طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > مناط الكفر بموالاة الكفار [3/4](د. عبد الله بن محمد القرني)

ملتقى الخطباء

(75)
534

مناط الكفر بموالاة الكفار [3/4](د. عبد الله بن محمد القرني)

1430/09/14
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

 

د. عبد الله بن محمد القرني

 

.. ومن تأمل الروايات الثابتة في قصة حاطب –رضي الله عنه- علم أنه لا يمكن أن يقال فيما فعله إنه مما لا يتضرر به المسلمون، فكيف تترك الروايات الثابتة، وتنفى دلالتها على أن ما فعله حاطب –رضي الله عنه- داخل في عموم مظاهرة المشركين، لمجرد هذه الحكاية التي يذكرها أهل المغازي بلا إسناد. بل إنه على فرض التسليم بها وأنها ثابتة فإن فيها إفشاء سر الرسول –صلى الله عليه وسلم- ، سواء توعدهم فيها أو لم يتوعدهم. 

وأما دلالة قصة حاطب –رضي الله عنه- على أنه لا يلزم الكفر من موالاة الكفار ومظاهرتهم وإعانتهم على المسلمين لمجرد غرض دنيوي فظاهرة أيضًا، فإن في سؤال النبي –صلى الله عليه وسلم- لحاطب عن الحامل له على ما فعل، وفي جواب حاطب –رضي الله عنه- ، وتصديق النبي –صلى الله عليه وسلم- له، ورده على عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- حين حكم بنفاق حاطب ما يدل على أن ما فعله حاطب –رضي الله عنه- ليس كفرًا لذاته، بل هو معصية كفَّرها شهوده بدرًا.
ووجه دلالة سؤال النبي –صلى الله عليه وسلم- لحاطب –رضي الله عنه- على ذلك أن النبي –صلى الله عليه وسلم- ابتدأ بسؤال حاطب عن الحامل له على ما فعل؛ لأن حكم الفعل لا يتبين في مثل حال حاطب إلا إذا تبين الحامل عليه، فإنه وإن كان موالاة للكفار في الظاهر لكن قد يكون الحامل على تلك الموالاة الشك في الدين وموالاة الكفار على دينهم، فتكون كفرًا، وقد تكون لمجرد غرض دنيوي مع ثبوت أصل البراءة من الكفار فتكون معصية دون الكفر، وإذا احتمل الفعل الكفر وعدمه لم يجز إطلاق الحكم على من فعله قبل التثبت بمعرفة مناط الحكم، وهذا هو الذي فعله النبي –صلى الله عليه وسلم- مع حاطب –رضي الله عنه- .
وقد نص الإمام الشافعي على دلالة الاحتمال في فعل حاطب –رضي الله عنه- ، ونقل ذلك عنه الربيع في الأم فقال: ( قيل للشافعي رحمة الله عليه: أرأيت المسلم يكتب إلى المشركين من أهل الحرب بأن المسلمين يريدون غزوهم، أو بالعورة من عوراتهم، هل يحل ذلك دمه، ويكون ذلك دلالة على ممالأة المشركين على المسلمين؟.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: لا يحل دم من ثبتت له حرمة الإسلام إلا أن يقتل، أو يزني بعد إحصان، أو يكفر كفرًا بينًا بعد إيمان، ثم يثبت على الكفر، وليس الدلالة على عورة مسلم، ولا تأييد كافر بأن يحذر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها، أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفر بيّـن.
فقلت للشافعي –رحمه الله -ٍٍِِ: أقلت هذا خبرًا أم قياسًا؟. قال: قلته بما لا يسع مسلمًا علمه عندي أن يخالفه بالسنة المنصوصة، بعد الاستدلال بالكتاب. فقيل للشافعي رحمة الله عليه: فاذكر السنة فيه، فذكر حديث حاطب، ثم قال في وجه بيان وجه دلالة الاحتمال فيه على أن ما فعله حاطب ليس بكفر: ( في هذا الحديث مع ما وصفنا لك طرح الحكم باستعمال الظنون، لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال، من أنه لم يفعله شاكًا في الإسلام، وأنه فعله ليمنع أهله، ويحتمل أن يكون زلة، لا رغبة عن الإسلام، واحتمل المعنى الأقبح، كان القول قوله فيما احتمل فعله، وحكم رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بأن لم يقتله، ولم يستعمل عليه الأغلب، ولا أعلم أحدًا أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذا، لأن أمر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- مباين في عظمته لجميع الآدميين بعده، فإذا كان من خابر المشركين بأمر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يريد غرتهم فصدقه على ما عاب عليه من ذلك، غير مستعمل الأغلب مما يقع في النفوس، فيكون لذلك مقبولًا، كان من بعده في أقل من حاله، وأولى أن يقبل منه مثل ما قبل منه.
قيل للشافعي –رضي الله عنه-ٍٍِِ : أفرأيت إن قال قائل: إن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: (( قد صدق )) إنما تركه لمعرفته بصدقه، لا بأن فعله كان يحتمل الصدق وغيره، فيقال له: قد علم رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن المنافقين كاذبون، وحقن دماءهم بالظاهر، فلو كان حكم النبي –صلى الله عليه وسلم- في حاطب بالعلم بصدقه كان حكمه على المنافقين بالعلم بكذبهم، ولكنه إنما حكم في كل بالظاهر، وتولى الله –عز وجل- منهم السرائر، ولئلا يكون لحاكم بعده أن يدع حكمًا له مثل ما وصفت من علل أهل الجاهلية، وكل ما حكم به رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فهو عام حتى تأتي عنه دلالة على أنه أراد به خاصًا، أو عن جماعة المسلمين الذين لا يمكن فيهم أن يجهلوا له سنة، أو يكون ذلك في كتاب الله جل وعزّ ) (47).
وما ذكره الإمام الشافعي في دلالة قصة حاطب –رضي الله عنه- على الاحتمال في فعله، وأن النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يكفر حاطبًا؛ لأن فعله يحتمل الكفر وما دونه فقه متين، والدلالة فيه واضحة، لا ينكرها إلا جاهل بما بينه الإمام الشافعي أو جاحد معاند.
وقد سئل الإمام الشافعي عن أمرين يدخلان في عموم موالاة الكفار ومظاهرتهم على المسلمين، وهي مكاتبة المشركين من أهل الحرب بأن المسلمين يريدون غزوهم، أو دلالة المشركين على عورة المسلمين التي يتضرر المسلمون بكشفها لأعدائهم من الكفار، وهل يحل دم من حصل منه ذلك.
وكان جواب الإمام الشافعي بأن ما ذكر مما هو من مظاهرة المشركين، وما هو أبلغ منه في المظاهرة، وهو التقدم في نكاية المسلمين، بأن يقاتل المسلمين مع المشركين ليس من الكفر البين. وإنما قال الإمام الشافعي إن التقدم في نكاية المسلمين ليس بكفر بين، لأن مجرد قتل المسلم للمسلم ليس في ذاته كفرًا، لا فرق بين أن يكون قتل المسلم للمسلم من غير إعانة للكفار على المسلمين، أو مع إعانتهم على قتال المسلمين، وليس مع من فرق بين الحالين من جهة اقتضاء الحكم بالكفر بينة، وهذا يدل على أن كل ما يكون في الظاهر من موالاة الكفار ومظاهرتهم على المسلمين ليست لذاتها من الكفر البين؛ لأنه لم يدل نص على أن شيئًا منها يكون من الكفر، وإنما دل الدليل من الكتاب والسنة على أنها ليست لذاتها من الكفر، وهذا معنى قول الإمام الشافعي في بيان مستنده في الدلالة على ما قال: « قلته بما لا يسع مسلمًا علمه عندي أن يخالفه بالسنة المنصوصة، بعد الاستدلال بالكتاب».
ومقتضى قول الإمام الشافعي هذا أنه يجزم بالإحكام في دلالة حديث حاطب على عدم التكفير بمظاهرة المشركين لغرض دنيوي، وإذا كانت دلالة الحديث محكمة في ذلك فلا يمكن وجود دليلٍ من الكتاب أو السنة يخالف دلالته، وعلى هذا فلا يكون في الآيات الدالة على التكفير بموالاة الكفار ما يعارض دلالة الحديث عند الإمام الشافعي، كيف وقد صرح بأن ما هو معلوم بالسنة في هذه المسألة هو معلوم أيضًا بدلالة الكتاب. لكن لما لم يطلب من الإمام الشافعي إلا دلالة السنة على ما قال ذكرها، واكتفى في ذلك بدلالة قصة حاطب –رضي الله عنه- ، وليت أنه قد طلب منه أن يبين دلالة الكتاب على أن مظاهرة الكفار ليست كفرًا لذاتها، ليتبين عند من يستدل بالآيات الدالة على التكفير بموالاة الكفار على التكفير بمطلق الموالاة أنه ليس في تلك الآيات ما يدل على ذلك.
والإمام الشافعي أعلم وأجلّ من أن يجهل دلالة الآيات الواردة في التكفير بموالاة الكفار على كثرتها، أو أن ينص على الإحكام في دلالة حديث حاطب مع علمه بما يعارض دلالة الحديث في تلك الآيات، بل لا يمكن أن تدل عنده على ما يناقض ما بينه من الدلالة المحكمة في حديث حاطب، فعلى من يدعي الإحكام في دلالة الآيات على التكفير بمطلق الموالاة للكفار، ويدعي في حديث حاطب التشابه، ويسلك في بيان دلالته التأويل ليوافق ما يدعيه من دلالة تلك الآيات أن يتأمّل هذا الموطن، ويتجرّد للحقّ، ليعلم أن ما بيّنه الإمام الشافعي في هذه المسألة هو الحقّ الذي لا تختلف الأدلة من الكتاب والسنّة في الدلالة عليه.
ومستند الإمام الشافعي في قصة حاطب –رضي الله عنه- على أن مظاهرة المشركين ليست من الكفر البين أن النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يحكم بكفر حاطب بمجرد ما حصل منه من مظاهرة المشركين، مع أنه لا أحد يمكن أن يأتي في مظاهرة المشركين بأعظم مما فعل حاطب –رضي الله عنه-، لأن حاطبًا قد ظاهر المشركين على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ، ولا أحد بعد حاطب يمكن أن تبلغ به المظاهرة إلى هذا الحد، لأن « أمر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- مباين في عظمته لجميع الآدميين » .
ومع تشديد الإمام الشافعي في شأن ما حصل من حاطب من مظاهرة المشركين إلا أن ذلك عنده ليس من الكفر البيّـن؛ لأن فعل حاطب يحتمل « أنه لم يفعله شاكًا في الإسلام، وأنه فعله ليمنع أهله »، كما يحتمل فعله « المعنى الأقبح » وهو الكفر، وإذا ورد الاحتمال في فعل حاطب « كان القول قوله فيما احتمل فعله »؛ لأنه لا بينة من نفس الفعل مع شناعته على أنه لا يحتمل إلا الكفر، وإذا انتفت دلالة الفعل لذاته على الحكم بالكفر لم يبق إلا دلالة القول على ما يحتمله الفعل. وإذا لم يكن ما فعله حاطب كفرًا لذاته، مع كونه أظهر ما يمكن أن يكون من مظاهرة المشركين عند الإمام الشافعي، فمن باب أولى ألا يكون ما دون ذلك من مظاهرة المشركين كفرًا لذاته.
ثم نبه الإمام الشافعي بعد ذلك على أمر مهم، وهو أنه قد يقع في النفس ترجيح الاحتمال بالكفر بمجرد الموالاة الظاهرة للمشركين، ويحذر الإمام الشافعي من الاستناد إلى مجرد دلالة الفعل في ذلك، وإن غلب على النفوس من ذلك ما يغلب، والاكتفاء بدلالة القول، لكونه وحده المنبيء عن الاعتقاد الباطن في حال مظاهرة المشركين لأجل دينهم.
وما ذكره الإمام الشافعي هنا عام في التفريق بين ما هو كفر لذاته وبين ما يكون الكفر به متعلقًا بالباطن، بحيث لا يحكم على فاعله بالكفر إلا من جهة دلالة القول على الكفر الباطن. فما كان كفرًا لذاته لم يشترط في تكفير المعين به التثبت من اعتقاده الباطن بدلالة القول عليه، وإنما يكتفى بالتثبت من تحقق شروط التكفير وانتفاء موانعه في حقه، بخلاف الذنوب التي دون الكفر، فإنها لا تكون كفرًا لذاتها، وإنما يكون الكفر بما يكون في الباطن من الاعتقاد الذي هو كفر، كاستحلال المعصية. فمن تقرب لغير الله بعبادة من العبادات مثلًا فإنه يكفر بذلك، ولا ينظر في دلالة قوله على اعتقاده الباطن، وإنما يتثبت معه من تحقق شروط التكفير وانتفاء موانعه، بخلاف من فعل معصية دون الكفر، كالزاني والسارق وشارب الخمر، فإنه لا يكفر بها، ولا دلالة في مجرد تكرارها والإصرار عليها والمجاهرة بها على استحلالها، لكن إن دل قوله على استحلالها حكم بكفره حينئذ.
وعلى هذا يكون الاحتمال الذي يقصده الإمام الشافعي في فعل حاطب هو من قبيل الاحتمال في حكم الفعل من جهة ما قد يتحقق في الباطن من الكفر، مما لا دلالة عليه إلا بالقول، وليس من قبيل الاحتمال في حكم من فعل ما هو كفر، وهل تحققت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه أم لا. فيكون مستند الاحتمال على المعنى الأول عدم اليقين بالكفر الباطن الذي لا دليل عليه بمجرد الفعل الذي هو معصية، وإنما لابد فيه من دلالة القول، وأما مستند الاحتمال على المعنى الثاني فهو عدم اليقين بكفر من فعل ما هو كفر لاحتمال أن يكون معذورًا بشيء من موانع التكفير.
والذي أشكل على بعض من أخطأ في فهم فقه هذه القصة أنهم لم يفرقوا بين هذين الاحتمالين، وظنوا أنه يمكن القول إن النبي –صلى الله عليه وسلم- قد سأل حاطبًا بقوله: « ما حملك على ما صنعت » ليعلم منه هل له شبهة تدرأ عنه الحكم بالكفر أم لا؟ وليس الأمر كذلك، وإنما سأله النبي –صلى الله عليه وسلم- عن الحامل له على ما فعل، لأنه قد وقع في مخالفة شنيعة هي على ما سبق من قول الإمام الشافعي أظهر ما يمكن أن يكون من مظاهرة المشركين، وأن مثل ما فعل حاطب لا يفعله في الغالب إلا أهل النفاق. وأنه كيف يكون ذلك من حاطب مع مكانته وعلم النبي –صلى الله عليه وسلم- بفضله وسابقته، فهذا يستدعي معرفة الدافع له على ما صنع، ولهذا كان في جواب حاطب نفي أن يكون قد فعل ذلك نفاقًا وشكًا في الإسلام، والاعتراف بأنه قد فعل ذلك لغرض دنيوي هو حماية أهله وماله بمكة، فلم يجب النبي –صلى الله عليه وسلم- بما يدل على اعتذاره بما هو من موانع التكفير، من جهل أو شبهة أو إكراه، وإنما اعتذر ببيان أن ما حصل منه من مظاهرة المشركين ليس الحامل عليه محبتهم أو إعانتهم على المسلمين لأجل دينهم، وهذا هو مناط الكفر بمظاهرة المشركين، وإنما حمله على ذلك حماية أهله وماله، ولو كان فعل حاطب كفرًا لذاته ما جاز له أن يعتذر بأن فعله لذلك الكفر كان لغرض دنيوي، ولما قبل منه النبي –صلى الله عليه وسلم- عذره. ولو أمكن قبول اعتذاره بالغرض الدنيوي مع كون فعله من الكفر لأمكن أن يكون الغرض الدنيوي عذرًا في فعل كل ما هو كفر.
ومن تأمل الفرق بين هذين الاحتمالين، وعرف على أي معنى منهما يحمل فعل حاطب انحل عنده الإشكال في هذا الباب.
وحين تبين للسائل الذي سأل الإمام الشافعي أن الأمر في حكم مظاهرة المشركين محسوم عند الإمام الشافعي، وأن الفعل فيها لا يمكن أن يكون كفرًا لذاته، انتقل السائل إلى اعتراض يمكن به لو سلم تخصيص الحكم في قصة حاطب بحاطب وحده، بحيث لا تكون قصته دليلًا على نفي الكفر عن مظاهرة المشركين مطلقًا، وإنما تكون دليلًا عل نفي الكفر عن حاطب، استنادًا إلى أنه يمكن أن يكون النبي –صلى الله عليه وسلم- قد حكم بصدق حاطب ولم يحكم بكفره لأنه قد علم ذلك بالوحي، لا لأن فعل حاطب كان يحتمل الصدق وغيره.
وهنا أجاب الإمام الشافعي عن هذا الاعتراض باعتراض ينقضه من أصله، وهو أنه لو سلم هذا الاعتراض في حال حاطب فكيف يكون الأمر في حكم المنافقين، وقد علم النبي –صلى الله عليه وسلم- كذبهم بالوحي، ولم يحكم عليهم بالكفر في الظاهر، بل اكتفى منهم بالظاهر من حالهم، فكذلك الأمر في حال حاطب، إنما حكم عليه بمقتضى الظاهر، لا بأمر باطن لا يعلمه إلا الله، وحاصل ذلك أن النبي –صلى الله عليه وسلم- (( إنما حكم في كل بالظاهر ))، فلا بد أن يكون النبي –صلى الله عليه وسلم- في تصديقه لحاطب قد اكتفى منه بقوله، ولم يحكم بصدقه لكونه قد علم ذلك بوحي من الله تعالى.
والذي يستنتج من كلام الإمام الشافعي أن الكفر بموالاة الكفار عنده هو من الكفر الباطن، الذي يكون به النفاق وإن لم يدل عليه دليل في الظاهر، وأن ما يكون في الظاهر من موالاة الكفار لا يكفي لذاته عند الإمام الشافعي دليلًا على الكفر الباطن، وأنه لا سبيل إلى ذلك إلا بدلالة القول، فإنه إذا كان ما فعله حاطب من مظاهرة المشركين هو أظهر ما يكون من موالاة الكفار في الظاهر، ولم يمكن الحكم على حاطب بالكفر لعدم إمكان دلالة الفعل لذاته على ذلك لم يمكن الحكم على شيء من الموالاة الظاهرة للكفار أنها كفر لذاتها، لأنها دون ما حصل من حاطب من مظاهرة المشركين على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- . وهذه النتيجة المستنبطة من قصة حاطب عند الإمام الشافعي تتفق مع ما سبق تقريره في بيان دلالة الآيات الواردة في الحكم بالكفر بموالاة الكفار، وأنها مقيدة بموالاة الكفار على دينهم، على ما سبق تفصيله.
وبهذا يعلم أنه لا دلالة في مجرد مظاهرة المشركين في الظاهر على الكفر الباطن، لأن مجرد الموالاة الظاهرة للكفار -وإن تكررت- لا تدل لذاتها على أنها لأجل دينهم، لاحتمال أن تكون لغرض دنيوي، فلا يجوز الحكم بكفر المعيّن في الظاهر مع احتمال أن لا يكون فعله كفرًا، ولا يلزم من ذلك الجزم بعدم كفره في الباطن، بل قد يكون كافرًا في الباطن، كشأن غيره من المنافقين الذين يُحكم بإسلامهم في الظاهر، مع كونهم كفارًا في الباطن.
وأما دلالة جواب حاطب للنبي –صلى الله عليه وسلم- على عدم التكفير بمظاهرة المشركين لمجرد غرض دنيوي، فلما تقرر من أن ما فعله حاطب كان مظاهرة للمشركين، فإذا اعتذر حاطب عن مظاهرته للمشركين بحماية أهله وماله بمكة، ولم يحكم عليه النبي –صلى الله عليه وسلم- بالكفر لأجل ذلك، دل ذلك على أن مظاهرة المشركين لمجرد غرض دنيوي ليست كفرًا.
وتأمّل بإنصاف جواب حاطب –رضي الله عنه- للنبي –صلى الله عليه وسلم-، وأنه قد فرق بين موالاة الكفار لأجل دينهم وبين موالاتهم لمجرد غرض دنيوي، حيث نفى عن نفسه أن يكون قد ظاهر المشركين عن شكٍّ في الإسلام وردة عنه، لكنه أقرَّ بأنه قد فعل ما فعل لحماية أهله وماله بمكة، ومع علمه أن موالاة الكفار لغرض دنيوي معصية شنيعة إلا أنه يعلم أيضًا أنها ليست كفرًا، ولو كان حكمهما عنده واحدًا ما كان لاعتذاره وتفريقه بين الحالين معنى، وقد أقرّه النبي –صلى الله عليه وسلم- على هذا التفريق، وأخبر بصدقه في نفي النفاق عن نفسه، وأخبر بأن ما حصل منه من المعصية التي دون الكفر قد غفرها الله له بشهوده بدرًا، فأي حجّة لمن يدّعي المساواة بين موالاة الكفار على دينهم وبين موالاتهم لمجرد غرض دنيوي بعد هذا ؟!
وقد تقدم أنه لا يمكن أن يكون ما فعله حاطب من مظاهرة المشركين كفرًا ثم يعتذر عنه بحماية أهله وماله، فيكون في ذلك ما يمنع من تكفيره، لأنه لا يمنع من الحكم بالكفر أن يراد به الدنيا، بل أكثر ما يكون الكفر لإرادة الدنيا، فكيف يكون هو العذر المانع من كفر حاطب –رضي الله عنه- .
وقد استند العلماء إلى اعتذار حاطب –رضي الله عنه- في هذا الحديث في التفريق بين موالاة الكفار على دينهم وموالاتهم لمجرد غرض دنيوي، وأن الكفر إنما يكون بموالاة الكفار على دينهم، لا بمجرد موالاتهم لغرض دنيوي.
ومن ذلك ما سبق ذكره عن الإمام الشافعي في التفريق بين الأمرين حيث قال: ( في هذا الحديث مع ما وصفنا لك طرح الحكم باستعمال الظنون، لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال، من أنه لم يفعله شاكًا في الإسلام، وأنه فعله ليمنع أهله، ويحتمل أن يكون زلة لا رغبة عن الإسلام، واحتمل المعنى الأقبح، كان القول قوله فيما احتمل فعله ) (48).
فالإمام الشافعي قابل بين مظاهرة المشركين إذا كانت عن شك في الإسلام ورغبة عنه، وهو المقصود بالمعنى الأقبح، وبين أن يكون حاطب غير شاك في الإسلام ولا راغب عنه، وإنما فعل ما فعل ليمنع أهله وماله، فلا يكون ما فعله حاطب من مظاهرة المشركين كفرًا لذاته عند الإمام الشافعي، وإنما يكون معصية دون الكفر، ولو أمكن أن تكون مظاهرة المشركين كفرًا في ذاتها عنده ما أطلق تقييد الكفر بها بالشك في الإسلام، فيكون اعتذار حاطب عن فعله بأنه إنما أراد أن يمنع أهله وماله بمكة هو المانع من تكفيره؛ لأنه قد اعتذر بما هو معصية، فلا يحكم عليه بالكفر لأجلها، وعلى هذا لا يكون الكفر بالموالاة عند الإمام الشافعي إلا إذا كانت موالاة الكفار على جهة الشك في الإسلام المقتضي لموالاة الكفار على دينهم.
وممن نص على أن موالاة الكفار لمجرد غرض دنيوي ليست كفرًا شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث ذكر بعض الآيات التي استدل بها على التكفير بموالاة الكفار، ثم قال بعدها: ( وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة، فتكون ذنبًا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرًا، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي –صلى الله عليه وسلم-، وأنزل الله فيه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ" [الممتحنة:1] (49).
وإذا كان قد سبق بيان ما في كلام شيخ الإسلام هذا من أن الحكم بالكفر في الآيات الواردة في التكفير بموالاة الكفار مقيد بموالاتهم على دينهم، فإن في كلامه ما يدل أيضًا على أن موالاة الكفار لمجرد غرض دنيوي كالذي حصل من حاطب ليست كفرًا عنده، بل يكون كما قرر شيخ الإسلام مما ينقص به الإيمان ولا يكون به الكفر، وإذا كان ما فعله حاطب –رضي الله عنه- مما ينقص به الإيمان ولا يكون من الكفر كان حكم ما فعل حاطب كحكم غيره من المعاصي التي دون الكفر، من حيث أنها لا تحتمل الكفر لذاتها، وإنما تكون كفرًا من جهة ما يكون في الباطن من الاعتقاد الذي هو كفر، والذي لا يمكن الاطلاع عليه والحكم عليه بمجرد الفعل الظاهر، وإنما يدل عليه القول فقط، كالذي يستحل المعصية مثلًا، فإن الاستحلال وإن كان كفرًا إلا أنه لا يمكن الحكم على معين به بمجرد فعله الظاهر، لكن إذا أعلنه بلسانه وأقر به حكم عليه به.
وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أن ما حصل من حاطب مجرد معصية، حيث قال في التعليق على بعض ما حصل من الصحابة من ذنوب: "فهذه أمور صدرت عن شهوة وعجلة، لا عن شك في الدين، كما صدر من حاطب التجسس لقريش مع أنها ذنوب ومعاصي، يجب على صاحبها أن يتوب ) (50).
وهذا نص في التفريق بين ما يكون به الكفر في الموالاة وما لا يكون به الكفر عند شيخ الإسلام ابن تيمية، فالذي يكون به الكفر في الموالاة عنده هو ما يكون عن شك في الدين، وهو الذي نفاه حاطب عن نفسه، والذي لا يكون به الكفر عنده ما لم يكن كذلك، كالذي حصل من حاطب من موالاة الكفار لمجرد غرض دنيوي، فيكون معصية لكون الحامل عليه الشهوة لا الشك في الدين.
وممن استدل بفعل حاطب –رضي الله عنه- على أن مظاهرة المشركين لغرض دنيوي ليست كفرًا الإمام ابن كثير، حيث ذكر بعض الآيات الدالة على التكفير بموالاة الكفار، ثم قال بعدها: ( ولهذا قبل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عذر حاطب لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش، لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد ) (51).
وإنما أراد الإمام ابن كثير بقبول الرسول–صلى الله عليه وسلم- عذر حاطب أنه لم يكفره، لأنه قد ذكر عذرًا يمنع من تكفيره، وهو حماية أهله وماله بمكة، وعلى هذا يكون حكم كل من حصلت منه الموالاة للكفار لمجرد غرض دنيوي كحكم حاطب –رضي الله عنه-، فلا يكفر بذلك.
وممن نص على أن مظاهرة المشركين لمجرد غرض دنيوي ليست كفرًا استنادًا إلى قصة حاطب الإمام القرطبي، حيث قال: ( من كثر تطلعه على عورات المسلمين، وينبه عليهم، ويعرف عدوهم بأخبارهم، لم يكن بذلك كافرًا، إذا كان فعله لغرض دنيوي، واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد، ولم ينو الردة عن الدين ) (52).
واستدلال الإمام القرطبي بقصة حاطب على عدم التكفير بموالاة الكفار لمجرد غرض دنيوي ظاهر، حيث ذكر بعض مظاهر الموالاة للكفار، وهي مما يكفر به من يكفر بمطلق الموالاة للكفار، ثم نص على أنها لا تكون كفرًا إذا كانت لمجرد غرض دنيوي، ودليله على ذلك فعل حاطب، حيث حصلت منه الموالاة للكفار، ثم لم يحكم النبي –صلى الله عليه وسلم- بكفره، لما جاء في قصته من اعتذاره بما هو من الغرض الدنيوي.
وللشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ رسالة مفردة في حكم موالاة الكفار وبعض مسائل التكفير، ذكر في أولها أن الباعث له على كتابتها أن بعض أهل زمانه ممّن يدعي العلم غلوا في التكفير، حيث كفروا حكام زمانهم، بحجة أنهم يكاتبون من يعتقد أولئك الغلاة كفرهم، بل إنهم كفروا من خالط من كاتبهم من مشايخ المسلمين، وذكر عنهم أنهم خاضوا في مسائل من هذا الباب، كالكلام في الموالاة والمعاداة، والمصالحة، والمكاتبات، وبذل الأموال والهدايا(53).
وقد ذكر في الرد عليهم دلالة قصة حاطب –رضي الله عنه- على عدم التكفير بمطلق الموالاة، وأن ما فعله حاطب –رضي الله عنه- لم يكن من الكفر؛ لأنه « إنما فعل ذلك لغرض دنيوي »، ثم بين أن الآيات الواردة في التكفير بموالاة الكفار لا تعارض ذلك، لأنها مقيدة بالموالاة المطلقة العامة.
وقد ذكر الحديث في قصة حاطب –رضي الله عنه-، وذكر قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ" [الممتحنة:1]. ثم قال: ( فدخل حاطب في المخاطبة باسم الإيمان، ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه، وله خصوص السبب الدال على إرادته، مع أن ما في الآية الكريمة ما يشعر أن فعل حاطب نوع موالاة، وأنه أبلغ إليهم بالمودة، وأن فاعل ذلك قد ضل سواء السبيل، لكن قوله: (( صدقكم خلوا سبيله )) ظاهر في أنه لا يكفر بذلك إذا كان مؤمنًا بالله ورسوله، غير شاك ولا مرتاب، وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي، ولو كفر لما قال: (( خلوا سبيله )) … وأما قوله تعالى: "وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ" [المائدة:51]، وقوله تعالى: "لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ" [المجادلة:22]، وقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:57]، فقد فسرته السنة وقيدته وخصته بالموالاة المطلقة العامة ) (54).
ومقصوده بتفسير السنة وتقييدها وتخصيصها لتلك الآيات ما دلت عليه قصة حاطب –رضي الله عنه- من أن موالاة الكفار إذا كانت لمجرد غرض دنيوي لم تكن كفرًا، إذ لا يمكن أن تدل تلك الآيات على التكفير بمطلق الموالاة للكفار مع دلالة الحديث على عدم التكفير بموالاتهم لغرض دنيوي.
ومما سبق من تقريرات العلماء وما حرروه في مستند التفريق بين الموالاة المكفرة وغير المكفرة يعلم أن موالاة الكفار لا تكون كفرًا إذا كانت لمجرد غرض دنيوي، وأن قصة حاطب قاطعة في الدلالة على ذلك.

ومن الدلائل في قصة حاطب –رضي الله عنه- على أن موالاة الكفار إذا كانت لمجرد غرض دنيوي لا تكون كفرًا عدم إقرار النبي –صلى الله عليه وسلم- عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- في تكفيره لحاطب –رضي الله عنه- ، والذي حمل عمر –رضي الله عنه- على الحكم بكفر حاطب –رضي الله عنه- أنه ظن أن ما فعله حاطب من مظاهرة المشركين على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لا يحتمل لشناعته إلا الكفر، وأنه لا يمكن أن يكون له عذر يمنع من تكفيره.
وقد جاء في أكثر روايات حديث حاطب أن عمر قد حكم بكفر حاطب واستأذن النبي –صلى الله عليه وسلم- في قتله مرة واحدة، بعد أن سأل النبي –صلى الله عليه وسلم- حاطبًا عن عذره، وما حمله على ما فعل، وبعد اعتذار حاطب، وتصديق النبي –صلى الله عليه وسلم- له.
لكنه قد ورد في روايات صحيحة أن عمر قد كفر حاطبًا واستأذن النبي –صلى الله عليه وسلم- في قتله مرتين، مرة قبل سؤال النبي –صلى الله عليه وسلم- لحاطب عن الحامل له على ما فعل، ومرة بعد تصديق النبي –صلى الله عليه وسلم- لحاطب –رضي الله عنه- وأمر الصحابة ألا يقولوا له إلا خيرًا .. يتبـع

 

 

__________________________

(47) الأم. للإمام الشافعي (5/609-611).
(48) الأم. للإمام الشافعي (5/610).
(49) مجموع فتاوى ابن تيمية (7/522-523).
(50) الصارم المسلول. لابن تيمية (2/372).
(51) تفسير ابن كثير (8/86).
(52) الجامع لأحكام القرآن. للقرطبي (18/52).
(53) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/233).
(54) المرجع السابق (1/235-236).