طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > غزة.. صمود عبر العقود (عمرو محمد الاسلام اليوم)

ملتقى الخطباء

(2٬162)
445

غزة.. صمود عبر العقود (عمرو محمد الاسلام اليوم)

1430/01/25
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 
عمرو محمد

إذا كانت لبنان كدولة استطاعت الصمود لحرب ضارية شنتها ضده إسرائيل لنحو 33 يومًا, وهى ذاتُ جيشٍ مُنَظَّمٍ، ومقاومة مسلحة لعدة عقود, فإن قطاع غزة, كمدينةٍ لا تزيد مساحتها عن 300 كيلو مترا, لا تتمتع بجيش أو مقاومة مجهزة, استطاعتِ الصمودَ لمدة مشابهة, عندما صمدت أمام القوة الباغية لنحو 23 يومًا, في الوقت الذي سبق فيه هذا العدوان حصارٌ شاملٌ، اقترب من ثلاث سنوات.
والواقع, فإن الحرب الأخيرة أكدت صمود غزة، وضربها لأروع الأمثلة في الصمود والإرادة, على الرغم مما دفعته من شهداء تجاوزوا الألف, وجرحى تزايَدَ عددهم عن 5 آلاف, حتى فَرَّ جنود الاحتلال من تخومها, يَجُرُّون ويلات الهزيمة والفشل في تحقيق أي أهداف تذكر.
وبنظرةٍ عبر التاريخ , نجد أن غزة , تعتبر بحق مدرسةً يتعلم فيها الصامدون والمجاهدون، الذين تتوق أعناقهم إلى الحرية, على الرغم مما ظلتْ تعانيه من احتلالٍ بغيضٍ, كثيرًا ما تراوده نفسه باحتلالها, إلى أنْ يُدْرِكَ سريعا عِزَّتَهَا, فيخرج منها مهرولًا, منكسرةً هيبته, وعبارته الشهيرة :"الجيش الذي لا يُقْهَرُ".
ولما كانت غزة مَطْمَعًا أصيلًا لجيش الاحتلال، وأبيةً على أهدافه, فإنّ جنوده كثيرًا ما يرددن "ليخ لغزة" , وهى عبارة إسرائيلية شهيرة تعني حرفيًّا : "اذهب إلى غزة"، وهي المرادف الإسرائيلي لـ: "اذهب إلى الجحيم"!! فغزة هي جحيم الإسرائيليين.
لذا، فإن الحرب التي شنتها إسرائيل أخيرًا, وبدأَتْهَا جَوًّا في الأيام الأخيرة من 2008، وتطورتْ إلى اجتياح بَرِّيٍّ، وقصفٍ شامِلٍ جَوًّا وبرًّا وبحرًا في الأيام الأولى من 2009، لم تكنْ إلا دليلًا على مدى قوة مقاومة هذه البقعة الفلسطينية العربية، التي مَثَّلَتْ هاجسًا كبيرًا لدى القيادة السياسية والعسكرية في الدولة العبرية منذ قيامها.
ومنذ العام 1948، وقطاع غزة يعاني العديد من جرائم الاحتلال, حتى عند وقوعه تحت الانتداب البريطاني على فلسطين، قبل وقوع النكبة ، فضلًا عن خضوعه لحكمٍ عسكريٍّ مصريٍّ منذ 1948 حتى 1956.
وعلى إثر النكبة، تدفّق اللاجئون الفلسطينيون إلى القطاع، وأصبحوا القاعدةَ الأساسيةَ له، والقنبلةَ الموقوتةَ التي يخَشْىَ انفجارَها قادةُ الاحتلال الإسرائيلي المتوالون على مدى 60 عامًا، عدا رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق "مناحم بيجن" – سادس رئيس وزراء من 1977 حتى 1983 – الذي رفض التخلي عن غزة، بُغْيَةَ إقامة مستوطنات جديدة فيها.

"رابين": أَتَمَنَّى غرق غزة
أما أول رئيس وزراء إسرائيلي "ديفيد بن جوريون"، فقد سبق أنْ أعرب عن خشيته من اجتياح القطاع في 1948. بينما تَمَنَّى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق "إسحق رابين" – الذي اغتيل عام 1995 – أنْ يصحوَ ذات يوم فيجد غزة قد غرقت في البحر!
وخلال حرب السويس – العدوان الثلاثي على مصر – عام 1956، غزتْ إسرائيل- بموافقة فرنسا وبريطانيا- قطاع غزة للمرة الأولى، وعاش الفلسطينيون لأشهر قليلة تحت الإدارة العسكرية الإسرائيلية المحتلة. وسَرْعَان ما اضطرت إسرائيل إلى الانسحاب من القطاع بداية العام 1957، فعاد القطاع مُجَدَّدًا تحت الحكم المصري.
وفي أعقاب نكسة 1967، احتل الجيش الإسرائيليُّ قطاع غزة ثانيةً مع شبه جزيرة سيناء، وخضعتْ غزة مجددًا تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي المباشر.
وفي ديسمبر1987، اندلعت الانتفاضة الأولى في مخيم جباليا للاجئين، ثم جاءت اتفاقات أوسلو عام 1993، وعودة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى القطاع، الذي أصبح مشمولًا بالحكم الذاتي، وَفْقًا للاتفاق الْمُوَقَّع من قبل منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل آنذاك.

انسحاب 2005
وبعد شهرٍ من اندلاع الانتفاضة الثانية في سبتمبر2000 بدأ إطلاق الصواريخ من قطاع غزة، مستهدفةً المناطق الإسرائيلية, للدرجة التي أرهقت معها المقاومةُ جنود الاحتلال, حتى كان القرار في يونيو 2005 من رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق "آرئيل شارون" بانسحابٍ أحادِيِّ الجانب للجيش الإسرائيلي من قطاع غزة، وإجلاء نحو 8 آلاف مستوطن، سمحت لهم الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ 1967 بالإقامة فيه.
ومنذ تَوَلِّي حركة المقاومة الإسلامية "حماس" الحكومة في العام 2005 في انتخابات حرة ونزيهة، شهدت بها جميع الجهات والمؤسسات التي تابعتها, أصبح القيادي البارز "إسماعيل هنية" رئيسًا للحكومة, ومن وقتها والقطاع يعاني من حصار شامل, سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي, فضلًا عن المؤامرات التي كانت تُحَاك ضد "حماس" وحكومتها, والانقلاب على شرعيتها, حتى تَمَّ عزلها في قطاع غزة في 13 يونيو2007، ما دفعها إلى فَرْضِ سيطرتها على القطاع، وطرد القوات التابعة لحركة "فتح"، التي يتزعمها رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية "محمود عباس", المنتهية ولايته.

غزة.. حصار ومحرقة
وفي أعقاب سيطرة "حماس" على غزة بالكامل، فَرَضَتْ سلطات الاحتلال الإسرائيلي حصارًا خانقًا على القطاع، قطعَتْ خلاله الوقود والكهرباء، وحرمتْ أهل غزة من السلع الغذائية الأساسية، وأغلقتِ المعابر كافَّةً، ومن بينها "معبر رفح"، ما أَدَّى إلى اقتحام ما يقرب من 750 ألف فلسطيني بوابة "صلاح الدين" للدخول إلى مصر في 23 يناير 2008، ومن ثَمَّ أمر الرئيس المصري "حسني مبارك" قوات الأمن بالسماح للفلسطينيين بالعبور لشراء حاجاتهم الأساسية، والعودة إلى قطاع غزة، طالما أنهم لا يحملون أسلحة أو أي محظورات.
وفي فبراير 2008 شنتْ قوات الاحتلال الإسرائيلي حملةً عسكرية مُوَسَّعَةً ضد قطاع غزة، استمرتْ لنحو 5 أيام – راح ضحيتها 116 فلسطينيًّا، بينهم 26 طفلًا ما بين شهيد وجريح – بدعوى القضاء على عناصر حركة "حماس" التي تُطْلِقُ الصواريخ على المناطق الإسرائيلية!
ووقتها أُطْلِقَ على هذه العملية العسكرية "محرقة غزة" ، وهي التسمية التي جاءتْ بعد أن وصف وزير الحرب الإسرائيلي "إيهود باراك" ما يفعله جيش الإسرائيلي في غزة بـ"هولوكوست" أو "محرقة للفلسطينيين"، وذلك إثر مقتل جنديَّيْنِ إسرائيليَّيْنِ على يد عناصر من حركة "حماس"، أثناء مقاومتها لجيش الاحتلال.
وفي نفس اليوم الذي أعلنتْ فيه انتهاء العمليات العسكرية في غزة، أعلنتْ مصادر إسرائيلية أنها كانت مرحلةً أولى، وأنه قد تكون هناك عملياتٌ أخرى في القريب, حتى وقت الحرب الأخيرة, وانكسار إسرائيل أمام المقاومة, وصمود الشعب الفلسطيني؛ لتؤكد غزة مجدَّدًا أنها ستظل عَصِيَّةً على أقوى آلةِ حربٍ في المنطقة، رغم بدائية صواريخ مقاومتها المحلية الصنع، القصيرة، والمتوسطة.

المصدر: الإسلام اليوم