طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > مناط الكفر بموالاة الكفار [2/4](د. عبد الله بن محمد القرني)

ملتقى الخطباء

(71)
533

مناط الكفر بموالاة الكفار [2/4](د. عبد الله بن محمد القرني)

1430/09/14
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

د. عبد الله بن محمد القرني

 

.. وقد نصّ الشيخ صالح الفوزان على أن مناط الكفر بمظاهرة الكفار هو مظاهرتهم لأجل دينهم، وأن مظاهرتهم على غير الدين لا تكون كفراً، وذكر أقسام مظاهرة الكفار فقال: (ومظاهرة الكفار على المسلمين تحتها أقسام :
القسم الأول: مظاهرتهم ومعاونتهم على المسلمين، مع محبة ما هم عليه من الكفر والشرك والضلال، فهذا القسم لا شك أنه كفر أكبر مخرج من الملة، فمن ظاهرهم وأعانهم وساعدهم على المسلمين مع محبة دينهم، وما هم عليه، والرضى عنهم، وهو مختار، غير مكره، فإنه يكون كفراً مخرجاً من الملة، على ظاهر قوله تعالى: "فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" [المائدة:51].
القسم الثاني: أن يعاونهم على المسلمين، لا مختاراً بل يكرهونه على ذلك بسبب إقامته بينهم ، فهذا عليه وعيد، ويخشى عليه من الكفر المخرج من الملة …
القسم الثالث : من يعين الكفار على المسلمين، وهو مختار غير مكره، مع بغضه لدين الكفار، وعدم الرضا عنه، فهذا لا شك أنه فاعل لكبيرة من كبائر الذنوب، ويخشى عليه من الكفر) (19). وذكر أقساما أخرى.
والحاصل مما تقدم أن تقييد الكفر بموالاة الكفار بأن تكون الموالاة لأجل دين الكفار إنما يستند إلى حقيقة الولاء و البراء، وأن له أصلًا وكمالًا ، وأنه لا ينتفي إلا بما ينافي أصله، وأن أصل الولاء والبراء لا ينتفي إلا بمعاداة المؤمنين لإيمانهم، أو موالاة الكفار لكفرهم، وأن ما دون ذلك من معاداة المؤمنين أو موالاة الكفار لا يكون كفراً مخرجاً من الملة، وإن كان قادحاً في كمال الولاء والبراء .
وهذا معنى ما قرره العلماء في النقول السابقة عنهم، على اختلاف عباراتهم، ويبين استنادهم إلى هذا الوجه ، وكونه كافيا عندهم في الدلالة على تقييد الكفر بموالاة الكفار لأجل دينهم أنهم لم يذكروا في مستند تقييدهم للموالاة أنه قد وردت نصوص أخرى تقيد الإطلاق في الآيات الواردة في الحكم بالكفر بموالاة الكفار، وأهمية ذلك أن يعلم أنه ولو لم يستدل بالنصوص الدالة على عدم الكفر بموالاة الكفار لمجرد غرض دنيوي فإن مجرد العلم بحقيقة الولاء والبراء، والتفريق بين ما ينافي أصله وبين ما ينافي كماله فيه الدلالة الكافية على أن الكفر بموالاة الكفار ليس مطلقاً، بحيث يشمل كل موالاة لهم، وإنما هو مقيد بموالاتهم لأجل دينهم .
وعلى هذا الوجه يفهم اشتراط الإمام ابن جرير للكفر بموالاة الكفار أن تكون موالاتهم على دينهم، ونقله عن جماعة من السلف؛ وذلك عند تفسيره لقول الله تعالى: "لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً" [آل عمران:28].
وفي تفسيره للآية يقول: (معنى ذلك لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهراً وأنصاراً توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك "فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ" [آل عمران:28] يعني بذلك: فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر) (20).
وهذا الذي ذكره الإمام ابن جرير من اشتراط الموالاة في الدين للكفر بموالاة الكفار قد ذكره عن جماعة من السلف في تفسير الآية، فقد ذكر بسنده إلى ابن عباس –رضي الله عنهما- أنه قال في تفسير الآية، (نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار أو يتخذونهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين، فيظهروا لهم اللطف ويخالفونهم في الدين) (21).
ونقل عن قتادة أنه قال في تفسيرها: (نهى الله المؤمنين أن يوادوا الكفار، أو يتولوهم من دون المؤمنين، وقال الله : "إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً" [آل عمران:28] الرحم من المشركين، من غير أن يتولوهم في دينهم، إلا أن يصل رحما من المشركين) (22).
ونقل عن الحسن البصري في معنى قوله تعالى : "إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً" [آل عمران:28] أن معناها (صاحبهم في الدنيا معروفاً، الرحم وغيره، فأما في الدين فلا) (23).
ونقل عن السدي أنه قال في معنى قوله تعالى: "لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ" [آل عمران:28] أي (فيواليهم في دينهم، ويظهرهم على عورة المؤمنين، فمن فعل هذا فهو مشرك، فقد برئ الله منه، إلا أن يتقي منهم تقاة، فهو يظهر الولاية لهم في دينهم والبراءة من المؤمنين) (24).
والذي ذكره الإمام ابن جرير في تفسير الآية إنما أخذه من مجموع هذه الأقوال، وعبارته قريبة من عباراتهم، ونص على اشتراط الموالاة في الدين في تفسير الآية كما نصوا .
وهذا يدل على أن الإمام ابن جرير يرى التلازم بين التكفير بموالاة الكفار وبين أن تكون موالاتهم لأجل دينهم، فحين جاء في الآية قوله تعالى : "وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ" [آل عمران:28] وهو ظاهر الدلالة على الكفر بالموالاة اشترط في الموالاة في الآية أن تكون لأجل الدين، وإذا كان اشتراط الموالاة على الدين في التكفير بموالاة الكفار غير منصوص عليه في الآية، وإنما غاية ما فيها التكفير بموالاة الكفار من دون المؤمنين، فلا بد أن يكون ما اشترط الإمام ابن جرير من الموالاة على الدين معلوماً عنده بالنظر إلى حقيقة الولاء والبراء، والفرق بين أصله وكماله، وأنه لا يلزم من مطلق موالاة الكفار منافاة أصل البراءة منهم، ما لم تكن موالاتهم لأجل دينهم، وكما أن هذا هو ظاهر هذه الآية عند الإمام ابن جرير فهو أيضاً مقتضى اعتبار دلالة النصوص الأخرى في المسألة.
ولهذا ذكر الإمام ابن جرير في فقه قصة حاطب –رضي الله عنه- وما حصل منه من مظاهرة المشركين على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن فيها الدلالة على أن من دل الكفار على عورات المسلمين ولم يتكرر منه، كالذي حصل من حاطب –رضي الله عنه- ، فإنه لا يقتل ، وإنما يقتل عنده من تكرر منه ذلك، دفعاً لشره، وهذا لا يقال فيما يكون به الكفر، وإنما يكون فيما هو معصية(25).
والإمام ابن جرير أبعد من أن يقرر في معنى آية ما يعلم أن في نصوص أخرى ما يناقض ذلك المعنى، وإنما يقرر ما تتفق عليه النصوص عنده وإن لم يذكرها.
ويؤكد ما سبق بيانه من أن الكفر بموالاة الكفار مقيد بموالاتهم لأجل دينهم أن أكثر الآيات التي قد يظن أن فيها الدلالة على التكفير بمطلق الموالاة للكفار إنما جاءت في الحكم على المنافقين وبيان حالهم، وتحذير المؤمنين من مشابهة أولئك المنافقين حيث اتخذوا الكفار أولياء من دون المؤمنين .
فدل سياق هذه الآيات على تقييد الكفر بموالاة الكفار بأمر باطن، وهو موالاة الكفار على دينهم، لا بمطلق موالاتهم، لأن المنافقين لو أظهروا من موالاة الكفار ما يكون كفراً لذاته لحكم بردتهم في الظاهر، كحال من يظهر أي ناقض من نواقض الإسلام الظاهرة، ولما لم يكن ذلك علم أن الحكم بكفرهم مقيد بما تحقق من كفرهم في الباطن، لا بمجرد ما يكون من موالاتهم للكفار في الظاهر.
ومن تلك الآيات التي يدل سياقها على معناها، وأن الكفرفيها مقيد بموالاة الكفار على دينهم قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [المائدة:51] فقد جاء الحكم بالكفر بموالاة الكفار في قوله تعالى: "وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" [المائدة:51] في سياق نهي المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى وبيان حال المنافقين في موالاتهم لليهود والنصارى. حيث وصفهم الله تعالى بقوله : "فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ" [المائدة:52] (أي : يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ" [المائدة:52] أي : يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكفار بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك) (26). وهذا من سوء ظنهم بالله تعالى ودينه، ثم قال تعالى: "فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ" [المائدة:52]. وقد كان ذلك، حيث جعل الله الدائرة للمسلمين ، فأصبح أولئك المنافقون على ما أسروا في أنفسهم من غش للإسلام وأهله نادمين.
ثم كان السياق بعد ذلك في بيان تعجب المؤمنين من حال أولئك المنافقين، وكيف أنهم قد أقسموا بالله الأيمان المغلظة أنهم مع المؤمنين، مع أنهم في الحقيقة موالون لأهل الكتاب من دون المؤمنين، وأنه بسبب ذلك حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين.
ثم حذر الله المؤمنين عن مشابهة المنافقين وأنه من يرتد من المؤمنين كما فعل أولئك المنافقون فسوف يأتي الله بخير منهم ، ثم ختم السياق بالتأكيد على أنه ينبغي أن تكون ولاية المؤمن لله ورسوله والمؤمنين، والتحضيض على البراءة من الكفار.
والمقصود أن سياق هذه الآيات هو في نهي المؤمنين عن مشابهة المنافقين في موالاتهم لليهود والنصارى. فيكون غاية ما يدل عليه قوله تعالى : "وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" [المائدة:51] أن من حصلت منه الموالاة التي دلت الآيات على حصولها من المنافقين فإنه يكفر بذلك، والمنافقون لم يكفروا بمطلق الموالاة لأهل الكتاب، وإنما كفروا لأنهم رضوا بدين الكفار، وتمنوا علو الكافرين لكفرهم على المؤمنين لإيمانهم.
وقد فسر الإمام ابن جرير هذه الآية بما يدل على أن المراد بالموالاة فيها ما كان لأجل الدين، بحيث لا يمكن أن تكون الموالاة من مؤمن، وإنما تكون من منافق يرضى بدين من والاهم، ويتولاهم على دينهم .
وفي ذلك يقول الإمام ابن جرير: (يعني تعالى ذكره بقوله : "وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" [المائدة:51] ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين "فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" [المائدة:51] يقول: فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولٍ أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه، ولذلك حكم من حكم من أهل العلم لنصارى بني تغلب في ذبائحهم ونكاح نسائهم وغير ذلك من أمورهم بأحكام نصارى بني إسرائيل، لموالاتهم إياهم، ورضاهم بملتهم، ونصرتهم لهم عليها، وإن كانت أنسابهم لأنسابهم مخالفة …، وأصل دينهم لأصل دينهم مفارقاً) (27).
وتأمل ما ذكره الإمام ابن جرير عن نصارى بني تغلب، وأن العلماء الذين أباحوا نكاح نسائهم، وحل ذبائحهم، لموالاتهم للنصارى، ورضاهم بملتهم، ونصرتهم لهم عليها، وإن كان أصل دينهم لأصل دين النصارى مفارقاً كما قال ، فتبين بذلك أن الإمام ابن جرير لا يعتبر الموالاة التي حكم فيها على الموالي بما يحكم به على من والاه إلا إذا كانت مع الرضى بدين من والاه، أو أن ينصره لأجل دينه، ومعنى ذلك أن الموالاة لا تكون تامة عند الإمام ابن جرير إلا إذا كانت لأجل الدين.
وهذا يفسر ما ذكره الإمام ابن جرير في أول كلامه، حيث قال: « فإنه لا يتولى متول أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض » فإنه إنما أراد الموالاة التامة، لا مطلق الموالاة، فيكون مراده إنه لا تتم الموالاة التي يكون بها الكفر إلا من هذا الوجه، وهو أن يرضى المتولي بدين من والاه، لا أن كل ولاية لكافر لا بد أن تتضمن الرضى بدينه، فإن هذا كما أنه مخالف للواقع فهو مخالف أيضاً لكلامه السابق .
وقد استند الإمام ابن جرير في تفسيره للموالاة بهذا المعنى إلى سياق الآية، وأنها نزلت في بيان حال المنافقين . وبيان ذلك أن الإمام ابن جرير ابتدأ تفسيره للآية بحكاية الاختلاف في المعني بها، وفيمن نزلت، وذكر في ذلك ثلاثة أقوال، لكنه حكم بعد حكايتها بأنه (لم يصح بواحد من هذه الأقوال الثلاثة خبر تثبت بمثله حجة) (28)، ثم قال بعدما ذكر أن العبرة بعموم الآية : (غير أنه لا شك أن الآية نزلت في منافق كان يوالي يهوداً أو نصارى، خوفاً على نفسه من دوائر الدهر، لأن الآية التي بعد هذه الآية تدل على ذلك، وذلك قوله تعالى: "فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ" [المائدة:52] (29).
وإذا كان الإمام ابن جرير يخص الموالاة في الآية بما يكون من المنافقين فلا بد أن تكون الموالاة عنده مقيدة بموالاة الكفار لأجل دينهم، لأن تلك هي حقيقة حال المنافقين . ولهذا عقب محمد رشيد رضا على قول الإمام ابن جرير في تفسير هذه الآية، بقوله : (وقد قيد ابن جرير الولاية بكونها لأجل الدين، كما كانت الحال في ذلك العصر، إذ قام المشركون وأهل الكتاب يعادون المسلمين ويقاتلونهم لأجل دينهم) (30).
وتقدمت حكاية ابن الجوزي لأقوال المفسرين للآية(31)، وأن الموالاة فيها تحتمل الموالاة في الدين والموالاة في مجرد العهد، وأن الكفر بموالاة الكفار مقيد بموالاة الكفار لأجل دينهم، وأن موالاة الكفار فيما دون ذلك مما يكون مخالفة للأمر مع ثبوت البراءة منهم ليست كفرًا لذاتها، وأن ما حكاه ابن الجوزي عن أهل التفسير من التفريق بين هذين الحالين، وبيان حكم كل حالة، وبيان مناط حكمها، يقتضي اطراد الحكم، بحيث لا تكون موالاة الكفار كفرًا إلا إذا كانت لأجل دينهم، والمهم هنا أن حمل الموالاة في الآية على الموالاة المكفّرة مقيد بموالاة الكفار في دينهم، لا على مطلق الموالاة لهم، وأن من موالاة الكفار ما ليس بكفر لذاته.
وعلى هذا يكون الإطلاق في قوله تعالى : "وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" [المائدة:51] أشبه بالإطلاق في قول النبي –صلى الله عليه وسلم- : ( (من تشبه بقوم فهو منهم )) (32). وإذا كان معلوماً أن مطلق التشبه بالكفار ليس كفرًا ما لم يكن التشبه بما هم عليه من الكفر، فكذلك مطلق الموالاة لا تكون كفراً ما لم تكن على ما عليه الكفار من الدين، ومن التزم الإطلاق في الآية لزمه الإطلاق في الحديث، وإلا كان متناقضاً .
ومن الآيات التي يدل سياقها على أن المراد بموالاة الكفار فيها موالاتهم على دينهم قول الله تعالى: "بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً" [النساء:138-139].
ففي هاتين الآيتين بيان حال المنافقين، وأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين لما يظنون أن تكون لهم به العزة .
وقد ذكر الله بعد ذلك بعض صفات المنافقين، كمجالستهم للكفار، ورضاهم بما يسمعونه منهم من الاستهزاء بآيات الله، وحكم الله بأن من فعل ذلك فهو مثل الكفار في كفرهم، وأن الله يجمعهم معهم في جهنم .
ثم ذكر الله من صفاتهم أيضاً ما جاء في قوله تعالى: "الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" [النساء: 141] ومعنى ذلك (أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى ينتظرون زوال دولتهم وظهور الكفر عليهم وذهاب ملتهم) (33)، وأنهم يظهرون الميل إلى الكافرين أو المؤمنين بحسب ما يرونه من مصلحتهم العاجلة.
ثم نهى الله عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، لأن ذلك لا يفعله إلا أهل النفاق، وعاقبة أهل النفاق في الآخرة أنهم في الدرك الأسفل من النار، إلا من تاب منهم توبة نصوحاً، فهو مع المؤمنين في الجنة .
والمقصود هنا أن النهي عن موالاة الكافرين جاء في سياق أنه من صفات المنافقين، الذين لم يحققوا الإيمان الباطن وإن أظهروا الإسلام، ومع أن كفر المنافقين باطن فقد ذكر الله من موالاتهم للكفار ما هو من الموالاة الظاهرة لهم، كقعودهم معهم وهم يستهزئون بآيات الله، ونصرتهم للكافرين، حتى أمكن أن يقولوا لهم ما ذكره الله عنهم أنهم قالوا للكفار "أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" [النساء:141]، وجاء في وصفهم كما في السياق السابق من سورة المائدة قوله تعالى: "فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ" [المائدة:52] قال الإمام ابن جرير : (يعني بمسارعتهم فيهم مسارعتهم في موالاتهم ومصانعتهم) (34).
ومقتضى ذلك ألا يكون في مجرد ما يظهرونه من موالاة الكفار ما يدل لذاته على كفرهم في الظاهر، ولذا كان كفرهم باطناً لا ظاهراً، وإذا كان الكفر بما يظهره المنافقون من موالاة الكفار مقيداً بالباطن أمكن أن تحصل الموالاة للكفار في الظاهر ممن يضعف إيمانه من المؤمنين، دون أن يلزم من ذلك الكفر، لا في الظاهر ولا في الباطن، فيمكن على هذا أن تحصل من المؤمن المظاهرة للمشركين وإعانتهم على المسلمين، لمجرد غرض دنيوي، مع ثبوت أصل البراءة من الكفار .
وإذا كان الكفر قد يكون باطناً دون أن يكون عليه دليل في الظاهر، كحال المنافقين، وقد يكون ظاهراً، بحيث يمكن العلم به من حال المعين، مما يظهر منه من قول أو فعل، فإنه لا يجوز الحكم على معين بالكفر لمجرد ما يظن أنه حقيقة حاله في الباطن، وإنما يحكم عليه بالكفر استناداً إلى ما يقتضي الحكم عليه بذلك في الظاهر، وإنما حصل اللبس على كثير ممن خالف في هذا الباب لعدم تفريقهم بين الكفر الباطن والظاهر، وأن الكفر الظاهر لا بد فيه من قول أو فعل ظاهر دل النص على أنه كفر.
وإنما لزم التنبيه على هذا الأصل هنا لأن بعض من يحصل منهم التجاوز في الحكم بالكفر في هذا الباب إنما يستندون إلى نصوص تدل على الكفر الباطن خاصة، وتبين حال المنافقين، وما يكون منهم من موالاة الكفار على دينهم، فيأتي من يدخل في ذلك ما هو من قبيل المخالفة في مطلق الولاء والبراء، وليس مخالفاً لأصل الولاء والبراء، فيحكم بأنه كفر مطلقاً، ثم يحكم على المعين بالكفر استناداً إلى ما ظنه حكماً عاماً على الظاهر والباطن . 

المبحث الثاني: حكم موالاة الكفار لغرض دنيوي
موالاة الكفار لا تخلو إما أن تكون لأجل دينهم أو لمجرد غرض دنيوي. وقد تقدم في تقرير حقيقة أصل الولاء والبراء بيان أن موالاة الكفار بمحبتهم أو نصرتهم لأجل دينهم كفر؛ لأنه ينافي أصل الولاء والبراء، لاستحالة ثبوت الإيمان مع الرضى بالكفر، أو إعانتهم ونصرتهم لأجل دينهم. كما تقدم أن موالاة الكفار لمجرد غرض دنيوي لا ينافي لذاته ثبوت أصل البراءة منهم، فلا يلزم من موالاتهم بهذا المعنى ما لزم من موالاتهم على دينهم.
والمقصود هنا الاستدلال على أن ما يقتضيه النظر في حقيقة الولاء والبراء من أن موالاة الكفار لمجرد غرض دنيوي ليست من الكفر المخرج من الملة هو مقتضى دلالة النصوص الشرعية. فيكون هذا من التأكيد والبيان بأن الآيات الواردة في التكفير بموالاة الكفار مقيدة بموالاتهم على دينهم، لأنه إذا انتفى أن تكون موالاتهم لمجرد غرض دنيوي من الكفر لزم أن يكون الكفر بموالاتهم مقيدًا بالموالاة على دينهم.
وأظهر الأدلة على ذلك ما ثبت من قصة حاطب بن أبي بلتعة –رضي الله عنه- ، ومكاتبته لقريش بشأن عزم النبي –صلى الله عليه وسلم- على غزوهم لفتح مكة، لكن النبي –صلى الله عليه وسلم- علم بشأن الكتاب، وأرسل في طلبه، وسأل حاطبًا عما حمله على ما فعله، فأخبر حاطب الرسول –صلى الله عليه وسلم- أنه لم يفعل ذلك رضى بالكفر وردّة عن الدين فصدقه النبي –صلى الله عليه وسلم- ، وأخبر عمر –رضي الله عنه- حين حكم بنفاق حاطب –رضي الله عنه- واستأذن النبي –صلى الله عليه وسلم- في قتله أن ما فعله حاطب من مكاتبة قريش قد كفره شهوده بدرًا. وقد ورد حديث حاطب –رضي الله عنه- بروايات كثيرة، كلها تتفق على هذا المعنى.
وقد أخبر علي –رضي الله عنه- بقصة حاطب –رضي الله عنه- فقال: ( بعثني رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنا والزبير والمقداد بن الأسود، وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، ومعها كتاب، فخذوه منها، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- : يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجل علي، إني كنت امرءًا ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة، يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- : قد صدقكم. فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. قال: إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد أطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) (35).
وفي هذا الحديث الدلالة على أصلين، هما قوام الاستدلال على أن موالاة الكفار لمجرد غرض دنيوي ليست كفرًا. فأما الأصل الأول فما دل عليه الحديث من أن ما فعله حاطب –رضي الله عنه- من مكاتبة قريش وإفشاء سر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- داخل في عموم موالاة الكفار ومظاهرتهم على المسلمين، وأما الأصل الثاني فما دل عليه الحديث من أن حاطبًا –رضي الله عنه- لم يكفر بتلك الموالاة؛ لأنها لم تكن موالاة للمشركين على دينهم، وإنما كانت لمجرد غرض دنيوي وهو حماية أهله وماله بمكة.
فأما دلالة القصة على أن ما فعله حاطب –رضي الله عنه- كان مظاهرة للمشركين ففي غاية الظهور، فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- قد أراد مباغتة قريش بالغزو، وأسر ذلك، وورى عنه حتى لا تعلم به قريش، وإنما أرسل حاطب –رضي الله عنه- بالرسالة مع الظعينة على جهة التستر والتكتم لما يعلمه من شناعة فعله وخطره على المسلمين، وأن قريشًا تفرح به، فتكون له بذلك اليد عندهم، وإنما تكون له اليد عندهم بأمر تكون فيه المصلحة لهم، والنكاية بالمسلمين، كيف والرسول –صلى الله عليه وسلم- هو رأسهم، حتى قال الإمام الشافعي في بيان شناعة ما فعل حاطب –رضي الله عنه- : ( لا أعلم أحدًا أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذا، لأن أمر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- مباين في عظمته لجميع الآدميين بعده ) (36).
ثم إن الوحي قد نزل على النبي –صلى الله عليه وسلم- بخبر الكتاب، وبعث النبي –صلى الله عليه وسلم- في طلبه، وحرص ألا يبلغ قريشًا، ولما أدرك الصحابة الذين أرسلهم النبي –صلى الله عليه وسلم- المرأة ومعها الكتاب بالغت في الإنكار لما تعلمه من خطره، لكنهم شدّدوا عليها، حتى ألزموها بأن تخرج الكتاب أو ينزعوا عنها ثيابها لإخراجه، ثم إن النبي –صلى الله عليه وسلم- طلب حاطبًا –رضي الله عنه- وسأله عما حمله على ما فعل، وكان عذر حاطب –رضي الله عنه- أنه لم يفعل ذلك ردة عن الدين، فعلم أن فعله يحتمل ذلك، وإنما شدد عمر –رضي الله عنه- في أمر حاطب –رضي الله عنه- ، واستأذن النبي –صلى الله عليه وسلم- في قتله، لعلمه بشناعة ما فعله حاطب، حتى حمل فعله على الكفر، ولم يجد له عذرًا، حتى بين له النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه مع شناعة فعله لم يكفر، لأنه إنما أراد مصانعة قريش لحماية أهله وماله بمكة، لا أنه بذلك قد والاهم على دينهم، وفي كل هذا الدلالة على أن ما حصل من حاطب –رضي الله عنه- موالاة للمشركين.
وقد جاء في بعض روايات الحديث أن قصة حاطب –رضي الله عنه- هي سبب نزول قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ" [الممتحنة:1]. لكن ذكر الإمام مسلم عن إسحاق بن راهويه أن ذلك مدرج من كلام سفيان بن عيينة(37)، وأما الإمام البخاري فذكر عن سفيان قوله عن الآية ( لا أدري الآية في الحديث أو قول عمرو ) (38) يعني: ابن دينار، وهو الذي روى سفيان الحديث عنه.
ومع ذلك فالعلماء إذا ذكروا الآية ذكروا قصة حاطب، ونصوا على أن قصة حاطب هي سبب نزولها(39). ونسب الواحدي ذلك في أسباب النزول إلى جماعة المفسرين(40).
وسواء قيل إن القصة هي سبب نزول الآية، فيكون في ذلك النص على أن ما فعله حاطب موالاة للكفار، لكون الآية قد نصت عليه، أو قيل إن ما حصل من حاطب داخل في عموم موالاة الكفار، وإن لم تكن الآية قد نزلت بسببه، فالنتيجة في الحالين ثبوت تحقق موالاة الكفار من حاطب –رضي الله عنه- .
ولولا أن هذا الأمر قد خالف فيه من خالف بلا بينة، ورأى أن ما فعله حاطب –رضي الله عنه- لا يدخل في عموم موالاة الكفار لما احتاج الأمر إلى بيان.
ومن ذلك ما ذكره صاحب كتاب "حد الإسلام وحقيقة الإيمان"، حيث ادعى أن ما فعله حاطب لا يدخل في عموم موالاة الكفار، وأصل الإشكال في قوله أنه قد حكم بأن موالاة الكفار كفر مطلقًا، فكان يلزمه إذا اعتبر ما فعله حاطب موالاة للكفار أن يحكم بكفره، فذهب فرارًا من هذا اللازم إلى إخراج فعله من عموم الموالاة للكفار.
وفي تحديده لمعنى موالاة الكفار يقول: ( وحددت الموالاة بأنها المظاهرة والمناصرة والدل على عورات المسلمين ) (41).
وادعى أن الإمام ابن جرير قد كرر هذا المعنى في تفسيره، وجعله مناطًا للكفر، فقال: ( وتكرر في التفسير دخول الدل على عورات المسلمين في معنى موالاة الكافرين، وواضح من هذا أنه كفر لهذا الدخول في مناط حكم الله عليه بالكفر ) (42).
ولما كان يلزمه بناء على هذا التحديد لمفهوم الموالاة المكفرة أن يكون حاطب –رضي الله عنه- قد وقع في موالاة الكفار، فيلزم أن يكون كافرًا أخرج فعل حاطب –رضي الله عنه- عن مفهوم الموالاة للكفار، وادعى أنه ليس من مظاهرة المشركين فقال: (واضح من فعل حاطب أنه رأى أنه يمكن أن يفيد من أمر لن يضر المسلمين، بل كتب للكفار بذلك قائلًا: إنه لو قاتلكم وحده لانتصر عليكم، فإن الله وعده النصر، وهو لا بد لاقيه، ومع ذلك فقد جاءكم بما لا قبل لكم به، فسارعوا إلى الإسلام. سقطة في لحظة ضعف، افتقد فيها التوكل، ووقع في سوء التأويل، ولكن لم يذهب القصد إلى المظاهرة لتغليبهم على المسلمين، أو دلهم على عورات المسلمين ومقاتلهم التي لا نجاة للمسلمين منهم بعدها، وقد تبين الرسول –صلى الله عليه وسلم- قصده، وقال: إنه قد صدق، فهو لم يتركه مع وقوع فعل الموالاة منه، إنما تبين له صدقه، فخرج فعله عن وصف موالاة الكافرين إلى مجرد وصف التجسس أو خيانة سر الرسول –صلى الله عليه وسلم-) (43).
وواضح أن ما ذكره في معنى الموالاة لازم له في فعل حاطب، وأن قوله إن حاطبًا ظن أنه يفيد من أمر لن يضر المسلمين مجرد دعوى، إذ كيف يخفي الكتاب، ويأمل أن تكون له يد عند كفار قريش لو لم يكن لهم فيه مصلحة ويكون فيه الضرر على المسلمين؟ وكيف لم يعتذر بذلك حين سأله النبي –صلى الله عليه وسلم- عما حمله على ما فعل؟ ثم كيف يكون الأمر على هذا المعنى ثم يقال مع ذلك إن ما فعله حاطب هو سقطة في لحظة ضعف، افتقد فيها التوكل، ووقع في سوء التأويل، ووصف فعل حاطب بأنه خيانة لسر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ؟ ثم ما معنى وصف فعل حاطب بالتجسس وإخراجه مع ذلك عن كونه موالاة للكفار، مع أن التجسس على المسلمين قد يكون أخطر من كثير من مظاهر الموالاة للكفار؟ ولا دليل له على ما ذكر إلا مجرد التحكم الذي أوقعه في التناقض.
وأما ما استند إليه في تبرير إخراج فعل حاطب عن كونه موالاة للكفار من أن حاطبًا قد كتب إلى المشركين يتوعدهم، ويدعوهم إلى الإسلام، فلم يذكر لقوله إسنادًا يحكم عليه، وقد ذكر الإمام القرطبي نحوما ذكره، وقال بعده: (ذكره بعض المفسرين) (44). وذكره الحافظ ابن حجر ونسبه إلى بعض أهل المغازي، ولم يحكم عليه(45)، وحكاه الشوكاني عن السهيلي، ولم يحكم عليه أيضًا(46)، فأي حجة في مثل هذا .. يتبـع

 
  

________________________________________

(19) دروس في شرح نواقض الإسلام. صالح الفوزان (159-160)
(20) تفسير ابن جرير. (5/315)
(21) المرجع السابق (5/316).
(22) المرجع السابق (5/319).
(23) المرجع السابق (5/319).
(24) المرجع السابق (5/317).
(25) انظر: عمدة القاري. للعيني (12/75) وانظر ما سيأتي عن ذلك ص(46).
(26) تفسير ابن كثير (3/132).
(27) تفسير ابن جرير (8/508).
(28) المرجع السابق (8/507).
(29) تفسير ابن جرير (8/507).
(30) تفسير المنار. محمد رشيد رضا (6/430).
(31) انظر: ص(12).
(32) أخرجه أبو داود. كتاب اللباس (4031) وأحمد في المسند (5114) (5115) (5667) وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (25/331) هذا حديث جيد. وقال في اقتضاء الصراط المستقيم (1/269) هذا الإسناد جيد. وصححه الألباني في إرواء الغليل (2384).
(33) تفسير ابن كثير. (2/437).
(34) تفسير ابن جرير. (8/512).
(35) أخرجه البخاري. كتاب الجهاد والسير (3007) (3081). وكتاب المغازي (3982) (4274). وكتاب التفسير (4890). وكتاب الاستئذان (6259). وكتاب استتابة المرتدين (6939). ومسلم. كتاب فضائل الصحابة (2494). وأبو داود. كتاب الجهاد. باب حكم الجاسوس إذا كان مسلمًا (2650). والترمذي. كتاب تفسير القرآن (3305).
(36) الأم. للإمام الشافعي (5/610).
(37) صحيح مسلم (4/1942).
(38) فتح الباري. لابن حجر (8/634).
(39) انظر مثلًا: تفسير ابن كثير (8/85-86). وفتح القدير. للشوكاني (5/210). ومجموع فتاوى ابن تيمية (7/523).
(40) انظر: أسباب النزول. للواحدي (485).
(41) حد الإسلام وحقيقة الإيمان. عبدالمجيد الشاذلي (529).
(42) المرجع السابق (526).
(43) المرجع السابق (528).
(44) الجامع لأحكام القرآن. للقرطبي (18/50).
(45) انظر: فتح الباري. لابن حجر (7/521).
(46) انظر: نيل الأوطار. للشوكاني (8/156).