طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > اليهود وقضية فلسطين (سليمان العودة)

ملتقى الخطباء

(1٬672)
342

اليهود وقضية فلسطين (سليمان العودة)

1430/01/04
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، ناصرُ المستضعفين، ومؤيِّدُ المؤمنين، وقاهرُ الجبَّارين، ومذلُّ المتكبرين، وأشهدُ ألاَّ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، رضي لنا الإسلامُ ديناً، ونصبَ لنا الأدلةَ على صحتهِ برهاناً مبيناً، ووعدَ من قامَ بأحكامهِ ودعائمهِ وأركانهِ ثواباً جزيلاً وفوزاً عظيماً، فهو دينهُ الذي ارتضاهُ لنفسهِ، فلا يقبلُ من أحدٍ ديناً سُواه، ((وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) (آل عمران :85).
وحكم سُبحانه بأنَّهُ أحسنُ الأديان ، فقال ومن أصدقُ منهُ قيلاً : ((وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً)) (النساء :125) .
وكيف لا يميزُ من لهُ أدنى عقلٌ يرجعِ إليه ، بينَ دينٍ قامَ أساسُهُ، وارتفعَ بناؤهُ على عبادةِ الرحمن، ومعاملةِ خلقهِ بالعدلِ والإحسان، وبين أديانٍ أُسِّست على الشركِ وعبادةِ الشيطان، والتوجهُ إلى النيرانِ وعبادةِ الصُّلبان، أو دينِ الأمةِ اليهوديةِ
الغضبيةِ، الذين انسلخوا من رِضوانِ الله، وباؤوا بغضبٍ من الله، وفارَقُوا أحكامَ التوراةِ ونبذُوها وحرَّفُوها، ولمَّا جاءَهم ما عرفوا من دينِ الإسلامِ كفروا به، فلعنةُ اللهِ على الكافرين .
وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُ اللهِ ورسوله، وصفوتهِ من خلقهِ، وأمينهِ على وحيهِ، وسفيرهِ بينهُ وبينَ عبادِهِ ، أرسلهُ إلى جميعِ الثقلينِ شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى اللهِ بإذنهِ وسراجاً مُنيراً، هذا النبيُّ الكريمُ بشَّرت به الكُتبُ السالفة، وأخبرت بهِ الرسلُ الماضية، فهو سيدُهم وإمامُهم وأفضلُهم، اللهمَّ- صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه- ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين .
أمَّا بعدُ فيَا أيُّها النَّاس: اتقوا الله تعالى، واشكروهُ على أن هداكم إلى الإسلام، وجعلكم من أمَّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وكُونُوا ممن يحذَرُ كيدَ المبطلين، ويستبينَ سبيلُ المجرمين، من اليهودِ المغضوبِ عليهم والنصارى الضالين، وأتباعُهم وإخوانُهم من المُنحرفينَ المُفسدين.
أيُّها المسلمُون :إنَّ الصِّراعَ بينَ الحقِّ والباطلِ لم يتوقف منذُ خلقَ اللهُ الخلائقَ وهُو الحكيمُ العليم، ومنذُ أن أشرقت شمسُ الإسلامِ الساطعةِ، ظهرت بوادرُ حربٍ ضروسٍ بينَهُ وبينَ أعدائهِ الحاقدين، من أهلِ الكتابِ والمُشركينَ وعمومَ المنافقين، فأثارَ هؤلاءِ الأعداءِ كوامنَ الحقدِ الدفينِ للإسلامِ والمسلمين، ولقد كانَ اليهودُ أمضى هؤلاءِ الأعداءِ سلاحاً، وأكثرُهم خطراً، وصدقَ اللهُ العظيمُ حيثُ يقول : ((لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ)) (المائدة :82).
لقد امتلأت قلوبُ اليهودِ حقداً وحسداً، وتخطيطاً ومكراً، ولا سيما وهُم يَرون انتقالَ النبوةِ من بني إسرائيلِ إلى بني إسماعيل (العرب) ، فترقبوا بعثتهُ صلى الله عليه وسلم لا ليُؤمنوا به، وإنَّما ليُنفذوا ما بيَّتوهُ له من حقدٍ وعداوة، لقد كانَ اليهودُ قبلَ بعثةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم يستنصرونَ بمجيئهِ على المشركينَ إذا قاتلوهم، يقولون : سيُبعثُ نبيٌّ في آخرِ الزمانِ نقتلُكم معهُ قتلَ عادٍ وإِرَم، فلمَّا بعثَ اللهُ محمداً صلى الله عليه وسلم ، ورأوا أنَّهُ من غيرهم كفروا به حسداً للعربِ، وهم يعلمون أنَّهُ رسولُ الله حقَّاً .
تقولُ أمَّ المؤمنين صفية بنت حييّ- رضي الله عنها- : (كنتُ أحَبَّ ولدَ أبي إليهِ وإلى عمِّي أبا ياسر، لم ألقهما قطُّ مع ولدٍ لهما إلاَّ أخذاني دونَه، فلمَّا قدمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المدينةَ، ونزلَ بقباء في بني عمرو بن عوف، غدا علي أبي حييُّ بن أخطبَ وعمي أبو ياسر مغلِسين، (أي مبكِّرين وقتَ الفجر) فلم يرجعا حتى كان غروبَ الشمس، فأتيَا كالَّين كسلانين، ساقطين يمشيان الهوَيْنَى، قالت : فهشَشْتُ إليهما كما كنتُ أصنع، فوا الله ما التفتَ إليَّ واحدٌ منهما، قالت وسمعتُ عمِّي وهو يقولُ لأبي: أهوَ هوَ ؟ قال : نعم والله . قال: أتعرفهُ وتثبتهُ ؟ قال: نعم . قال : فما في نفسكَ منهُ ؟ قال : عداوتهُ واللهِ ما بقيت ) .
أيُّها المسلمُون : إنَّ تاريخ اليهودِ الأسودِ المظلم، يشهدُ عليهم بأنواعٍ من الجرائمِ والاعتداءات، نعم، ألم يكفروا بنعمِ الله، ويعبدوا غيرَ الله، أما تآمروا على خيرِ خلقِ الله، هُم قَتَلَةُ الأنبياء، وصفهم خالقُهم، والعليمُ بهم في كتابهِ المنزل، بالفسادِ والإفسادِ، فقال الله عزوجل: ((إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) (سورة المائدة :33).
وقال :((وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)) (سورة المائدة :62).
لقد تسلسلت مُؤامَراتُهم ضدَّ الإسلام ونبي الإسلام- عليه الصلاة والسلام- ، لقد حُرَّضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سلسلةٍ متصلةَ الحلقات، فتآمرَ (بنو النضير) منهم لاغتيالهِ صلى الله عليه وسلم ، قاصدينَ إلقاءَ حجرٍ كبيرٍ عليه مِن أعلى بيتٍ كان يجلسُ عنده، وأهْدُوا لهُ شاةً مشويةً دسُّوا فيها السُّمَّ الزُّعاف، ولكن تُرى هل توقفَ الكيدُ اليهودي عند هذا الحدِّ ؟ الحقيقةُ أنَّ يهودَ الأمسِ سلفٌ سيءٌ لخلفٍ أسوأ، إنَّ يهودَ الأمسِ الذين خططوا ومكروا لتدميرِ الإسلامِ في مبدأ ظهورهِ، وتدميرِ صرحهِ وأخلاقه، هُم الذين يُخطِطُون اليومَ مع طوائفٍ من النصارى الصليبيينَ لهدمِ المسجدِ الأقصى، ومسجدَ الصخرةِ لبناءِ الهيكلِ اليهودي الثالثِ في مكانهِ.
لما تخلى كثير من المسلمين شعوباً وقادةً عن دينهم، وأعرضوا عن كتابِ ربهم ، وصارت حياتُهم حياةً غربيةً، ولحق فئامٌ منهم بالمشركينَ وأهلَ الكتاب، وتركوا الدعوةَ والجهاد، سُلِّط عليهم حفنةٌ من يهود، من حُثالةِ الشعوب، فاستولوا على فلسطين الأرضَ المباركةِ المقدسة، التي فيها المسجدُ الأقصى، ثاني مسجدٍ بناهُ إبراهيم عليه السلام بعد المسجدِ الحرام، في الصحيحينِ عن أبي ذرٍّ قال : (( قلتُ يا رسولَ الله : أيُّ مسجدٍ وُضعَ في الأرضِ أوَّل ؟ قال: المسجدُ الحرام . قلتُ ثمَّ أيّ ؟ قال : المسجدُ الأقصى . قلت كم بينهُما ؟ قال أربعونَ سنة )) . وهو أحدُ المساجدِ الثلاثةِ التي لا تشدُّ الرحالُ إلاَّ إليها، كما صحَّ ذلك عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم .
أيُّها المسلمُون : إنَّ أمَّتَيْ الغضبِ والضلالِ من اليهود والنصارى، لَيعلمون تمامَ العلمِ بأنَّهم لن يحصلوا على تحقيقِ مطامعهم الخبيثةِ، في الاستيلاءِ والسيطرةِ على بلادِ العالمِ الإسلامي، إلاَّ بالقضاءِ على أخلاقِ المسلمينَ ودينهم، ومن أجلِ هذا نزلُوا بكلِّ ثِقَلهم على العالمِ الإسلامي عامَّةً، والعالم العربي خاصة، فنشروا فيهِ الإلحادِ والفساد، وأحدثُوا فيهِ خَوَاءً روحيَّاً، وأشغلوا الناسَ عن مصدرِ عزتهم وقوَتِهم بشتَّى أصنافِ اللهو والمُغرياتِ الخسيسةِ الدنيئة، ولعبَ الإعلامُ الفاسدَ المفسدَ دوره.
تمكن هؤلاءِ اليهودُ وعمومَ الأعداءِ من إلقاءِ الشُبهات، وتشكيكَ المسلمينَ بدينهم، فصرفُوهم عن وحيِ اللهِ المنزلُ إلى غيرهِ من وحيِ الشياطينِ وقوانينِ الإلحاد، ومع شديدِ الأسفِ، نجحَ شُذَّاذ الآفاقِ وأفراخِهم وتلامذتهم من رموزِ العَلْمَنَة والأحزابِ الضالة، فنوَّعوا عَرْض الباطلِ وزخرفتهِ، حتى استطاعوا بمكرِهمُ الخبيثِ من تقسيمِ المسلمينَ إلى شِيَعٍ متحاربة، وأحزابٍ مُتناحرة، ممَّا سهَّلَ احتلالَ مُقدساتِهم وبلادهم بلا قاهرٍ ولا رادعٍ، وضاعت (فلسطين) البلدُ المبارك، الذي أصبحَ ذليلاً مهاناً، ضاعت لأنَّ المسلمين تأخروا في الدفاعِ عنها حتى تمكنَ الأعداءُ منها ، ضاعت بل وضاعَ غيرُها من بلادِ الإسلامِ كالأندلس، لأنَّ المسلمينَ نبذوا كتابَ اللهِ وراءَ ظُهورِهم، وتفلتُوا من أحكامِ دينهم، وتركوا الجهادَ في سبيلِ الله، الجهادَ الذي هُو طريقُ العزَّةِ والكرامة .
فشتَّانَ ما بينَ حالتنا اليومَ من الذلَّةِ والهوان، وبين حالةِ أسلافِنا المجاهدينَ يومَ كانَ هارونَ الرشيد- رحمه الله- يكتبُ رسالةً إلى حاكمِ الروم، حينما نقضَ العهدَ، وطالبَ بإرجاعِ ما أخذهُ المسلمون من الرومِ من جزية ، كتبَ إليهِ هارون الرشيد : ( بسم الله الرحمن الرحيم – من هارون أميرَ المؤمنينَ إلى نَقْفُور كلبَ الروم ، قد قرأتُ كتابكَ ياابن الكافرة، والجوابُ ما تراهُ دُون ما تسمعهُ) ، ثم غَزَا الكفَّارَ بجيشٍ يقودُهُ هو بنفسهِ، وأدَّبهم وألزمهم الذل والصغار.
معشرَ المسلمِين: لقد شهدت قضيةُ فلسطينَ وتشهدُ اليومَ مآسٍ موجعة، ومفاوضاتٍ مُخيفة، وتآمرٍ دُوليٍّ، حتى سعى الأعداءُ إلى تحجيمِ قضيةِ فلسطين، من قضيةٍ إسلاميةٍ إلى سراديبَ مُظلمةٍ من وطنيةٍ وحزبيةٍ وقومية.
إنَّ التاريخَ لن ينسى ما فعلهُ يهودَ الغدرِ والخيانةِ بالمسلمين في فلسطين، مذابحَ مُتكررةً في صبرا وشاتيلا، وتل الزعتر وغيرها، وفي رمضانَ وقبلَ خمسِ سنواتٍ يقفُ يهوديٌّ في مسجدِ الخليلِ إبراهيم، فيطلقُ النارَ على المسلمينَ وهم يُؤدُون صلاةَ الفجرِ حتى غَدَوْ بين قتيلٍ وجريح، وينتهي التحقيقُ بأنَّهُ معتوهٌ ضعيفُ العقل، واللهُ أعلمُ بالحال .
أما هذهِ الأيامُ فالقتلى من المسلمينَ على أيدي جنودَ الاحتلالِ اليهوديِ زادوا على السبعين، أمَّا الجرحى فعددٌ كبير، ولم يسلم مِن أذاهم وقتلهم حتى الأطفالِ الأبرياء، ولقد شهدَ العالمُ أجمع، على تعمُّدِ اليهودِ قتلَ الضعفاءِ والأبرياءِ من الشيوخِ والأطفال ، فلئن كانوا قبلَ خمسينَ سنةً هجمواعلى قريةِ (دير ياسين)، وجمعُوا سُكَّانها صفَّاً واحداً، رجالاً ونساءً وأطفالاً، ثُمَّ رمَوهُم بالرشاشاتِ، وبالغُوا في تعذيبهم قبلَ قتلهم، فبقرُوا بُطونَ الحواملِ وأخرجوا الأطفال، وذبحُوهم، وشوَّهُوا الجثث، فإنَّ العالم يشهدُ عليهم هذهِ الأيام بقتلِ الأبرياء ، ولا تزالُ صورةُ ذلك الطفلِ التي شاهدها العالمُ أجمع، تشهدُ على يهودِ الغدرِ والقسوةِ ، طفلٌ صغيرٌ يحتمي بأبيهِ الذي لا سلاحَ معهُ، فلا يُتركُ بل يُقتلُ في أحضانِ والدهِ برصاصِ إخوانِ القردةِ والخنازير .
إنَّها مآسي يا عبادَ اللهِ تتكررُ في فلسطينَ وغيرها من بقاعِ العالم، إنَّها القسوةُ والغِلْظةُ من قلوبٍ لا تعرفُ العدلَ والرحمة، وصدقَ اللهُ العظيمُ حيثُ قال عنهم: ((ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً )) (البقرة :74).
وبما كسبت أيدي اليهودِ حكمَ اللهُ عليهم باللعنةِ والحرمانِ من الرحمة، فقال جلَّ وعلا : ((فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً)) (المائدة :13) ، وقال سبحانهُ عن خُبثهم وإفسادهم :((وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)) (المائدة :64).
اللهمَّ طهِّر المسجدِ الأقصى من اليهودِ المُعتدين ، اللهمَّ أَنزل بِهم وبالنصارى رِجْزَكَ ، اللهمَّ لا تجعل لكافرٍ ولا منافقٍ على مؤمنٍ سبيلاً ، اللهمَّ فرِّج همَّ المهمومين من المسلمينَ في أقطارِ الأرض، اللهمَّ اجعل لهم مخرجاً وفرجاً ممَّا هُم فيه يا رحيمُ يا رؤوف.
أقولُ هذا القولُ وأستغفرُ اللهَ لي ولكم من كلِّ ذنبٍ فاستغفروهُ إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ وحده، وأشهدُ ألاَّ إله إلاَّ الله وحدهُ لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبده ورسولهُ- صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين- والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعدُ : فإنَّ أعداءَ الإسلامِ من أهلِّ الكتابِ وغيرهم من الكفَّار، يحملون حقداً على الإسلامِ وأهلهِ، كما أخبرَ اللهُ عنهم : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)) (آل عمران 118-120) .
وقال سبحانه : ((مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ)) (البقرة :105) .
ولهذا حذَّرنا اللهُ من موالاةِ هؤلاءِ الكفرةِ ومحبتهم، في آياتٍ متعددة، فلا يجتمعُ في قلبِ المؤمنِ محبةُ اللهِ ورسولهِ ومحبةُ أعدائهِ من الكفارِ والمشركين،((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ)) (الممتحنة :1) ، وقال عز وجل: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا)) (النساء :144) .
إنَّ هؤلاءِ الأعداءِ لم يستطيعوا إخفاءِ ما في نفوسهم المريضةِ من حقدٍ على الإسلامِ وخوفٍ منه، في الوقتِ نفسهِ، فقال أحدهم : (إنَّ أخشَى مَا نخشاهُ أن يظهرَ في العالمِ العربي محمَّدٌ جديد) ، وقال آخر : (إنَّ القوة التي تكمُنُ في الإسلامِ هي التي تُخيفُ أوربا )، ويقولُ ثالثٌ منهم : (نحنُ فقط نخشى الإسلامُ هذا الماردُ الذي نامَ طويلاً وبدأ يتململُ من جديد) .
ولكُم أن تتساءلوا لماذا كلُّ هذا الخوفُ من الإسلام ؟ ليكونَ الجوابُ : لأنَّ الإسلامَ دينُ الفطرةِ والخصالِ المتميزةِ، والمحاسنِ التي لا تُرضيهم، فهو دينٌ سريعُ الانتشارِ لِقَبولِ الفطرِ له، واستسلامهم ليُسرهِ وعدله، وهو دينٌ يدعو إلى تكثيرِ النَّسلِ كما قال صلى الله عليه وسلم : (( تزوَّجُوا الودودَ الوَلودَ، فإنِّي مُكاثرٌ بكم الأمم يومَ القيامَة )) ولهذا لجَأَ أعداءُ الإسلامِ ومن تبعهم من المخدُوعين إلى مُخطَّطِ تحديدِ النَّسلِ بينَ المسلمينَ خاصّة، وإلزامُ القانونِ شعوباً مسلمةً بعددٍ قليلٍ لا يُتجاوز من الأولاد .
ومما يُرهبُ أعداءَ الإسلام : رفْعُ رايةِ الجهادِ في سبيلِ الله ، فهو ذروةُ سنامِ الدين ، وهو عزُّ المسلمين، وما تركَ قومٌ الجهادَ إلاَّ ذلُّوا ، يقول صلى الله عليه وسلم : (( إذَا تبايَعتم بالعِينَةِ وأخذْتُم أذنابَ البَقَرِ ورَضِيتُم بالزَّرْعِ وتركتُم الجِهَادَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيكُم ذُلَّاً لا يَنْزِعُهُ حتَّى تَرجِعوا إِلى دِينكُم )).
وتأمل في واقعِ المسلمينَ اليوم: لماذا هانُوا على الناسِ ؟ ولماذا شرذمةٌ مشرَّدةٌ من يهودٍ يحتلونَ أرضاً مقدسةً فيها مسرى رسولنا صلى الله عليه وسلم ، وفيها أولى القبلتين، ويقتُلونَ ويُفسِدون على مرأى من العالم ومسمع ؟
والجوابُ في قولهِ تعالى: ((إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ )) (سورة الرعد :11).
وفي قوله: ((وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ)) (سورة الشورى:30) .
حينما هجرَ كثيرٌ من المسلمينَ كتابَ اللهِ، وحكَّموا قوانينَ الكفرِ والإلحادِ في عبادِ اللهِ، ونبذوا شرعَ الله، وتهاونُوا بالصلاةِ والأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر، ووالَوْا أعداءَ اللهِ وتشبَّهوا بهم ،أُصيبوا بذُنُوبهم،وما أهونَ الخلقِ على اللهِ إذا أضاعوا أمرهُ وعطَّلوا شرعه .
عبَادَ الله : استقيموا على دينِ الله، وعظِّموا شعائرَ اللهِ ، واجتهدوا في الدعاءِ على أعداءِ الله، وادعُوا للمستضعفين من المسلمينَ في الأرض، وأقيموا الصلاةَ وآتوا الزكاة، وأطيعُوا الرسولَ لعلكم تُرحمون، مُروا بالمعروفِ وانهوا عن المنكر، وربُّوا أبناءَكم على حبِّ اللهِ ورسولهِ وكتابهِ المُنزل، ولا تترُكُوهم فريسةً لوسائلِ الإعلامِ، التي لا تَأْلُوا جُهداً في هدمِ صرحِ الفضيلةِ وتأجيجِ الغرائزِ، وتعليمِ الفسادِ والانحراف .
أيُّها المسلمُون : ومع هذا الواقعُ المريرِ فإنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ، وهو ناصرٌ دينهُ طالَ الزمانُ أو قَصُرَ، فهذا وعدُهُ الحق، ((إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)) (غافر:51)، ((وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)) (الصافات :173) ، ((وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)) (الحـجَ :40) ، ويقول صلى الله عليه وسلم : (( لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يقاتلَ المسلمونَ اليَهودَ ، حتَّى يختبئَ اليَهوديُّ مِن وَرَاءِ الحَجَرِ والشَّجَرِ : يَا مُسلم هَذا يهوديٌّ خلفِي تَعَال فاقْتُلْهُ ، إلاَّ الغَرْقَدُ فإنَّه مِن شَجَرِ اليَهُودِ ))[2].
اللهمَّ صل وسلم على نبينا محمدٍ وآلهِ وصحبه، اللهمَّ طهِّر المسجدِ الأقصى من اليهودِ المُعتدين، واقطع دابرَ المفسدين.

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
سليمان بن حمد العودة
السيرة الذاتية * النسب من بني خالد ( سليمان بن حمد العودة ) * النشأة والدراسة القصيم، بريدة ، المعهد العلمي ببريده ، كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الإمام في الرياض . المشاركات والخبرات العلمية : * معيد في كلية العلوم الاجتماعية/ جامعة القصيم/ الرياض 97/98م. * محاضر في كلية العلوم الاجتماعية/ جامعة القصيم/ الرياض …
مواد الكاتب
مواد في نفس المحور
التعليقات