طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > إنها حرب شاملة على العرب وكل مقاوم (نبيل شبيب )

ملتقى الخطباء

(2٬180)
478

إنها حرب شاملة على العرب وكل مقاوم (نبيل شبيب )

1430/02/03
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

نبيل شبيب

منذ الانتفاضة الأولى كان منتظرا ومحتما أن تنشب جولات عديدة ثم جولة حاسمة بين الإجرام الحربي الصهيوني والمقاومة المشروعة لتحرير الأرض والشعب والإرادة، والحرب الجديدة ضد غزة -وما هي الأولى في المسلسل الإجرامي- تمثل هذه الجولة الحاسمة بعد كل ما سبقها. وسيان إلى أين تصل عسكريا، فانتصار المقاومة حتمي فيها، وحصيلتها في تاريخ قضية فلسطين مفصل حاسم على طريق تهاوي ما بقي من المشروع الصهيوأمريكي في المنطقة العربية والإسلامية.
ومن قبل الانتفاضة الأولى بدأ الإعداد لجولة عسكرية تستهدف المقاومة، التي ولدت وترعرت من فوق رؤوس من مضى في أنفاق كامب ديفيد فمدريد فأوسلو وسواها، ورغم الإعداد على وجه التحديد لرسم معالم أرضية إقليمية ودولية مناسبة لتنفيذ الجولة الحاسمة، تمثلت بدايتها فيما عرف بمؤتمر شرم الشيخ لمكافحة الإرهاب عام 1996 (قبل الانطلاقة الأولى لعسكرة الهيمنة الأمريكية بخمس سنوات كاملة) عندما ارتضى المشاركون في المؤتمر من أطراف عربية وإسلامية، أن يضعوا المقاومة الشعبية ضد العدوان والاحتلال والاغتصاب، في خانة "الإرهاب"، وفق الرغبات الصهيوأمريكية والغربية، فبدأت عمليات الحصار على كل صعيد، حربا على مناهضي مسيرة تطبيع ما لا يمكن تطبيعه، وحربا على تواجد مراكز في بعض البلدان العربية والغربية لدعم المقاومة الفلسطينية الباقية بهويتها العربية الإسلامية (ولو كان الدعم بكلمة حق صادقة مخلصة)، وحربا على البلدان التي رفضت المشاركة في هذا الحصار، ثم تصعيد الحصار حتى بلغ آخر مراحله الإجرامية بإغلاق المعابر العربية والإسرائيلية (الجغرافية والمالية والإغاثية وغيرها) حول شعب فلسطين الذي يحتضن المقاومة في قطاع غزة.
بهذا المنظور يمكن القول إن من بين أهداف حرب احتلال العراق عام 2003 -ولا يستهان بالأهداف الأخرى- كان التخلص من باقي ما يوجد من قوة عسكرية تقليدية متمردة على الإرادة الصهيوأمريكية في المنطقة…
وإن من بين أهداف الحرب ضد لبنان عام 2006 -ولا يستهان بالأهداف الأخرى- ضرب موقع آخر للمقاومة وإذ لم يتحقق فتحييد الجبهة الشمالية…
وإن كثيرا مما جرى داخل فلسطين منذ ظهر خواء الوعود المزيفة المعلقة على نفق أوسلو ومتاهات خارطة الطريق، كان يمهد لحشر فصائل المقاومة الفلسطينية العصية على الاحتواء والتدجين في أرض غزة، لتوجيه ضربة عسكرية مباشرة لها لا تجد خلالها نصيرا من معظم الأنظمة الحاكمة في البلدان العربية والإسلامية ولا منفذا (ولو على شكل أنفاق محفورة بالدماء تحت الأرض الفلسطينية-المصرية) للحصول على بعض ما يمكن أن تقدمه الشعوب من نصرة ميدانية، إضافة إلى النصرة المعنوية المتفجرة مرة بعد مرة مع كل جولة من الجولات العدوانية.

جولة حاسمة في حرب شاملة
لهذا وسواه وجب تثبيت الأبعاد التاريخية "الإستراتيجية" لهذه الجولة الفاجرة من الحرب الدائرة في المنطقة، التي يحارون في ابتداع الأكاذيب لتصويرها وكأنها مجرد ضربة من قوة عسكرية عاتية مدعومة دوليا وإقليميا ضد قوة مسلحة صغيرة متمردة لفصائل ترفض "التصفية الاستسلامية". إن هذه الجولة الحاسمة ضد المقاومة:
– حرب على فصائل المقاومة.. وممارسة المقاومة.. ومجرد التفكير بالمقاومة مستقبلا..
– حرب على غزة وأهلها، وقد كان احتضانهم للمقاومة أكبر من كل ما يمكن احتماله بشريا من آلام مادية ومعنوية..
– حرب على كل شكل من أشكال الدعم لمسيرة المقاومة في وجه الهيمنة الصهيوأمريكية المترنحة..
– حرب على مصر الأصيلة وتاريخ تضحياتها وانتصاراتها.. عبر الحرب الضارية ضد الغليان الشعبي فيها، الرافض للسياسات المسيطرة بمنطق القوة القمعية ووسائلها فقط، والرافض لمختلف ما باتت ترمز إليه لقاءات شرم الشيخ للتمكين من تصفية قضية فلسطين والمقاومة..
– حرب على الأردن الذي تآخى فيه الشعبان الفلسطيني والأردني على تاريخ واحد ومصير مشترك.. وعلى رفض ما ارتضاه الحكم في مسيرة المشاركة في تسويات التصفية وحصار المقاومة..
– حرب على تنامي الضغوط الشعبية التي تنذر بنهاية جوانب عديدة من السياسات السورية والإيرانية المرفوضة، ذات الصلة باستبداد داخلي ومطامع إقليمية، فهي مما ساهم ويساهم في الحيلولة دون قيام أوضاع داخلية وإقليمية لا غنى عنها من أجل تعبئة شعبية حقيقية وشاملة، من شأنها إن تحققت أن تحول الممانعة "المشكورة" إلى مواجهة، وأن تحول المصالح الذاتية من وراء الممانعة نهجا سياسيا إلى مصالح عليا تجعل منه نهجا للمقاومة الفاعلة الشاملة رسميا وشعبيا، وليتحول احتضان مكاتب المقاومة "المشكور" إلى مواقع انطلاق لها واستنفار القدرات والطاقات الشعبية لتعزيز نمائها وصنع انتصاراتها..
– حرب على ذلك الغليان الشعبي المتصاعد منذ الانتفاضة الفلسطينية الأولى على الأقل، والذي ينذر بوضع نهاية للواقع المتردي في معظم الدول العربية والإسلامية سياسيا واقتصاديا وأمنيا، والذي يمكن من استفراد تكتلات القوى المعادية في مشاريع الهيمنة الصهيوأمريكية والغربية بطرف بعد آخر من الأطراف الفلسطينية والعربية والإسلامية..
إن ما يجري على أرض غزة منذ اليوم الأول لعام 1430هـ هو جولة حاسمة في حرب شاملة، وهو جولة يشهد التاريخ أن نهايتها بانتصار الحق على الباطل محتمة، وتشهد على ذلك مقدماتها جميعا عبر سلسلة تهاوي أعتى القوى الدولية من ورائها، والقوة الإسرائيلية الممثلة لرأس حربتها، وانكشاف عورات من كان وما كان يدعمها من وراء ستار شفاف من الغيرة على شعب فلسطين في معاناته، وحتى على طريق النهوض والتقدم في المنطقة حتى أصبحت دون مؤخرة الركب العالمي في كل ميدان من الميادين.

حتمية النصر
لقد كان تحويل نفق أوسلو إلى حبل غليظ على عنق الانتفاضة الفلسطينية الأولى لخنقها داخل أرض فلسطين، هو البذرة الأولى لاندلاع انتفاضة الأقصى وتحقيق ما لم يتحقق في الانتفاضة الأولى من قبل..
ولقد كان تحويل مسيرة الهيمنة الأمريكية سياسة واقتصادا وإدارة ومالا وأمنا داخليا وعجزا خارجيا إلى حروب عدوانية مباشرة على الأرض العربية والإسلامية على امتدادها من أفغانستان وباكستان عبر العراق وفلسطين ولبنان وحتى الصومال والسودان، هو "القشة الثقيلة" التي قصمت ظهر بعير الرأسمالية المتشددة والليبرالية الجديدة والعولمة المتوحشة وعمودها الفقري الصهيوأمريكي..
ولقد تحولت جولات الحرب التوسعية للمشروع الصهيوأمريكي عبر حروب تقليدية متوالية، إلى جولات عسكرية إجرامية محضة، داخل أرض انطلاقتها الأولى اغتصابا واستعمارا استيطانيا، وها هي البقية الباقية منه وجها لوجه أمام المقاومة التي ولدت في محاضن تسويات التصفية رغما عنها، وترعرت في ساحات القتل والفتك والتشريد والحصار والتدمير رغما عن القوى المنفذة مباشرة أو دعما أو تراجعا وسكوتا أو تزييفا وخيانة ومخادعة.
لن تحتمل الآلة العسكرية الصهيوأمريكية في مواجهة برية مفروضة عليها فرضا بعد إخفاق محاولات تجنبها بالفتك جوا في غياب جيوش تواجهها وطائرات تعيقها وسلاح دفاع جوي يهددها.. لن تحتمل ما وصلت إليه مقاومة مسلحة وشعبية، أفرادا ومجموعات صغيرة، وأحياء شعبية ومستشفيات مدمرة، يعلم كل من فيها أن الشهادة طريق الخلود في الجنة وأن النصر طريق العزة والكرامة والتحرر في الحياة الدنيا، ويعلمون أيضا أنه ليس في أيديهم ما يمكن أن يخسروه بعد اليوم، فأي شكل من أشكال التسليم للآلة العسكرية بما تريد هو على رأس المحرمات بمختلف المعايير.
إن ما شهدته غزة في الاسابيع والأشهر الماضية حدد آخر معالم الطريق نحو نصر محتم، فالعدو ومن تعاون معه وتآمر على هذه الطائفة المجاهدة، وضع غزة وأهلها وجها لوجه أمام إحدى الحسنيين، فإما نصر محتم وممكن الآن، أو شهادة محتملة، لا يمكن إلا أن تكون وقودا لنصر محتم قادم عاجلا لا آجلا.

شروط النصر وألوان التخذيل
أرض غزة تشهد اليوم تكرارا لانتصار جند التوحيد في أرض فلسطين على عدوهم الأكبر عددا والأقوى عدة، فيما يعرفه الغربيون جميعا بمواجهة "ديفيد وجوليات" ونعرفه في قرآننا الكريم بمواجهة "داوود وجالوت" (كما جاء في سورة البقرة، الآيات 249 ـ 251).
وهي عينها الجولة التي تكرر أمثالها في ظل انتشار خاتمة الرسالات الربانية، والمجاهدون يرددون في مواجهة الكثرة الكاثرة لأعدائهم على أرض المعركة {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147)} كما علمهم رب العالمين في سورة آل عمران، فكانوا يرددونها في يوم بدر ويوم اليرموك ويوم حطين ويوم عين جالوت وكان النصر دوما للحق على الباطل.
هي السنة الربانية الثابتة في صناعة التاريخ.. وإنما يصنع التاريخ أهل غزة اليوم:
– بعد التصفية التي شهدتها صفوف المقاومة الفلسطينية نفسها من قبل..
– بعد أن جند الباطل أجناده عالميا وإقليميا وزج بهم في مواجهة المقاومة الفلسطينية الشعبية على قلة العدد والعدة..

وإن من شروط النصر في هذه الجولة الحاسمة:
– ذلك الإيمان اليقيني الذي تميد له الجبال فلا يسقط شهيد من الشهداء، امرأة كان أو طفلا أو شيخا مسنا أو شابا مقاتلا، إلا ويتقدم من بعده المزيد في مواجهة الباطل فوق الأنقاض وحول الأنقاض..
– ذلك القدر الهائل المتجدد على الإبداع، الذي يحول أضعف الأسلحة بالمقاييس المادية إلى مفاجآت يذهل لرصدها ورؤية مفعولها عباقرة "الإستراتيجيات العسكرية" ويقدرون ما تعنيه في مجرى الحروب..
– ذلك الثبات الطويل الأمد الذي ظهر للعيان في سنوات الحصار المتوالية، وكلما أحكمت حلقاته وضاقت، ازدادت قوة الصبر عليه وعلى ما يصنعه من معاناة فأخفقت أهدافه واحدا تلو الآخر..
وإن الويل الأكبر من نصيب الذين يشهدون ما يشهدون من معاناة أهل غزة وقد أعجزت مختلف أشكال الوصف ومزقت القلوب من وراء مختلف الحدود، ثم هم يتاجرون بالمعاناة لتخذيل أهل غزة عما يصنعونه بصبرهم ودمائهم وجهادهم مما يبدو كالمعجزات في مسيرة التاريخ..
وإن من وسائل ذلك التخذيل والتثبيط مع البحث عن أنفاق أخرى تستكمل ما صنعته أنفاق كامب ديفيد ومدريد وأوسلو. تلك التحركات التي لا تقيم وزنا للدم الفلسطيني والعربي والإسلامي، ولا للكرامة الفلسطينية والعربية والإسلامية، ولا لإنسانية الإنسان وحياته وحقوقه وحريته وسيادته على أرضه وصناعته للتاريخ رغم أعداء الإنسانية والإنسان.. فتطرح تحت عنوان وقف العدوان شروطا على الضحية من دون المعتدي، وإدانة كلامية لتزييف وحشية المشاركة في متابعة الحصار حول المقاومة، وتنسج وسائل جديدة لتجنيد مجلس الأمن الدولي، والمجموعات الدولية الكبرى، والمنظمات.. حتى تلك العاجزة عن عقد لقاء كريم واتخاذ موقف كريم.. لتتضافر جميعا على الحيلولة دون انتصار القلة على الكثرة، والمقاومة على العدوان، والحق على الباطل، وهم يعلمون أن كل يوم من أيام استمرار المقاومة في الحرب، يضيف سببا آخر من أسباب هزيمة القوة العاتية الباطلة أمام القلة الصابرة المجاهدة..

إنها جولة حاسمة وليست آخر الجولات..
فإن تحقق النصر الآن عسكريا، فسيغير مجرى التاريخ في المنطقة وعالميا، وإن لم يتحقق النصر الآن عسكريا، فهو متحقق حتما في بذر البذور وإن كانت دامية، لصناعة نصر قادم أكبر وأوسع في جولة حاسمة قادمة، قد لا تقتصر آنذاك على أرض غزة أو أرض فلسطين، فقد بلغ الغليان على امتداد الأرض العربية والإسلامية وبمشاركة الملايين من الأحرار في أنحاء العالم، مرحلة قريبة من الانفجار، ولن يجد الطغيان آنذاك ملجأ، ولن يجد الباطل كرسيا يوظفه في خدمة هيمنة عدوانية باطلة.

كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.