طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > قراءة حضارية في مشاهد أربعة من الحرب على غزة (2-4)

ملتقى الخطباء

(2٬066)
469

قراءة حضارية في مشاهد أربعة من الحرب على غزة (2-4)

1430/02/03
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

المشهد الثاني: النظام العربي.. خيار التسوية السلمية بديلا للمقاومة
د. نادية مصطفى

وهو مشهد معقد ومركب.. فما النظام العربي الرسمي؟ هل هو الجامعة العربية أم النظم العربية منفردة، أو على الأقل (ووفق توجهات السياسة الأمريكية) النظم الفرعية العربية من: الخليج، والمشرق، ووادي النيل، وشمال إفريقيا، والقرن الإفريقي؟
تساؤلات يحيط بها – مع تكرار الأزمات وتواليها (عدوان العراق على الكويت، الحرب على العراق واحتلالها، انتفاضة الأقصى وتداعياتها..)- تساؤل أكبر: هل مات "النظام العربي الرسمي"؟
إن ذلك التساؤل حول الشق الأول من عنوان المشهد لا ينفصل عن الشق الثاني من العنوان وما يطرحه بدوره من أسئلة: أين موضع خيار المقاومة -مقارنة بخيار التسوية- من إدارة النظام للصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية؟
كيف توارى مصطلح "الصراع العربي- الإسرائيلي" عن الخطاب العام الذائع، الرسمي وغير الرسمي، وقفز بدلا منه مصطلح "القضية الفلسطينية"، في حين نجد استمرار خطاب دوائر أخرى يقوم على مفهوم الصراع مع "العدو الصهيوني"؟
إن هذه المصطلحات ليست بالطبع مترادفة، كما أنها ليست منفصلة عن بعضها البعض، فلسطين في قلب الصراع العربي – الإسرائيلي، ولكن إسرائيل لا تستهدف فلسطين فقط، فالمشروع الصهيوني أكثر اتساعا من حدود النظام العربي بل من الدائرة الإسلامية؛ لأنه يمتد إلى العالم كله، وإن كان يتخذ من فلسطين رأس الحربة نحو الدائرة العربية والإسلامية ابتداء.. ويتزامن تراجع مصطلح "الصراع العربي الإسرائيلي" تدريجيا من الخطاب الرسمي، بل من ذاكرة المواطن العادي، بل من كتب تدريس التاريخ، مع ضعف وأفول مفهوم "القومية العربية" وتراجع الآمال حول "نظام عربي".

الانكماش داخل الحدود الوطنية
فلقد أخذت الإستراتيجيات الوطنية للدول العربية الكبرى -وعلى رأسها مصر- في الانكماش داخل حدودها الوطنية واقعة في أسر مفهوم "المصلحة الوطنية أولا" متناسبة أنه –وفي حالة مصر بالذات ذات الدور القيادي تاريخيا في المنطقة- لا يمكن هذا الفصل التعسفي بين دائرتي المصالح الوطنية والقومية، ولكن المتابع للتطور في دور مصر الإقليمي وتطور توجهاته نحو إدارة الصراع العربي الإسرائيلي يمكن أن يلحظ ارتباطا بين نمط ووجهة هذه التطورات، وبين التراجع في دور "النظام العربي الرسمي" تجاه خيار المقاومة ضد مشروع إسرائيل والصهيونية من ناحية، وتزايد إلقاء القضية برمتها على كاهل الفلسطينيين أساسا وانطلاقا من الداخل.. ومن ثم، وبالتدريج، ومنذ اتفاقية كامب ديفيد وعبر خروج منظمة التحرير من بيروت، ومع اتفاقيات سلام الأردن مع إسرائيل ثم أوسلو، تكرس هذا الفصل بين شقي "العربي" و"الفلسطيني" في وصف الصراع مع إسرائيل.
وانتقلت البؤرة على أراضي "السلطة الوطنية" في الضفة وغزة، ولم يعد الدور العربي فاعلا حتى أضحينا نتحدث الآن عن دور مصر كوسيط بين إسرائيل والفلسطينيين، وأضحت المبادرة من أجل السلام الثمن الذي قدمه العرب لتخليهم عن الدور المباشر لمقاومة إسرائيل، حيث كبلتهم المبادرة بخيار السلام كخيار إستراتيجي في وقت تستمر فيه إسرائيل في عدوانها بكل الصور على الشعب الفلسطيني: لتهويد القدس، والفصل بين الضفة وغزة، إجهاضا لمشروع دولة فلسطينية فاعلة، ولتقطيع أوصال الضفة ذاتها، ولحصار خيار المقاومة المسلحة في مركزه في غزة، ناهيك بالطبع عن رعاية الانشقاق في الصف الفلسطيني وتغذيته بين رأس السلطة الفلسطينية في رام الله وحماس في غزة.
كل ذلك في وقت لم يعد فيه الصراع العربي الإسرائيلي الصراع المفتوح الوحيد في المنطقة، فلقد تعددت بؤر الصراعات المتفجرة في العراق، وفي السودان، وفي القرن الإفريقي، ناهيك عما يجري في الجوار الإسلامي (أفغانستان وباكستان)، وعما يجري في داخل النظم والمجتمعات العربية والإسلامية من سياسات تفكيك وتجزئة باستخدام أوراق الطائفية والعرقية والمذهبية والدينية، إن هذه الصورة التي نشطتها ووظفتها -ولا أقول أنشأتها- السياسات الأمريكية بتحالف مع السياسات الإسرائيلية لم تجعل الصراع بين العرب وإسرائيل، أو بين الفلسطينيين وإسرائيل إلا واحدا من خريطة صراعات يموج بها "الشرق الأوسط الكبير" الذي سعت إدارة بوش لإعادة تشكيله.
لكن الحرب على غزة -ومن قبلها الحرب على لبنان في صيف 2006- ما زالت تبرز، لمن يريد أن يعي أو يدرك أن الصراع العربي الإسرائيلي الصهيوني هو البؤرة التي امتدت عنها وتفرعت عنها كل تلك الصراعات المتفجرة.
إذن فتراجع خيار النظام العربي الرسمي بعيدا عن دعم خيار المقاومة المسلحة والمواجهة مع إسرائيل لصالح خيار التسوية السلمية، وعبر العقود الثلاثة الماضية منذ 1978، قد اقترن من ناحية أولى بالتغييرات المتراكمة في خريطة صراعات المنطقة برمتها، كما اقترن من ناحية أخرى بالتغير في توجهات السياسة المصرية والنظام العربي، ناهيك عن تغيرات الداخل الفلسطيني (كما سنرى في قراءة مشهد لاحق).
وكما لم ينجح النظام العربي -بقيادة مصرية- (ومنذ 1948) في إدارة معركة المقاومة المسلحة والمواجهة مع إسرائيل، لم ينجح أيضا (ومنذ 1978) في إدارة معركة التسوية السلمية، وظل الجدال حول السبيلين (القوة العسكرية، والتفاوض والحل السلمي) محورا للمواجهة بين ما سُمي محور الاعتدال ومحور الممانعة، وعلى نحو، حال حتى الآن دون استكمال تحرير أراض عربية محتلة (في سوريا)، ودون إنشاء دولة فلسطينية عاصمتها القدس، وهما الحد الأدنى للمطالب العربية الفلسطينية، ولكن ظلت المقاومة من أجل قضية الشعب الفلسطيني قائمة بلا نهاية، تتوالى انتفاضاته من داخله وبأيدي أبنائه منذ الانتفاضة الأولى 1987، وعبر مفاوضات التسوية التي قادتها السلطة الوطنية، وعبر المقاومة المسلحة التي جسدتها وتابعتها "انتفاضة الأقصى" منذ 2000.

عودة خيار المقاومة
والآن وعبر مشهد الحرب على غزة (أي عبر مرآة غزة الكاشفة)، وبعد مشهد حصارها لما يزيد عن العامين، فإذا بموضوع خيار المقاومة يقفز من جديد على خريطة إدارة الصراع، وفي ثوب جديد يبين كيف أن للحرب على غزة موضعها على خريطة تطور العلاقة بين خيار التسوية السلمية وخيار المقاومة، وبعد أن كان النقاش يدور حول كيف يمكن أن تخدم المقاومة (حماس) مسار التفاوض (السلطة الوطنية)، وكيف يعكس التفاوض نتائج المقاومة في ظل توافق وطني فلسطيني، وفي ظل سياق عربي مساند في جانب منه للتسوية وفي جانب آخر للمقاومة؟ فإذا بالحرب على غزة تصل بنا -وعلى ضوء مواقف الأطراف العربية في مجملها وعلى ضوء الاستقطاب الحاد بين الطرفين الفلسطينيين- إلى مفترق طرق بطرح القضية كما لو أنها صراع بين نقيضين وليس خيارين متكاملين.
إن الوصول إلى هذا المفرق ليس نتاج ضغوط دولية أو ضغوط القوة العسكرية والتشدد الصهيوني فقط، ولكنه نتاج تآكل إرادة الفعل العربي الجماعي وتآكل عناصر القوة العربية نسبيا، مقارنة بما يمكن أن تكون عليه إذا توافرت إرادة تفعيلها، ويرجع ذلك كله إلى تآكل أبنية الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية أمام زحف أبنية الاستبداد والفساد المؤذِن بخراب العمران.
إن المؤشرات على حالة هذا المفرق عديدة.. ابتداء من المؤشرات المتصلة بالمقاومة العسكرية، فبعد أن أحجمت النظم العربية عنها إذا بها تستنكر أن تمسك بها حماس ولا تتخلى عنها، فمهما كانت الدوافع والمبررات أمام الداعين للتخلي عنها، فهي لن تكون إلا استسلاما في ظل السياسات الإسرائيلية الممتدة والتي تفاقم عدوانها وغطرستها الآن، ولذا فإن الاتهامات -أو على الأقل الانتقادات والاستنكارات- العربية المعلنة أو الصامتة بمسئولية حماس عن الحرب الإسرائيلية على غزة، سواء لرفض تجديد التهدئة أو سواء لاستمرارها في إطلاق الصواريخ على جنوب إسرائيل، أثارت هذه المواقف الرسمية -وإن كانت متفاوتة في الحدة والدرجة والوضوح- تجاه المقاومة الإسلامية المسلحة، ردود فعل متعددة من جانب التيارات الفكرية والحركية العربية (غير الرسمية)، وكان القاسم المشترك بينها على الأقل عدم محاسبة أو عدم الهجوم على المقاومة خلال تصديها للعدوان العسكري الشامل عليها في غزة، على غرار ما حدث من قبل مع حزب الله 2006، ناهيك بالطبع عن الموقف المغاير الذي بادرت به تركيا، ألا وهو أن حماس لا تجد حتى الآن صوتا يمثلها في مفاوضات المحافل الدولية، في وقت تمثل هي فيه هدف الأعمال العسكرية الإسرائيلية الدائرة، كما تمثل طرفا فاعلا أساسيا في التفاعلات الجارية، رغما عن عدم اعتراف البعض بها أو اتهامها بالإرهاب أو الرغبة في التخلص منها أو شل حركتها على الأقل.
فهل تمثل هذه المبادرة (غير العربية) محاولة لخرق الحصار السياسي العالمي على حماس؟ وكيف يمكن أن نقرأ هذه المبادرة ومآلاتها السياسية (كما سنرى في قراءة المشهد الواسع)؟ هل ستقود إلى مفاوضات مباشرة بين حماس وإسرائيل، بعد تلك المفاوضات غير المباشرة بوساطة مصرية وتركية؟
ومن ناحية أخرى، وفيما يتصل أيضا بالمقاومة العسكرية والمواقف الرسمية العربية منها وخاصة المصري، تثور قضية "تهريب الأسلحة إلى غزة" واتهام مصر (وكذلك إيران) بالمسئولية عنها، ومن ثم جاءت كل التصريحات الأمريكية والإسرائيلية الملوحة بهذه القضية في وجه الدبلوماسية المصرية والمطالبة لها بصراحة بالتعاون بشأنها، على نحو دفع وزير الخارجية أبو الغيط في تصريح انفعالي للقول بأن مصر غير مسئولة عن دعم القدرات العسكرية للفلسطينيين، كما يطالب بذلك حسن نصر الله، وأنها مسئولة فقط عن دعم قدرات الفلسطينيين في الحياة من خلال المعونات الإنسانية، بعبارة أخرى: في وقت تتعرض فيه غزة للعدوان الكثيف تتفرع القضية بعيدا عن الأصل ونحو الفرع؛ ألا وهو تسليح المقاومة، على نحو يعيد للذاكرة الأحداث السابقة والمستمرة حتى الآن المتصلة بسلاح حزب الله، فبدلا من أن تحرر مصر والنظام العربي ما لديهم من أوراق ضغط على إسرائيل، فإذا بهم يريدون أن يجردوا المقاومة من سلاحها.
وبناء على كل ما سبق، ابتداء من إسقاط خيار الحرب مع إسرائيل، وتقييد خيار المقاومة العسكرية الفلسطينية، فماذا عن المؤشرات الأخرى المتصلة بالمقاومة السلمية؟
ومن أهمها ما يلي:
اتفاق اجتماع وزراء الخارجية الطارئ على نقل الجامعة العربية القضية إلى مجلس الأمن، مع ما هو معروف مسبقا من محاذير هذا النقل، وذلك بالنظر إلى السياسات الأمريكية والأوروبية المعلنة بلا مواربة ولا استحياء دبلوماسي، ليس فقط منذ اندلاع الحرب على غزة، ولكن منذ ما قبل ذلك؛ حيث كانت مناسبة احتفال إسرائيل بمرور (60) عاما على إنشائها مناسبة تبارت فيها إدارة بوش، بل مرشحو الرئاسة حينئذ (أوباما وماكين) وكذلك قادة أوروبا، في الإعراب عن تضامنهم الشديد مع إسرائيل للحفاظ على أمنها في مواجهة الإرهاب (أي المقاومة بقيادة حماس).
ومما لا شك فيه أن مسلسل عرض ومناقشة القضية في مجلس الأمن ونتائجه ليطرح دلالات كثيرة عن عدم نجاح الدبلوماسية العربية، أو بمعنى أصح استمرار تمسكها بأوهام خيار التسوية السلمية والشرعية الدولية في وقت تحترق فيه غزة أمام أعين العالم، فابتداء من رفض مشروع القرار العربي والتصويت على مشروع قرار أمريكي أوروبي، إلى صدور قرار غير ملزم، ثم العودة إلى المبادرة المصرية مع تنسيق تركي، بعد أن فشلت مبادرة مصرية مع تنسيق فرنسي، كل هذا يبين كم كانت، ومازالت، اللعبة الدبلوماسية ستارا لاستمرار الحملة العسكرية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني ومقاومته في غزة، وليس أدل على ذلك من الكلمات القاطعة الحاسمة التي جاءت في كلمة السيد بروكمان رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة في افتتاح مناقشتها للحرب على غزة، وهي كلمة وجهت اتهامات صريحة لفشل مجلس الأمن، ملقيا المسئولية على تواطؤ بعض أعضائه من أجل عدم الوقف الفوري لإطلاق النار أو إصدار قرار ملزم، ومستدعيا أيضا في نفس الوقت تصريحات وزيرة الخارجية الإسرائيلية التي تفصح بها بلا استحياء أو مواربة دبلوماسية أن الغرض من الجهود الدبلوماسية هو إعطاء الفرصة لإسرائيل لتحقيق أهداف أعمالها العسكرية.
كل ذلك في وقت يحدث أمران على الصعيد العربي، فمن ناحية أولى استمرار التمسك بالمفاوضات من أجل الوصول إلى وقف إطلاق النار، وذلك في نفس الوقت الذي تتصاعد فيه جرائم الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، ومن ناحية أخرى مهزلة الدعوة إلى قمة عربية طارئة، والتي تحولت إلى سيناريو كاشف ومخزٍ في نفس الوقت لما وصلت إليه حالة الانفراط والتداعي العربي وهوان قضية الشعب الفلسطيني على النظم العربية، فمن مبادرة قطر إلى رفض مصر والسعودية، إلى مبادرة السعودية لقمة خليجية طارئة.. كل هذا في وقت تضغط فيه الشعوب عبر قنوات مختلفة من أجل استخدام ما بيد هذه النظم من أوراق ضغط على إسرائيل (مثل إلغاء المبادرة العربية للسلام، وسحب السفراء، وإغلاق مكاتب العلاقات التجارية، ووقف كل أشكال التطبيع، وكل قنوات التعاون الاقتصادي)، وهذه الأوراق التي لا ترقى إلى شن حرب، ولا تمثل إلا الحد الأدنى الممكن المبادرة به، لم يقدم نظام عربي واحد على استعمالها، باستثناء أمير قطر مؤخرا، فلقد دعا وهو ينعى عدم الاستجابة لمبادرته بقوله: حسبي الله ونعم الوكيل، دعا إلى استخدام بعض هذه الأوراق، أفلا يطبقها هو على نفسه معطيًّا القدوة بدلا من المزايدة على غيره وخاصة على مصر؟ وماذا ستسفر عنه قمة غزة الطارئة؟ هل ستجدد الحياة في دعم النظام العربي لخيار المقاومة؟ هل ستعلن موت المبادرة العربية للسلام، أم ستعيد الحسابات حول ما يجب أن يكون من علاقة بين خيار المقاومة وخيار التسوية كخيارين متكاملين وليس متضادين؟ وكيف ستتوازن نتائج القمم المتزامنة حتى ولو كشفت ما أضحى عليه النظام من تجزئة؟

إن هذه الأوراق وغيرها تمكن النظام العربي إذا استدعى الإرادة من جديد (وأي شيء أهول مما يحدث في غزة ليستدعوا هذه الإرادة) أن يدير بنفسه معركة ما أضحى أحد راغبا في إدارتها بالنيابة عنه، ولصالح الحق والعدالة، فبالرغم من توافر هذه الأوراق، فإنه تنتفي إرادة استخدامها، ولا يجرؤ أحد على المبادرة على هذا الصعيد، منتظرًا أن يكون الجميع معًا أو لا ضغط ولا إرادة على الإطلاق إلا في استمرار الجري وراء المبادرة المصرية، فهل تريد مصر أن تكون مبادرتها بدون سند عربي جماعي داعم؟ كيف يمكن لمثل هذه المفاوضات الجارية برعاية تركية أن تحرز نتائج دون أوراق ضغط على إسرائيل؟ أم أضحى العرب -ومصر على رأسهم – لا يجدي ضغطهم على إسرائيل، ويجب الانتظار حتى تقرر هي ما تريده؟ هل هكذا انقلبت الآية بعد أن كانت إسرائيل تطالبنا خلال العقدين الأولين من إنشائها بتقديم تنازلات أضحينا منذ 1967 لا حديث لنا إلا عن التنازلات الإسرائيلية أو الاعتدال العربي حتى وصلنا، ورغما عن إشراقات وومضات حرب أكتوبر، إلى خيار السلام كخيار إستراتيجي، وهو الخيار الذي لم نحمه بقوة حضارية وعسكرية تفرض على إسرائيل احترامه وفق مفهومنا له، وليس أن تفرض علينا قبول مفهومها عن السلام، ولقد أوضحت مرآة غزة الكاشفة أنه ليس إلا استسلاما تطلبه إسرائيل.

مآزق النظام العربي
ولكن الوجه الآخر لمرآة غزة كشف أن المقاومة، مقاومة شعب فلسطين في غزة، هي التي يمكن أن تقلب موازين القوة، وتصيب بالخلل إستراتيجية إسرائيل، وتضرب في مقتل توقعاتها بسحق سريع للمقاومة في غزة، وهكذا يتكرر سيناريو حرب لبنان 2006، فبعد أن راهنت نظم عربية على سقوط سريع لحزب الله، فإذا بالمقاومة تقلب الموازين، وهكذا يقع النظام العربي الآن في مأزقين، بعد أن طال صمود المقاومة أكثر مما كان متوقعا، وندعو الله أن يطول هذا الصمود أكثر وأكثر، وأن يعين أهل فلسطين في غزة على آلامهم الإنسانية.
المأزق الأول هو أن استمرار العملية الهجومية واستمرار الصمود أمامها، دون دعم فاعل عربي بضغط حقيقي على إسرائيل، يكشف "التواطؤ" ويؤكد "العجز".
المأزق الثاني هو ضرورة الإعداد "لما بعد الحرب"، فما هي السيناريوهات المطروحة "لما بعد الحرب"؟ هل يكفي الحديث عن إعادة إعمار غزة؟ وهل يكفي الحديث عن حكومة وحدة وطنية؟ وعن مراقبة الحدود بين مصر وغزة؟ وماذا عن الوضع السياسي لحماس وقوة المقاومة؟ هل يجري العمل على تصنيفها أم احتوائها أم استئناسها؟ وهل هي قابلة لكل ذلك؟ إن مرآة غزة بقدر ما أكدت عورات النظام العربي واستسلامه وتخاذله بقدر ما كشفت عن حجم الفجوة بين شعوبه وحكوماته، وعن أن المقاومة هي خيار إنساني وعربي وإسلامي؛ المقاومة ضد طغيان الاستيطان الصهيوني والعنصرية الإسرائيلية، وضد طغيان الاستبداد والفساد الداخلي في الأوطان.
ويا لها من إرادة إلهية أن تتزامن ملهاة انعقاد قمة عربية طارئة مع خطابين مهمين في 15/1/2009، يكشفان كل العورات العربية والإسرائيلية، وخيوط التواطؤ الظاهرة والباطنة، الناجمة عن ضياع الإرادة، وليس عجز المقدرات العربية.
الخطاب الأول هو خطاب رئيس الجمعية العامة في افتتاح الجلسة الطارئة لمناقشة الحرب على غزة، ولقد سجل فيه وبتوثيق متقن لانتهاكات إسرائيل لقرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية ولانتهاكاتها المستمرة لحقوق الإنسان، كما قدم فيه شهادة ضمير حي على مهزلة مجلس الأمن خلال الأسبوع الثالث من الحرب على غزة، مؤكدا أن حرب إسرائيل على غزة هي انتهاك صريح للقانون الدولي، ولا يمكن قبول حجتها بأنها دفاع عن النفس؛ لأن ذلك الأخير تحكمه قواعد وأسس، لا تنطبق على الإطلاق على ما تقوم به إسرائيل من جرائم في غزة.
وفي مقابل هذه الشهادة الحية من عقر دار الشرعية الدولية التي ما يفتأ العرب يهرعون إليها بحثا عن حل لمشاكلهم التي لا يريدون تحمل تبعتها، يأتي خطاب آخر للرئيس الإيراني في حديث مباشر في قناة الجزيرة، فبعد أن قدم رؤيته عن أهمية ودور المقاومة وعناصرها الإيمانية والمادية، وعن كيفية مساندة إيران للقضية الفلسطينية وليس فقط غزة، فلقد قلب المائدة على النظام العربي، الذي ما فتئت بعض أبواقه الإعلامية والسياسية توجه الاتهامات لإيران بأنها حرضت حماس، كما سبق وحرضت حزب الله في لبنان، ومن ثم اتهمت هذه الأبواق حماس بأنها مجرد عميل لإيران يهدد استقرار وأمن المنطقة خدمة لأهداف السياسة الإيرانية، إذن فلقد بين الرئيس الإيراني كيف أن قضية فلسطين هي قضية عربية وإسلامية، وأن على العرب أن يحموا العروبة والإسلام، وأن يستخدموا كل الأوراق التي بيدهم للضغط حماية لغزة وحماية للشعب الفلسطيني وقضيته ومقاومته.
يبقى السؤال: هل يفكر العرب في سيناريو ما بعد الحرب؟ وكيف يتصورون نهاية الحرب؟ وما مآل المقاومة؟ بل ما مآل حماس؟

المصدر: إسلام أون لاين