طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > المحور المصري السعودي.. حكمة مقصودة أم أدوار مطلوبة؟

ملتقى الخطباء

(1٬770)
473

المحور المصري السعودي.. حكمة مقصودة أم أدوار مطلوبة؟

1430/02/03
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

أكرم خميس

في تقييم الموقف المصري السعودي من العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة يمكن رصد العديد من وجهات النظر، لكن المؤكد أن البلدين تعاملا مع الحدث بطريقة تتسق مع السياسة الخارجية لكل منهما من جهة، وتتوافق مع رؤيتهما للأوضاع الإقليمية والدولية الراهنة من الجهة الثانية.
ويعني ذلك أن موقف البلدين لم يكن مفاجئا أو استثنائيا، كونه يمثل امتدادا لتوجه ثنائي اجتمع عليه البلدان إثر هجمات سبتمبر عام 2001، وراح يتبلور من أزمة إلى أخرى حتى اتضحت معالمه خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في عام 2006.
ومعلوم أن مصر والسعودية استقبلتا ذلك العدوان الذي استمر أكثر من شهر بانتقاد حزب الله، ثم تحركتا، تحت ضغط الرأي العام، باتجاه مطالبة إسرائيل بوقف عملياتها الحربية، فلما توقفت العمليات فعلا، ذكر البلدان أن جهودهما الدبلوماسية المكثفة، هي التي قادت إلى ذلك.. وهذا تقريبا نفس ما حدث في التعامل مع العدوان الأخير على غزة.
إن هذا التوافق الثنائي اللافت، والذي دعا كثيرين لوصف "المحور المصري السعودي" بأنه الأكثر تماسكا في الوقت الراهن، لا يعكس فقط عمق العلاقة بين البلدين، ولكنه نتيجة لتفاعل عدد من العوامل المتصلة بتصور البلدين للأخطار المحيطة بالمنطقة وكيفية التصدي لها، وبرؤية كل منهما لموقعه ودوره في ظل الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي، فضلا عن تشابه ظروف نظامي الحكم فيهما.
ويمكن التعرض للعوامل الثلاثة التي تحكم هذا المحور وتوجه سياسته من خلال النقاط التالية:
أولا: حذر لتفادي الخطر
ينطلق كلا البلدين في رؤيته الخارجية، من قناعة أساسية مفادها أن العالم يمر، في ظل الحرب الأمريكية على "الإرهاب"، بمرحلة من الاضطراب السياسي والعسكري الذي يستدعي تعاملا حذرا مع أي أزمة، وعقلانية في اتخاذ القرارات، تجنبا لأي خطأ قد يؤدي لمواجهة غير مضمونة العواقب مع الولايات المتحدة الراغبة في فرض ما تسميه "قيم العصر" كالديمقراطية والعقلانية والتسامح.
وفي هذا السياق، لا يخفي البلدان قلقهما من بعض التصورات الأمريكية المعلنة ومنها مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يقوم على ضرورة إعادة رسم خريطة المنطقة وفق معايير مختلفة عن تلك التي تم اعتمادها عقب الحرب العالمية الأولى، وكان من نتائجها تحول الشرق الأوسط، وفق ما تقول واشنطن، إلى "منطقة مضطربة ومصدرا لكبرى المشكلات والتهديدات القديمة والمستجدة للأمن القومي الأمريكي مثل الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل والأصولية والتطرف".
وعلى الرغم من الرفض المعلن من جانب البلدين لأي محاولة للتدخل في شئونهما الداخلية، إلا أنهما يحاولان -كل بطريقته- التكيف مع الخطاب الأمريكي الجديد للخروج من دائرة الدول الموصوفة بالاستبداد.. مصر مثلا عدلت دستورها في عام 2005 للسماح بانتخابات تعددية على منصب رئيس الجمهورية، ثم زادت من مساحة الهامش الديمقراطي المتاح أمام أحزاب المعارضة، لكنها قامت في نفس الوقت بتكثيف ضرباتها للقوى الإسلامية وبالذات الإخوان المسلمون، وأبدت توافقا واضحا مع السياسة الأمريكية في معظم القضايا، ومنها احتلال العراق، حيث باشرت القاهرة بالتعاون مع دول عربية أخرى جهودًا دبلوماسية لدعم العملية السياسية التي يشرف عليها المحتل، ومنها أيضا الأزمة النووية الإيرانية، فالقاهرة ترفض، تماما كواشنطن، امتلاك طهران للسلاح النووي، لكنها تبرر هذا الرفض بخوفها من دخول الشرق الأوسط في سباق تسلح يبدد فرص التنمية والاستقرار فيه.
أما السعودية فسمحت خلال الفترة نفسها بإجراء انتخابات بلدية مقيدة، وتم منح وسائل الإعلام مساحة للنقد، ورعت القيادة مشروعا لحوار وطني عقدت منه 7 دورات تمحورت حول قضايا لم تكن مطروقة من قبل، كما سمح للمراة بقدر من المشاركة السياسية والمجتمعية المحسوبة (عضوية جمعيات رجال الأعمال، الظهور على شاشة التليفزيون… إلخ)، لكن المملكة شددت في الوقت عينه من ضرباتها للقوى الإسلامية الراديكالية في الداخل، وخصوصا المتأثرين بتجربة الجهاد الأفغاني، كما ضيقت من حدود حركة المنظمات الإسلامية المؤيدة لقوى إسلامية مقاتلة بالخارج (كجبهة تحرير مورو وإسلاميي الشيشان والصومال… إلخ)، بل إن الإعلام السعودي الرسمي اضطر لتغيير مفرداته، بحيث صار يستخدم تعبير المقاتلين الشيشان وانفصاليي مورو بدلا من تعبير المجاهدين الذي ظل شائعا لعشرات السنين.
وبالنسبة للصراع العربي – الإسرائيلي تحديدا، واجه البلدان صعوبة أولية في التكيف مع السياسة الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، ليس فقط لأن هذه السياسة بدت صادمة لهما، وإنما أيضا لخطورة ما تحمله من تداعيات على شرعية النظامين الحاكمين في القاهرة والرياض.
وكانت الإدارة الجمهورية الأمريكية قد أعلنت بعد هجمات سبتمبر عن قناعتها بأن استمرار الصراع في الشرق الأوسط ما هو إلا نتيجة لذات البيئة الاستبدادية التي خرج منها تنظيم القاعدة، وأنها ستسعى جاهدة لإنهاء هذا الصراع، عبر العمل على إيجاد بيئة ثقافية وسياسية تتقبل الوجود الإسرائيلي، وتتعامل معه بمنطق التعاون والحوار.
وكترجمة لهذه القناعة قدم الرئيس الأمريكي جورج بوش رؤيته الخاصة للحل النهائي للصراع فيما عرف بـ "رؤية بوش"، كما وعد بإقامة دولة فلسطينية، لكنه رهن ذلك بحصول إسرائيل على أمن كامل كدولة يهودية، داعيا الدول الصديقة لبلاده للقيام بدور إيجابي في التصدي لقوى "الإرهاب" التي ترفض مثل هذا الحل.
في هذا الإطار دعمت الولايات المتحدة إسرائيل في حصارها للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بدعوى إعاقته لعملية السلام متجاهلة المحاولات العربية التي بذلت لتأكيد العكس، كما وضعت واشنطن معظم فصائل المقاومة الفلسطينية سيما حماس والجهاد في قائمة المنظمات "الإرهابية"، وهو الأمر الذي أصرت الدول العربية، وفي مقدمتها مصر والسعودية، على رفضه باعتبار أن القانون الدولي يمنح الشعوب الواقعة تحت الاحتلال حق المقاومة المسلحة، حتى تستعيد استقلالها وفق ما جاء في المبادرة العربية للسلام.
إلا أن موقف البلدين سرعان ما شهد تغييرا متدرجا بدأ باتخاذ مواقف أقل حدة من عمليات الاغتيال الإسرائيلية لعناصر المقاومة، ثم بالتحفظ على العمليات الفدائية الفلسطينية التي تستهدف إسرائيليين، وصولا إلى شجب هذه العمليات، فالتنديد بها أحيانا، وأخيرا تحميل فصائل المقاومة، خصوصا مطلقي الصواريخ على المستوطنات القريبة من غزة، مسئولية أي رد فعل إسرائيلي، على نحو ما حدث بشكل صريح ضد حماس في العدوان الأخير، ومع حزب الله في عدوان 2006 على لبنان.
ويرد بعض المحللين التحولات المتزامنة في الموقفين المصري والسعودي تجاه القضية الفلسطينية إلى ما يوصف بيقين البلدين بأن التقييم الأمريكي لهما إنما يرتبط بسياستهما تجاه الصراع العربي – الإسرائيلي، وليس بمعايير واشنطن المعلنة فيما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان، ووفق هؤلاء فإن القاهرة والرياض تعيان تماما أن كثيرا من الضغوط الأمريكية التي مورست عليهما خلال السنوات الماضية (على سبيل المثال في قضية أيمن نور بمصر وقضية فتاة القطيف بالسعودية) لم تكن سوى وسيلة لانتزاع مواقف أو التراجع عن خطوات تم اتخاذها على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي.
ثانيا: بلدان في مركب واحد
تتشابه مصر والسعودية في أنهما ترتبطان منذ عقود بعلاقة وثيقة مع الولايات المتحدة، لكن تأثيرات هذه العلاقة على مواقفهما من الصراع العربي – الإسرائيلي لم تكن بوضوح الأعوام الثلاثة الماضية، والتي شهدت توجها مصريا سعوديا لدعم أي خطوة باتجاه التوصل لتسوية تضع حدا لهذا الصراع.
ولا يعود هذا التوجه إلى مستجدات طرأت على قضايا الصراع ولا طبيعة أطرافه، وإنما لضرورات أمن قومي يعتقد صانع القرار في كلا البلدين أنها ترتبط بإنهاء الصراع، وتتوقف في الوقت ذاته على استمرار العلاقة المتميزة مع الولايات المتحدة باعتبارها القوة الدولية المهيمنة.
صحيح أن السعودية والولايات المتحدة ترتبطان، منذ اللقاء الشهير الذي جمع الملك عبد العزيز والرئيس الأمريكي تيودور روزفلت في يناير 1945 (على ظهر الطراد "كوينسي" بمنطقة البحيرات المرة بمصر) بعلاقة إستراتيجية حمت المملكة من التقلبات العاصفة التي عرفتها المنطقة في الخمسينيات والستينيات، ومكنتها في الوقت ذاته من مواجهة التحديات الداخلية المتوالية، خصوصًا تلك التي أفرزها قيام الثورة الإسلامية بإيران في نهاية السبعينيات، لكن السعودية التي تمكنت طوال تاريخها من تقديم نفسها كدولة قادرة على اتخاذ قرارات جريئة تتناسب مع مكانتها في العالمين العربي والإسلامي، تدرك حاليا أن تلك الجرأة لم تعد مقبولة أمريكيا.
وكان الصراع العربي – الإسرائيلي على امتداد أكثر من 50 عاما هو الساحة الرئيسية، وربما الوحيدة، لممارسة هذه الجرأة، حيث كانت المملكة من بين أكثر الدول تمويلا للقضية الفلسطينية في كل مراحلها، وهي التي وقفت إلى جوار مصر بعد هزيمة يونيو 1967، ثم إن عاهلها الراحل الملك فيصل بن عبد العزيز كان صاحب قرار قطع البترول عن حلفاء إسرائيل خلال حرب أكتوبر 1973، وفضلا عن ذلك كله بقيت المملكة واحدة من دول عربية قليلة لا تقيم علاقات من أي نوع مع إسرائيل.
ومعلوم أن الملك فيصل، كان يؤمن بأن الصهيونية، مثلها مثل الاشتراكية والقومية وغيرها من النظريات والحركات، صناعة شيوعية تستهدف النيل من الإسلام والهيمنة على مقدرات العالم؛ ولذلك كان الرجل قادرا على الفصل بين عدائه الشديد لإسرائيل، وعلاقة بلاده المتميزة بالولايات المتحدة؛ ولذلك أيضا كان الملك فيصل يعتقد أن النظم التي تبنت أفكارا من هذا القبيل وفي صدارتها مصر الناصرية تمثل خطرا حقيقيا على المنطقة لا تخليصا لها من أوضاعها المتخلفة.
لكن الملك فيصل وجد نفسه بعد حرب يونيو مدفوعا للوقوف مع هذه النظم لمواجهة آثار العدوان الإسرائيلي، ثم ظل داعمًا لمصر وسوريا حتى تمكنتا من تحقيق انتصارهما الوحيد على إسرائيل، وعلى الرغم مما تذكره بعض المصادر عن دور مبكر للملك فيصل في الترتيب لعملية التسوية التي دخلها النظام المصري بدءا من عام 1977، إلا أن مقتل الرجل قبل ذلك بعامين على يد ابن أخيه فيصل بن مساعد، حافظت له على صورة وضاءة في عيون السعوديين الذي يتفاخرون حتى اليوم بمواقفه المبدئية تجاه إسرائيل.
ويعتبر كثيرون أن السياسة التي خطها الملك فيصل تجاه الصراع العربي – الإسرائيلي، ظلت حاكمة لتوجهات خليفته الملك خالد (1975 – 1982)، ثم الملك فهد الذي اضطرته ظروف مرضه لتسليم مقاليد الحكم لأخيه الأمير (الملك حاليا) عبد الله، فاستمر على ذات السياسة حتى وقعت أحداث سبتمبر 2001، فبدأت الرياض في تكييف سياستها تجاه القضية الفلسطينية على نحو يتوافق مع رغبتها في تغيير صورتها لدى العالم الغربي.
وفي هذا الإطار لم تكتف الرياض بالتجاوب مع المطالب الأمريكية بوقف دعم المنظمات الإسلامية الفلسطينية، بل راحت تبحث لنفسها عن دور مؤثر في ساحات أخرى بما يمحو عنها تهمة رعاية الإرهاب من جهة، ويحفظ لها موقعها في دائرة حلفاء الولايات المتحدة الراغبين في إقرار السلام من جهة ثانية.
وعلى سبيل المثال، سعت الرياض -من خلال استخدام نفوذها بين فريق من السنة العراقيين- لوقف التغلغل الإيراني، كما قامت بالعديد من الإجراءات لاجتثاث منابع الإرهاب وخلاياه داخل أراضيها، ثم بدأت لاحقًا في لعب أدوار دولية جديدة نسبيا، كاستضافة مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب، ورعاية مصالحة صومالية، والدخول في وساطة بين تشاد والسودان، والسعي لإيجاد حل سلمي لأزمة دارفور، فضلا عن قيامها بدورها التقليدي في ضبط الوضع في باكستان.
وبهذا التحول، لم تعد القضية الفلسطينية، وبرغم الظهور المكثف للمملكة في محاولات الصلح بين حركتي فتح وحماس، الشاغل الوحيد للسياسة الخارجية السعودية، بل إن الموقف من تطوراتها، صار يتحدد وفقا لأمور أخرى، على رأسها الموقف الأمريكي، ودرجة ونوعية تدخل الأطراف الإقليمية المنافسة (وتحديدا إيران).
أما العلاقات المصرية الأمريكية، فشهدت مدًّا وجزرًا في الخمسينيات، ثم دخلت مرحلة عداء في الستينيات، قبل أن تتحول إلى صداقة إستراتيجية منذ نهاية السبعينيات، وخلافا للسعودية، ربطت مصر علاقتها بالولايات المتحدة بالصراع العربي – الإسرائيلي، ففي حين كان الرئيس جمال عبد الناصر يعتبر واشنطن طرفا أصيلا في الصراع باعتبارها الراعي الحقيقي للصهيونية والداعم الرئيسي لإسرائيل، رأى خليفته أنور السادات، ثم الرئيس حسني مبارك، أن الولايات المتحدة وعلى الرغم من علاقتها الخاصة بإسرائيل، يمكن أن تلعب دورا إيجابيا لإنهاء الصراع بطريقة سلمية تتوافق مع قرارات مجلس الأمن.
وقد أكدت مصر دائما أنها تسعى لتوظيف علاقتها المتميزة بالولايات المتحدة لإنجاز تسوية مقبولة في الشرق الأوسط، وانطلاقا من هذه القناعة لعبت القاهرة العديد من الأدوار لإقناع منظمة التحرير الفلسطينية بجدوى التفاوض مع إسرائيل، بعدما تمكنت من دفع الأطراف العربية الأخرى بالمشاركة في مؤتمر مدريد للسلام (أكتوبر 1991)، والذي تم برعاية أمريكية حقيقية، وحضور شكلي لكل من الاتحاد السوفيتي السابق، والأمم المتحدة، والطرف الأوروبي.
وخلال عقد التسعينيات، شكلت القضية الفلسطينية المحور الحقيقي للتفاعلات المصرية الأمريكية، ذلك أن دخول ياسر عرفات حليف القاهرة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتأسيس السلطة الوطنية وانطلاق مفاوضات الوضع النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وضع القاهرة في مواجهة غير مباشرة مع الجانب الأمريكي الذي اتهمها في مرات عدة بالوقوف وراء رفض رئيس السلطة الوطنية لما يعرض عليه من حلول، كان أشهرها رفضه اتفاقا بلوره الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون خلال مفاوضات كامب ديفيد الثانية في يوليو 2000.
إلا أن القاهرة، وبتأثير تداعيات أحداث سبتمبر ثم الغزو الأمريكي للعراق، وجدت أن مصير علاقتها بواشنطن، لا يمكن أن يظل مرهونا بالصراع العربي – الإسرائيلي، والذي صار (في تقديرها) مجرد قضية ضمن قضايا عديدة تستحق الاهتمام ومن بينها، النزعة التوسعية الإيرانية، واتجاه تنظيمات إسلامية عنيفة، تدعي أنها ذات صلة بتنظيم القاعدة لاستهداف مواقع سياحية مهمة في سيناء.
وفي هذا السياق يمكن لمن يراجع تصريحات المسئولين المصريين أن يجد إشارات متكررة عن خطر أصولي يكبر في غزة، وهي الإشارات التي بنت عليها القاهرة جانبا من تبريراتها لموقفها خلال العدوان الأخير.
ثالثا: نظامان في لحظة حرجة
فضلا عن الرغبة في تفادي أخطار ما بعد 11 سبتمبر، والحاجة للحفاظ على العلاقة الخاصة التي تربطهما بالولايات المتحدة، يمثل تشابه الظروف المحيطة بالنظامين المصري والسعودي نافذة مهمة لتفسير سلوكهما خلال العدوان على غزة.
أما النظام المصري، فتبدو قراراته الخارجية انعكاسا لشخصية الرئيس مبارك المعروف بحذره الشديد، وحرصه على تفادي أي صدام مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن بعض المحللين يشيرون إلى أن هذا الحذر، وإن كان يتناسب مع شخصية الرجل الذي يحكم مصر منذ 28 عاما، إلا أنه لا يعد السبب النظامي الوحيد وراء الموقف الذي اتخذته مصر، ويرى هؤلاء أن القاهرة تحاشت أي تصعيد مع الجانبين الإسرائيلي والأمريكي لحسابات تتعلق بمستقبل الحكم في مصر، وهو تحليل قد يفسر تزامن تركيز النظام المصري على ما أطلق عليه "خطر حماس" و"مخططات حماس ضد مصر"، ومخاوف مصر من وجود "إمارة إسلامية على حدودها الشرقية"، مع الحملات الموسعة لاعتقال أعداد ضخمة من كوادر جماعة الإخوان المسلمين، وإجهاض معظم محاولات الجماعة سواء لتنظيم مظاهرات داعمة لغزة، أو لرعاية حملات إغاثة شعبية لصالح ضحايا العدوان الإسرائيلي.
بعبارة أخرى، شكل العدوان على غزة فرصة للنظام المصري كي يظهر عقلانيته في اتخاذ القرار، ومن ثم الحصول على دعم الإدارة الأمريكية الجديدة لأي ترتيبات يجريها بشأن مستقبل الحكم، بدلا من الرهان على قوى أخرى تفتقد لخبرة مماثلة، ومنها من يرتبط مع حماس بوشائج منهجية راسخة.
وبالمثل عكس موقف الرياض رغبة النظام السعودي في ترسيخ صورته كقوة اعتدال إقليمية، خلافا للانطباع المأخوذ عنه لدى الرأي العام الغربي كراعٍ للجماعات الجهادية المسلحة، هذا فضلا عما سيضيفه هذا الموقف لقدرة المملكة على مواجهة الضغوط الغربية التي تطالبه باتخاذ مجموعة من الخطوات الإصلاحية، وبالذات على صعيد تعزيز مكانة المرأة وفتح المجال أمام الأقليات (خصوصا الشيعة) للحصول على حقوقها الدينية والسياسية مع الاعتراف بحق الآخر في الاختلاف الديني والمذهبي والسياسي.
وتتأثر السياسة الخارجية السعودية بشخصية الملك عبد الله (84 عاما) الذي كون خبرة هائلة من خلال المناصب العديدة التي شغلها منذ الخمسينيات، لكن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى تأثير مجموعة الأمراء المتنفذين وفي مقدمتهم ولي العهد الأمير سلطان، وحاكم الرياض الأمير سلمان، ووزير الداخلية الأمير نايف، فضلا عن أبناء الملك فيصل (وزير الخارجية سعود الفيصل، ورئيس الاستخبارات السابق تركي الفيصل وأمير مكة المكرمة خالد الفيصل) على عملية صناعة القرار الخارجي.
وتُعرف الأسماء السابقة، كما يُعرف الملك نفسه، بالميل لتقوية العلاقة مع مصر كحليف إقليمي موثوق به، خلافا لدول أخرى جربت المملكة الاقتراب منها ثم فوجئت بتقلباتها السياسية، وفي هذا السياق تبدي المملكة دائما تقديرها لحكمة الرئيس المصري وقدرته على مواجهة الأزمات الكبرى بما في ذلك ما قد يواجه العلاقة بين البلدين.
وقد تجلت هذه الثقة بوضوح خلال العدوان على غزة، حيث غابت السعودية تقريبا عن ساحة التصريحات اليومية، فيما بدت القاهرة وكأنها تتحدث نيابة عنها في العديد من المرات، كما تجلت هذه الثقة خلال الجدل الذي دار قبيل القمة العربية الطارئة التي دعت إليها قطر، إذ إن مصر قادت حملة اتصالات لإقناع بعض الدول بعدم الحضور، فيما ركزت الرياض جهودها على دول الخليج.
ويعتقد البعض أن التفويض السعودي غير المعلن لمصر، يمثل اعترافا سعوديا بخطأ سابق وقعت فيه الرياض عندما دعت الفصائل الفلسطينية لمؤتمر مصالحة في مكة المكرمة دون أن تشرك مصر فيه، ومثل هذا التحليل يشير إلى أن البلدين سيتحركان فيما بعد هذا العدوان بتنسيق طويل المدى.
المحور المصري السعودي.. إلي أين؟
يرتبط مستقبل العلاقات المصرية – السعودية بذات العوامل التي شكلت هذه العلاقات، فإذا استمرت الرؤية الموحدة تجاه الوضعين الدولي والإقليمي، وإذا بقي البلدان راغبين في تعميق علاقتهما بالولايات المتحدة، فضلا عن بقاء النظامين دون تغيير جوهري؛ فالمرجح أن تستمر هذه العلاقة بل وتزداد تعمقا حتى وإن شابتها خلافات موسمية.
أما فيما يخص حظوظ نجاح الطرفين في تحقيق ما يطمحان إليه من وراء هذه العلاقة، فهذا يتوقف على ثلاثة أمور: أولها مدى تجاوب الولايات المتحدة معهما، وثانيها: حدود قدرة البلدين على استخدام ما لديهما من أوراق ضغط بشكل مدروس ومنسق، وثالثها: يتصل بما يمكن لمحاولات المصالحة التي جرت في قمة الكويت الاقتصادية أن تحققه، وبالذات على صعيد تفكيك المحور الإيراني – السوري – القطري.
وبالنظر لتلك العوامل، يشير البعض إلى أربعة سيناريوهات ممكنة الحدوث، وهي:
السيناريو الأول: ينتصر فيه محور إيران – سوريا، فيؤدي ذلك إلى تغيير شامل في طبيعة التركيبة الدولية الراهنة لنظام الشرق الأوسط، لا تعود فيه الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة المسيطرة على المنطقة.
الثاني: ينتصر فيه المحور العربي "المعتدل"، فتنحسر إيران إلى داخل حدودها القومية، ويفرض عليها بعد ذلك حصار شبه كامل، تمهيدا لإسقاط نظامها.
والثالث: يعجز فيه أي طرف عن تحقيق نصر كاسح أو واضح، فتستمر حالة الانقسام العربي إلى سنوات أو ربما عقود عدة مـقبلة.
أما السيناريو الرابع: فهو أن يتوصل المـعسكران المتصارعان إلى حلول وسط، ينبثق منها نظام إقليمي إسلامي (عربي – إيراني- تركي) جديد.

المصدر: إسلام أون لاين