طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > غزة التربوية (عبدالعزيز المشعلي)

ملتقى الخطباء

(2٬674)
398

غزة التربوية (عبدالعزيز المشعلي)

1430/01/18
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ثم يعجبون من التكامل الذي في غزة، وكيف استطاع القطاع المحاصَر أن يكون له يد عظمى في الساحة الجهادية القتالية، ويد عظمى في الساحة العلمية والأكاديمية، ويد عظمى في الساحة السياسية الصعبة، ويد عظمى في القيادة والدولة، ويد عظمى في الخطابة والتأثير، ويد عظمى في الإعلام الإسلامي المنتج، والإعلام الإسلامي المشارك، ويد عظمى في الأمن العسكري “المخابراتي”، ويد عظمى في الدراسات المستقبلية، وإلا كيف نجيب عن دعاة صاروا حكامًا؟!

 

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، بعثه الله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وبعد:

فمنذ زمن ليس بالطويل بالنسبة إلى أعمار الدعوات، وليس بالقصير بالنسبة إلى حياة الإنسان العادي، الذي يعيش من ستين إلى سبعين سنة – نسمع عن مشاريع دعوية، المشرِّق منها والمغرِّب، والمتجدد والتقليدي، والتقني والمباشر.

ونرى كل قوم بما لديهم فَرِحين، وحُقَّ لهم؛ فهم في طريقهم إلى ربهم {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا} [المائدة: 2]، ولطالما نادى المجاهد في سبيل الله بأعلى صوته: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} [النساء: 95]، وهو فرح بما له عند الله من الدرجات، فيَردُّ عليه العابد في محرابه: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9]، ويستمر التفاضل بين الأعمال الدعوية، وذلك من التكامل الذي يفرح المؤمن بأن أمة الإسلام على خير هدى في توازعها أمور الخير؛ ولكن في السنوات العشرين الأخيرة تمرُّ على الأمة أحداث جسام، تميل مرةً لها رؤوس وتنحني، وأخرى صامدة؛ ((كالخامة من الزرع، لا تزال حتى يكون انجعافها مرة واحدة)).

مرَّت أحداث بالعشرات من حروب وأمن، ودروس وعبر، مما جعل الإنسان يقارن بين الأعمال السابقة، ويحلل أسباب النجاح فيها، وأسباب الضعف.
ولعل الموضوع يطول لو أننا سِرْنا على تعداد الأسباب، ولكن حسبي أن أقف وقفة مع الحدث الأخير، مقارنًا بينه وبين الأحداث الأخرى:

في غزة الصمود، يَعْجب الناس من صبرهم في حربهم، وثباتهم على بأس عدوهم، وكيلهم لهم الصاع بالصاعين، وكأن لسان حالهم:

سَقَيْنَاهُمُ كَأْسًا سَقَوْنَا بِمِثْلِهَا

ثم يعجبون من التكامل الذي في غزة، وكيف استطاع القطاع المحاصَر أن يكون له يد عظمى في الساحة الجهادية القتالية، ويد عظمى في الساحة العلمية والأكاديمية، ويد عظمى في الساحة السياسية الصعبة، ويد عظمى في القيادة والدولة، ويد عظمى في الخطابة والتأثير، ويد عظمى في الإعلام الإسلامي المنتج، والإعلام الإسلامي المشارك، ويد عظمى في الأمن العسكري "المخابراتي"، ويد عظمى في الدراسات المستقبلية، وإلا كيف نجيب عن دعاة صاروا حكامًا؟!

إني حين أتأمل هذه التجربة، أعلم يقينًا أن هذه التجربة ليست كسابقاتها من التجارب، التي كان خط نهايتها هو خط بدايتها؛ لأنك ترى ما سبق من الأعمال عشوائي الاستمرار، وإن كان مخططًا لبدايته، وتجده عشوائي الأهداف، وإن كان الهدف العام واضحًا.

تجدهم يشاركون كلهم؛ والله – سبحانه وتعالى – يقول: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، فيَفْنى كبيرُهم، وينقطع حبل تواصل فكرهم، ويبقى التوريث المنهجي مفقودًا.

كنت أتأمل – وأنا في الجامعة الإسلامية في المدينة – بعض الإخوة الفلسطينيين من أهل غزة، وأعجب من صبرهم على التوازن الحياتي، فهم طلاب علم، وأصحاب متابعة سياسية، وكذلك أصحاب فكر ومنهج وتربية، وأقول في نفسي: ألا تشغلهم الساحة الفلسطينية عن كل هذا؟! وهل الإنسان بحاجة لشهادة من كذا أو كذا؟! فالعلم هناك أولى.

ولكن الذي يغير هذه التساؤلات، ويجعلها تصبُّ في ميزانها – ما نراه في هذه الحرب، وما فيها من استعداد كامل لكل شيء، فالسياسيون لهم بدائل، والعسكريون كذلك، وكلٌّ قد علم صلاته وتسبيحه، تجد منهم العالم الشرعي، وتجد منهم المهندس، تجد منهم الطبيب المعايش، وتجد المخترع، وكل هؤلاء يعيشون في جوٍّ واحد من العمل، تَعْلم خلالها أن سنوات التحضير التي سبقت هذه الحرب لم تذهب سدًى، وأن الاستعداد التربوي، وبناء قاعدة تربوية لم يذهب أدراج الرياح، فالجو في غزة متماسك.

الأسرة في الشارع قد تَرَبَّت على معاني الجهاد والإيمان، والأفراد كذلك، والسياسيون كذلك؛ بل حتى أصحاب الإعلام الذي يسمُّون أنفسهم "أهل الانفتاح" كلُّهم يعيشون على معنى واحد، ونمط واحد، حتى حين تولَّت حماس السلطة، رئيس وزرائها لا يزال يعيش عيشة أحدهم؛ لكونه يعلم مصيره ولا زال، فكما هو صاحب منصب، فهو صاحب مِنْبر جمعة يخطب فيه.

إن تداعيات الأحداث كل يوم تكشف لنا فضل هذه التربية، التي كان من الواجب على أي عمل إسلامي أن يحذو حذوها، فيؤصل جذوره ثم يتحرك.

21 عامًا من التربية التي ابتدأتها حماس، أنتجت جيلاً من الإعلاميين، تَعْجب حين تعلم أن قوى الكفر كلها ضدهم، وهم من يملك القناة الفضائية التي ما أن تُضْرَب، إلا وقد أعدُّوا لها بديلاً، كما حصل فعلاً، وهم أصحاب المواقع الإلكترونية التي ما تواجه إلا والبديل مستعدٌّ لأخذ مكانه، أضف إلى ذلك استطاعتهم المواجهة في الحرب الإلكترونية، واختراق مواقع العدو وقنواتهم الفضائية.

وتعجب حين يحاصِر العالم كله هذا المجتمع، وهو يعيش فوق الأرض، وأعدَّ تحت الأرض له دارًا وخندقًا ونفقًا، يَمُون منه، ويخطط فيه، ويغزو منه.

وتعجب حين تتابعهم العين الإسرائيلية وهم يقودون المجتمع، ولا أحد يصل إليهم، وتعجب حين يكون أول حرب بين إسلام وكفر معلنة واضحة، تهتزُّ لها عروش الطغاة الكافرين، والمستبدين العرب المنافقين، وتبقى في صمود كالجبال الرواسي ذات لاءات.

حين ترى مجموعات حلق تحفيظ القرآن الكريم في الحرمين الشريفين من أهل غزة، مع مُشْرفهم التربوي يسوسهم ويربِّيهم على كتاب ربهم – تعلم أن التربية هي الطريق والوسيلة الفعالة، ذات التأثير بعيد المدى، أكيد المفعول.

إنك حين تقارن بين التجارب السابقة، والتجربة التي في غزة – تعلم أن التربية هي التي نهضت بأهل غزة، وقعدت بآخرين، فالعمل قد يُتْقَن، ولكن التكامل والبقاء قليل، حينها تعلم أن الدعاة يعملون بكل حقول الدعوة، ويبقى الأصل والمنبع الذي يُغذي، الحقل التربوي، الذي يعاني فيه المربي ما يعاني، ولا يُذكر له اسم ولا صدى، هو الباقي، الذي يُؤصل الفكر والمنهج، ويعطي الزاد والأمل.

فلنحيا مربِّين وإن طال الطريق، فمثال غزة خير مثال.

 

المصدر: الألوكة