الجميع وقد خصها الله بأشياء وإلم تكن عائقا دون المطالبة بالحقوق المشروعة، لكنها تعطي هذا لبلد استثناء خاصا في غاية الحساسية، وذلك بتركيبته القبلية المتأصلة، والطائفية، والمناطقية، عوائق وحدة لم يتحقق صهرها في إطار وطني متين، يجعل الولاء بعد الدين للوطن، فوق الولاء للقبيلة، أوالطائفة أوالمذهب أوالإقليم، هذا مع غياب الدستور والمجالس النيابية والمؤسسات الأهلية والنقابات، ووجود أكثر من ثمانية ملايين ضيف من جنسيات أخرى لا نعلم ماذا يضمر بعضهم في الشدائد، يبقى مجتمعنا متماسكاً في الوضع الطبيعي، لكنه قابل للتأثر بهذه المفرقات عند أدنى خلل لاسمح الله، ألا فلنكن في يقظة من أمرنا مهما اختلفنا فيما بيننا، فكم من متربص يريد تفتيت بلادنا وتمزيقها، مما يوجب علينا الجمع بين الحفاظ عليه و الجدية في إصلاحه وصلاحه، ليس فقط لارتباطه بمشاعر السعوديين ومصالحهم، بل لارتباط كل مسلم ومسلمة في العالم وجدانيا بهذه البلاد، وشعوره بالأمان حيث كان يوم أن يستتب الأمن في قبلة المسلمين، لا ننسى موقف الشعب الباكستاني عام 1400هـ عندما اقتحم وأحرق سفارة أمريكا لمجرد أنه سمع بعدوان على الحرم المكي ظنا منه أنهم وراءه، وعليه فالخطوات والتحركات والتفكير والاستفادة من تجارب الآخرين أمر محمود، لكن يحب أن يكون منطلقاً من هذا الإطار الموضعي، لا أن يكون موجهاً عاطفياً من وسائل الإعلام وحدها.

2- رغم مواصلة الشكوى و رفع المطالبات المشروعة بين الفينة والأخرى، يبقى الأمن واللحمة الوطنية وتماسك المجتمع، هو أغلى ما نملكه في بلادنا بعد انتمائنا الإسلامي، هذا الأمن الذي من أجله وحد آباؤنا بقيادة الملك عبد العزيز رحمهم الله جميعا هذه القارة المترامية الأطراف، ومن أجله سهر أبناؤهم من رجال الأمن، من مختلف الرتب والقبائل، حرصاً على أمننا وسعادتنا وأمن أبنائنا وبناتنا وأحوالنا وأموالنا، وأن نذهب إلى أقاصي الأرض لمؤتمراتنا وسياحتنا وزياراتنا تاركين أطفالنا يروحون ويغدون إلى مدارسهم آمنين مطمئنين، له أمر يوجب شكر الله والحفاظ عليه بكل وسيلة.

3- مع التسليم بأنه لا أحد مستثنى من أقدار الله وسننه، إلا إن ما يحدث في أي بلد ليس بالضرورة أن يتم استنساخه كما هو وتطبيقه في بلد آخر، خاصة عندما لاحظنا عوائق التواجد القبلي التي ظهرت جلياً في حجم التضحيات التي حدثت حيث يكون للقبيلة أثر في ليبيا واليمن، مقارنة بمصر وتونس يوم أن غابت القبيلة أو قل أثرها، وبالتالي فالمطلوب شرعاً وعرفاً وعقلاً التحرك بالاتجاه الصحيح السليم الذي تتحقق فيه المصالح وتدرأ فيه المفاسد، ويحافظ فيه على الممتلكات وأعظمها أمن المجتمع ووحدته وتماسكه.

4- من جهة أخرى لا يعني أن هذا تخدير أو تثبيط للمحتسبين أو أنه مبرر للحاكم أن يتصرف كيفما يشاء في شأن الأمة دون النصح لها، فنظرية البائس القذافي ( إما أنا بتسلطي أو الطوفان) جنون سياسي مرفوض، غير أنه مثل حالة القذافي لربما أن أي طوفان أخف وأسهل من كابوس القذافي وماولد من فاجر مجرم، ولربما يجد كل عاقل ألف مبرر لقبول ما يحدث في ليبيا مهما كانت التضحيات، كان الله في عون المظلومين فيها، أما المملكة فليست ليبيا ولا تونس، جغرافياً ولا ديموغرافياً، دون أن نتجاهل ما وقع فيها من الأخطاء التي كانت ولا تزال محل شد وجذب بين المطالبين بالاصلاح، و بين حكامنا على مدى العقدين الماضيين، وكما طلبنا من المواطن أن يكون موقفه سليماً في النوازل، نطلب من الحاكم أيضا أن يتقي الله في شعبه، وليحمدوا ربهم أن شعبهم رغم معاناته التي لا تخفى من قصور في بعض الخدمات وبطالة وطبقية وفقر وعدم وجود قنوات تمثيل نيابي، إلا أننا رأينا كيف يظهر معدن الشعب الطيب عندما تستقبل فئة منه قادتها بالزهور والهتافات، في الوقت الذي يرجم غيرهم صور حكامهم بالنعل والحجارة كما نشاهد ذلك في التلفاز، فيا أيها الحكام السعوديون : شعب بهذه الطيبة والوفاء معكم والصبر، ألا يستحق منكم أن تنصتوا له وتلبوا طلباته وتردوا عليه تحية الحسنى بأحسن منها أو مثلها؟.

5- هناك توجس خفي بين جهتين لا ينكره إلا مكابر، جهة رسمية تراقب مايحدث لمثيلاتها هنا وهناك، وتمضى وقتها تفكر في كيفية العلاج فيما لو انتقلت العدوى دون أن تأخذ بأسباب الوقاية منه، خاصة بعد أن تبين أن الاعتماد على الغرب ليس خياراً لعاقل، و جهة شعبية متعطشة لإصلاحات تأخرت كثيرا، يختلفون ما بين مطالب بحق لا يدري كيف يصل إليه، وآخر يدري ولما يمكن من المشاركة فيه، وثالث متربص قد يندس بين الصفوف، ليوجه التفكير إلى عمل، والعمل إلى عنف، والعنف إلى فتنة، هذا لايعني أبدا حرمان الناس من حقوقهم، ولا من الوسائل المشروعة لتحقيقها دون إضرار بوحدة المجتمع و سلامته وتماسكه .

6- يجب على أصحاب المطامع الشخصية إعادة حساباتهم من جديد، فالساحة للصادقين فقط ، والحراك الأخير في بلاد المغرب العربي قلب موازين المنطق السائد قبله، فهذه الحركات المباركة أثبتت أن هناك نمطا جديدا وحضاريا، ألا تراهم ينادون بتشكيل حكومات انتقاليه، ومن ثم حكومة منتخبة من الشعب، إذاً فلا مكان للانتهازيين أوالذين يزكون أنفسهم، ولا مجال للذين يقفزون على المراحل ويتجاهلون الحقيقة.

7- ثبت من التجربتين التونسية والمصرية أن الانتماء الوطني أقوى بكثير من الانتماء الحزبي والطائفي، والتيار الوطني المؤثر هو تيار الكرامة والعدالة والحرية، وهو حزب الأمة الحقيقي، و هو سر نجاح الحراك، والشعور الجماعي بالحفاظ على الوطن وكأنه ملك شخصي لكل فرد من أبنائه هو لب المواطنة الحقة، الأمر الذي نفتقره في بلادنا مع كل أسف، فآصرة القبيلة والطائفة والمذهب ذهبت بنا كل مذهب، وقد آن الأوان لنمط جديد من التعايش ونبذ الخلاف والتعصب والإقصائية والاستجابة لدرجة أكبر من التسامح الذي يجمعه إطار الوطن، وحسابنا في النهاية عند الله وحده.

8- البيان واجب لا يجوز تأخيره عن وقته، وهو في مثل هذه النوازل أوجب، ليس بالضرورة أن يحظى بإجماع القراء الكرام ولكنه قناعة دافعها الغيرة والمسئولية ولا يتعارض هذا مع كل موقف سبقه و كل مطلب تم تقديمه، أو سيتقدم به الناصحون من أبناء هذه البلاد، حتى لو لم يرحب به من قبل الدولة ما دام أنه واضح ومشروع، و ينادى به بطريقة سلمية، فلا نعتمد على موقف اندفاعي أو شخصي فردي أو جماعي لرسم استراتيجات حساسة، كما لا نجامل الدولة في التأكيد على أنها بحاجة الى إعادة نظر جذرية في أسلوب تعاملها مع شعب هذه طيبته وهذه أخلاقه ووفاؤه وغيرته على أمن بلاده وأمانها، وتقديره لحكامها رغم ما يعانيه ويشتكي منه.

9- يجب ألا نغفل الجانب الرباني في تقدير الأمور وسيرها، والخيرة دايما فيما يختاره الله ولنا الأخذ بالأسباب مع التضرع والاستخارة، ولربما يظهر لنا أمور قد يكون الخير في غيرها، ولذا ظاهر الأمر في صلح الحديبة لم يستسغه غالبية الصحابة وهو يختلف عن باطنه الذي كان خيرا للإسلام والمسلمين، كما ان الوحي الرباني يأمر أحيانا بكف اليد، ويأمر بالقتال أحيانا، وهنا تأتي أهمة التحاكم للشرع، والسمع والطاعة له، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها.

10- أخيرا نواصل الدعوة الواجبة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، الأمر بالمعروف واجب كل قادر بكل ما يستطيع بالطرق السلمية المشروعة وكل خطاب إصلاحي تم تقديمه للسطلة فهو أمر بالمعروف وحق مشروع ويجب أن ينصت له الحاكم، خاصة عندما يحتوي ضمنا الإقرار بالمشروعية لمجرد توجيهه لقمة هرم السلطة، وكونه حضاريا سلميا لا عنف فيه، لكن بالمقابل أية فتنة تهدد تماسك المجتع أو أمنه واستقراره، أو يكون فيها إهدار للحقوق والنفوس والممتلكات، سيكون كل منا جنديا في كتيبة واحدة هي كتيبة المملكة العربية السعودية للوقوف بوجه كل متربص ورد كل صائل كائنا من كان، ويغنينا عن كل هذا السجال والتوجس والحذر، مصالحة وطنية عاجلة، تجب كل ما قبلها من الأحزان، وتقطع الطريق على كل متربص، فنحن مجتمع لا تنقصه الشهامة المشتركة، عندما يؤمن كل منا بحقوق الآخر المشروعة ويمكنه منها، ويسود العدل وتؤدى الأمانات لى أهلها، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، وأصلحنا واصلح ولاة أمورنا واحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من الظلم والفتن يا سميع الدعاء.

 

 

 

المصدر: موقع الدكتور محسن العواجي