طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > قراءة ‘حضارية‘ في مشاهد أربعة من الحرب العدوانية على غزة (1-4)

ملتقى الخطباء

(2٬025)
470

قراءة ‘حضارية‘ في مشاهد أربعة من الحرب العدوانية على غزة (1-4)

1430/02/03
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

د. نادية مصطفى

أقصد بالرؤية الحضارية أمرين: من ناحيةٍ هي رؤية انقلابية على المواقف الذائعة الاستسلامية الانهزامية والنابعة بالأساس من صفوف صناع القرار والسياسة ووسائطهم في دوائر الفكر والإعلام.
وتحاول هذه الرؤية أن تعيد قراءة هذه المواقف وما تعكسه من رؤى مادية ضيقة تخنق كل مفهوم للمصلحة أو الأمن أو الوطن، ومن ثم فهي تستدعي أكثر من مجرد موازين القوى المادية على الأرض؛ ممتدة إلى التاريخ القريب منه والبعيد، وإلى الأمة برمتها وسياقها العالمي، ومن ثم فهي من ناحية أخرى رؤية تستدعي مرجعية الذات الجمعية؛ مرجعية الأمة الحضارية وتاريخها ومصالحها الآنية والمستقبلية، في محاولة لبيان كيف أن خطابات البراجماتية والنفعية والمصلحية الذائعة ليست حتمية وليست الوحيدة الصحيحة.
فهي ليست إلا تبريرات لفشل متعدد الأبعاد، وليست أيضًا إلا السبيل لتبرير "إيثار السلامة" والاعتراف الضمني بالتنازل أمام إسرائيل؛ ومن ثم فإن الخروج من أسر هذه السياسات وهذه المفاهيم يحتاج لرؤية انقلابية تحرر الفكر والوعي والعقل والضمير من الأزمة حتى يمكن أن تتحرر القدرة على الحركة.
وهذا التحرير لا يكون إلا من خلال مراجعة المعنى والمفهوم والمعايير المتعلقة بما هو "الفشل" وما هو "النجاح"؟ وما هو "السلام" وما هو "الاستسلام"؟ ما هي "الحرب العدوانية"؟ وما هي "المقاومة"؟… وهذه المراجعة يجب أن تتم باستدعاء معايير، قد تكون غائبة عن نظر البعض ووعيهم.
هذا وإن (غزة-2009) مرآة كاشفة لهذه المشاهد؛ فإن ما يحدث يختبر ما كان يتراكم طوال عقدين من مواقف، ولذا فغزة 2009 تعتبر مِفصلا نوعيًّا في الصراع العربي-الإسرائيلي والقضية الفلسطينية.

والمشاهد الأربعة التي أستدعيها لبيان هذه الرؤية وكيفية تفعيلها إنما تتصل بمستويات أربعة من تفاعلات الأمة:
(1) مستوى العلاقة بين الشعوب العربية وحكامها (وكذلك الشعوب الغربية وحكامها).
(2) مستوى توجيه النظام العربي الرسمي نحو الصراع مع إسرائيل والقضية الفلسطينية.
(3) والمستوى الثالث: مستوى "مقاومة فلسطين-غزة".
(4) مستوى العلاقة بين النظام العربي وجواره الحضاري، (وبالأخص تركيا).
هذه المشاهد تستدعي -كما يحيط بها ويغلفها- مشهدَ مقاومة فلسطين-غزة، ومشهد الحرب العدوانية المفتوحة عليها من إسرائيل بالآلة العسكرية، والتي تدعمها دبلوماسية القوى الكبرى الغربية، سواء السافرة منها، أو ما كان على قدرٍ بقي من الاستحياء (لاعتبارات إنسانية)، وسواء المتحركة منها أو الصامتة والمراقبة عن بُعد، وجميع هذه المشاهد تطرح بقوة وتشرح معنى الأبعاد الحضارية للحرب العدوانية على غزة؛ القائم منها والمطلوب.
ولعل القراءة المتوالية في المشاهد الأربعة توضح بصورة ملموسة ما المقصود "برؤية حضارية"؛ ومن ثم فإن هذه السلسلة الرباعية سيليها توقف في محطة خامسة لشرح "البعد الديني" في الصراع مع إسرائيل والمقاومة ضدها، وكيف يختلط بمفهوم الحضاري.

المشهد الأول: المظاهرات على الصعيد العربي والإسلامي والعالمي
تضامنًا مع غزة وضد إسرائيل، وخاصة في يوم الغضب من أجل غزة (الجمعة 9/1، السبت 10/1)، والذي دعا إليه العلامة يوسف القرضاوي.
ففي نفس الوقت الذي تقصف فيه إسرائيل الفلسطينيين تحت الحصار قصفًا منهجيًّا منظمًا يجتث الزرع والحجر والإنسان، وعلى نحو يبين أن ما يحدثه من خسائر في المدنيين ليست خسائر لا مفرّ منها في كل المعارك العسكرية، ولكنها خسائر مقصودة لعينها لأن المقاومة ليست حماس فقط، ولكن المقاومة هي غزة كلها، والآلة العسكرية الإسرائيلية لا تتحرك ضد حماس المقاومة فقط، ولكن ضد الشعب الفلسطيني بأسره، ومن أجل تصفية القضية الفلسطينية برمتها، وهكذا قالها مشعل وهنية والعقلاء من مفكري الأمة، قالوا إن إسرائيل لا تقصد حماس فقط ولكن القضية برمتها والأمة برمتها، فهي مصدر تهديد للجميع آنيًّا ولاحقًا.

في نفس هذا الوقت، فإن القراءة في مشهد المظاهرات هو عملة ذات وجهين:
– الوجه الأول للعملة: هو مشهد المظاهرات في العواصم العالمية، والتي تحظى بحماية الأمن والمساعدة في تنظيمها، معطيةً كل الحق للمتظاهرين في الخروج إلى الميادين والشوارع الكبرى، في نفس الوقت الذي يسود فيه المتظاهرين –باستثناء حالات قليلة- نظام وتناسق بين أطياف عدة سياسية وفكرية أو دينية، اجتمعوا -بل حرصوا على أن يبنوا اجتماعهم بالرغم من تباين مرجعياتهم- على إدانة الفعل الإسرائيلي، وسواء كانت هذه الإدانة لأسباب إنسانية تتصل بما حاق بالمدنيين من جرائم حرب عنصرية، أو لأسباب سياسية تتصل بالدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره من خلال المقاومة أو غيرها، أو سواء لنصرة الإسلام والمسلمين ضد الهجوم عليهما في فلسطين.
إنها إذن قيمة حقوق الإنسان تنضح من هذا المشهد، قيمة حق الإنسان في الحرية والمشاركة، تلك القيمة التي إن تأكد احترامها داخل المجتمعات الغربية (بصورة أو بأخرى)، فإنه ما زال يحكم هذه القيمَ سياسات المعايير المزدوجة حين تأخذها الحكومات الغربية إلى الخارج؛ داعية إلى احترامها؛ متخذة التدخل لحمايتها ذريعةً لمآرب أخرى.
– الوجه الثاني للعملة: هو أن قوات الأمن في عواصم عربية (مصر والأردن وموريتانيا وغيرها) تحاصر مظاهرات شعوبها وتضربها حماية لسفارة إسرائيل ومنعًا للجماهير الغاضبة من الوصول إلى السفارة، إن هذا الغضب يبقى كما هو عاليًا، ويزداد علوًّا –معه- ما يسمى "الحاجز النفسي" بين شعوبنا وإسرائيل والذي ما زال يحول دون التطبيع الذي تريده إسرائيل تفعيلا لما يسمى "اتفاقات السلام" التي كتبتها أقلام نظم عربية على ورق، فأصبحت بمرور الوقت، ومع استمرار التهديد والتوسع الإسرائيلي حبرًا على ورق، ففي حين ما زالت تتمسك النظم بهذه الأوهام –إيثارًا للسلامة وليس حبًّا في السلام وعلى نحو يجعل من هذا الأخير درجة من الاستسلام- فإن الشعوب يرتفع بينها وبين إسرائيل ما هو أكبر من جدار الفصل العنصري الذي رفعته على أرض الضفة الغربية.
فمن ناحية: ففي حين أن دولا عربية (مثل مصر) منعت التظاهر في العاصمة وسمحت بقدر من التنفيس في الأقاليم، فإن دولا عربية أخرى (الجزائر)، وبعد أن كانت تمنع التظاهر، فإن الشعب الجزائري نجح في أن يفرض تظاهره على الحكومة وخرج لنصرة غزة-فلسطين والعرب.
وفي المقابل فإن دولا عربية صرح (ولا أقول أفتى) شيوخها بمنع المظاهرات، وهونوا من قدرها وقيمتها، داعين لنصرة فلسطين بالتبرعات من خلال حملات تبرعية علنية (بدعوة من خادم الحرمين الشريفين)، وغطى الإعلام هذه العملية بطريقة تفاخرية "تظاهرية"، تم هذا تحت مظلة الفتاوى الداعية للمسلمين لنصرة غزة بالمال والدعاء والبعد عن المعاصي، كما لو أن هذه الأمة لا تمتلك إلا المال وإلا الدعاء في سبيل هذه القضية، أو كما لو أن شعوب هذه الأمة عليها أن تترك السياسة للحكام فقط.
فبالرغم مما للدعاء من أهمية للمؤمن وللإيمان، فإن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، فالقوة لا يحدد شكلها الحكام فقط، وخاصة أن هذه الأمة تملك من أوراق القوة وعناصرها الكثير مما لم يوظف في اتجاهه الصحيح؛ أي غزة العرب والإسلام والمسلمين ودعم مكانتهم في العالم؛ وذلك ليس لشيء إلا لأن الشعوب تخلت عن أدوارها، أو أُجبرت أن تتخلى عن أدوارها، إما بالإكراه السياسي والأمني، وإما بالتخدير "الديني" المظهري، لكن أوقات الأزمات الكبرى -مثل الوضع الراهن في غزة وما يحيق بالقضية الفلسطينية من تهديدات- قادر على أن يقلب المعادلة فتعيد "المقاومة في فلسطين" روح المقاومة من جديد على صعيد الأمة برمتها ضد كل صور العدوان على ثوابتها وعلى شعوبها.
ومن ناحية ثانية: وإذا كانت مظاهرات إيران لا تحمل جديدًا، فإن مشهد المظاهرات في تركيا من حيث حجمها ونطاقها وخطابها يحمل رسالة مهمة، حيث ارتبط بتوجه تركي نشط دفاعي على الصعيد الرسمي، تخطت مواقفه المعلنة الرسمية -وعلى صعيد البرلمان بصفة خاصة- مواقف أطراف عربية أخرى من حيث إدانة إسرائيل، ومن حيث المبادرة بتحويل الإدانة إلى مواقف وحركة، ولو تدريجية. وبذا فإن تناغم الشارع التركي والقيادة التركية مؤشر عن نقلة نوعية في توجهات السياسية التركية برمتها، نحو أوروبا ونحو العالم العربي والإسلامي.
ومن ناحية ثالثة: فإن القراءة في مشهد المظاهرات العربية تشهد تلاحمًا في أوجه القضية الفلسطينية: العروبية منها والإسلامية، فهي قضية عربية وإسلامية وكذلك مسيحية؛ ولذا فمن الملاحظ أنه وإن سادت المظاهرات الغربية إدانة إسرائيل بالعنصرية وانتهاك حقوق الإنسان، فإن المظاهرات الكثيفة (كما حدث في بعض الدول العربية) يسودها نصرة العروبة والإسلام ودعم المقاومة من أجل حقوق الشعب الفلسطيني العربي، وهذان وجهان متلاحمان لا يمكن الفصل بينهما، وإن حرصت بعض القيادات الفكرية (أ.حسنين هيكل ود.عزمي بشارة) على عدم التركيز على البعد الديني في الصراع أو رفضه، لكن هذه القيادات –على الأقل- لم تستبعده كمصدر للتعبئة وشحذ الهمم من أجل المقاومة التي تصطف وراءها فصائل عدة، وليس الفصيل الإسلامي فقط برافديه؛ حماس وجهاد، وإن كان الضوء قد تركز على هذا الفصيل بالذات، فذلك لأنه الأكثر اتساعًا وامتدادًا من حيث القاعدة الشعبية، وكذلك فإنه نموذج من نماذج أخرى من المقاومة ذات المرجعية الإسلامية، التي ما زالت تتمسك بقوة بتيار المقاومة العسكرية، مثل سوريا.
بعبارة أخرى، نتساءل: هل المظاهرات على الصعيد العربي تعكس صعود إسلامية المجتمعات، أم سياسة قوى المعارضة السياسية الإسلامية، أم تحالف هذه القوى مع قوى المقاومة الإسلامية ضد الاحتلال والعدوان في كل مكان؛ أفغانستان، العراق، لبنان، فلسطين؟
وهكذا فإن هذه الزوايا واللقطات المتنوعة من مشهد المظاهرات في العالم العربي بصفة مقارنة بغيرها في العالم الإسلامي وفي الغرب تستدعي دلالات عديدة لما آل إليه حال العلاقة بين الشعوب وبين الحكومات، لكنني أتوقف عند دلالة اللقطة الأخيرة، فإن هذه اللقطة تبين نمطين من التحالف: تحالف طغيان الداخل مع طغيان الخارج عبر الموقف الاستسلامي أمام إسرائيل، وتحالف قوى المقاومة ضد الاستبداد في الداخل مع قوى المقاومة ضد الاحتلال والاستيطان وضد والإمبريالية والصهيونية ومشروعات الهيمنة الإمبراطورية العالمية الجديدة.

إن هذا المشهد بوجهيه -عربيًّا وعالميًّا- ليقدم دلالتين قويتين:
– الدلالة الأولى هي تجسيد وتعاظم الفجوة بين الشعوب العربية -ولا أقول الشعوب الإسلامية كلها في تركيا وإيران، وباكستان و… إلخ- وبين حكوماتها والنظم التي تحكمها أيًّا كان نمط هذا النظام؛ ملكيًّا أو جمهوريًّا، وأيًّا كان الوصف الذي تتخذه.
– ومن ثم فالدلالة الثانية تتمثل في تحالف قوى المقاومة عبر الحدود في كل مكان ضد كل أشكال الطغيان والاحتلال والعنصرية والظلم (ملتقى بيروت، ملتقى إستانبول، وملتقى ديربان…). ومن ثم، فإن تحالف قوى المقاومة الإسلامية عبر العالم العربي والإسلامي هي جزء من هذا الكل.
هذا، ولم تتوان السياسة الإسرائيلية دائمًا عن رعاية ودعم الدلالة الأولى؛ أي الفجوة بين الشعوب والحكومات، ورغمًا عن كل ما تبذله من جهود مباشرة ومتسربة من أجل التطبيع ومن أجل كسر الحاجز النفسي بين إسرائيل والشعوب العربية والإسرائيلية، ولقد أكدت التصريحات الإسرائيلية خلال الأسبوع الثاني والثالث من الحرب هذا المنحى في السياسة الإسرائيلية، وأبرزته على نحو غير مسبوق، ويكفي أن نستدعي التصريحات العلنية والواضحة لوزيرة الخارجية الإسرائيلية وكبار قادة الدبلوماسية الإسرائيلية، والتي حرصوا خلالها على إبراز مدى التنسيق والتفاهم من إسرائيل ومصر حول أهداف العملية العسكرية الإسرائيلية في غزة، إضافة إلى التصريحات حول موافقة مصر على ألا تنتصر حماس في غزة، وناهيك أخيرًا عن تصريحات سفير إسرائيل في واشنطن أن إسرائيل لا تدافع عن أمنها فقط، ولكن عن أمن مصر وسوريا والأردن ضد مصادر تهديد هذا الأمن من الحركات الإسلامية المعارضة.
وإذا كانت مثل هذه التصريحات وغيرها –مثل الثناء المتكرر لبوش على سياسة مصر تجاه الأزمة- تبين أو تفسر جزءًا من أسباب الاتهامات التي تواجهها السياسة المصرية الآن (كما سنرى عند قراءة المشهد الثاني في هذه السلسلة) فإنها ستعود بالسلب على إسرائيل، أكثر مما ستعود إيجابيًّا في الأجل القصير، حيث إن العدوان الإسرائيلي وجه ضربة في الصميم لكل ما تبقى لدى البعض من أوهام السلام كخيار إستراتيجي، وأقصد السلام الدائم العادل الذي ترتضيه الشعوب وتبحث عنه، وليس الذي تفرضه النظم من أعلى في غمار خريطة معقدة من حسابات المصالح الضيقة الآنية التي لا تبنى على رؤية إستراتيجية حضارية.
أما المسلك الإسرائيلي تجاه الدلالة الثانية: أي تحالف قوى المقاومة عبر الحدود، فلقد اتجه إلى ضرب هذا التحالف بأكثر من صورة؛ ذلك لأن إنجاز المشروع الصهيوني لا يتطلب –وفق رعاته- مجرد احتلال أرض وتدعيم تفوق عسكري، وتصفية شعب، ولكن يتطلب تسليمًا نفسيًّا وفكريًّا وسياسيًّا من الأمة برمتها بقبول إسرائيل واقعًا وقانونًا، وهذا يتجسد في وقف نهائي لكل شكل من أشكال المقاومة، وخاصة العسكرية النابعة من الشعوب، حيث إن النظم قد استسلمت بدرجات –ولأسباب عدة كما سبق أن ذكرنا- وتخلت عن كافة أشكال الدفاع عن الحق الفلسطيني باستثناء ما يتصل بالأداة الدبلوماسية، وتلك أيضًا –كما سنرى في قراءة مشهد آخر- لم تعكس مقاومة حضارية سلمية، بقدر ما عكست قدرًا كبيرًا من المهانة؛ لأنه تفاوض غير المسنود بعناصر قوة ولا بعناصر إرادة وعزة قد تعوض ما ضاع من عناصر القوة والمكنة في مسلسل الاستبداد والفساد في الأوطان.
وإلى جانب الآلية العسكرية بالطبع، وفي تناغم شديد تحسد عليه السياسة الإسرائيلية بين القوة الصلدة والقوة الناعمة، فإن من أدوات المسلك الإسرائيلي الأخرى لضرب قوى المقاومة وتحالفاتها، ذلك الوسم للمقاومة بأنها "الإرهاب"، وعلى نحو يؤدي إلى إفقاد المقاومة الفلسطينية (العسكرية) شرعيتها الدولية.
وإذا كانت الشعوب العربية والإسلامية قد خرجت لنصرة غزة وفلسطين في مظاهرات وبيانات وتصريحات وحركات، وإذا كانت رموز فكرية وإعلامية وسياسية ودينية متنوعة التوجهات، قد ساندت المقاومة وحماس، أو على الأقل أشار البعض منها إلى أنه لا وقت الآن لحسابات أيديولوجية ومحاكمات لبعضنا البعض، فهل يعني ذلك أننا جميعًا -الشعوب- نوسم بالإرهاب الذي وسمت به إسرائيل وأمريكا وأوروبا مقاومة حماس وحزب الله؟… وكل هذا يجعلنا نتساءل: هل هذه خطوة إضافية، بعد الخطوات التي تلت نهاية الحرب الباردة، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر من حيث التدخلات الخارجية في الصراعات الإقليمية باسم الدواعي الإنسانية، وعلى نحو ضرب بقوة مفاهيم السيادة والاستقلال، والمقاومة وغيرها… إلخ؟
وأخيرًا: نعود مرة أخرى إلى محور القراءة في هذا المشهد ومنطلقاته؛ أي "المظاهرات" في العوالم العربية والإسلامية وغيرها ودلالاتها، وبالنسبة للفجوة بين الشعوب والحكومات العربية وبالنسبة للتلاحم بين الشعب والحكومة في كل من إيران وتركيا، ودافع هذه العودة الأخيرة هو التساؤل: ما هي جدوى هذه المظاهرات على ساحة الحركة؟ هل تجدي في تغيير المعادلات على أرض الواقع؟
أسئلة يكررها من لا يؤمنون بدور الشعوب وحقوقها في التعبير عن رأيها، ليس فقط من خلال اختيار نوابها في المجالس التشريعية والمحلية، ولكن على نحو جماعي يجسد موقفًا قد يكون مؤيدًا لتوجه النظام، وقد يكون معارضًا كاشفًا عن قصور أو داعيًا إلى مطالب.
ولقد وجدت أبواق النظم –خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة- قنوات عديدة ترفع من خلالها أصواتها مدافعة عن هذا أو متهمة لهذا، على نحو بيّن أن هناك حربًا واستقطابًا إعلاميًّا شديدًا بين المدافعين عن خيار المقاومة وعن غزة وبين المدافعين عن مواقف دول عربية كبرى وهكذا… ولقد أصابت هذه المساحة الإعلامية -وخاصة المرئية- الوعي العام بالاضطراب؛ ومن ثم فإن المظاهرات -وخاصة ضد النظم التي تتقاعس عن مساندة خيار المقاومة أو ربما تتآمر عليه- إنما هي سبيل لبيان خيار الشعوب؛ وهو الخيار الذي يتم حصار وتقييد سبيل الإعلان عنه وسبيل تفعيله وحمايته، في حين تفتح صفحات الصحف الرسمية والقنوات الفضائية الرسمية لأبواق هذه النظم تبرر سياساتها ومواقفها، أكثر مما تدافع ولو عن حق الشعب الفلسطيني في الحياة، فإن الدفاع عن النفس قد أضحى أكثر أهمية من أي اعتبار آخر؛ وبذا تتساوى هذه النظم مع إسرائيل في دعاواها التي لم تعد تضلل أحدًا من الشعوب الواعية أو التي تريد أن تعي، فلقد أضحت وسائل الإعلام -المقروءة والمرئية- ساحة لمعارك بين التيارات الفكرية والسياسية المتنوعة على نحو يقدم سندًا لمن يتظاهرون دفاعًا عن خيار المقاومة وخيار الإنسانية وقيم العدل والحرية.
إن المظاهرات، إذا حدثت أو إذا منعت وقيدت، هي مؤشر عن حال "الأمة"، وإذا كانت الأمة قد نهضت من أجل محمد "صلى الله عليه وسلم" حين نالت منه رسوم كاريكاتيرية، فما أجدر أيضًا أن تقوم الأمة، وتستمر من أجل خيار المقاومة في زمن تكالبت وتداعت علينا الأمم، ليس من قلة ولكن من وهن، ولقد تراكمت علامات الوهن –المعاصرة- لتصل إلى أقصاها، وما كانت "الحرب على غزة" سوى مرآة كاشفة لما وصل إليه النظام العربي من وهن.

أستاذ العلاقات الدولية، ومدير برنامج حوار الحضارات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

المصدر: إسلام أون لاين