طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > مناط الكفر بموالاة الكفار [4/4](د. عبد الله بن محمد القرني)

ملتقى الخطباء

(83)
535

مناط الكفر بموالاة الكفار [4/4](د. عبد الله بن محمد القرني)

1430/09/14
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

 

د. عبد الله بن محمد القرني

 

وقد أخرج الإمام البخاري حديث حاطب في ثمانية مواضع من الجامع الصحيح، إحداها تعليقًا، وجاء في روايتين منها تكرار عمر –رضي الله عنه- تكفيره لحاطب –رضي الله عنه- واستئذانه النبي –صلى الله عليه وسلم- في قتله.
فأما الرواية الأولى فجاء فيها بعد ذكر القصة إلى أن أتي بالصحيفة إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- : "فقال عمر: يا رسول الله، قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال النبي –صلى الله عليه وسلم- : ما حملك على ما صنعت؟ قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمنًا بالله ورسوله –صلى الله عليه وسلم- ، أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: صدق، ولا تقولوا له إلا خيراً، فقال عمر: إنه قد خان الله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال: أليس من أهل بدر؟ فقال: لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم، فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم" (55).
وأما الرواية الثانية فجاءت بنحو الرواية السابقة، إلى أن جاء ذكر تكرار عمر –رضي الله عنه- ما قاله في المرة الأولى . وفيها ( فعاد عمر فقال: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، قال: أوليس من أهل بدر؟ وما يدريك لعل الله اطلع عليهم فقال : اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة، فاغرورقت عيناه، فقال: الله ورسوله أعلم ) (56).
والمقصود هنا بيان أن النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يقر عمر –رضي الله عنه- في تكفيره لحاطب –رضي الله عنه-، لا في المرة الأولى قبل أن يسمع عمر عذر حاطب، وتصديق النبي –صلى الله عليه وسلم- ، ولا في المرة الثانية، بعد أن سمع عذر حاطب وتصديق النبي–صلى الله عليه وسلم- .
فأما في المرة الأولى فقد دلت الروايتان السابقتان على أن عمر قد بادر بتكفير حاطب قبل أن يسمع عذره، وحكم النبي –صلى الله عليه وسلم- فيه، ولم يرد عليه النبي –صلى الله عليه وسلم- حينها، ولكن النبي –صلى الله عليه وسلم- سأل حاطباً عما حمله على ما صنع، فلما بين حاطب عذره، وأنه لم يكاتب المشركين عن شك في الإسلام، وإنما كاتبهم حماية لأهله وماله صدّقه النبي –صلى الله عليه وسلم- ، وقال: لا تقولوا له إلا خيراً .
وإنما سكت النبي –صلى الله عليه وسلم-عن عمر لما حكم بنفاق حاطب ابتداء قبل سماع عذره لأن حكم النبي –صلى الله عليه وسلم- في شأن حاطب إنما يكون بعد معرفة ما حمله على ما صنع، لأن فعل حاطب لا يقتضي لذاته الجزم بنفاقه كما جزم عمر، لكنه لا يقتضي أيضاً الجزم ببراءته من النفاق، فلما كان فعل حاطب محتملاً، كان القول قوله فيما احتمل فعله كما قال الإمام الشافعي .
ولو كان ما فعله حاطب لا يحتمل الكفر لرد النبي –صلى الله عليه وسلم- على عمر، كما رد على من قال عن مالك بن الدخشم إنه منافق، لا يحب الله ورسوله ، فقال الرسول –صلى الله عليه وسلم- لمن قال ذلك: ( لا تقل ذاك، ألا تراه قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله؟ فقال: الله ورسوله أعلم، أما نحن فوالله ما نرى وده ولا حديثه إلا إلى المنافقين، قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- : فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) (57) .
فلما كانت شبهة من اتهم مالك بن الدخشم بالنفاق ما رآه فيه ( من نوع معاشرة ومودة للمنافقين ) (58) حكم بأنه منافق، لكن لما كان ذلك لا يحتمل الكفر رد النبي –صلى الله عليه وسلم- على من حكم بنفاقه. بخلاف ما حصل من حاطب فإنه يحتمل النفاق. وعلى هذا لا يكون النبي –صلى الله عليه وسلم- قد أقرّ عمر على تكفيره لحاطب بمجرّد سكوته عنه في المرّة الأولى.
ثم إن النبي –صلى الله عليه وسلم- قد بين بعد سؤاله لحاطب وبيان حاطب لعذره أنه قد صدق فيما قال، وإذا كان حاطب قد نفى عن نفسه النفاق فصدقه النبي –صلى الله عليه وسلم- وأمر الصحابة ألا يقولوا له إلا خيراً، فيكون في ذلك ولا بد الرد على عمر في حكمه بنفاق حاطب، كما يكون في ذلك الدلالة على أن ما فعله حاطب من مظاهرة المشركين ليس بكفر، وإن كان ذنباً عظيماً .
وكان ينبغي أن يقف عمر –رضي الله عنه- عند خبر النبي –صلى الله عليه وسلم- بصدق حاطب –رضي الله عنه-، وأمره الصحابة ألا يقولوا لحاطب إلا خيراً، لكن عمر –رضي الله عنه- عاد في المرة الثانية فكرر ما قاله في المرة الأولى من تكفيره لحاطب، واستئذان النبي –صلى الله عليه وسلم- في قتله، وهذا محل إشكال، لمعارضته لخبر النبي –صلى الله عليه وسلم- وأمره في شأن حاطب .
ويبين الحافظ ابن حجر وجه الإشكال في تكرار عمر لما قاله في المرة الأولى فيقول: ( قوله: « فعاد عمر » أي عاد إلى الكلام الأول في حاطب، وفيه تصريح بأنه قال ذلك مرتين، فأما المرة الأولى فكان فيها معذوراً، لأنه لم يتضح له عذره في ذلك، وأما الثانية فكان اتضح عذره، وصدقه النبي –صلى الله عليه وسلم- فيه، ونهى أن يقولوا له إلا خيراً، ففي إعادة عمر ذلك الكلام إشكال، وأجيب عنه بأنه ظن أن صدقه في عذره لا يدفع ما وجب عليه من القتل ) (59).
وما ذكره الحافظ من الجواب على إشكال إعادة عمر لما قاله عن حاطب من أنه إنما أراد أن حاطباً وإن لم يكن قد كفر بفعله لكنه يستحق القتل فيه بعد؛ فإن ما جاء في هاتين الروايتين مما قاله عمر في المرة الثانية هو نفس ما نصت عليه عامة الروايات في قصة حاطب من أن عمر قد حكم بنفاق حاطب واستأذن النبي –صلى الله عليه وسلم- في قتله لظنه بأنه قد ارتد، لأنها قد جاءت بالنص على أن عمر إنما قال ما قال في حاطب بعد تصديق النبي –صلى الله عليه وسلم- لحاطب وأمره الصحابة ألا يقولوا فيه إلا خيراً، وهذا إنما كان في المرة الثانية، وأما المرة الأولى فلم يكن حاطب قد اعتذر، ولم يكن النبي –صلى الله عليه وسلم- قد صدقه بعد . وعلى هذا فالرواة الذين لم يذكروا تكرار عمر لما قاله في حاطب إنما ذكروا ما قاله في المرة الثانية ولم يذكروا ما قاله في المرة الأولى . والإشكال وإن كان وارداً على تكرار عمر لما قاله في حاطب إلا أنه وارد أيضاً على ما جاء عن عمر في عامة الروايات، لأنه قد ورد قول عمر فيها بعد تصديق النبي –صلى الله عليه وسلم- لحاطب .
ولهذا لما روى الإمام البخاري حديث حاطب في كتاب الأدب تعليقاً قال: (باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلاً، وقال عمر لحاطب بن أبي بلتعة إنه نافق، فقال النبي –صلى الله عليه وسلم- : وما يدريك لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال قد غفرت لكم) (60). وكان الإمام البخاري قد بوب للباب السابق على هذا الباب بقوله: ( باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال ) (61).
فيكون مقصود الإمام البخاري على هذا أن عمر –رضي الله عنه- وإن كان قد كفر حاطباً –رضي الله عنه- إلا أن عمر لم يكفر بذلك، لأنه قد قال ذلك متأولًا . فيكون فيما ذكره الإمام البخاري الدلالة على أن عمر قد كفر حاطباً في المرة الثانية، لأنها التي جاء فيها جواب النبي –صلى الله عليه وسلم- لعمر بقوله: ( وما يدريك لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال قد غفرت لكم ) كما أن فيما ذكره الإمام البخاري الدلالة على خطأ عمر في تكفيره لحاطب ، واعتذر له بأنه قد قال ذلك متأولًا .
وقد ذكر الإمام الخطابي في فوائد حديث حاطب –رضي الله عنه- ما يتعلق بخطأ عمر –رضي الله عنه- فقال: ( فيه دليل على أن من كفر مسلماً أو نفقه على سبيل التأويل وكان من أهل الاجتهاد لم تلزمه عقوبة ) (62).
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى هذا المعنى، وذكر أن من (الخطأ المغفور في الاجتهاد) (63) من (اعتقد أن من جس للعدو، وأعلمهم بغزو النبي –صلى الله عليه وسلم- فهو منافق، كما اعتقد ذلك عمر في حاطب، وقال دعني أضرب عنق هذا المنافق) (64).
وكما أن النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يقر عمر في المرة الأولى، بل أخبر بصدق حاطب، وأمر الصحابة ألا يقولوا له إلا خيراً؛ فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يقر عمر أيضاً حين أعاد مقالته في حاطب، بل قال لعمر: « وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ». وفي هذا بيان خطأ عمر –رضي الله عنه-، والتنبيه على ما لأهل بدر من المنزلة العظيمة التي يتجاوز الله لهم بها ما فعلوه من السيئات، وعندها علم عمر –رض الله عنه- أنه قد أخطأ في حكمه على حاطب فدمعت عيناه .
وفي جواب النبي –صلى الله عليه وسلم- لعمر، وردِّه عليه، وبيان مكانة أهل بدر الدلالة القاطعة على أن ما فعله حاطب –رضي الله عنه- من مكاتبة المشركين بسر الرسول –صلى الله عليه وسلم- وإن كان ذنباً عظيماً لكنه ليس بكفر . ووجه الدلالة من قول النبي –صلى الله عليه وسلم- (( لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )) على أن ما فعله حاطب ليس من الكفرأن الكفر لا يكفره إلا التوبة منه، وأما الذنوب التي دون الكفر فكما تكفر بالتوبة فإنها تكفر بالحسنات الماحية .
وفي تقرير وجه دلالة الحديث على هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : (قوله لأهل بدر ونحوهم (( اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )) إن حمل على الصغائر: أو على المغفرة مع التوبة لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم، فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر لما قد علم أن الكفر لا يغفر إلا بالتوبة، لا يجوز حمله على الصغائر المكفرة باجتناب الكبائر ) (65).
وفي نفس المعنى يقول الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ: ( لا يقال قوله (( وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )) هو المانع من تكفيره، لأنا نقول: لو كفر لما بقي من حسناته ما يمنع من لحاق الكفر وأحكامه، فإن الكفر يهدم ما قبله، لقوله تعالى: "وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ" [المائدة : 5] وقوله: "وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [الأنعام : 88]. والكفر محبط للحسنات والإيمان بالإجماع، فلا يظن هذا ) (65).
وفي بيان دلالة الموازنة في الحديث بين حسنة شهود حاطب بدرًا وبين سيئة مظاهرته للمشركين على أن ما فعله حاطب كان كبيرةً، ولم يكن كفرًا، يقول الإمام ابن القيم: ( إن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفّر بالحسنة الكبيرة الماحية، كما وقع الجس من حاطب مكفرًا بشهوده بدرًا، فإن ما اشتملت عليه هذه الحسنة العظيمة من المصلحة، وتضمنته من محبة الله لها، ورضاه بها، وفرحه بها، ومباهاته للملائكة بفاعلها، أعظم مما اشتملت عليه سيئة الجسّ من المفسدة، وتضمنته من بغض الله لها، فغلب الأقوى على الأضعف، فأزاله وأبطل مقتضاه ) (67).
والمقصود أن ما رد به النبي –صلى الله عليه وسلم- على عمر –رضي الله عنه-، وقوله له (( وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )) . فيه الدلالة على عدم إقرار عمر في تكفيره لحاطب، وما رتبه على ذلك من استحقاقه القتل، لأنه لا يستحق القتل إلا إذا كان كافراً بمظاهرته للمشركين، فيكون النبي –صلى الله عليه وسلم- قد نفى بهذه الكلمة الكفر عن حاطب –رضي الله عنه- وحكم بناءً على ذلك بعصمة دمه، وبيّن مع ذلك ما لحاطب –رضي الله عنه- من الفضل والمكانة، وأن الله قد غفر له ما حصل منه من مظاهرة المشركين، وإن كان ذنبًا عظيمًا. 

وبناءً على ما في الحديث من الدلالة على ثبوت الإسلام لحاطب –رضي الله عنه-، وأنه لم يكفر بما حصل منه من الجس على المسلمين، وإفشاء سر الرسول –صلى الله عليه وسلم-، اختلف العلماء في حكم الجاسوس المسلم، هل يقتل لأن النبي –صلى الله عليه وسلم- جعل المانع من قتل حاطب شهوده بدراً، لا مجرد إسلامه، أم أن الجاسوس لا يقتل مطلقاً لأنه لم يكفر بجسه على المسلمين فيقتل ردة، وليس في الحديث ما يدل على أن القتل حد للجس فيقتل به. لكن العلماء مع اختلافهم في دلالة حديث حاطب على قتل الجاسوس لم يختلفوا في دلالته على أن مجرد الجس على المسلمين ليس مما تكون به الردة(68).
فالذين لا يرون في الحديث الدلالة على قتل الجاسوس مطلقًا يقولون إن قتل المسلم لا يكون إلا بحدّ، وحاطب لم يُقتل لكونه لم يرتد، وليس في الحديث الدلالة على أن الجاسوس يقتل وإن كان مسلمًا، بل لم يمنع من قتله إلا كونه معصوم الدم لإسلامه.
وفي تقرير دلالة الحديث على هذا المعنى، وحكاية أقوال أئمة المذاهب وغيرهم في حكم الجاسوس يقول الإمام الخطابي: ( فيه دليل على أن الجاسوس إذا كان مسلماً لم يقتل، واختلفوا فيما يفعل به من العقوبة، فقال أصحاب الرأي في المسلم إذا كتب إلى العدو، ودله على عورات المسلمين يوجع عقوبة ويطال حبسه، وقال الأوزاعي: إن كان مسلماً عاقبه الإمام عقوبة مثقلة، وغربه إلى بعض الآفاق في وثاق، وإن كان ذمياً فقد نقض عهده، وقال مالك: لم أسمع فيه شيئاً، وأرى فيه اجتهاد الإمام ، وقال الشافعي: إذا كان هذا من الرجل ذي الهيئة بجهالة، كما كان من حاطب بجهالة، وكان غير متهم أحببت أن يتجافى عنه، وإن كان من غير ذي الهيئة كان للإمام تعزيره ) (69).
والذين يستدلون بالحديث على قتل الجاسوس مع ثبوت وصف الإسلام له يقولون إن عدم الإذن في قتل حاطب ليس لعدم قيام مقتضى القتل في حقه، وإنما لوجود المانع من قتله، وهو شهوده بدرًا.
وفي تقرير دلالة حديث حاطب على قتل الجاسوس وإن كان مسلماً يقول الإمام ابن القيم : ( تأمل قول الرسول –صلى الله عليه وسلم- لعمر وقد استأذنه في قتل حاطب، فقال : (( وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )). كيف تجده متضمناً لحكم القاعدة التي اختلف فيها أرباب الجدل والأصوليون، وهي أن التعليل بالمانع هل يفتقر إلى قيام المقتضي، فعلل النبي –صلى الله عليه وسلم- عصمة دمه بشهوده بدراً ، دون الإسلام العام ، فدل على أن مقتضي قتله كان قد وجد، وعارض سبب العصمة، وهو الجس على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ، لكن عارض هذا المقتضي مانع منع من تأثيره، وهو شهوده بدراً، وقد سبق من الله مغفرته لمن شهدها، وعلى هذا فإن هذا الحديث حجة لمن رأى قتل الجاسوس، لأنه ليس ممن شهد بدراً، وإنما امتنع قتل حاطب لشهوده بدراً ) (70).
فما سماه الإمام ابن القيم الإسلام العام هو ثابت عنده لمن جس على المسلمين، وليس لأجله امتنع قتل حاطب وعصم دمه، وإنما لعلّة أخص من الإسلام العام، وهي شهوده بدراً، لأن النبي –صلى الله عليه وسلم- إذا كان قد علل عدم الإذن في قتل حاطب بشهوده بدراً فعند انتفاء هذه العلة يكون الحديث عنده دليلًا على الإذن في قتل الجاسوس، مع بقاء وصف الإسلام ثابتاً له .
وذهب بعض العلماء في حكم الجاسوس إلى التفريق بين من تكرر منه فيقتل دفعاً لشره، وبين من لم يكن منه ذلك فلايقتل، وحملوا حديث حاطب على ذلك . وعندهم أنه مسلم في الحالين.
وممن ذكر ذلك الإمام الطبري حيث يقول: ( إذا ظهر للإمام رجل من أهل الستر أنه قد كاتب عدواً من المشركين، ينذره مما أسره المسلمون فيهم من عزم، ولم يكن معروفاً بالغش للإسلام وأهله، وكان ذلك من فعله هفوة وزلة، من غير أن يكون لها أخوات، يجوز العفو عنه، كما فعل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بحاطب، من عفوه على جرمه، بعدما اطلع عليه من فعله ) (71).
وفي قول الإمام ابن جرير هذا الدلالة على ما سبق بيانه من قوله في معنى الآيات الواردة في التكفير بموالاة الكفار، وأنها لا تكون كفراً عنده إلا إذا كانت لأجل الدين، لأنه لم يحكم في فعل حاطب بالكفر، مع كونه موالاة للكفار، ومظاهرة لهم على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- . وإنما جعل المانع من قتله أن الجس لم يتكرر منه، ولو كان قد فعل ما هو كفر عنده، ما اشترط التكرار فيه .
وليس المقصود هنا التفصيل بذكر ما لكل قول من الأدلة والتوجيهات، وإنما المقصود اتفاق هذه الأقوال على عدم كفر الجاسوس، وقد تكرّر بيان أن فعل الجاسوس مظاهرة للمشركين، فيكون اتفاق العلماء على عدم كفر الجاسوس وإن اختلفوا في قتله اتفاقًا على عدم التكفير بمطلق الموالاة للكفار.
والذي يظهر أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قد أراد بقوله لعمر –رضي الله عنه- (( لعلّ الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )) بيان عصمة دم حاطب، بذكر ما يقتضي ذلك بدلالة الأولى، فحين ذكر النبي –صلى الله عليه وسلم- مكانة حاطب ومنزلته، وأن الله قد غفر له ما حصل منه، تضمن ذلك الدلالة على إسلامه من باب أولى، وعلى هذا لا يكون في الحديث حجة على قتل الجاسوس، إلا إذا كان على سبيل التعزير، على ما سبقت إليه الإشارة من أقوال أهل العلم في ذلك .
وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية دلالة عدم إقرار النبي –صلى الله عليه وسلم- لعمر حين استأذن في قتل حاطب على ثبوت إسلام حاطب فقال: ( بين –صلى الله عليه وسلم- أنه باق على إيمانه، وأنه صدر منه، ما يغفر له به الذنوب، فعلم أن دمه معصوم ) (72).
ولهذا المعنى بوب الإمام أبو داود في سننه لقصة حاطب بقوله: ( باب حكم الجاسوس إذا كان مسلمًا ) (73).
وبوّب الإمام البيهقي في سننه لقصة حاطب –رضي الله عنه- بقوله: ( باب المسلم يدلّ المشركين على عورة المسلمين ) (74).

والنتيجة العامة لما سبق من الدلائل على أن ما فعله حاطب كان معصية دون الكفر أن كل مظاهرة للمشركين لا يمكن أن تكون كفراً لذاتها، ما لم تكن المظاهرة للمشركين لأجل دينهم . وأن ذلك لا يختص بمجرد ما حصل من حاطب من الجس للعدو، والدل على عورات المسلمين .
وتدل قصة حاطب على ذلك من جهة دلالة الأولى، ومن جهة دلالة القياس على ما فعل حاطب.
ويبين وجه دلالة الأولى في قصة حاطب ما ذكره الإمام الشافعي من أنه إذا لم يمكن أن يأتي أحد من مظاهرة المشركين بأعظم مما فعل حاطب، لكونه قد ظاهر المشركين على رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، فيلزم من ذلك أن كل مظاهرة للمشركين دون مظاهرة حاطب للمشركين، فلا تكون كفراً من باب أولى .
ومن لم يسلم بهذا الوجه من الدلالة، بدعوى أن ما حصل من حاطب ليس هو أعظم ما يمكن أن يكون من مظاهرة المشركين لزمه التسليم بالوجه الثاني ولابد، وهو أن ما فعله حاطب داخل في عموم مظاهرة المشركين، وفرد من أفرادها، وإذا لم يكن ما فعله حاطب كفراً مع كونه مظاهرة للمشركين لم يصح التفريق بين ما فعله حاطب وبين غيره مما يدخل في عموم المظاهرة، من جهة اقتضاء الكفر وعدمه، لأنه إذا لم تكن علة المظاهرة للمشركين مقتضية لذاتها الكفر في فعل حاطب لم يصح أن تكون مقتضية للكفر في كل ما يدخل في عموم المظاهرة للمشركين، من حيث كونه مظاهرة، وإلا لزم التناقض، حيث تكون المظاهرة للمشركين كفراً لذاتها، وليست كفراً لذاتها .
ولا بد هنا من التذكير بما سبق تفصيل القول فيه عند بيان حقيقة أصل الولاء والبراء، وخلاصته أنه كما لا يمكن أن تكون معاداة المؤمن للمؤمن منافية لأصل الموالاة بينهما، ما لم تكن المعاداة لأجل الدين، فكذلك لا تكون موالاة المؤمن للكافر منافية لأصل البراءة من الكفار، ما لم تكن تلك الموالاة من المؤمن للكافر لأجل دينه.
وبذلك يعلم أن كل ما دخل في عموم مظاهرة المشركين فإنه لا يكون كفرًا لمجرد المظاهرة والموالاة الظاهرة للكفار، وأننا لا نحتاج إلى دليل خاص بكل فرد من أفراد المظاهرة للمشركين أنه ليس بكفر؛ لأن هذا هو الذي تقتضيه الأصول السابقة، وأن من خالف في شيء من أفراد المظاهرة للمشركين وادعى فيها الكفر لذاتها فإنه هو الذي يحتاج إلى إقامة الدليل على دعواه، ولا يمكن وجود دليل في مخالفة ما سبق تقريره من أصول.

نتائج البحث:
1- إن أصل الموالاة المحبة، وأصل البراءة البغض والكراهية، فلا ينتفي الإيمان إلا بما ينافي هذا الأصل.
2- إنه كما لا يلزم من مطلق معاداة المؤمن للمؤمن انتفاء أصل الموالاة بينهما، فكذلك لا يلزم من مطلق موالاة المؤمن للكفار انتفاء أصل البراءة منهم، وأن التفريق بين هذين الأمرين مخالفة للنصوص الشرعية، وتناقض محض.
3- إن التفريق بين أصل الولاء والبراء وكماله كافٍ في الدلالة على تقييد الآيات الواردة في التكفير بموالاة الكفار بموالاتهم على دينهم.
4- إن سياق الآيات الدالة على التكفير بموالاة الكفار يدل على تقييدها بموالاتهم على دينهم.
5- إن ما حصل من حاطب –رضي الله عنه- من مكاتبة المشركين بسرّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قبل فتح مكة مظاهرة للمشركين.
6- إن ما حصل من حاطب –رضي الله عنه- من مظاهرة المشركين ليس كفرًا لذاته؛ لأن ما حصل منه كان لمجرد غرض دنيوي هو حماية أهله وماله بمكة، لا موالاة للكفار على دينهم.
7- إن سؤال النبي –صلى الله عليه وسلم- لحاطب –رضي الله عنه- عمّا حمله على ما صنع دليل على أن فعله ليس كفرًا لذاته.
8- إن اعتذار حاطب –رضي الله عنه- عما فعل بالغرض الدنيوي ونفيه عن نفسه الرضى بالكفر والردة عن الإسلام دليل على أن مظاهرة الكفار لمجرد غرض دنيوي ليست لذاتها كفرًا وإن كانت ذنبًا عظيمًا. ودليل على مناط الكفر بموالاة الكفار، وهو موالاتهم على دينهم.
9- إن عمر –رضي الله عنه- قد حكم بنفاق حاطب –رضي الله عنه-، واستأذن النبي –صلى الله عليه وسلم- في قتله مرتين. ولم يقرّه النبي –صلى الله عليه وسلم- فيهما، بل أخبر في المرة الأولى بصدق حاطب –رضي الله عنه- وأمر الصحابة ألا يقولوا له إلا خيرًا، وأخبر في المرة الثانية أنه قد غفر لحاطب –رضي الله عنه- ما فعل من مكاتبة المشركين بشهوده بدرًا، وذلك لا يكون فيما هو كفر، لأن الكفر لا يمحوه إلا التوبة منه.
10- إن عدم إقرار النبي –صلى الله عليه وسلم- لعمر –رضي الله عنه- في حكمه على حاطب –رضي الله عنه- بالنفاق واستئذانه في قتله دليل على أن ما فعله حاطب –رضي الله عنه- ليس كفرًا لذاته، وأن عمر –رضي الله عنه- قد أخطأ في حكمه على حاطب –رضي الله عنه- ، وأنه كان في ذلك متأولًا.
11- إن مجرد تكرار مظاهرة الكفار على المسلمين لا يكفي لذاته دليلاً على الحكم بالكفر في الظاهر على من حصل منه ذلك، لأن مجرد تكرار المعصية التي دون الكفر، والمجاهرة بها، والإصرار عليها، ليس لذاته دليلاً على استحلالها.
12- إنه لا يلزم من عدم الحكم في الظاهر بكفر من حصلت منه المظاهرة للكفار -لانتفاء ما يدلّ على أن مظاهرته لهم لأجل دينهم- ألا يكون كافراً في الباطن، بل قد يكون كافراً في الباطن، وإن حكم بإسلامه في الظاهر، كشأن غيره من المنافقين الذين يحكم بإسلامهم في الظاهر مع كونهم كفارًا في الباطن.
 

 

________________________________________

(55) أخرجه البخاري. كتاب المغازي. (3983)
(56) أخرجه البخاري. كتاب استتابة المرتدين (6939)
(57) أخرجه البخاري. كتاب الصلاة (452). وكتاب التهجد (1186) ومسلم كتاب الإيمان (33)
(58) مجموع فتاوى ابن تيمية (21/523)
(59) فتح الباري. لابن حجر. (12/308-309)
(60) فتح الباري. لابن حجر.(10/515) .
(61) المرجع السابق. (10/514).
(62) معالم السنن. للخطابي . (3/109-110) .
(63) مجموع الفتاوى. لابن تيمية. (20/30).
(64) المرجع السابق. (20/34-35).
(65) المرجع السابق. (7/490).
(66) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/235).
(67) زاد المعاد. لابن القيم. (3/423-424).
(68) وانظر: المرجع السابق. (3/422-423).
(69) معالم السنن. للخطابي (3/109-110). وانظر: شرح مسلم للنووي (16/55).
(70) بدائع الفوائد. لابن القيم (4/128). وانظر فتح الباري. لابن حجر (8/635)
(71) عمدة القاري. للعيني. (12/75). وانظر: الجامع لأحكام القرآن. للقرطبي (18/53). وشرح صحيح مسلم. للنووي. (2/67).
(72) الصارم المسلول. لابن تيمية (2/341).
(73) سنن أبي داود. (3/109).
(74) السنن الكبرى. للبيهقي. (9/146).