طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > حماس ومعركة الأمة(وليد الطيب)

ملتقى الخطباء

(2٬581)
388

حماس ومعركة الأمة(وليد الطيب)

1430/01/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

إن المعركة التي يدور رحاها اليوم على أرض غزة، ليست معركة حماس وحدها، ولكنها معركة الأمة كلها، فحماس لا تنازل اليوم خصمًا سياسيًّا فلسطينيا، سواء أكان فتح أو غيرها، وإنما تنازل الصهاينة، أعداء الرسالات وقتلة الأنبياء.
وهذه الصفات وحدها تُعْطِي المعركة بُعْدَهَا العقدي الصريح، كما تمنحها جانبها الإنساني، إذ إن الرسالات جاءت لِتَرْفَعَ الإنسان من حيوانيته وارتكاسه، إلى آفاق الروح الإنساني المكَرَّمِ عند الله، واليهود هم الذين يريدون لهذه البشرية أن ترتكس في حمأة الذل والفساد والانحلال، ومعركةٌ بهذه الصفات حَرِيٌّ بهذه الأمة وحكامها أنْ تَعْقِدَ الخناصر فيها على لواء المقاومة، وأن تكون نصيرًا ومددًا لمسيرتها، ولكن المؤسف أنها اختارت مَوْقِفًا غير الموقف المرتجى، وسلكت سلوكًا آخر، حتى استأسدت دولة الكيان الصهيوني يوم السبت 27 ديسمبر 2008م، وضربت غزة بالطائرات، وقد صعدت إلى الله أرواح أكثر من أربعمائة شهيد، وسقط أضعافهم من الجرحى، وهي غزوة ما كان لها أن تكون، لولا التواطؤ العربي، ولكن لم كل ذلك؟
أسباب الموقف العربي
ينطلق الموقف العربي الرسمي من منطلقاتٍ أساسية، يتفق عليها كل الحكام العرب إلا القليل، وهذا الموقف يتأسس من الرفض الكامل لقيام حكومة بقيادة حركة إسلامية في المنطقة، حتى ولو كانت هذه الحكومة جزيرةً في محيط، أو نبتًا في هواء، وهذه هي قصة الموقف السالب من السودان مطلع التسعينيات، وسر الانقلاب على جبهة الإنقاذ في الجزائر، واليوم هي ذات القصة مع حركة المقاومة الإسلامية حماس.
وإن كان للإسلاميين في السودان دولةٌ وسيطرةٌ على مقدراتها، وشعبٌ يكره الأجنبي، فإن غزة لا بواكي لها، فهي حكومة نشأتْ في ظروف استثنائية، وفي جغرافية شاذةٍ جِدًّا، وفي دولة حبيسة، يتحكم عدوها في مداخلها، ويتآمر بنوها عليها، ويضع بعضُهم يده في يد المحتل الصهيوني، كيدًا أو ولاءً، وتبقى مشكلة المعابر، التي هي بالنسبة للفلسطينيين شريان حياة، فبها يمر الغذاء ويدخل الدواء، ومن خلالها يأتي الكساء وحليب الأطفال، وينتقل الطلاب لمناهل العلم، وبها تتواصل الأسر التي مزقها التهجير والإبعاد القسري عن الوطن.
وحماس التي حققت المفاجأة الكبرى، عبر فوزها بأغلبية الدوائر الانتخابية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتشكيلها حكومة، أعادتْ كتابة المعادلة الصراع العربي الصهيوني في شكل جديد، إلى صراع إسلامي صهيوني، ليس بين حركةٍ مسلحةٍ تقاوم، ودولةٍ عاتية تحتل، ولكن بين تلك الدولة الصهيونية العاتية، ودولةٍ ناشئةٍ، أصبح بيدها زمام التوجيه والتربية والقيادة لشعب عنيد يأبي الانكسار، مما يَشِي بأن هذا الشعب أصبح على أعتاب مرحلة جديدة من الثورة ومعركة التحرير، شعارها "الله أكبر" وسبيلها "الجهاد"، وأمنية الشباب السامية "الشهادة".. ولابد من محو هذه الحكومة الجديدة من الوجود، إذ لم يُجْدِ التجويع شيئا ولم يفض الجماهير عنها، أو يقلل من حماستهم لتأييدها وتشجيعها ونصرتها.
وقد وجدت هذه الرغبة الصهيونية الْمُلِحَّة تأييدًا من الغرب؛ لأنّ محورًا جهاديًّا أخذ في التَّشَكُّل والتخَلُّق في رحم منطقة شمال الجزيرة العربية، وبلاد الرافدين، وبلاد ما وراء النهرين، في أفغانستان، وهذا المحور تكاد حلقاته تتصل، فمن فلسطين يبدأ هذا المحور، ويمتد متجاوزًا سوريا، إلى العراق، وتفصله إيران عن الاتصال بالكيان الجهادي في أفغانستان، وسوريا وإيران، لولا هذا البعد الوظيفي لضربتا منذ وقت طويل، ولكن خشية البديل، وهو نشوء محور مقاومة طويل متصل، يصل المحور الجهادي العربي، بالمحور الجهادي الآسيوي، وقد يمتد حتى كشمير ..
وتدخل محرقة غزة الأخيرة ضمن هذا السياق، لاحتواء هذه المحور من منبعه المقدس في الأراضي التي باركها الله تعالى.
أما بعض حكام العرب، فهم لا يريدون دولةً تُحْكَمُ بالقرآن – ولو على التراخي والتدرج- فهذا النموذج الملهم، يمكن أن يُحَرِّضَ الجماهير المسلمة المتعطشة لحياة القرآن أن تؤيد الحركات الإسلامية التي تطالب بحكمٍ إسلامي، وهو الأمر الذي يُرْعِبُ البطانة العلمانية المتحكمة في السلطة الآن في العالم العربي.
ولكن "حماس" الفكرة أقوى من "حماس" الحكومة والحركة، فحماس هي الكلمة الرديف للجهاد المنضبط، القاصد، العزيز بإسلامه..
وحماس هي التحام القائد بجنوده، بل استشهاد القائد قبل الجنود، ولله دَرُّ أحمد ياسين، والرنتيسي ، ونزار ريان!
كما أن حماس هي اصطفاف المرأة والطفل دفاعًا عن الراية الإسلامية، ومشاركة المرأة الميدانية في العملية الجهادية، إذا تَعَذَّرَ غيرها.
وهي عبقرية الاعتماد على الذات في إنتاج السلاح وتطويره، وصناعة الظروف، والتكيف مع الأوضاع الصعبة والشاذة.
وحماس قبل ذلك كله، هي معجزة هذا القرآن في قُدْرَتِه على إخراج جيل مبارك بعد جيل كريم، مرةً بعد مرة.
ويأبى الله إلا أن تنتصر حماس، إما في صورتها كحركة وحكومة، أو في معناها : عزة المسلم المجاهد الصابر .
ويأبى الله أن تهلك هذه العصابة التي تقاتل في بيت المقدس، وعلى أكناف بيت المقدس.
الحدث واستثماره
ورغم فداحة المصاب، إلا أن الله جعل المنح في طَيِّ المحن، وجعل الرزايا عطاء، والمصيبات بعضَ الكرم، فحماس، بل هذا الشعب الصابر مرة بعد مرة، تقوده مشيئة الله للاعتصام بوحدته وترابطه. وهذا الحدث فرصة للحركات الإسلامية المجاهدة هناك لتوحيد صفها القتالي.
كما أن الحدث سيكشف للمجاهدين من أبناء حركة فتح: أيُّ الرايات هي راية العز والجهاد، وأَيُّهَا راية الذل والانكسار، والصمت البارد على مصاب الشعب، فهذا السلاح قد حُيِّدَ كثيرًا في معركة التحرير، وقد آن له أن يعود لخندقه الصحيح.
والحدث قد أفقد هذه العروش العربية شرعيتها المبدئية والقومية؛ إذ أصبحت بعيدةً عن نبض الشعوب، ولا تُعَبِّرُ عنهم، فبأي سلطان تنتخب مرة أخرى، وبأي سلطان تقصر الشعوب عن تحرير نفسها من رَبقة هذا الأسر الثقيل والكريه؟!
وهذا الحدث أيضا رسالةٌ لتلك الشعوب الغربية التي خدعها الإعلام الغربي طويلا، وآن لها أن تصحو من الخداع الصهيوني بتمثيل دور الضحية.
والحدث أخيرًا فرصة لتربية المسلمين على آداب الشهادة وأشواقها، فإن الأصابع المتوضئة التي ترتفع بإشارة التوحيد، والدم النازف، والأرواح التي تفيض دَرْسٌ أبلغ من ألف درس عن الجهاد والشهادة.

المصدر: الإسلام اليوم