طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > أيها المرابطون على الثغور : اتقوا الله واصبروا , وأروا الله من أنفسكم خيرا تُفلحوا (سليمان بن أحمد الدويش)

ملتقى الخطباء

(5٬330)
653

أيها المرابطون على الثغور : اتقوا الله واصبروا , وأروا الله من أنفسكم خيرا تُفلحوا (سليمان بن أحمد الدويش)

1430/12/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

الشيخ سليمان بن أحمد الدويش

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :

فقد جاء في الأثر ( ما منكم من أحدٍ إلا وهو على ثغر من ثغور الإسلام فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبله ) , ومعلوم أن ثغور المسلمين تتفاوت من حيث الأهمية والأثر , فليست عواصم الإسلام كالقرى , وليست مراكز القيادة , كالأطراف والنواحي .

ومن هنا فإن بلادنا – حرسها الله بالإسلام – تتصدر أعظم المنازل في أهميتها , وتمتلك أصعب الأرقام في مكانتها , فمنها انطلقت رسالة الإسلام , وفيها نزل أعظم الكتب , وعليها درجت قدما أشرف نبي , وأعظم رجل عرفته البشرية صلى الله عليه وسلم , وبين جنباتها أطهر البقاع , وأحبها إلى الله , وإليها يتجه المسلمون في صلواتهم وأفئدتهم , حيث قبلتهم , وبيت الله العتيق , ومسجد نبيهم صلى الله عليه وسلم ومهاجره , ومن فوق جبالها , وعلى هضابها , وبين وديانها , صدع البشير والنذير بالتوحيد الخالص , وأعلن البراءة من الشرك الخالص , والمشركين وما كانوا يعبدون , براءة حقيقية غير مزيَّفة , براءة من المشركين الذين يعبدون الأصنام والمخلوقات من دون الله تعالى , مهما كان نوع هذه الأصنام , ومهما كانت منزلة تلك المخلوقات , براءة ليست كبراءة الرافضة الأنجاس الأرجاس , الذين يريدون تحويل المشاعر والشعائر , لمزايدات سياسية , ومهاترات وإلحاد وظلم , وأن يكون الحج الذي تتجلى فيه أعظم صور التوحيد الخالص , محطة للفوضى والعبثية , وذلك تحت مسمى البراءة من المشركين , وأي شيءٍ المشركون إن لم يكونوا من يدعو من دون الله غيره , ويستغيث به , ويطلب منه المدد , وقضاء الحاجة , وتفريج الكربة , ولكن ( ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور ) .

والثغر الذي يحرسه المرابطون على حدود هذه البلاد , هو أعظم ثغر يجب الحفاظ عليه , والقيام بحمايته , لأنه متعلق بالأمة كلها , فأمانته ومسؤوليته , للمسلمين أجمعين , وغشه وخيانته , أو التفريط والغفلة عن جزء منه , خيانة للأمة كلها , ولذلك فقد أدرك أعداء الله هذا المعنى , فسعوا جهدهم , إلى غزو هذه البلاد بكل وسيلة تُمَكِّنهم من تقويض أمنها , وعقيدة أهلها , وأخلاق أبنائها , وثوابت وقيم سكانها , لأنهم إن وصلوا إلى ذلك , وتحقق لهم ما يبتغون , فقد وصلوا إلى قلب الأمة , وعطلوا شريانها النابض , ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) .

فها نحن نقف اليوم على أطنان من المخدِّرات والمسكرات , تُغزى بها بلادنا , وترسل إلى فلذات أكبادنا , قد زادت فوق خطورتها خطورة أخرى , حيث عمد الأشرار إلى تطعيمها بما يزيد من سُمِّيتها , ويُسرِّع في إدمان متعاطيها وهلوسته , بشكل لم يكن معهودا في السابق , بل ولا هو متوفر عند غيرنا .

وهاهي القنوات الهابطة , والرسائل الإباحية , والمؤسسات القذرة , تتنافس في نشر شباكها لاصطياد الضعفاء من أبناء المسلمين وبناتهم , فلا الهواتف المتحركة سلمت من مكرهم , ولا أجهزة الحاسب أمنت من خطرهم , ولا الأطباق الفضائية خلت من شرورهم , وهاهم يخاطبون أبنائنا وفتياتنا خاصة , وكأنه لم يبق مشكلة على ظهر الأرض إلا نحن , ولكنه المكر الكُّبَّار , وإلا فماذا يعني أن تتوجَّه تلك القنوات الفضائية المروجة للرذيلة بخطابها لمجتمعاتنا , و تفتح أذرعها لأجيالنا , وان تستقبل بالأحضان الدافئة الأغرار من الشباب والفتيات , وتستنزف الأموال الطائلة لصدهم وفتنتهم , وتسخر الإمكانيات الهائلة لإغوائهم , والطاقات المدربة لإضلالهم , والبث والمتواصل لغزو عقولهم وإشغالهم , والعمل الدؤوب لتفويت الفرصة على من يريد حمايتهم وصيانتهم .

وقل مثل ذلك وأضعافه في حق الروايات والكتب والمجلات والأغاني والصحف والإذاعات وكثير من وسائل الإعلام .

وهاهم أعداء الملة , من أهل الخرافة والدجل , أو من أهل الإلحاد والزندقة , أو من الذين لا يرضون حتى نتبع ملتهم , ونتخلى عن عقيدتنا , قد أجلبوا بخيلهم ورجلهم , ونشطوا في بثِّ الشبهات , كما أغروا بالشهوات , فغزوا عقول الناشئة بالأفكار الفاسدة , تحت مسميات خدَّاعة , وشعارات ظاهرها الرحمة , وباطنها الفجور والزور , وما ذلك إلا ليسهل على المسلم في هذه البلاد , أمر دينه , وحقيقة ارتباطه به , وانتمائه إليه , أو ليعتنق دينا خداجا , قوامه على الخرافة والدجل , وحقيقته الاسترزاق , ومصدره الكهان والخونة , الرجال فيه أعظم من خالقهم , والمال وحده المحرِّك لملاليهم وأئمتهم , وحب الرياسة والطمع المهيمن على حياة خاصتهم ووجهائهم .

وها هي قنواتهم في شبهاتها , نافست قنوات العهر في شهواتها , ووجت بغالاً من بني قومنا , فامتطوا ظهورهم , وصاروا يحملون عليهم من الفتن ما عجزوا عن تمريره بأنفسهم , ( وفيكم سماعون لهم ) .

وقل مثل ذلك في الطرف المقابل , الذين انقلبوا على قومهم , فتحولوا إلى معول هدم , وآلة إفساد , بدعوى الإصلاح , فكانوا من أكبر الداعمين لأعداء الدين , من حيث شعروا أو لم يشعروا , بل إن كثيرا من المتابعين , ليكاد يقسم أيمانا مغلظة , أن كثيراً من سعيهم إنما هو بتوجيه من العدو , الذي يزعمون عداوته ومحاربته !!! , بئست الحال أن تتقاطع مصلحتك , مع مصلحة العدو , وتكون كلها على حساب مصالح المسلمين .

وهاهي عشرات الألوف من الأسلحة والذخائر , مما خفَّ حمله , وقوي تدميره , تساق إلينا بلا كلل أو ملل , وكأننا في دار حرب , في حين عسى ألا يصدق الحدس , أن مقابل ذلك مئات الآلاف من مثلها , أو أشد , مما يتم تخزينه من قبل بعض الطوائف ذات الولاء الخارجي , لانتظار ساعات الحسم والخيانة , وذلك كله مما يصب في صالح عدو الإسلام والمسلمين , ويعمُّ ضرره كل مسلم , ولا يقتصر علينا نحن .

وهكذا هم أعداء الأمة , وأعداء التوحيد , وأعداء السنة , وأعداء الإسلام , لا يتركون فرصة يجدون من خلالها مدخلاً للنيل مما يرونه أخطر عدو لهم , وماعداوته إلا لأنه يدين بالإسلام , ويعتقد منهج السلف الصالح .

ونماذج البغي , وصور الغزو , وألون الغش , وأصناف المكر , لايمكن أن يقف الإنسان عليها بمقالة عابرة , أو محاضرة أو ندوة , وإنما أردت التمثيل لذلك , لتتضح الصورة , وليكون المثال مدخلاً للتذكير بعظم المسؤولية , وحجم التبعة , وإلا فنحن بحاجة إلى حديث طويل ومسهب , عن حماية الثغور كلها , الثغور الفكرية , والثغور الأخلاقية , والثغور العقائدية , والثغور الأمنية , وغيرها من الثغور , التي كل منا متحمل لأمانة أحدها , ومسؤول عن القيام بواجبه تجاهه .

وها نحن اليوم نقف على صورة من صور الاعتداء على ثغر من ثغور الإسلام , من قبل جنس بشري خبيث المشرب , سيء المعتقد , حرَّكه حقده على السنة وأهلها , فجاء مدفوعاً بوقود المجوسية , مستغلاً في زعمه الهاجس الكبير , المصاحب لموسم الحج , ومتزامنا مع تصريحات رؤوس الفتنة في طهران وغيرها , ممن دأبوا على العداوات والفتن , وما علم هؤلاء وأمثالهم , أننا كلنا جنود لصد أي عدوان قد تتعرض له بلادنا , وإذا كنا لا نرضى العدوان على بلاد المسلمين وثغورها , وإن بعدت مسافتها , ونأت أماكنها , فكيف نقبله على أرض الحرمين , ومنارة الإسلام , وقلعة المسلمين الكبرى ؟ .

ليعلم هؤلاء أنه إذا كانت قواتنا النظامية بأفرعها بلغت في تعدادها قرابة المليون , فإن القوات المدفوعة بدافع الغيرة الدينية , والحمية الشرعية , قد فاقت هذا العدد عشرين مرة , وكلنا لواء لحماية مقدساتنا وديننا , تحت لواء دولتنا ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) , وورب النعمة , لن نخلي بينهم وبين شبر من أرض التوحيد والرسالة , أو أن يعبثوا بها , أو يمسوها بسوء .

وكلنا على ثقة تامة بحسن تدبير الولاة في هذا الشأن , وبعد نظرهم السياسي , المبني على المصالح العامة , إلا أني أسوق هذا ليعلم أشباه الرجال , والعكرون المصطادون في الأوحال , أننا في الأزمات والشدائد , نقف موقف رجل واحد , وننسى خلافاتنا , ونتعامل مع قضايانا بمبدأ المصالح والمفاسد , ونحن وإن اختلفنا مع شيء من سياسة الدولة , في قضية هنا أو هناك , فإن خلافنا لا يلغي حسن الولاء والطاعة , ولا ينفي حبنا , وصدق تضحيتنا , وقوة حميتنا , وأننا في سبيل الذود عن بلاد التوحيد , وقلعة الإسلام , نسترخص النفس والمال والولد , ونرى الدفاع شرفاً وكرامة , نغبط عليه من أكرمه الله به وشرفه , وهو ما دفعني لأن أتوجه إلى أهل الثغور الأمنية , وأقول لهم :

يا أهل الثغور : اتقوا الله واصبروا , وأروه من أنفسكم خيرا

( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون )

واعلموا أن النصر مع الصبر , وأنكم تذودون عن حياض الإسلام , وتدفعون عدوا صائلاً ظالماً , ليس هذا فحسب , بل هو عدو حاقد , امتلأ قلبه ضغينة عليكم , وعلى خياركم , بل بلغ من حقده أن تمنى أن لو أخرج الصحابة من قبورهم فانتقم منهم , وحين عجز عن ذلك , بالغ بعضهم في خسته , أن تبوَّل على قبور بعض الصحابة رضوان الله عليهم , ومنهم من عبَّر عن غله ودغله بالبصق على قبور الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين .

اعلموا أن المسلمين من خلفكم , يلهجون لكم بالدعاء , ويستشرفون الأخبار المبهجة , عن صدق الاستبسال , وحسن البلاء , وقد علقوا عليكم بعد الله آمالاً عراضاً , لأنهم لمثل هذا أعدوكم , ولهذه المواقف ادَّخروكم , فليكن يقينكم بالله قويَّاً , وإيمانكم به راسخا , وطمعكم في مرضاته عظيما , ولا تعتمدوا على قوتكم أو خبرتكم , بل توكلوا على الله ربكم , واطلبوا النصر منه , وألحوا عليه بالدعاء , وتضرعوا بين يديه , وأكثروا الانكسار والاستصغار عند عتباته , فوالله ما ذلَّ أحد لله إلا أكرمه الله ورفعه , وما تكبَّر أحد على الله إلا وضعه .

ومخاطباً أهل الثغور الأخرى , أن يقوموا بواجبهم , لتتظافر الجهود , وليُقطع الطريق على الخصوم , وتُفوَّت عليهم الفرصة , وحتى يعلم العدو أننا جسد واحد , نسهر جميعا , لنرتاح جميعا , وأن خوفنا الحقيقي أن يؤتى الإسلام من قبلنا, بتقاعسنا , أو تقصيرنا , ولهذا فالأمانة تستلزم اليقظة التامة , والحرص الأكيد الشديد , والله المستعان , وعليه التكلان , ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم .

اللهم احفظ ثغور المسلمين , وأكرم حماتها , والمرابطين عليها , وأعطهم فوق ماتمنوا من الخير , واصرف عنهم مالايخطر لهم على بال من السوء والشر , واحفظ عليهم دينهم , وأهليهم , وذراريهم , وأموالهم , واخلف لهم ذلك كله بخير , واجزهم أتمَّ الجزاء وأوفاه , وأعظمه وأجزله .

اللهم أقرَّ أعينهم , وحرمها على النار , وارفع منازلهم في دار الأبرار , واجزهم عنا وعن أمة الإسلام خيرا .

اللهم كن لأبطالنا المجاهدين في سبيلك مؤيدا وظهيرا , ومعينا ونصيرا , اللهم سدد رميهم , واربط على قلوبهم , وثبت أقدامهم , وأمكنهم من رقاب عدوهم , وافتح لهم فتحا على فتح , واجعل عدوهم في أعينهم أحقر من الذر , وأخس من البعر , وأوثقه بحبالهم , وأرغم أنفه لهم , واجعله يرهبهم كما ترهب البهائم المفترس من السباع .

اللهم اهدِ ضال المسلمين , وعافِ مبتلاهم , وفكَّ أسراهم , وارحم موتاهم , واشفِ مريضهم , وأطعم جائعهم , واحمل حافيهم , واكسُ عاريهم , وانصرمجاهدهم , وردَّ غائبهم , وحقق أمانيهم .

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه , والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه , ولاتجعله ملتبسا علينا فنضل .

اللهم أصلح أحوال المسلمين وردهم إليك رداجميلا .

اللهم أصلح الراعي والرعية .

اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا , واحفظ عليها دينها , وحماة دينها , وورثة نبيها , واجعل قادتها قدوة للخير , مفاتيح للفضيلة , وارزقهم البطانة الناصحة الصالحة التي تذكرهم إن نسوا , وتعينهم إن تذكروا , واجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين له , ناهين عن المنكر مجتنبين له , ياسميع الدعاء .

هذا والله أعلى وأعلم , وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

وكتبه

سليمان بن أحمد بن عبدالعزيزالدويش
أبومالك

المصدر: بناء