طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > المواجهات بين الجيش اليمني و’الحوثيون’: استثمار حتى آخر طلقة

ملتقى الخطباء

(2٬453)
608

المواجهات بين الجيش اليمني و’الحوثيون’: استثمار حتى آخر طلقة

1430/12/06
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

عادل أمين / كاتب يمني، مدير تحرير صحيفة (العاصمة)
استنفدت السلطات اليمنية تهديداتها العنترية بسحق فلول التمرد الحوثي وحسم معركة صعدة، بدخولها من جديد في جولة مفاوضات، رعتها دولة قطر، وتكللت بالتوقيع على اتفاق مصالحة مع متمرديها، الذين يرفضون إلقاء سلاحهم.

اختبار القوة في صعدة، أثبت فشله مراراً، وصار يتعين حتماً البحث عن حلول جديدة لأزمة قديمة.

غاية ما تطمح إليه الحكومة اليوم هو فك الحصار عن بعض قواتها المحاصرة في الشعاب، وتوقف المتمردين عن نصب الكمائن وقتل العساكر، وقبولهم بالجلوس إلى طاولة الحوار لسماع شروطهم ومطالبهم.

هذا هو حالة الحكومة اليمنية دائماً، ترفض بداية الاستماع للنصائح، وتُبدي تشدداً كبيراً في مواقفها، وتزداد تصلباً تجاه الحلول السلمية، وتضع كل مخالفيها في الرأي في خانة العداء للوطن ومصالحه، حتى إذا ما وصلت إلى طريق مسدود عادت أدراجها تتلمس الخروج من أزماتها المعقدة.

عادت قطر لتحريك عجلة المفاوضات والحوارات بين السلطة وجماعة الحوثي، وتمكنت هذه المرة من جمع ممثلين عن الطرفين على طاولة واحدة، ليحُلا مشاكلهما وجهاً لوجه، وهي خطوة جيدة على طريق الحل السلمي، لإغلاق ملف صعدة نهائياً، لكن ومع بدء خطوات الحوار بين الجانبين في الخارج، فإن الداخل (في صعدة) يبدو وكأنه غير معني بتلك الحوارات، وكأن شيئاً ما قد تم الاتفاق عليه مسبقا بين السياسيين والعسكريين.

العمليات العسكرية والتقدم نحو الخطوط الأولى للخصم، وتحقيق بعض الانتصارات على الأرض، ربما يدعم الموقف التفاوضي لهذا الطرف أو ذاك، هكذا يبدو المشهد.

* وساطة أم مساعي حميدة؟

منذ اندلاع الحرب الأولى بين السلطات وجماعة الشباب المؤمن في يونيو 2006م، وحتى الحرب الأخيرة التي اشتعلت في 27 من يناير 2007م، تم تشكيل العديد من لجان الوساطة المحلية بين الطرفين، إلا أن كل جهود تلك اللجان باءت بالفشل، لأن كل طرف يرفض الرضوخ لشروط ومطالب الطرف الآخر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تواترت المعلومات عن وجود رغبة لدى أحد أطراف النزاع بإبقاء ملف صعدة مفتوحاً، حتى الانتهاء من تحقيق بعض الأهداف المرسومة.

وتتوزع تلك الأهداف والمكاسب بين ما هو آني (مرحلي) ومستقبلي، بين ما هو سياسي عسكري وبين ما هو حزبي. وعلى كل حال، فإن تلك الأهداف الأنانية الضيقة، إما أنها استوفت شروطها، أو أنها خرجت عن السيطرة، وتحولت إلى كابوس مفزع، وكانت الوساطة القطرية طوق النجاة لكلا الطرفين المتقاتلين، فعلى الأقل، ستحفظ تلك الوساطة لكليهما ماء وجه، وسيخرجان من ساحة المعركة لا غالب ولا مغلوب، والأهم من كل ذلك، أن الوسيط تعهد بتحمل تكاليف معالجة ما خلفته الحرب.

لكنَ أحداً من أطراف النزاع لم يستغل فرصة الوساطة المجانية وصندوق الإعمار المرافق، بل إنهما تركا شروط الوساطة جانباً والتفتا لما في الصندوق، وهو ما أغضب الوسيط، فقفل عائداً بصندوقه من حيث جاء.

فشلت الوساطة القطرية (السابقة)، لأن كلا الطرفين أراد تنفيذ بنود الوساطة بطريقته الخاصة، فالحوثي يسلم موقعاً هنا ويستحدث موقعاً هناك، ويضع شروطاً جديدة على الطريق، فهو يطلب الاحتفاظ ببعض المديريات كمناطق نفوذ ووجود دائمين (مديريات نقعه، غمر، سحار)، ثم هو يتذرع بالفكر السلفي الذي غزا ـ من وجهة نظره ـ مدينة صعدة، وحاول تجريدها من طابعها الزيدي، وبالتالي لا بد من إخراج هذا الفكر المعادي للزيدية من صعدة لتبقى خالصة للمذهب.

وفي الجانب الآخر، نفت السلطات وجود الوساطة القطرية من حيث المبدأ، لتقول إن ما جرى بالفعل لم يكن سوى مساعي حميدة قامت بها دولة قطر، كمبادرة منها وليس بطلب من الحكومة، وإن حل الأزمة يكمن في امتثال الحوثي ومن معه لقرارات مجلس الدفاع الوطني.

السلطات اليمنية مطالبة اليوم بتوصيف دقيق لمهمة الجانب القطري، هل هي وساطة بطلب من طرفي النزاع وبالتالي يتوجب عليهما ضرورة الانصياع لنتائجها؟ أم هي مجرد مساعٍ حميدة كسابقتها لا تُلزم أحداً بشيء؟

* تهديد ومطالب:

فيما لو اعتدت السلطة وشنت حرباً خامسة، فإن حرباً كبيرة ستشمل مناطق واسعة في البلد، وسوف يسبب ذلك ضرراً بالغاً في البلد (عبد الملك الحوثي لصحيفة الأهالي 22/1).

وعن حل قضية صعدة يقول: حل قضية صعدة، يأتي عن طريق وقف الاعتداءات والحملات العسكرية وإفساح المجال للحرية الدينية والفكرية، وحرية التعبير والمناسبات الدينية، والتعامل مع أبناء صعدة بروح المسؤولية، والإفراج عن السجناء والمفقودين.

وهنا يتجاهل الحوثي ـ وعن قصد ـ أنه لولا الحرية الواسعة والدعم غير المحدود، الذي قدمته سلطات صنعاء لجماعة الشباب المؤمن في صعدة، لما كان للحوثيين كل هذا الصيت، وكل هذه الصولة والجولة، ولولا تلك الحرية الدينية والفكرية التي يتحدث عنها لما نشأت أصلاً فكرة الشباب المؤمن، ولما سمعنا عن وجودهم في رؤوس الجبال، وعن تحصيناتهم التي أذهلت الخبراء العسكريين أو عن صمودهم الذي صار مضرب الأمثال، الحرية الدينية والفكرية التي يطالب بها الحوثي لم تكن يوماً رصاصة للقتل ومدفعاً للهدم والتخريب، إنها ليست إرهاباً وتمرداً ودولة داخل الدولة.

الحوثي عبد الملك عزا أسباب تجدد المواجهات، إلى ما قال إنه محاولات السلطة فرض الفكر السلفي على أبناء صعدة، وأضاف: السلطة تستهدف فكرنا الديني ومساجدنا ووجودنا كأمة، بكل ما لهذا الوجود من فكر ودم ومال وغير ذلك، ولأجل هذا يُبدي عدم قناعته بتأسيس حزب سياسي والعمل من خلاله نتيجة لغياب الديمقراطية الحقة، كما يقول.

الحوثيون يصورون لأتباعهم ولأبناء الشعب أيضاً بأنهم يخوضون حرباً دينية مقدسة دفاعاً عن المذهب والمعتقد المستهدف من قبل النظام، إنها معركة وجود، نكون أولا نكون.

وهم بذلك يحاولون إخفاء حقيقة كونهم أحد منتجات النظام الذي يقاتلون، والذي يعود له الفضل الأكبر في خلق فكرتهم ومدها بأسباب الحياة لأغراض سياسية لا علاقة لها بالمذهب ولا بالفكر ولا بالمعتقد.

* عملية السلام

ذهبت الحكومة للتفاوض مع الحوثيين في قطر، وهي تأمل أن تقبض الثمن الإضافي للصفقة في السعودية، بعد أن ضمنت نصيبها من الراعي الرسمي للوساطة، إنه استثمار حتى آخر طلقة، فلتكن الوساطة إذاً استثماراً للأموال الخليجية، التي تعهدت بها دول الخليج في مؤتمر المانحين، آن أوان تدفقها إلى الداخل اليمني لإنهاء هذه المهزلة الخامسة، التي يجري تسخينها والإعداد لها، بالتزامن مع جلسات الحوار وإحياء عملية السلام (الوساطة) القادمة من قطر.

الأموال الخليجية التي كان من المفترض أن تذهب لبرنامج إعادة تأهيل اليمن اقتصادياً، تمهيداً لضمه إلى مجلس التعاون، وجدت السلطة لها طريقاً آخر غير الذي وُضعت له، وبالتالي سيكون على تلك الدول إعادة ضخ الأموال مجدداً للوفاء بالتزاماتها السابقة تجاه اليمن.

حتى اللحظة، فإن "المشترك" ما يزال غائباً تماماً عن مشهد الحوار الأخير في قطر، بالرغم من مطالبات الحوثي له بالتدخل، لمنع تفجر حرب جديدة قد تأتي على كل شيء، لكن السلطة تعمل جاهدة على استبعاده ربما كي لا يكتشف حجم الصفقات والمدخولات الملحقة.

عملية السلام بين السلطة والحوثيين، تُمليها بعض الاعتبارات على الصعيد الداخلي، من ضمنها تهيئة الأجواء المناسبة لإجراء الانتخابات البرلمانية القادمة، وكذا التفرغ لمواجهة الاحتجاجات والحراك السياسي المتنامي في المحافظات الجنوبية، أما على الصعيد الخارجي، فإن دولة كالسعودية، لا تحتمل وجود جماعة (شيعية) قوية على حدودها الجنوبية، كما هو حال حزب الله في جنوب لبنان (مع الفارق)، الأمر الذي يتطلب سرعة احتواء هذه المشكلة قبل أن تتحول إلى شوكة في الخاصرة السعودية، قد تنفذ مع الوقت إلى العمق حيث البيئة الملائمة بالانتظار!!

* الوضع الميداني والقبلي:

ميدانياً، وعلى صعيد الأوضاع العسكرية في صعدة، تعاني القوات الحكومية من صعوبة التعامل مع حرب العصابات التي يتبعها الحوثيون، وفي الوقت الذي تمثل فيه وعورة المنطقة وقسوة تضاريسها الجغرافية عائقاً كبيراً أمام تقدم قوات الجيش وإحرازها بعض الانتصارات، فإن السبب ذاته يمثل أحد أهم عوامل نجاح الحوثيين في مقاومة زحف القوات الحكومية.

أضف إلى ذلك، فقد تمكن الحوثيون خلال الفترة الماضية من إعادة تنظيم صفوفهم، واستقطاب المزيد من العناصر المؤيدة لهم، وتخزين التموينات والمؤن، وبناء التحصينات، والحصول على مختلف الأسلحة والذخائر، منها ما يتم تهريبه من داخل العاصمة، ومنها ما يتم شراؤه، والبعض الآخر يتم الاستيلاء عليه من خلال الهجمات المباغتة التي تُنفذ ضد قوات الجيش، وهو ما يعني في نهاية المطاف تزايد قدرات الحوثيين في خوض حرب طويلة الأمد مع السلطات.

أما على الجانب القبلي، فقد أثبتت التجارب عدم جدوى الركون إلى الجهد القبلي في مؤازرة الجيش، إذ أنه عادة ما يكون ذا طبيعة متقلبة، وتحكمه معايير خاصة لا علاقة لها بالوطنية أو المصالح العليا للبلد.

كما نستطيع القول كذلك، إن السلطات خسرت في الآونة الأخيرة بعض مؤيديها من القبائل وذلك بعد حادثة المجمع الحكومي بمدينة صعدة 16/12/2007م، والتي راح ضحيتها سبعة قتلى من أفراد قبيلة الشيخ ياسر مجلي، المؤيد للسلطة، تلك الجريمة البشعة التي وقعت في وضح النهار وأمام الجميع قام بها مسلحون محسوبون على مسؤول حكومي في المحافظة لأسباب لا تبرر القتل، لكنها كانت من البشاعة بحيث خلقت حالة من الافتراق والعداوة بين السلطة وقبيلة الشيخ مجلي وأوجدت بينهما قضية ثأر، وقد عبرت القبائل عن سخطها واستنكارها لتلك الجريمة من خلال اجتماع حاشد لقبائل خولان بن عامر وهمدان بن زيد في 18/12/2007م، حيث طالبت بالقصاص من القتلة والمتسببين في تلك الجريمة، وما لم يتحقق ذلك، فإنها ستأخذ حقها بالطريقة التي تراها مناسبة.

وبالتأكيد، فإن المحصلة النهائية لكل ذلك صبت في جيب الحوثي، الأمر الذي أرغم السلطات على المسارعة إلى قطر للجلوس مع من تسميهم بالإرهابيين والمتمردين الخارجين عن الشرعية، المتآمرين على الثورة، الطامحين للانقلاب على النظام الجمهوري.

المصدر: مجلة العصر