طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > إيران بين التشيع والليبرالية (د . ضيف الله الضعيان)

ملتقى الخطباء

(3٬063)
631

إيران بين التشيع والليبرالية (د . ضيف الله الضعيان)

1430/12/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

د . ضيف الله الضعيان

رضا خان يؤسس للحكم الدكتاتوري لآل بهلوي:
‏بعد أن أمضى سنوات يعمل في مطاعم طهران ومقاهيها – انضم الشاب فارع الطول إلى سلك الجندية في الجيش الإيراني ، فعين مشرفًا على إسطبل المعسكر ومسؤولاً عن الدواب فيه : ترقى « رضا خان » في سلم الرتب العسكرية في الجيش سريعًا حتى أصبح رئيسًا لإحدى الثكنات العسكرية في طهران ، ثم رئيسًا لمعسكر همدان أكبر وحدة عسكرية في الجيش الإيراني .

‏في ظل ضعف الملك « أحمد شاه » آخر ملوك « أسرة قاجار » ؛ رأت بريطانيا في رضا خان الرجل المناسب لصد أطماع النظام الشيوعي الجديد في روسيا المجاورة لإيران ، فساعدته على دخول طهران عام 1921 ‏م بوحدته العسكرية ليقلب نظام الحكم ويصبح رئيسًا للوزراء ، ومن ثم أرغم الملك « أحمد شاه » على التنازل عن العرش ليصبح هو شاه إيران في عام 1925م ، حيث غير اسم عائلته إلى بهلوي ، وعين ابنه « محمد رضا » وليًّا للعهد .

‏منذ ذلك التاريخ وحتى تنازله عن الحكم مرغمًا لابنه ولي العهد عام 1941 م على يد ‏الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية ؛ حكم « رضا شاه » – كما سمى نفسه – إيران بنظام عسكري قمعي ، سعى خلاله إلى انتزع المجتمع الإيراني من قبضة رجال الدين بفرض علمانية الدولة ، ضاربًا عرض الحائط بأهم مبادئ « الثورة الدستورية » عام 1906م التي نصت على تشكيل هيئة دينية عليا من خمسة من كبار علماء المذهب الشيعي الذين يحملون لقب « آية الله العظمى » ، تعرض عليهم مشاريع القوانين قبل عرضها على البرلمان الملكي ؛ للتأكد من أنها لا تتعارض مع أحكام الإسلام حسب المذهب الاثنا عشري .

‏كان « رضا شاه » أسير الإعجاب بشخصيتي زعيمين بارزين من زعماء ذلك العصر ؛ هما « أدولف هتلر » و « كمال أتاتورك » ؛ فنقل عنهما سياسة العنف في فرض برامجه الإصلاحية – حسب زعمه – التي كان يحاول من خلالها أن يدخل إيران إلى رحاب العصر الجديد ؛ دون أن يأخذ في اعتباره – بحكم ثقافته المحدودة – ‏الطبيعة المعقدة للمجتمع الإيراني القائم على تعدد الأقليات العرقية والدينية – وتسوده تقاليد القبلية والإقطاعية الراسخة ، وتسيطر عليه طبقة ما يسمى برجال الدين الشيعة الذين يجدون الطاعة المطلقة من فئات كثيرة من الشعب الإيراني كما
تقتضيه مبادئ المذهب الشيعي .

‏لقد جهل أو تجاهل « رضا شاه » ‏كل هذه الاعتبارات تمامًا ؛ كما تجاهل وضع المرأة الإيرانية التي حاول بعد سنة واحدة فقط من اعتلائه عرش إيران أن يرغمها على التخلي عن زيها التقليدي المعروفه بـ « الشادور » ؛ مخولاً رجال الشرطة أن ينتزعوه عنها بالقوة إذا خرجت به إلى الشارع ؛ مكرهًا إياها على ارتداء الزي والاختلاط بالرجال في المسارح والمراقص والمسابح والحانات ، وقد كانت زوجته أول من كشفت عن رأسها في احتفال رسمي . وكان يقول عن فعله ذلك : « لم أعد أطيق أن أرى بلادي وقد مُلِئت شوارعها بالغربان السود » .

وفي عام 1927 ‏م ألغى « رضا شاه بهلوي » أحكام الشريعة الإسلامية ، واستبدل بها قانونًا مدنيًّا وآخر ‏للعقوبات مستمديْن من القانون الفرنسي . ‏كباقي الأنظمة القمعية في القديم والحديث ؛ اعتمد « بهلوي – الأب – »
اعتمادًا مطلقًا على الجيش ، فضاعف من عدد أفراده ثلاثة أضعاف ، وضاعف من
ميزانيته خمس مرات ؛ فكانوا هم سادة البلاط الإمبراطوري ، وحراس العرش البهلوي ، وأصحاب المناصب العليا في الدولة ، وأقطعهم الأرضين ، وخلع عليهم الهبات ، حتى تكونت طبقة الإقطاعيين والأرستقراطيين التي كانت تمثل 1 % من مجموع الشعب الإيراني ؛ ولكنها تحكم وتستأثر بـ 80% من موارد البلاد وثرواتها وكان أفراد الأسرة البهلوية المالكة يأتون على رأس هذه الطبقة بمخصصاتهم السنوية وقصورهم الضخمة وسياراتهم الفارهة وطائراتهم الخاصة ويخوتهم ومجوهراتهم ؛ فضلاً عن تعدياتهم على أفراد الشعب وإطلاق أيديهم في ممتلكاتهم وحقوقهم دون
مراعاة لقانون أو رادع من قضاء .

وقد صاحب هذا الطغيان البهلوي في عهد رضا خان إغلاق كثير من المدارس الدينية ، وإلغاء اللغة العربية من التعليم وفرض اللغة الفارسية ، واضطهاد علماء الدين وتنفير الناس منهم وجعلهم مصدر شؤم وبلاء في أعين الناس .

محمد رضا بهلوي على خطى الديكتاتورية :
وبعد وصوله إلى العرش عام 1941 ‏م ورث الشاه « محمد رضا بهلوي » الذي صُنع على أعين المخابرات البريطانية ممثلة بعميلها « مسيو براون » ؛ ورث عن أبيه « رضا خان » إرثًا ضخمًا من العنف والطغيان ، فلم يستطع التحرر من أخطاء أبيه وقسوته رغم ضعف شخصيته .

‏وفي عام 1948‏م اعترف « محمد رضا بهلوي » بدولة إسرائيل وأقام علاقات متينة معها ، وكان الخبراء اليهود والبهائيون يشتغلون في بلاط الشاه وفي الجيش والأمن ووزارات الاقتصاد والزراعة والتجارة والإعلام ، ‏وغيرها من الأجهزة الحكومية ذات الثقل الاقتصادي والتوجيهي في إيران .

‏وبعد أن أجبر شيوعيو « حـزب تودة » والقوميون بزعامة رئيس الوزراء « محمد مصدق » ‏الشاه على مغادرة البلاد عام 1953م ؛ أعاده الأمريكان والبريطانيون إلى العرش الإمبراطوري بعد أن أطاحوا بحكومة مصدق ، فأصبح «
الشاه » أسيرًا لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية ( A . i . C ) لا يعصي لها أمرًا فسمح لها بإقامة مركزين للتصنت فـوق الأرض الإيرانية المطلة على مواقع الصواريخ السوفييتية في وسط آسيا ، وجعلت منه أمريكا شرطيًّا لها في المنطقة ؛
فساعدته على بناء جيشه الضخم الذي تم تسليحه بأحدث ما أنتجته المصانع الأمريكية
من السلاح ، وكان الشاه ينفق عليه ثلث ميزانية الدولة تسليحًا وتدريبًا وإغداقًا للأموال
على كبار ضباطه .
كما ساعدته على إنشاء جهاز مخابراته ( السافاك ) سيئ السمعة والذي أشرف على إنشائه خبراء من وكالة ‏المخابرات المركزية الأمريكية
( A . i . C ) وجهاز المخابرات الإسرائيلي ( الموساد ) ، ويعتمد على أدق وأحدث
أجهزة التنصت والتجسس ، ويوجد رجاله في كل مدينة وقرية ومؤسسة إيرانية في
الداخل ، وفي كل سفارة أو بلدة يوجد بها إيرانيون في الخارج ، وبلغت قوة وبشاعة
عملياته حد الأساطير !

‏وفي الإطار الديني والقومي عمل الشاه « محمد رضا بهلوي » على إحياء أمجاد الفرس ، وكان يرى أن مبادئ الدين المجوسي كافية لإسعاد البشرية وليست بأقل من المبادئ التي جاء بها الإسلام . وفي الوقت الذي اضطهد الشاه الأقليات غير الفارسية في إيران ، كالعرب والأكراد والتركمان والبلوش ؛ فقد قرب اليهود والنصارى والبهائيين ، ومنحهم الامتيازات في المناصب والهبات والقرب من البلاط البهلوي ، حتى إن شقيقته الكبرى « شمس » ‏ارتدّت عن الإسلام واعتنقت
النصرانية على يد « بولس الثاني » عام 1955‏م وبنت كنيسة في قصرها ، واعتزت
بحمل الصليب ونشر النصرانية بين الناس !

‏وعلى صعيد الفساد الأخلاقي والمالي : فقد فتح الشاه الباب على مصراعيه لصنوف الفساد والانحلال ؛ فتفشى الإلحاد بين الشباب وانتشرت المخدرات ، وكانت شقيقته التوأم « أشرف » تدير أضخم مؤسسة لتهريب المخدرات في العالم ، وتقيم في قصرها الحفلات الماجنة .

وازدادت الفجوة بين طبقات الشعب الإيراني ؛ حتى إن الزائر لمدينة طهران في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين ليشعر أن مئات السنين تفصل بين جنوب المدينة حيث الفقر والعوز والتخلف ، وبين شمالها حيث منطقة « شمران » التي يعيش سكانها أقصى درجات الرفاهية في آلاف القصور الفارهة والحدائق الغناء ، والمسا‏رح والقاعات الخاصة للعب الورق والقمار وتعاطي الأفيون ، وكانت نساؤهم يذهبن إلى باريس لتصفيف شعورهن وشراء آخر ما ابتكرته بيوت الأزياء والموضة الباريسية ، كما أقام الشاه نفسه في جزيرة « كبش » في الخليج العربي
ناديًا عالميًّا للقمار ينافس أكبر أندية القمار في العالم .

لقد بدد الشاه وأسرته ومخابراته وأجهزته العسكرية والمقربون منه أموال الشعب الذي كان أكثر أفراده يعيشون كما لو كانوا في أفقر دولة إفريقية ، في الوقت الذي تعتبر إيران فيه ثاني دولة مصدرة للنفط في العالم ، وأصبح الشعب الإيراني يستورد ‏70% من احتياجاته من المنتوجات الزراعية رغم أن البلاد في الأصل بلد زراعي تنتج ما يكفيها . كما بدد الأموال على المشاريع التنموية غير الناجحة ، وصفقات التسلح المبالغ فيها ، وعلى الخبراء الأجانب الذين كانت تعج بهم البلاد ، حتى بلغ عدد الخبراء العسكريين الأمريكيين وحدهم في ‏إيران عام 1977م 45 ألف خبير ، وبلغت ميزانية الدفاع عام 1976م 9مليارات و 500 ‏مليون دولار ، وهو ما يعادل ميزانية الدفاع لكل من بريطانيا وفرنسا مجتمعتين ، كما يعادل ما أنفقته إيران على خطة التنمية الخمسية في الفترة 1973م – 1978م . وعلى الصعيد الخارجي فقد بعثر الشاه الأموال على الدول والجهات الأجنبية والتدخلات العسكرية في الدول المجاورة ؛ كاليمن وعمان والعراق وباكستان والجزر الإماراتية .

طغيان الدولة يفجر العنف :
لم يكن ما يسمى برجال الدين الشيعة وحدهم هم الذين يحملون لواء المعارضة
ضد النظام البهلوي خلال العقدين اللذين سبقا قيام الثورة ، بل كان للمنظمات
الشيوعية والقومية الوطنية حضور بارز في حلبة الصراع بين الشاه وجيشه
ومخابراته من جهة وبين قوى الشعب . وكان كل من « حزب تودة » ‏الشيوعي
ومنظمة « فدائيان إسلام » بزعامة « نواب صفوي » ، إلى جانب عدد من المنظمات
التي انشقت عن « حزب تودة » – تمارس عمليات الاغتيال المنظم لرموز النظام
وأجهزته الأمنية ، وهي المسؤولة عن المحاولات المتكررة لاغتيال الشاه أو اختطافه
وكان لبعض هذه المنظمات صلات بأطراف خارجية كالاتحاد السوفييتي والصين
وكوبا ، أو بشيوعيي اليمن الجنوبي ، وبالقذافي ، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
بزعامة جورج حبش .

وكان التنظيم الثوري الإرهابي الأكثر أهمية هو ما عرف باسم « التروتسكيون الإيرانيون » [1] ، وهو تنظيم اشتراكي يقوم بنشاط واسع في أمريكا ودول غرب أوروبا ، ويعارض كلاًّ من موسكو وبكين ، وقد أسسه « باباك زاهيري » في الولايات المتحدة الأمريكية 1968م ، وكان له نفوذ كبير في دوائر المخابرات المركزية الأمريكية وعلى اتصال وثيق برجال الكونجرس الأمريكي ، وخاصة لجنة الشؤون الخارجية . وازداد نشاط هذه الجهات المعارضة بعد تعيين « ريتشارد هولمز » الذي كان رئيسًا سابقًا لجهاز ( A . i . C ) سفيرًا لواشنطن في طهران ؛ ليشرف على تنسيق وتنظيم النشاط المعارض للشاه وإبقائه دائرًا في الفلك الأمريكي .

رجال الدين يزرعون بذور الثورة :
رغم وجود لاعبين كثر في حلبة الصراع بين الشعب والشاه فـإن رجال الدين الشيعة استطاعوا أن يستثمروا الغضب والاحتقان الشعبي ضد ممارسات بهلوي وأجهزته الأمنية ، وأن يحولوا الجماهير الفقيرة المعدمة التي تشكل غالبية الشعب الإيراني إلى قنبلة مؤقتة تنفجر في وجه الشاه في الوقت المناسب ، لقد استطاعوا أن يوظفوا مبادئ وتعاليم المذهب الشيعي وخصوصًا عقيدة الإمام الغائب التي كانت في نظر الكثير من الشيعة تعني القعود عن التغيير بانتظار خروجه . « لقد استطاعت هذه الطبقة من رجال الدين أن توظف عقيدة الغيبة ونظام التقية – الذي يعطيها الحق أن تظهر خلاف ما تبطن حماية للمذهب وقيادته من سطوة خصومه – إلى سلطة مطلقة على أبناء المذهب الشيعي .

لقد أورث مقتل الحسين أتباع المذهب الشيعي عقدة الشعور بالذنب ، ففرض عليها طقوسًا كهنوتية حببت إلى الناس لذة الألم ، وغذّت فيهم الشعور بالندم ، وطبعتهم على الرغبة في الانتقام حتى من أنفسهم ، وهم ما زالوا ينتظرون عودة إمامهم الذي طالت غيبته فلا تعرف لها نهاية ، كما يجعلهم طوع إرادة من يقومون على رعاية المذهب الشيعي نيابة عنه حتى يعود ، وأن يقدموا بنفس راضية ليس الولاء المطلق فحسب ؛ وإنما خمس صافي أرباحهم للقائمين على أمر المذهب ؛ مما جعلهم دولة داخل الدولة ولهم سلطان فوق كل سلطان » [2] .

لقد شكل النصف الأول من عام 1977م بداية ظهور رأس الجبل الجليدي الضخم الذي كان مغمورًا تحت سطوة وبطش الأجهزة الأمنية للشاه ، فقد خرجت لأول مرة مظاهرة ضخمة بعد صلاة الجمعة في مسجد « شاه عبد العظيم » جنوب طهران ؛ طافت بالشوارع المحيطة بالمسجد ، ورددت شعارات معادية للنظام ، وهتفت بسقوط الشاه ، ثم تفرقت بعد أن تصدت لها قوات الأمن .

تلا ذلك تطور جديد في المظاهرات الطلابية التي كانت تتم داخل أسوار جامعة طهران ؛ إذ خرج الطلاب هذه المرة خارج الجامعة محطمين للبنوك والمؤسسات التجارية ومنشآت الجامعة نفسها ، وحملوا لافتات تنادي بسقوط الشاه ؛ مما حدا به إلى تعيين زوجته « فرح » رئيسة مشرفة على الجامعة في محاولة منه لإعادتها إلى حظيرة النظام ، وتوفير بعض المتطلبات التي كان ينادي بها الطلاب الغاضبون .

وكانت المرة الأولى التي يظهر فيها رجال الدين الشيعة إلى واجهة الأحداث
في السابع من يناير 1978م ، حين خرجوا يتبعهم طلاب الحوزات العلمية في
مدينة « قم » في مظاهرات عارمة مظهرين لثقلهم الجماهيري وقدرتهم على تحريك
الشارع ، فدمروا كل ما وصلت إليه أيديهم قبل أن تتصدى لهم قوات الأمن ويسقط
العديد منهم قتلى أو جرحى .

وبعد أسابيع قليلة من مظاهرات « قم » جاءت أحداث « تبريز » التي تواجه فيها الشعب لأول مرة مع الجيش منذ عام 1963 م [3] ، وكانت أكثر دموية من سابقتها ، وشارك فيها الشيوعيون إلى جانب رجال الدين .

توالت الأحداث والمواجهات والمظاهرات في عدد من المدن الإيرانية ، وكانت أشرطة الخميني – الذي كان يعيش في منفاه في النجف ثم غادرها بضغط من الشاه إلى باريس [4] – تلهب الجماهير وتدعو إلى التمرد والعصيان ، رافعًا فيها ما يمكن اعتباره شعارات الثورة ؛ بحديثه عن دكتاتورية الشاه ، وحرية الصحافة المخنوقة ، والأحزاب الممنوعة ، والانتخابات المزيفة ، والبرلمان الصوري ، وفساد التعليم ، وتبديد الثروة ، ومسخ الإسلام ، والمرأة .

الطاغية ينكر وجود النار :
لقد تجاهل الشاه مطالب المعارضة بكل أطيافها ، وقلل من قدرة رجال الدين على تحريك الشارع ضده ، وسخر من التحذيرات المتكررة للمقربين منه حول خطورة الموقف ، كما تجاهل المطالب السبعة عشر التي تضمنتها الوثيقة التي تقدمت بها سبع وخمسون شخصية وطنية في نوفمبر 1978م ؛ مكتفيًا بتغييرات شكلية باهتة ، وزيادة في رواتب موظفي الدولة ، وإطلاق بعض المساجين ، وبزيارات ممجوجة للمراقد والأضرحة الشيعية بصحبة زوجته وهي ترتدي اللباس التقليدي للمرأة الإيرانية ( الشادور ) ؛ بعد أن كانت تفتخر بعصريتها وتحررها من التقاليد الموروثة !

لكن عجلة الثورة قد بدأت بالدوران باتجاه واحد فقط ، فلم تكن هذه القرارات اليائسة قادرة على إيقافها ، فضاق الخناق حول عنق الشاه ، وبلغت قوة المعارضة ومكتسباتها حدًّا لا يمكن التراجع عنه ، وكانت مناظر الدماء التي سالت في « قم » و « تبريز » وفي يوم الجمعة الأسود في طهران الذي ذهب ضحيته مئات القتلى من الأطفال والنساء والرجال في أيلول 1978م ؛ تلهب مشاعر الجماهير وتدفعهم إلى التحدي والعناد ومواجهة الموت من حيث أراد الشاه وجيشه التخويف بها .

كما لم تستطع حكومة « شهبور بختيار » الائتلافية التي شكلها بتكليف من الشاه ، ولا مجلس الوصاية على العرش ، إيقاف السيل الهادر من الاضطرابات والمظاهرات والإضرابات عن العمل ، كما كان للدور الذي مارسه الإعلام الغربي – والأمريكي بشكل خاص – الذي وقف إلى جانب المعارضة ضد نظام الشاه أثر فعال في تضييق الخناق عليه .

لقد كان الدور الأكبر في الإسراع بنجاح الثورة للجنرال الأمريكي « هويزر » قائد قوات حلف الأطلسي في أوروبا ، والذي مكث طوال شهر يناير 1979م في طهران ولم يعلم الشاه بوجوده إلا بعد عدة أيام ، وكان دوره الأبرز هو إقناع ضباط الجيش بعدم مواجهة الشعب – من جهة – ، وإقناع الشاه بمغادرة إيران – من جهة أخرى – ، وكان له ما أراد ؛ فبقي الجيش على الحياد ، وغادر الشاه إيران في 11 يناير قائلاً : « إنه ذاهب في إجازة » ( لكنها كانت أجازة أبدية ) ؛ فخرج سكان طهران يهتفون بالنصر للجمهورية الإسلامية ، ويطالبون بعودة مفجر الثورة « الخميني » الذي وجه من مقر إقامته بباريس تهنئة للشعب الإيراني ، وطالبه بالتظاهر ضد « بختيار » الذي وصفه بالخائن .
(( انظر التالي ))
________________________
(1) نسبة إلى « ليون تروتسكي » الزعيم الروسي الذي كان قائدًا للثورة البلشفية في روسيا .
(2) إيران بين التاج والعمامة ، أحمد مهابة .
(3) وهو العام الذي نفي فيه الخميني إلى النجف في العراق .
(4) استقبلت فرنسا الخميني بناءً على وصية سفيرها في طهران الذي قال : « إن الشاه قد انتهى ،
وإن صفحة أيامه قد طويت نهائيًّا » .

(( التقرير الاستراتيجي لمجلة البيان…الإصدار الثاني 1425هـ- 2004م … صفحة 497))