طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > مناط الكفر بموالاة الكفار [1/4](د. عبد الله بن محمد القرني)

ملتقى الخطباء

(106)
532

مناط الكفر بموالاة الكفار [1/4](د. عبد الله بن محمد القرني)

1430/09/14
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

د. عبد الله بن محمد القرني

 

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد أوجب الله الموالاة بين المؤمنين، والبراءة من الكافرين، وجاءت نصوص كثيرة في تقرير هذا الأصل، وتحذير المؤمنين مما وقع فيه المنافقون من موالاة الكافرين.
ومن الأصول التي لا تحتمل الخلاف أن موالاة الكفار بمحبتهم أو نصرتهم لأجل دينهم كفر مخرج من الملة، وأنه يستحيل ثبوت الإيمان وأصل البراءة من الكفار مع حصول الموالاة للكفار بهذا المعنى، إذ لا يتصور اجتماع الإيمان مع محبة دين الكفار أو نصرتهم لأجل دينهم، لكون ذلك من اجتماع النقيضين. وهذا الأصل لا إشكال فيه.
لكن حصل الإشكال في أصل آخر، وهو ما يتعلق بحكم موالاة الكفار لمجرد غرض دنيوي، حين ظن من ظن أنه يلزم أن يكون حكم موالاة الكفار لغرض دنيوي كحكم موالاتهم على دينهم، وأنه لا فرق بين الحالين.
وأصل الإشكال في عدم التفريق بين موالاة الكفار بهذين المعنيين ما يظن من دلالة الآيات الواردة في التكفير بموالاة الكفار على التكفير بمطلق الموالاة لهم، وأن النصرة إذا كانت داخلة في مطلق الموالاة فيلزم أن تكون تلك الآيات دالة على التكفير بمطلق مظاهرة الكفار على المسلمين، دون نظر إلى الحامل على نصرة الكفار، بحيث لا يفرق بين أن تكون نصرة الكفار لأجل دينهم أو لمجرد غرض دنيوي .
وقد ترتب على الخلط في هذا الباب الوقوع في الغلو، والتكفير بما تدل النصوص الشرعية على عدم التكفير به، وتأويل النصوص الدالة على عدم الكفر بمظاهرة الكفار لغرض دنيوي بما يناقض دلالتها الظاهرة، والتجاوز في ذلك بالحكم على دول وجماعات بالكفر بمجرد الظن واتباع المتشابه، مع وجود النصوص المحكمة الواضحة الدلالة في الفرق بين الحالين .
ويستند التفريق بين موالاة الكفار على دينهم وبين موالاتهم لغرض دنيوي إلى أساسين :
أحدهما: حقيقة أصل الولاء والبراء، وما يقتضيه بيان تلك الحقيقة من التفريق بين ما ينافي أصل الولاء والبراء وما ينافي كماله، وأنه كما لا يلزم من مطلق معاداة المؤمن للمؤمن انتفاء أصل الموالاة بينهما، فإنه لا يلزم من مطلق موالاة المؤمن للكفار انتفاء أصل البراءة منهم، وأنه إذا كانت موالاة المؤمن للمؤمنين لا تنتفي إلا بما ينافي أصلها، بحيث تكون عداوة المؤمن للمؤمن لأجل إيمانه، فإن البراءة من الكفار لا تنتفي أيضاً إلا بما ينافي أصلها، بحيث تكون موالاة المؤمن للكفار لأجل دينهم، وجميع الآيات الواردة في التكفير بموالاة الكفار فإنما تفهم وفق هذا الأصل، فلا يصح الاستناد إلى دعوى دلالة تلك الآيات على التكفير بمطلق الموالاة مع ذلك.
وأما الأساس الثاني للدلالة على التفريق بين موالاة الكفار على دينهم وموالاتهم لمجرد غرض دنيوي فيستند إلى دلالة النصوص على أن موالاة الكفار لغرض دنيوي ليست كفراً لذاتها، ويكفي في الدلالة على ذلك ما جاء في قصة حاطب –رضي الله عنه- ، وما حصل منه من مكاتبة المشركين، ومظاهرتهم على رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وعدم تكفير النبي –صلى الله عليه وسلم- له، لما بين أن الحامل له على مظاهرتهم كان هو حماية أهله وماله بمكة، لا رضى بالكفر وردة عن الإسلام.
وقد كان هذا البحث في تقرير الدلالة في هذين الأساسين، وبيان اتفاق نصوص الكتاب والسنة في الدلالة عليهما ، ونقل أقوال العلماء المحققين في بيان وجه دلالة النصوص عليهما ، والرد على شبهات من يدعون دلالة النصوص على التكفير بمطلق موالاة الكفار. والحرص في ذلك كله على الاعتدال والتوسط، والبراءة من الغلو والجفاء في هذا الباب العظيم .
والله أسأل أن يجعل هذا البحث خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به إنه سميع مجيب. 

المبحث الأول: حقيقة أصل الولاء والبراء
الوَلْيُ في اللغة يأتي على أصل واحد هو القرب. قال ابن فارس: (الواو واللام والياء أصل صحيح يدلّ على قرب. من ذلك الوَلْيُ: القرب. يقال: تباعد بعد ولي أي قرب. وجلس مما يليني، أي: يقاربني) (1). وذكر بعض المعاني التي تعود إلى هذا الأصل، والشواهد عليها، ثم قال: (والباب كله راجع إلى قرب) (2).
وجاء في الصحاح: (الوَلْيُ: القرب والدنو، يقال: تباعد بعد وَلْيٍ) (3). (والوليّ ضد العدو) (4). (والموالاة ضد المعاداة) (5). (والمولى الحليفُ) (6). (والوِلاية بالكسر: السلطان. والوَلاية والوِلاية: النصرة. يقال: هم عليَّ وِلاية أي: مجتمعون في النصرة) (7).
وأمّا « برأ » فيأتي في اللغة على أصلين: (أحدهما: الخلق … والأصل الآخر: التباعد من الشيء ومزايلته) (8).
وحاصل ما سبق من معنى الولاية والموالاة في اللغة أن القربَ هو الأصل الجامع لمعناها. وأنّ نقيض ذلك من التباعد والمعاداة هو براء وبراءة. والقرب إذا كان في الدّين فمنشؤه المحبّة بين المتواليين، لما بينهما من الاتفاق في الدين، وضدّ ذلك ما يكون من البراء في الدّين، فمنشؤه البغض والكراهية. وعلى هذا يكون أصل الموالاة المحبة، وأصل البراءة البغض والكراهية، وإنما يوالي المؤمن المؤمنين لمحبته لهم لإيمانهم، كما أنه إنما يبرأ من الكفار لبغضه لهم لكفرهم، فمن حقق المحبة للمؤمنين لما هم عليه من الإيمان فقد حقق أصل الموالاة لهم، ومن حقق الكراهية والبغض للكفار لما هم عليه من الكفر فقد حقق أصل البراءة منهم .
وفي تقرير أصل الولاء والبراء، وما يلزم عنه، وبيان الصلة بين المعنى اللغوي والحقيقة الشرعية للولاء والبراء يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (أصل الموالاة هي المحبة، كما أن أصل المعاداة البغض، فإن التحاب يوجب التقارب والاتفاق، والتباغض يوجب التباعد والاختلاف، وقد قيل: المولى من الولي، وهو القرب، وهذا يلي هذا، أي يقرب منه. والعدو من العدواء، وهو البعد، ومنه العدوة، والشيء إذا ولي الشيء ودنا منه وقرب إليه اتصل به، كما أنه إذا عدي عنه ونأى عنه وبعد منه كان ماضياً عنه .
فأولياء الله ضد أعدائه، يقربهم منه ويدنيهم إليه ويتولاهم ويتولونه ويحبهم ويرحمهم، ويكون عليهم منه صلاة، وأعداؤه يبعدهم ويلعنهم، وهو إبعاد منه ومن رحمته، ويبغضهم ويغضب عليهم ، وهذا شأن المتوالين والمتعادين) (9).
وفي نفس المعنى يقول الإمام الشوكاني: (أصل الولاية المحبة والتقرب، كما ذكره أهل اللغة، وأصل العداوة البغض والبعد) (10).
وفي نفس المعنى أيضاً يقول الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ:
(وأصل الموالاة الحب، وأصل المعاداة البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة، كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد والهجرة، ونحو ذلك من الأعمال) (11).
وعلى قدر تحقيق الولاء والبراء في الباطن يكون أثره في الظاهر، وحقوق المسلم على المسلم إنما ترجع إلى تحقيق الموالاة بينهم، والنهي عن مشايعة الكفار وموافقتهم ونصرتهم إنما ترجع إلى تحقيق البراءة منهم، فمن أخل بشيء مما يجب عليه من حقوق إخوانه المسلمين فقد نقص ولاؤه لهم بقدر ما أخل به من حقوقهم ، ومن فعل شيئاً مما نهي عنه من موالاة الكفار في الظاهر فقد نقصت براءته من الكفار بقدر ذلك، وما لم يكن الإخلال بالولاء والبراء متعلقًا بأصل الولاء والبراء فإن الإيمان ينقص بحسب ذلك ، حتى إذا حصل الإخلال بأصل الولاء والبراء فإن الإيمان حينئذٍ ينتفي بالكلية، ولا يبقى منه شيء .
وإذا كانت المحبة هي أصل الموالاة، والنصرة تابعة لها ، فإنه لا يلزم من مجرد القدح في النصرة انتفاء المحبة التي هي أصلها . فلا يلزم من مجرد النقص في النصرة الواجبة للمؤمن على المؤمن، أو من مجرد المعاداة الظاهرة من المؤمن للمؤمن انتفاء أصل الموالاة بينهما، وكذلك ما قد يكون من المؤمن من مجرد مظاهرة الكفار وإعانتهم على المسلمين، فإنه لا يلزم منه لذاته انتفاء أصل البراءة من الكفار.
وأما أصل الولاء والبراء فلازم للإيمان، بحيث لا يتصور الإيمان إلا مع ثبوت أصل الولاء والبراء، وذلك أن المؤمن لا يكون مؤمناً إلا مع رضاه بإيمانه ومحبته له، وكراهيته لكل ما يناقضه وينافيه .
واتفاق المؤمنين في إيمانهم يستلزم لذاته تحقق الموالاة بينهم، بحيث يستحيل ألا تكون عند المؤمن المحبة للمؤمنين لإيمانهم، كما أن ما عليه الكفار من الكفر يناقض إيمان المؤمن، فيستحيل أيضاً ألا تكون عند المؤمن الكراهية والبغض لما يناقض إيمانه. وعلى هذا يكون تصور ثبوت الإيمان مع عدم الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين من قبيل تصور اجتماع النقيضين .
وإنما قيل إن الإيمان لا يثبت إلا مع ثبوت أصل الولاء والبراء خاصة دون مطلق الولاء والبراء؛ لأنه لا يلزم من منافاة مطلق الولاء والبراء منافاة أصل الولاء والبراء. والإيمان لا ينتفي إلا بما ينافي أصل الولاء والبراء، وأما ما ينافي مطلق الولاء والبراء مما يدخل في عموم المعاداة للمؤمنين والموالاة للكفار، دون أن ينافي أصل الولاء والبراء فإنه وإن نقص به الإيمان إلا أنه لا ينافيه بالكلية .
وإذا كان قتل المؤمن للمؤمن لا ينافي لذاته أصل الموالاة والأخوة الإيمانية بينهما، فما دون ذلك من العداوة أحرى ألا ينافي أصل الموالاة بين المؤمنين، وإن كانت تلك العداوة منافية لمطلق الموالاة بينهم، فما ينافي مطلق الموالاة بين المؤمنين لا يلزم أن ينافي الموالاة المطلقة لهم، وإنما تنتفي موالاة المؤمن للمؤمنين بعداوتهم وكراهتهم لأجل إيمانهم، لاستحالة حصول ذلك مع ثبوت الإيمان للمؤمن .
وكما أن موالاة المؤمن للمؤمنين لا تنتفي إلا إذا كانت عداوته وكراهيته لهم لأجل إيمانهم، فإن براءة المؤمن من الكفار لا تنتفي إلا إذا كانت محبته لهم ونصرته لهم لأجل كفرهم . فثبوت أصل البراءة من الكفار مع ما قد يكون من الموالاة الظاهرة لهم لمجرد غرض دنيوي هو من قبيل ثبوت أصل الولاء للمؤمنين مع ما قد يحصل بين المؤمنين من العداوة الظاهرة. وإذا لم تكن عداوة المؤمن للمؤمن في الظاهر كفراً لذاتها ما لم تتضمن أن تكون عداوته لأجل إيمانه، فكذلك موالاة المؤمن للكافر في الظاهر، لا تكون كفراً لذاتها، ما لم تتضمن أن تكون تلك الموالاة للكافر لأجل دينه، لا لمجرد غرض دنيوي .
وكما أنه لا دليل على أن شيئاً مما قد يحصل من المؤمن من العداوة الظاهرة للمؤمنين تكون كفراً لذاتها، فكذلك لا دليل أيضاً على أن شيئاً مما قد يحصل من المؤمن من الموالاة الظاهرة للكفار تكون كفراً لذاتها، بل إعانة الكفار ومظاهرتهم على المسلمين هي في ذاتها من قبيل العداوة المباشرة من المؤمن للمؤمن، من حيث إنه لا فرق بينهما من جهة انتفاء حكم الكفر عنهما لذاتهما، وإنما يلزم الكفر فيهما بأن تكون عداوة المؤمن للمؤمن لأجل إيمانه، ومظاهرة المؤمن للكفار لأجل دينهم . ومن تأمل هذا المعنى حق التأمل اتضح له أصل المسألة وحقيقة مناط الكفر بموالاة الكفار .
وحاصل الأمر أن من التزم التكفير بمطلق الموالاة للكفار لزمه التكفير بمطلق المعاداة للمؤمنين، وأما التكفير بمطلق الموالاة للكفار دون مطلق المعاداة للمؤمنين، مع منافاتها لمطلق الموالاة لهم فتناقض محض .
وحينئذٍ يمكن أن تجتمع للمؤمن شعبة من شعب الموالاة للكفار مع ثبوت أصل البراءة منهم، حتى إذا أحب المؤمن الكفار أو أعانهم ونصرهم على المسلمين لأجل دينهم انتفى أصل البراءة من الكفار فانتفى إيمانه .
وعلى هذا المعنى تحمل الآيات الواردة في التكفير بموالاة الكفار، وأن المقصود بها التكفير بموالاة الكفار لأجل دينهم لا التكفير بمطلق الموالاة لهم، وأن هذه الآيات لا تحتاج في بيان دلالتها على هذا المعنى إلى نصوص أخرى تقيدها، لأن دلالتها عليه محكمة، فمن ادعى في هذه الآيات الدلالة على التكفير بمطلق الموالاة فقد خالف دلالتها.
وبناءً على هذا نص الشيخ الشنقيطي –رحمه الله-ٍٍِِ على أن ظواهر الآيات الواردة في التكفير بموالاة الكفار إنما تدل على التكفير بموالاة الكفار رغبة فيهم وفي دينهم، وقد أورد جملة من الآيات في حكم موالاة الكفار، ثم نصّ على ما تتفق عليه تلك الآيات فقال: (يفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمداً واختياراً ، رغبة فيهم، أنه كافر مثلهم) (12).
وقال في موطن آخر في نفس المعنى إن الله تعالى قد بين (أن الذي يتولى الكفار اختياراً ، رغبة فيهم وفي دينهم، أنه منهم) (13).
والمهم فيما ذكره الشيخ الشنقيطي هنا أنه لم يقصد تفسير آية بعينها، وإنما أراد بيان قاعدة ترجع إليها الآيات في حكم موالاة الكفار، وحاصل ما قرره هنا من اشتراط الرغبة في الكفار وفي دينهم للحكم بموالاة الكفار يقتضي أن من كانت موالاته للكفار دون ذلك، بحيث لم تكن موالاته للكفار لأجل دينهم، وإنما كانت لمجرد غرض دنيوي فإنه لا يكفر، لأن من يوالي الكفار لغرض دنيوي مع ثبوت أصل البراءة من الكفار عنده لا يقال إن حاله كحال من والاهم رغبة فيهم وفي دينهم، وإذا كان الحكم بالكفر بموالاة الكفار مقيداً بمن والاهم رغبة في دينهم لم يكن من والاهم لمجرد رغبة في الدنيا مع يقينه بدينه وعدم رغبته عنه كذلك .
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية الفرق بين ما ينافي أصل الولاء والبراء وما ينافي مطلق الولاء والبراء، وبين أن الكفر بموالاة الكفار إنما يكون بما يستحيل معه ثبوت أصل الولاء والبراء، وأن ما دون ذلك مما قد يحصل من المؤمن من معاداة المؤمنين وموالاة الكفار لا يكون حكمه كذلك.
وفي تقرير الاستدلال للتنافي بين الإيمان وموالاة الكفار يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقال تعالى : فيما يذم به أهل الكتاب … "تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ" [المائدة:80-81]. فبين –سبحانه وتعالى- أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان، لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم .
وقال سبحانه : "لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ" [المجادلة:22].
فأخبر سبحانه أنه لا يوجد مؤمن يواد كافراً، فمن واد الكفار فليس بمؤمن) (14).
ومع ما قرره هنا شيخ الإسلام من التنافي بين الإيمان وبين موادّة الكفار وموالاتهم إلا أنه قد نص على أن تلك الموالاة إذا كانت لغرض دنيوي فإنها لا تكون كفراً . وفي ذلك يقول: (إذا قوي ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله أوجب بغض أعداء الله ، كما قال تعالى: "وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ" [المائدة :81]. وقال : "لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ" [المجادلة:22].
وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنباً ينقص به إيمانه،
ولا يكون به كافراً، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض
أخبار النبي –صلى الله عليه وسلم-، وأنزل الله فيه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ" [الممتحنة:1] (15).
وإذا كانت الآيات التي استند إليها شيخ الإسلام ابن تيمية في الحكم باستحالة ثبوت الإيمان مع موالاة الكفار هي نفسها الآيات التي ذكر أنه لا يلزم منها التكفير بموالاة الكفار لمجرد غرض دنيوي، فلا بد أن يكون مراده بالموالاة المكفرة ما تكون لأجل دين الكفار، لا لمجرد غرض دنيوي، لأنه إذا لم يصح التكفير بالموالاة التي لا تكون على الدين لم يبق في التكفير بالموالاة إلا ما تكون على الدين.
وعلى هذا الأساس فرق الشيخ عبدالرحمن بن سعدي في تفسيره للآيات الواردة في حكم موالاة الكفار بين الموالاة التامة وما دونها، وبين أن الكفر بموالاة الكفار لا يكون إلا بالموالاة التامة، وأن ما دون ذلك من الموالاة للكفار لا تكون كفراً، وإن دخلت في عموم موالاة الكفار .
ومن ذلك قوله عند تفسير قول الله تعالى: "إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" [الممتحنة:9]، (ذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان تولياً تاماً كان ذلك كفراً مخرجاً عن دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب، ما هو غليظ وما هو دونه) (16).
وقال أيضاً في تعليل الحكم بالكفر في موالاة اليهود والنصارى في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" [المائدة:51]: (لأن التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم، والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئاً فشيئاً حتى يكون العبد منهم) (17).
وتأمل كيف فرق بين التولي التام الذي يوجب الكفر المخرج من الملة، وبين ما دونه من التولي، وأنه ليس بكفر، وإن كان داخلًا في عموم تولي الكفار، فعلم أن الكفر بموالاة الكفار لا يكون بمطلق الموالاة لهم ، وإنما هو مقيد بالموالاة التامة المطلقة، وإنما تكون الموالاة تامة إذا كانت لأجل دين الكفار، لا لمجرد غرض دنيوي، مع ثبوت أصل الولاء والبراء .
وتكرار الشيخ ابن سعدي –رحمه الله-ٍٍِِ لنفس الحكم في الآيتين السابقتين، وتأكيده على التفريق بين الموالاة التامة وما دونها دليل على أن هذا التفريق أصل عنده في حكم موالاة الكفار، وأن ما جاء من النصوص في هذا الباب فإنما يفهم وفق ذلك الأصل.
وقد حكى الإمام ابن الجوزي عن أهل التفسير التفريق بين موالاة الكفار لأجل دينهم وبين موالاتهم فيما دون ذلك فقال: قوله تعالى: "وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" [المائدة:51] فيه قولان :
أحدهما : من يتولهم في الدين فإنه منهم في الكفر، والثاني: من يتولهم في العهد فإنه منهم في مخالفة الأمر) (18).
وما ذكره ابن الجوزي عن أهل التفسير في معنى الآية يقتضي التفريق بين موالاة الكفار على دينهم وأنها كفر . وبين الموالاة في مجرد العهد مع الكفار وأنها مخالفة للأمر، أي فلا تكون كفراً . وبذلك يكون قد جمع فيما حكاه في هذين القولين بين بيان الحكم وبيان علة الحكم. فذكر أن الكفر بموالاة الكفار مقيد بموالاتهم في الدين، وأن موالاة الكفار في مجرد العهد والتحالف لا تعدو أن تكون معصية ومخالفة للأمر، فلا تكون كفراً لذاتها، لكونها ليست موالاة للكفار على دينهم، ومعلوم أن موالاة الكفار في العهد والتحالف داخلة في عموم نصرتهم، ولو لم تكن كذلك ما حرص الكفار على أن يكون بينهم وبين المسلمين موالاة بهذا المعنى، فعلم أن عدم التكفير في هذه الحال منوط بكون هذه الموالاة مع الكفار مما يكون من المسلمين لأجل غرض دنيوي، وأنها وإن كانت مخالفة للأمر إلا أنها لا تكون كفراً لذاتها، لعدم تحقق مناط الكفر بموالاة الكفار فيها، وهو موالاتهم لأجل دينهم .
وبذا لا يكون للعهد والتحالف مع الكفار حكم مطلق في جميع الأحوال، بل يختلف حكمه بحسب الحامل عليه، فيكون كفرًا إذا كان الحامل عليه نصرة الكفار لأجل دينهم، ويكون مخالفة للأمر وذنباً عظيماً دون أن يصل إلى حدّ الكفر إذا كان لمجرد غرض دنيوي، وقد يكون جائزًا أو متعينًا بحسب ما يكون فيه من المصلحة للمسلمين، وقد عاهد النبي –صلى الله عليه وسلم- الكفار وقبل حلفهم في بعض الأحوال، كقبوله حلف خزاعة، ومعاهدته لقريش في صلح الحديبية.
ووجه الأهمية في نص الإمام ابن الجوزي على الحكم وعلته في الآية هو ما يقتضيه ذلك من بيان أن هذه العلة عامة في حكم موالاة الكفار، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فلا يكون ما ذكره خاصاً بمعنى هذه الآية، وإنما يكون تقريراً للتفريق في حكم موالاة الكفار بين ما يكون لأجل دينهم وبين ما يكون لغير ذلك .. يتبـع

____________________________

(1) معجم مقاييس اللغة. لابن فارس (6/141).
(2) نفس المرجع (6/142).
(3) الصحاح. للجوهري (6/2528).
(4) نفس المرجع (6/2529).
(5) نفس المرجع (6/2530).
(6) نفس المرجع (6/2529).
(7) نفس المرجع (6/2530).
(8) معجم مقاييس اللغة. لابن فارس (1/236).
(9) قاعدة في المحبة. (ضمن جامع الرسائل). لابن تيمية (2/384)، وانظر أيضاً: مجموع فتاوى ابن تيمية (6/478) (11/160-161).
(10) قطر الولي على حديث الولي. للشوكاني. تحقيق: إبراهيم هلال ص(223).
(11) الدرر السنية في الأجوبة النجدية. (2/157).
(12) أضواء البيان. للشنقيطي (2/111).
(13) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (5/2089).
(14) اقتضاء الصراط المستقيم. لابن تيمية (1/550-551).
(15) مجموع فتاوي ابن تيمية (7/522-523).
(16) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. لابن سعدي (7/357).
(17) المرجع السابق (2/304).
(18) زاد المسير. لابن الجوزي ص(390).