طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > النهاية الحتمية للتطرف والغلو في الدنيا والآخرة(الألوكة)

ملتقى الخطباء

(176)
518

النهاية الحتمية للتطرف والغلو في الدنيا والآخرة(الألوكة)

1430/09/13
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

لقاء أجراه الأستاذ: خلف العنزي المحرر بمجلة الدعوة وفقه الله.

(1) ما النهاية الحتمية للغالي في الدنيا والآخرة؟

لا شك أن الغلو والتطرف والعنف له آثاره السيئة على صاحبه في الدنيا والآخرة.

فمن آثاره الدنيوية:
1- الهلاك: وهو التلف والخسارة للغالي فالدنيا قبل الآخرة، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة، وهو على راحلته: ((هاتِ، القط لي))، فلقطت حصيات من حصى الخذف، فلما وضعهن في يده، قال بأمثال هؤلاء: ((وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم بالغلو في الدين))؛ أخرجه النسائي بإسناد صحيح.

فتأمل – يا رعاك الله – هذا الحديث والمناسبة التي قيل فيها، كيف حذَّرَ النبي صلى الله عليه من الغلو في الدين، وبيَّن أنه من أسباب هلاك الأمم قبلنا، مما يؤكِّدُ لك خطورةَ الغلو في الدين، ولو كان في أمرٍ يسيرٍ في نظر بعض الناس.

ويتأكَّد لك حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على تحذير أمته من الغلو في الدين ولو كان في أمر يسير؛ كرمي حصى كالجمار، فكيف إذا كان الغلو في الدين يتعدى إلى الإضرار بالإسلام والمسلمين، والظلم والعدوان على المستأمنين.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((هلك المتنطعون)) قالها ثلاثاً؛ رواه مسلم.

والمتنطعون هم المتشددون في غير موضع التشديد، فكل من شدَّدَ على نفسه أو على غيره في أمر قد وسَّعَ الله له فيه، فإنه يدخل في هذا الوعيد الشديد.

2- ومنها الغلبة: وهي الهزيمة والتعب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الدِّين يسرٌ، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غَلَبَهُ))؛ يعني: لن يطلب أحدٌ الغلوَّ والتشديد في الدين إلا غُلِبَ وهُزِمَ وكَلَّ ومَلَّ وتَعِبَ، ثم استحسر فترك العمل.

وأما النهاية الحتمية للغالي في الآخرة، فمنها:
1- الكفر أو الفسق: لأن الغلو قد يفضي بصاحبه إلى التكفير أو التفسيق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر))؛ متفق عليه.
2- مفارقة الجماعة، والموت مات ميتة جاهلية والعياذ بالله: لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية))؛ رواه البخاري.
3- المروق من الدين: لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الخوارج وهم من طوائف الغلو: ((يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)) الحديث؛ رواه البخاري.
4- الوعيد بالنار: لأن الغلو والتطرف قد يفضي بصاحبه إلى قتل النفوس المعصومة بغير حق، وذلك من أكبر الذنوب، قال الله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}.
وفي (الصحيحين) يقول عليه الصلاة والسلام: ((اجتنبوا السبع الموبقات، قيل يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق..)) الحديث.

ويقول صلى الله عليه وسلم: ((لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حرامًا))، قال ابن عمر رضي الله عنهما: "من ورطات الأمور التي لا مخرج منها لمن أوقع نفسه فيها: سفك الدم الحرام بغير حله"؛ أخرجه البخاري.

ويقول صلى الله عليه وسلم: ((كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت مشركًا، أو يقتل مؤمنًا متعمدًا)).

ويقول صلى الله عليه وسلم: ((من قتل مؤمنًا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً)).

ويقول صلى الله عليه وسلم: ((لو أن أهل السماء وأهل الارض اشتركوا في دم مؤمن لأكبَّهُمُ الله في النار)).

ويقول صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالكعبة: ((ما أطيبكِ، وما أطيبَ ريحكِ، ما أعظمكِ، وما أعظمَ حرمتكِ، والذي نفس محمد بيده؛ لحُرمةُ المؤمن عند الله أعظم حرمةً منكِ؛ مالُهُ، ودمُهُ، وأن تظن به إلا خيرًا)).

ويقول صلى الله عليه وسلم: ((لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم)).

ويقول صلى الله عليه وسلم: ((يأتى المقتول متعلقًا رأسه بإحدى يديه متلببًا قاتله باليد الأخرى، تشخب أوداجه دمًا حتى يأتي به العرش، فيقول المقتول لرب العالمين: هذا قتلني، فيقول الله للقاتل: تعستَ، ويذهب به الى النار)).

وهذا كله في قتل المسلم بغير حق، فكيف إذا انضمَّ إلى ذلك: تفجير الممتلكات، وترويع الآمنين من المسلمين، والانتحار، وغيرُ ذلك من كبائر الذنوب التي لا يقدم عليها إلا من طمس الله على بصيرته، وزُيِّنَ له سوءُ عمله فرآه حسناً، كما قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}.

ويقول عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}.

(3) من أعظم مقاصد الشريعة اليسر على الناس؛ فلماذا غاب هذا لمفهوم عن أفهام الشباب خاصة؟ وما أثر هذا الغياب على إذكاء ظاهرة التطرف؟

هذا الدين الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم دين يسر، كما قال تعالى: {يُرِيْدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيْدُ بِكُمُ العُسْرَ}[البقرة: 185].

وعن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يسِّرُوا ولا تُعسِّروا، وبَشِّروا ولا تُنفِّروا))؛ متفق عليه.

والمعنى: اسلكوا ما فيه اليسر والسهولة سواء كان فيما يتعلق بأعمالكم أو معاملاتكم مع غيركم، ولهذا كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس عنه.؛ رواه البخاري عن عائشة.

وفي (صحيح البخاري) عن أبي هريرة رضي الله عنه، في قصة الإعرابي الذي بال في المسجد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((فإنما بُعِثتُم مُيسِّرين ولم تُبعَثُوا مُعسِّرين).

والنصوص الشريعة – كتاباً وسنة – كلها تدل على هذا الأصل العظيم، فهو يُسرٌ في أصل التشريع، ويُسرٌ فيما إذا طرأ على العبد ما يُوجِبُ الحاجة إلى التيسير، ولهذا من القواعد الفقهية الكبرى قاعدة المشقة تجلب التيسير، والتي تُسمَّى بقاعدة: رفع الحرج.

وسبب غياب هذا المفهوم عن هؤلاء الشباب الذين جنحوا إلى التطرف والغلو هو: قلة العلم الشرعي، وعدم الرجوع للعلماء الراسخين في العلماء، وما بثَّهُ دعاةُ الباطل من شبهات علِقَت في أذهانهم فجرَّتهم إلى ما وقعوا فيه من سوء أعمالهم.

ولا شك أن غياب هذا المفهوم مما يذكي ظاهرة التطرف والغلو؛ لأن الغالي والجافي ينظر إلى النصوص الشرعية بعين واحدة، ويتتبع المتشابه ويعرض عن المحكم، وهذه طريقة الزائغين الذين في قلوبهم مرض ممن يريدون الفتنة عياذاً بالله.

(4) ما أبرز الحلول المناسبة للقضاء على ظاهرة التطرف والغلو والحد منها بين شبابنا؟

من أبرز هذه الحلول في نظري ما يلي:
1- طرح برامج وخطط علمية مدروسة بعناية لعلاج ظاهرة التطرف والغلو، عبر وسائل الإعلام المختلفة، وإعداد البرامج العلمية والتربوية والاجتماعية بعيدة المدى.

2- تشجيع العلماء والباحثين والدعاة والمعلمين المربين للإسهام في حل هذه المشكلة وتخفيف آثارها والحد من انتشارها، بكل الوسائل المتاحة. وتشجيع البحوث والدراسات المختصة بعلاج هذه الظاهرة.

3- التأكيد على العلماء والأمراء والمسؤولين بفتح أبوابهم للشباب، وتخصيص أيام محددة لذلك، لمناقشة ماعندهم من مشكلات برفق وشفافية وسعة صدر، بدلاً من أن ينصرف الشباب للفضائيات والانترنت ودعاة السوء الشر والفتنة.

4- إنشاء مراكز وجمعيات ومؤسسات متخصصة، تعتني بدراسة مثل: هذه الظواهر، وإيجاد الحلول العلمية والعملية لها.

(5) ما نتج من مقتل هؤلاء الجنود الشجعان من ترمل نساء وتيتم أطفال ..؛ ما تعليقكم؟

نقول لهؤلاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبروا ولتحتسبوا)).

فالموتُ حقٌّ لا بدَّ منه، ويكون الإنسان يموت موتة عز وشرف في سبيل الدفاع عن دينه خير له من أن يموت على معصية من معاصي الله، ولهذا – ولعله من حسن الختام لهؤلاء الجنود الأبطال – أنهم ماتوا موتة شريفة، ولا أدلَّ على ذلكم منه أنه قد صلى عليهم الكبير والصغير.

وما حصل من ترمل النساء وتيتم الأطفال بسب هذه الأعمال الإجرامية فإن هذا مما يؤكد خبث مقصد هؤلاء الغالين، وأنهم لا يفرقون بين مسلم وكافر، ولا بين صغير وكبير، وإنما همهم القتل و إثارة الفتن وزعزعت الأمن وترويع الآمنين، وقتل المؤمنين لغرض سيء في نفوسهم.

فهذه الأفعال المشينة والجرائم المنكرة قد فضحت أمرهم، وأنهم لا يريدون للدين نصرة، ولا للأمة ظفراً، بل يريدون زعزعة الأمن، وترويع الآمنين، وقتل المسلمين، والسعي في الأرض فساداً وإهلاك الحرث والنسل.

وإننا إذ نُحيِّي هؤلاء الجنود الشجعان لنبشرهم بأنهم على خير عظيم، وهم على ثغر من ثغور الإسلام.

(6) بماذا تختمون هذا اللقاء؟

لا يجوز لمسلم بأي حال من الأحوال أن يتستر أو أن يتعاطف مع هؤلاء المجرمين البغاة، ومن تستر عليهم فهو شريك لهم في جرمهم، وقد دخل في عموم قول النبى صلى الله عليه وسلم (لعن الله من أوى محدثا) رواه مسلم.

فالواجب على كلِّ من علم شيئاً من شأنهم أو عرف أماكنهم أو أشخاصهم أن يبادر بالرفع للجهات المختصة بذلك حقناً لدماء المسلمين وحماية لبلاد والعباد. كما أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال تبرير أفعالهم الشنيعة.

ثم إنَ إنها هذه الأفعال الإجرامية الشنيعة لا تفسَّر إلا أنها تخدِم أعداءَ الإسلام والمسلمين، وتضرّ غايةَ الضرَر بالدين والمجتمع، وتسيء غاية الإساءة للإسلام والمسلمين، ففي الوقت الذي يتهم في الغرب الكافر الإسلام والمسلمين بالإرهاب والتطرف والعنف.

وفي الوقت الذي يدافع فيه العلماء والدعاة عن الإسلام في المؤتمر العالمي عن موقف الإسلام من الإرهاب والذي أقيم في رحاب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وفي وقت جلسات المؤتمر وحلقات النقاش، تأتي هذه التصرفات الرعناء لتؤكد للغرب دعواه واتهامه للإسلام والمسلمين، بل لقد فرحت إسرائيل وأمريكا بذلك أيما فرح.

إن الناظر والمتأمِّل ليقدِّر هذه الوقفة الواحدةَ التي وقفتها الأمّة ضدّ هذا التصرّف المشين والعمل الإجراميّ الآثم، لقد وقفت الأمّة صفًّا واحدًا خلفَ قيادتها وولاة أمرها تستنكر هذا العملَ وتدينه ولا تقبل فيه أيَّ مسوِّغ أو مبرِّر، وتتبرّأ من فاعليه، والأمّة مؤمنةٌ بربّها، متمسّكة بدينها، مجتمِعة حولَ ولاةِ أمرها، محافظة على مكتسباتها، وكلّنا بإذن الله حرّاسٌ للعقيدة حماةٌ للديار غيارى على الدين، غيارى على الحرمات.

وإنّ ما يقوم به هؤلاء المفسدون ومَن وراءَهم لا يؤثِّر ولا يهزُّ أمنَ هذه البلادِ ولله الحمد.

فالمجتمع مع ولاة أمره وعلمائه يقِفُون صَفًّا واحدًا، ويتّخذون خندقًا واحدًا، يصدّون ويحاربون كلَّ صاحب فِكرٍ منحرِفٍ وكلَّ متربِّص بهذه البلاد حاقد، سواءً كان من الداخل أو من الخارج، امتثالاً لقول الله تبارك وتعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103]، وقوله تبارك وتعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة:2].

المصدر: الألوكة