طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > السلفية .. شبهات وردود

ملتقى الخطباء

(3٬950)
330

السلفية .. شبهات وردود

1432/08/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وفي هذا المقال نورد بعض الشبهات التي أثيرت حول المنهج السلفي وردود أهل العلم عليها مع التنبيه على أن هذه الشبهات التي أثيرت بنوع من المبالغة قد تبرز ببعض فصائل الدعوة السلفية باعتبار أن أصحاب المنهج السلفي ليسوا جماعة أو حزباً تتوحد مواقفهم وتوجهاتهم سواء في المواقف الفقهية التي يسوغ فيها الخلاف أو المواقف السياسية، إنما هم فصائل متنوعة قد يختلفون في بعض المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد وقد يتفقون فلا توجد جبهة موحدة ..

 

 

 

 

 

يروج المناوئون للمنهج السلفي بعض المفاهيم المغلوطة عنه، ويخلطونها ببعض التحليلات التي تعتمد على تلك ‏المفاهيم، ببث الأخبار الكاذبة أو محاولة إقصائهم عن كافة الحوارات الفكرية أو الحياة السياسية لإقصاء الدين عن واقع الحياة بالكلية وهذا ما يجب أن ينتبه له أصحاب المنهج السلفي، فهذه الحملة لا تقودها جبهة واحدة لكنها تنطلق من جبهات مختلفة من علمانيين وليبراليين وإعلاميين وشيعة وغيرهم.

وفي هذا المقال نورد بعض الشبهات التي أثيرت حول المنهج السلفي وردود أهل العلم عليها مع التنبيه على أن هذه الشبهات التي أثيرت بنوع من المبالغة قد تبرز ببعض فصائل الدعوة السلفية باعتبار أن أصحاب المنهج السلفي ليسوا جماعة أو حزباً تتوحد مواقفهم وتوجهاتهم سواء في المواقف الفقهية التي يسوغ فيها الخلاف أو المواقف السياسية، إنما هم فصائل متنوعة قد يختلفون في بعض المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد وقد يتفقون فلا توجد جبهة موحدة تتحدث باسم السلفيين ويكون عليها اتفاق وإجماع من كافة التوجهات السلفية مما أدى إلى عدم وجود خطاب موحد ومحدد المعالم يخرج باسم أصحاب المنهج السلفي، ولا شك أن هذا أدى إلى تباين كثير من المواقف تجاه الأحداث، وإن ظهر في الآونة الأخيرة بعض المساعي الجادة لإيجاد هيئات ومؤسسات تجمع أكثر الرموز السلفية في إطار موحد.

لذلك فقد يكون بعض ما أُخذ على المنهج السلفي حقيقي كعدم فقه الواقع في بعض النوازل، أو المبالغة في الاهتمام ببعض القضايا دون بعض والتي يراها الآخرون من القضايا التي ينبغي ألا يثار حولها هذا الكم الكبير من الاهتمام أو الجدل أو غير ذلك من الشبهات التي أثيرت حول أصحاب المنهج السلفي لكن هذا لا يقلل أبداً من قيمة المنهج، فخطأ الأفراد شيء وارد أما المنهج والدين فلا يعتريه الخطأ، ومن ثم فلا ينبغي لفصيل من فصائل المنهج السلفي حصر الحق في دائرتهم دون من سواهم من المسلمين.

أما الشبهات فنورد بعضها ونرد عليها بكلام أهل العلم الثقات:

الشبهة الأولى: الاهتمام بالمظهر دون الجوهر أو الاهتمام بالقشور من أمور الدين وإغفال لب الدين وأصوله:

فهذه المقالة المرذولة؛ غايةٌ في الضلالة، ونهايةٌ في الجهالة – والعياذ بالله تبارك تعالى- فإن تقسيم الدين إلى قشر ولباب قسمة ضيزى أراد بها أعداء الله إبعاد الناس عن دينهم و التقليل من شأن الشرائع المتعلقة بالظاهر، وأن مخالفة الأمر فيها يسير ولا يضر بدين المرء، فهو بالخيار إن شاء امتثل وإن شاء خالف وللأسف قد تبعهم أناس من جلدتنا على ذلك وسنورد عليها بإذن الله – عزّ وجلّ- صريحَ كتابِ الله، وصحيحَ سنةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومأثور السلف الصالح، وأقوال أهل العلم في ذلك:

1- أما أدلة الكتاب العزيز قول الله – تبارك وتعالى -: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) [البقرة:208]، فهذا خطاب الله -سبحانه وتعالى- للمؤمنين -كلِّ المؤمنين- أن يدخلوا في السلم كافة.

ولأهل التفسير فيها قولان:

القول الأول: أي: ادخلوا جميعا في الإسلام، لا يستثنى أحد.

القول الثاني: ادخلوا في الإسلام جميعه.

وكلّ من التفسيرين صحيح، ولا يتنافى مع صاحبه؛ فإن مراد الله – سبحانه وتعالى- أنه يخاطب المؤمنين: أن يأخذوا الإسلام كلَّه، وأن ينتهجوا منهج الدِّين كلِّه، فيحلوا حلاله، ويحرِّموا حرامه، فلا يَدَعوا صغيرة ولا كبيرة إلا قاموا بها، كما أمر الله، وكما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يقول الله – تعالى- آمراً عباده المؤمنين به، المصدقين برسوله، أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك".

ثم نقل – رحمة الله – أقوال السلف، ثم قال: "والصحيح هو أنهم أُمروا كلهم أن يعملوا بجميع شعب الإيمان، وشرائع الإسلام، وهي كثيرةٌ جداً ما استطاعوا منها".

ثم قال الله – سبحانه وتعالى-: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) [الأنعام:142]؛ أي: أن الشيطان هو الذي يفرّق بين أمور الدِّين، وهو الذي يفرّق بين أعمال الإسلام، فيقول: هذا قشر، وهذا لباب، وهذا أهم، وهذا مهم، وهذا غير مهم؛ ليضع الإنسان في دوامة الاهتمامات المزعومة؛ فلا يدري المسكين من أين يبدأ؟! وإلى أين ينتهي؟! وكأنه يريد أن يوقعه في حلقة لا يُعلَم أولها من آخرها.

وقول الله – تبارك وتعالى-: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) [آل عمران:103]، خطابٌ من الله تعال للمؤمنين أن يعتصموا بحبل الله جميعه؛ فلا يتركوا منه شيئاً، ولا ينحرفوا عنه قيد شبر.

2- أما أدلة السنة المطهرة: فقد بين رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مرادَ الله – كما في عددٍ من الأحاديث الصحيحة الصريحة-؛ وهي على أنواع:

القسم الأول: أحاديث تبين ارتباط بعض العبادات – التي يعدونَها فرعية – بالأجر العظيم والمقام الكريم؛ فعن أبي هريرة – رضي الله عنه -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قال الإمام: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) [الفاتحة:7]، فقولوا: آمين؛ فإن من وافق قولُه قولَ الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"؛ فبمجرد أن يوافق قولك قول الإمام بالتأمين؛ فتوافق قول الملائكة؛ تحصل على هذه الجائزة العظيمة، وهذا الأجر العميم؛ بأن يُغفر لك ما تقدم من ذنبك.

إن الإنسان منا يَكِد ويجتهد طول عمره؛ ليغفر له ما تقدم من ذنبه؛ فبماذا تحصل هذه المغفرة؟ إنَّما تحصل باتّباع سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانظروا كيف هذا الأجر العميم والثواب العظيم، بهذه السُّنَّة النبوية، التي يعدّها من لا علم عنده من القشور!

القسم الثاني: أمور يعدونها من الأمور الهامشية، السطحية، الخلافية، الفرعية: جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أركان العزة لهذا الدين: ولنأت بمثال من سنن النبي صلى الله عليه وسلم كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الدين ظاهراً ما عجل النَّاس الفطر"؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون، وفي رواية: وفي رواية "عزيزاً ". وفي حديث آخر؛ "لا تزال أمتي على سنتي ما عجلوا الفطر".

فما أجلّ هذا الأثر! فإنَّ تعجيل الفطر سنة؛ بها يُتهمون أنهم يتمسكون بالقشور! مع كونِ النبي صلى الله عليه وسلم جعل التَّمسك بها سبباً من أسباب انتصار الدين، وبقائه عزيزاً منيعاً.

القسم الثالث: إن رسولنا صلى الله عليه وسلم لم تشغله القضايا – التي يسمونها مصيرية!- عن هذه الأمور التي يضعونها في باب الأمور الفرعية؛ فعن زيد بن خالد الجُهَني، عن أبي طلحة الأنصاري – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب، أو تماثيل"، قال: فأتيت عائشة، فقلت: إن هذا يخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كذا وكذا، فهل سمعتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك؟ فقالت: لا؛ ولكن سأحدثكم ما رأيته فعل؛ رأيته خرج في غزاة فأخذت نمطاً، فسترته على الباب، فلمّا قدم، فرأى النمط عرفتُ الكراهة على وجهه، فجذبته حتى هتكته -أو قطعته- فقال: "إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين". فالرسول الله صلى الله عليه وسلم حال عوده من غزوة من الغزوات، ينبه على هذا الأمر.

3- أما الآثار السلفية، فهي كثيرةٌ جداً، ولعل من أوضحها وأصحها أثرَ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه – عندما طُعن، ودخل عليه المسلمون يواسونه، فدخل عليه شاب من قريش، وبدأ يذكر محاسنه، وفضائله، فلما خرجَ الشابُّ نظر عمر – رضي الله عنه – إليه- وهو ينزف، وجرحه يثغب دماً، قال: ردوا عليَّ الغلام!! – إذ إنه رأى ثوبه طويلاً، مسبَلاً- فقال: "يا ابن أخي ارفع ثوبك؛ فإنه أنقى لثوبك، واتقى لربك".

فتأملوا كيف أنَّ النَّاس في مصيبة، والخليفة مطعون مجروح!! لكنه – رضي الله عنه – ينبه على قضية الإسبال التي لو ذكرت في هذه الأعصار لَقهقه بعضهم، ولغمزك ولمزك!!

وأما المعقول: فهو من وجهين:

الوجه الأول: أن هذا التقسيم باطلٌ في نفسه، فلا يوجد في الدين قشرٌ ولبابٌ، إذ كلُّ دين الله سواء؛ لأن نصوصه آتية من عند الله – سبحانه وتعالى- مع التسليم أنّ مسائل الشرع تتفاوت في درجاتها من حيث الأجر والثواب، وفي تركها من حيث الوزر والعقاب، غير أن كلها مهم، لا ينبغي أن يفوّت شيء منها، حتى إن الواحد من المسلمين لا يحل له – إذا سمع حكماً شرعياً- إلا إن يسلّم له، تاركاً تلك الحجج الواهية: أن غيره أهم منه!!

وأما الوجه الثاني: فنقول – من باب التنزل-: هَبْ أن الدين قشرٌ ولبّ، فإنه لا يُحفَظ اللباب إلا بالقشر، ولولا القشر لفسد اللباب.

انظروا إلى هذه الثمار: فإن فيها لباً وقشراً، فإذا نزعت قشرها؛ فسدت! وإذا ذهبت إلى السوق ورأيت أن تشتري تفاحاً فهل تشتري تفاحاً مقشوراً؟! أتقول: أريد اللباب ولا أريد القشر؟! إذا وجدت البائع قد صنع هذا بتفاحه فإنك تعرض عنه، تريد تفاحاً بقشره؛ وما ذاك إلا لأن القشر يحمي اللباب!!

وأمَّا فتاوى أهل العلم: فأنقل إليكم فتوى العز بن عبدالسلام في "فتاويه"، يقول: " لا يجوز التعبير عن الشريعة بأنها قشر؛ من كثرة ما فيها من المنافع والخيور، ولا يكون الأمر بالطاعة والإيمان قشراً؛ لأن العلم الملقب بعلم الحقيقة جزء من أجزاء علم الشريعة، ولا يُطلقِ مثل هذه الألقاب إلا غبي شقي قليل الأدب، ولو قيل لأحدهم: إن كلام شيخك قشور، لأنكر ذلك غاية الإنكار، ويطلق لفظ القشور على الشريعة.!".

هكذا يتبين لنا أن الإسلام كلٌّ متكامل، فخذوا الإسلام جملة – عملاً بقول الله-: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) [البقرة:208].

الشبهة الثانية: المنهج السلفي منهج رجعي لا يتعامل مع روح العصر ومتغيرات الحياة المستجدة.

أولاً: المنهج السلفي في أصله دعوة للعودة إلى الإسلام في صورته الأولى الخالية من الشوائب البدعية، وقد اتفق أهل الإسلام بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان إلى أن تقوم الساعة، وهذا يعني أن المنهج السلفي كذلك؛ لأنه هو الإسلام نفسه بدون زيادة ولا نقصان، والقول بأنه لا يتعامل مع "روح العصر" هو في حقيقته طعن مستتر للإسلام نفسه بأنه لا يتعامل مع روح العصر.

ثانياً: هذه الشبهة يوردها العلمانيون على الإسلام ذاته – بشكل عام-، ويوردونها على الحركات الإسلامية كلها بأنها رجعية ومتخلفة، وقد اتفق الجميع على تضليلهم وتبديعهم بهذا القول، وهذا الحكم يسري على من رمى المنهج السلفي بذلك؛ لأنه ترديد لما يقوله أعداء الإسلام من اليهود والنصارى في الإسلام، وهو جهل بالإسلام وتعاليمه وأحكامه المتعددة والشاملة لجوانب الحياة كلها.

ثالثاً: ليس الرجعية كلها مذمومة فهو لفظ مجمل يحتمل معاني عديدة منها ما هو حق ومنها ما هو باطل؛ ومن ثم لا يستطيع من يرمي المنهج السلفي بالرجعية أن يعمم هذا اللقب على كل رجوع إلى الماضي، فيرمي كل من يحاول الاستفادة مما سبق من تجارب الأمة الإسلامية في أجيالها الأولى، والعودة إلى قيم الأمة وأخلاقها وثوابتها، وثقافتها وأصولها الحضارية، كتوحيد الله و الصلاة و الصوم و دراسة الشريعة الإسلامية بأنه رجعي!! وهذه أحكام وأركان لا بد من الرجوع فيها للرعيل الأول لمعرفة كيف نزلت تلك الأحكام، وكيف طبقها السلف، ومن تجرأ على رمي أحد بذلك فقد خرج من الإسلام، فهناك قدر مشترك من الرجوع والرجعية، وإلا سنصبح أمة ممسوخة مقطوعة لا ماضي لها ولا تاريخ.

أما هم فيتحكمون في هذه القضايا بأهوائهم، يأخذون ما يشتهون، ويتركون ما لا يشتهون بحجة العصرنة التحديث!!

رابعاً: هذا الاصطلاح "روح العصر" فيه إجمال، فما هو المقصود بروح العصر الذي رفضه المنهج السلفي ولم يتعامل معه؟! أهو روح العصر الإيماني والتعبدي، أم الفكري والعلمي، أم الفني والثقافي، أم الاقتصادي والصناعي، أم العسكري والسياسي، أم ماذا؟

فإن كان المقصود من هذا كله ما يخالف الإسلام في نصوصه وأحكامه، وما يخالف فهم السلف الصالح لهذا الدين؛ فما العيب في رفضها لذلك؟! وهل أصبحت المحامد عيوباً!!

وليس هذا من خصائص المنهج السلفي وحده، إذ كل التجمعات الفكرية والأيديولوجيات المعاصرة قد تعاملت مع مستجدات العصر الفكرية والثقافية انطلاقاً من مبادئها، فقبلت أشياء ورفضت أشياء، كما أن وسائل الاتصال والنقل، والتعليم والعمران، والغذاء والدواء وغير ذلك ليست هي موضوع الصراع بين المنهج السلفي وبين ما خالفها من الدعوات والأفكار، لأن هذه الوسائل ليست فكراً ولا أيديولوجيات، فهي بيد الشيوعي والرأسمالي والوثني والمسلم على حد سواء، ولكن الجاهلين يريدوا أن يتهمونا بأننا لن نتأهل لاستعمالها إلا إذا اعتنقنا الاشتراكية، وتبنينا الديمقراطية، وتشبعنا بالقومية، وأكلنا الأموال الربوية، وتركنا الصلاة، وحلقنا اللحى، وصرنا شيعاً وأحزاباً، وهذا من تلبيسهم وهزيمتهم الروحية والإيمانية.

خامساً: المرفوض من المستجدات هو المذاهب الكفرية، والقوانين التشريعية الوضعية العلمانية، والتبرج والاختلاط والخلاعة والإباحية، والتبعية الفكرية والاقتصادية والثقافية، والأوضاع الحزبية، وهذه أشياء ضارة يرفضها كل ذي عقل سليم، وغير جائز أن يقال: إن الحياة لا تكون حياة والتقدم لا يكون تقدماً والتطور العلمي لا يكون تطوراً إلا بهذه الأفكار الهدامة، والمذاهب الإلحادية.

الشبهة الثالثة: أصحاب المنهج السلفي يثيرون الخلاف والفرقة، ويعيشون في جو الصراعات والردود مع العلمانيين والروافض وغيرهم، وأنهم بعيدون عن البناء والتوحد.

أولاً: يجب التسليم بأن المفارقة لأهل الباطل والرد عليهم -سواء ممن كان لهم أصول ومرجعيات كالشيعة أوالصوفية أو ممن لا أصل لهم ولا سلف كالحداثيين والليبراليين وإن استندوا على المعتزلة في تقديم العقل على النقل في أصولهم- أصل من أصول الإسلام، لأن القرآن والسنة مملوءان بالرد على المخالف، والإنكار عليه، وقد أمرت الشريعة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهل المطلوب من أصحاب المنهج السلفي أن يكفوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويغلقوا أفواههم على ألسنتهم حتى يقال عنهم أنهم منفتحون أو يقبلون بالتعددية؟

 

ثانياً: يجب التسليم كذلك بأن الوحدة والألفة والأخوة والاجتماع أصل آخر عظيم من أصول الإسلام، وثابت من ثوابت منهج وعقيدة أهل السنة والجماعة.

ثالثاً: إذا فهم هذا فإنه يجب إعمال أصل المفارقة، والرد على المخالفات، ويجب في نفس الوقت إعمال الأصل الآخر وهو الحرص على الوحدة والائتلاف، ولا يجوز تدمير أحدهما بالآخر، وهذا يحتاج إلى فقه التنزيل من وجوه عديدة منها:

1- الحفاظ على التصور الشامل لكلا الأصلين عند التطبيق والانطلاق منهما معاً حتى لا يطغى أحدهما على الآخر إما بتغليب المفارقة والوحشة من المخالف، أو بتغليب جانب العقل المعيشي وأخلاقية المداهنة والمجاملة على حساب الدين والمبدأ.

2- ليست هذه الأصول على أهميتها وثباتها أصولاً لا تقبل إلا الصرامة في التنفيذ الجاف في كل حال وفي كل مكان؛ بل تطبيقها خاضع للقوة والضعف من كلا الجانبين الراد والمردود عليه، وحال المخالف من كونه متقبلاً أو معانداً، عالماً أو جاهلاً، قاصداً للحق أو مثيراً للشغب، ينفع معه اللين أو يناسب له التغليظ، وهذا الاختلاف في التنزيل والتطبيق يرجع إلى البصيرة في الدعوة التي أمر الله بها وهذه البصيرة تشمل الشدة والتشنيع على المخالف في الموقع المناسب كما قال تعالى: (جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) [التوبة:73] وفي المقام الآخر (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) [النحل:125] وقال تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) [آل عمران:159] وقال في بيان اعتبار حال المخالف (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم)[العنكبوت:46] فجعل للظالم منهم حكماً ولغير الظالم حكماً آخر.

إذا علم هذا فليس إثارة الخلاف والفرقة والعيش في جو الصراعات مع المخالف مذموماً دائماً، ولا هو من المعايب بإطلاق، لأنه لو كان كذلك لكان تبني الخلاف من قبل المسلمين مع الكفار مذموماً، وهذا معلوم البطلان بالضرورة، فإن الخلاف معهم مطلوب شرعاً ما داموا على كفرهم، لأن الخلاف معهم فارق ظاهر بين المهتدين والضالين قال تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) [البقرة:213] فمدحهم لمخالفتهم لأهل الباطل، وقال – صلى الله عليه وسلم -: (خالفوا المشركين) وهذا أمر بالمخالفة العامة إلا ما كان من الأمور المشتركة الدنيوية التي ليست من خصائص المخالفين (المشركين)، وقد قال المشركون عنه أنه أتى بدين يفرق به بين الوالد وولده، وقال تعالى مبيناً أن هذا أمر كوني لا يتصور رفعه: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) [هود:118] وهذا محمول على المخالفة في الأصول، فيدخل فيه الخلاف مع الكفار، وأهل البدع كل بحسبه.

فإن قيل المراد إثارة الخلاف والفرقة بين المسلمين!! قيل: وإن كان الخلاف بين المسلمين مذموماً في الجملة لكن ليس إثارة الخلاف بين المسلمين مذموماً دائماً، فإن المخالف من المسلمين قد يكون مرتكباً لظلم، أو لفسق، أو لبدعة، أو لمنكر من المنكرات، فالواجب ردعه وزجره، وحشد الناس وتحريضهم عليه، وإثارة الخلاف معه وضده، والأخذ علي يده بالقوة والغلظة، إذا كان لا ينفع معه من الأساليب إلا ذلك حتى يقف عند حده، والتجمعات الحزبية المعاصرة، وغير الحزبية – الشرعية منها، وغير الشرعي – من أصرح الأمثلة على ذلك، إذ لولا مسائل الخلاف التي بينهم والتي لا يمكن أن يتنازلوا لبعضهم بعضاً فيها لما وجدت تلك التجمعات أصلاً، ولكانوا فريقاً واحداً.

وأيضاً ليس إثارة الخلاف بين المسلمين سمة أصحاب المنهج السلفي وحده، إذ ما من دعوة ولا فرقة إلا ولها خصائص تميزت بها وفارقت غيرها فيها، وهذه فرق المسلمين كلها تصرح بمخالفتها لغيرها، وبمخالفتها لبعضها البعض، فالمعتزلة يخالفون أهل السنة في مسائل، والشيعة يخالفونهم أيضاً في مسائل، ويظهرون ذلك، ويثيرون الخلاف إلى حد اعتباره مصيرياً، وكذلك الحركات الإصلاحية المعاصرة ما منها فرقة ولا حركة إلا ولها ملاحظتها على الأخرى، بحيث يصبح توجيه اللوم على فئة واحدة منها فقط وتحميلها مسؤولية إثارة الخلافات بين المسلمين تعنتاً فكرياً، وظلماً اجتماعياً لا يجوز السكوت عنه.

إذن لا يلتفت إلى هذه الشبهة ولا كرامة، ولكن ينبغي أن يُنصح أصحاب المنهج السلفي وغيرهم عموماً بأن يقدروا المسائل قدرها، ويتحلوا بالعلم الراسخ، والأخلاق الجمة، والأسلوب الحكيم، والرحمة الشاملة، والبعد عن الهوى والعصبية بغير حق، والحرص على حصول الإنكار مع الحفاظ على البناء والتوحد، والاجتماع مع بعضهم ومع غيرهم، ومراعاة المصالح والمفاسد في مسائل الخلاف، وأما الخلاف فلا بد منه، والشدة أحياناً لا غنى عنها، وإن كان الرفق هو الأصل.

الشبهة الرابعة: أصحاب المنهج السلفي يدعون امتلاك الحقيقة المطلقة، وأن الحق معهم مطلقاً، ويفسقون ويبدعون ويضللون ويكفرون من سواهم.

أولاً: هذه الشبهة متلقفة من قبل الأحزاب العلمانية، وقد ذكرها الشيخ سعيد بن ناصر الغامدي، حيث ذكر عدة أصول عقدية لهم منها زعمهم: أن ليس هناك حقائق مطلقة، وأنه يجب إعادة النظر في كل شيء، والقضاء على الفكر الثابت، والزعم بأن كل شيء متحول، وأن أي فكرة أو قضية لها سمة الثبوت فهي تخلف ومهانة. وهذا هو الباطل بعينه الذي يجب إنكاره فمن يستطيع أن ينكر أن الله حق وما عبد من دونه باطل، والمتمسك بهذه الحقيقة له الحق الكامل أن يدعي امتلاك الحقيقة وأن من خالفه فيها أنه على باطل، والقرآن الكريم حق وما عارضه فهو باطل، وكذلك محمد – صلى الله عليه وسلم – حق ومن ادعى النبوة بعده فهو على باطل، وهكذا يقال في كثير من القطعيات الدينية والدنيوية.

ثانياً: لماذا توجه هذه الشبهة إلى أصحاب المنهج السلفي فقط، وكل من ذهب إلى رأي أو مذهب يرى أن ما ذهب إليه هو الحق، وما عاده هو الباطل، بل حتى أهل الملل والأديان الأخرى يرون الأمر كذلك، فاليهود يرون أن ما هم عليه هو الحق، والنصارى كذلك، والشيوعيون هم الذين قالوا بحتمية انتصار المذهب الشيوعي، والقوميون لا يزالون يرددون حتمية الحل القومي، والعلمانيون يرون أن الحقيقة التي لا ريب فيها هي العلمانية اللادينية، وأمريكا وعملائها في المنطقة يرون حتمية الحل الديمقراطي، وأن الديمقراطية هي الخيار الأفضل، وأنها إن كانت سيئة فغيرها أسوأ منها، وهذا تفضيل لهذا المنهج الغربي الوارد على الإسلام الذي ارتضاه الله لنا ديناً، وأخبر أن من ابتغى غيره فإنه في الآخرة من الخاسرين.

ثالثاً: نسأل من يروج لهذه الشبهة ضد المنهج السلفي فنقول له: هل لديك ميزان محدد منضبط يمكن من خلاله أن نعرف الحقيقة، وهل القرآن والسنة الصحيحة حقائق معترف بها لديك، وهل هناك حقائق في هذا الوجود أم أن الأمور كلها نسبية، فما يراه هذا حقاً قد يراه غيره باطلاً، وهل هناك حقائق مشتركة بين الناس اتفقوا عليها أم لا يوجد أي حقيقة، وهل قولك على أصحاب المنهج السلفي أنهم يدعون امتلاك الحقيقة هو أيضاً قول يدعي امتلاك الحقيقة أم هو وهم وبهت لا أساس له، فإن جزم بشيء من هذه الأمور وجهنا إليه هذا الاتهام الذي يتهم به أصحاب المنهج السلفي وهو ادعاء امتلاك الحقيقة، فما كان جوابه في هذا يمكن أن يكون جواباً لنا، وإن أنكر الحقائق فليس أهلاً للكلام معه.

رابعاً: مثل هذه المقالة يصلح أن تقال بين أصحاب المنهج الحق الواحد المتفقين على أصول دينهم وثوابته، وإنما خلافاتهم فيما لا نص فيه، أو فيه نص مختلف في صحته، أو مختلف في دلالته لاحتماله لغة أو شرعاً معنى غير المعنى الذي ذهب إليه أحد المختلفين، أما بين المناهج المختلفة مثل: الإسلام، واليهودية، أو النصرانية، أو غيرهما من الملل كالعلمانية، وكذلك منهج أهل السنة ومنهج من خالفهم من أصحاب المقالات والبدع من الروافض والخوارج والمشبهة والمعطلة والباطنية والدروز، فاستعمال مثل هذه العبارة تلبيس وتشكيك في مسلمات أهل الإسلام، واعتقاد أهل السنة، وفهمهم للنصوص، وتجويز أن يكون الحق عند غيرهم، وأن يكونوا على خطأ، وهذا ممنوع.

خامساً: إن منع الإنسان من أن يعتقد ما يراه حقاً جازماً بذلك، ودعوته إلى أن يشك فيما يعتقده حقيقة، وأن الآراء والمذاهب الأخرى هي أيضاً حق، هذا تكليف له بما لا يطاق، لأنه جمع بين الشيء وضده، وإلزام له بخلاف قناعته الفكرية، وأنه يجب عليه أن يعتقد أن ما ذهب إليه هو حق وهو باطل أيضاً في نفس الوقت، لأن غيره يراه أنه باطل، ويجب عليه أن لا يدعي امتلاك الحقيقة وكفى بهذا سفسطة ولعباً بالعقول، وسخرية بها.

سادساً: ليست المشكلة أن أعتقد في مسألة – مما يجوز فيه الخلاف لاختلاف وجهات النظر – خلاف ما ذهب إليه غيري، وأن أجزم بفساد رأيه، لأن هذا أمر لا مفر منه، ولا يستطيع الناس كلهم أن يتجاوزوه، وإلا لفسدت خصائصهم، وما تتميز به شخصية كل واحد منهم، وسوف يكونون نسخة واحدة تكرر نفس المقال، ولكن المشكلة هي في تجاوز أحد المختلفين لحدود المسألة المختلف فيها، وحكمها، ونوع أدلتها، وقوة الحجة عند المخالف، وسلوك طريق التعصب الذي يدفع إلى تجاهل قوة حجته، والسلوك العصبي الذي يسود عند الاختلاف، والمجادلة في الحق بعد تبينه بنوع من والمكابرة.

سابعاً: أما قضية التكفير لمن كفره الله ورسوله من المخالفين المرتكبين لما يوجب الكفر فهو حقيقة قطعية في القرآن والسنة لا يجوز التنازل عنها، وإن كان يجب التثبت في تنزيل الحكم لمن كان حاله يفرض ذلك، كأن يكون أصلاً من المسلمين فارتكب ما يوجب ردته فلابد حينئذ من توفر الشروط وانتفاء الموانع، أما من كان أصله الكفر مثل اليهود والنصارى فلا يجوز التوقف في تكفيرهم، وأما تبديع المخالف بما ارتكبه من البدع فشيء متبادل عند كل الفرق، إذ كل الفرق المختلفة ترى أن ما أتت به الفرقة الأخرى يعتبر بدعة، فلماذا الإنكار على أصحاب المنهج السلفي فقط، فإن كانت البدعة غير مكفرة فيجب إنكارها بدون التورط في التكفير، لأن البدعة لا يجوز السكوت عنها عند الجميع، والعبرة بمن الكتاب والسنة في جانبه، ويشهدان له، وعند الله تجتمع الخصوم.

الشبهة الخامسة: يقولون المنهج السلفي منهج إقصائي حاد وعنيف يلغي الآخر المسلم ولا يعترف به، ولا يستطيع إن يعيش بدون معارك، على الرغم من وصفهم المناهج الأخرى كالشيعة والصوفية بأنها متسامحة ولا تلغي الآخر.

وهذا بلا شك غير صحيح بل أصحاب المنهج السلفي هم أهل اتِّباع السنة ‏وأهل الجماعة والاجتماع، فهم حريصون على الجماعة يذمون التفرق ويصبرون من المخالف على الأذى، قال الإمام أحمد ‏- رحمه الله -: (الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم علي ‏الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى؛ فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضال قد ‏هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم) وقد طبق ذلك رحمه الله عمليا وموقفه العملي في ذلك مع ‏المعتزلة الذين عذبوه وسجنوه واضح جلي، وأصحاب المنهج السلفي يؤمنون بأن في دينهم الحنيف قطعيات وثوابت محكمة لا ينبغي أن يُختلف فيها ولا أن يختلف عليها كتوحيد الله تعالى بما في ذلك تحكيم الشريعة وإقامة الحدود وطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وهذه الأصول والثوابت وغيرها تمثل الشرع المحكم الذي ينبغي أن يجتمع عليه الناس كافة في مشارق الأرض ومغاربها.

كما أنهم يؤمنون بوجود دائرة أخرى تمثل مسائل الاجتهاد وهي كل أمر لم يرد فيه دليل قاطع من نص صحيح أو إجماع صريح، وقد عرفها الإمام الشاطبي بقوله: (محال الاجتهاد المعتبر هي ما ترددت بين طرفين وضح فى كل واحد منهما قصد الشارع فى الإثبات فى أحدهما والنفي فى الآخر؛ فلم تنصرف البتة إلى طرف النفي ولا إلى طرف الإثبات) فهي وسط غامض بين طرفين واضحين وهي الدائرة الوسطى التي تختلف فيها اجتهادات الفقهاء وعلى أساسها تنوعت المذاهب الفقهية وتباينت آراء أهل العلم في ماضي هذه الأمة وحاضرها مع تأكيدهم على أن مسائل الاجتهاد لا ينبغي أن تكون سبباً لتفرقة المسلمين ولا ينكر على المختلف فيه وإنما ينكر على المجمع عليه. (وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما يسرّني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالاً. وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا، ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة. وكذلك قال غير مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه. ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره إن مثل هذه المسائل الاجتهاديّة لا تنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها؛ ولكن يتكلم فيها بالحجج العلميَّة؛ فمن تبين له صحّة أحد القولين تبعه، ومن قَلّد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه؛ ونظائر هذه المسائل كثيرة) فهم باختلافهم أتاحوا لنا فرصة الاختيار من أقوالهم واجتهاداتهم، كما أنهم سنوا لنا سنة الاختلاف في القضايا الاجتهادية، وظلوا معها إخوة متحابين.

وهذا مالك بن أنس -رحمه الله- لما اسشاره هارون الرشيد في حمل الناس ‏على موطئه قال له: (يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل وسمعوا أحاديث وروايات وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودالوا له من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم وإن ردهم عما اعتقدوا شديد، فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم )‏ ومواقف أصحاب المنهج السلفي في ذلك كثيرة مشهورة؛ فكيف يقال ‏عنهم إنهم إقصائيون؟ وقد سُمي السلف الصالح بأهل السنة والجماعة من حرصهم على الالتزام بالسنة ومجانبة الابتداع، ‏وعلى الاجتماع ونبذ الفرقة.

المقصود أن هاتين الدائرتين موجودتين في دين الله -تبارك وتعالى- لكن الحداثيين أو العلمانيين أو غيرهما من التيارات المعاصرة إنما تريد أن تجعل الدين كله من المتشابهات لا تريد أن تجعل في هذا الدين دائرة قطعية محكمة ثابتة ودائرة يحق للعلماء فيها الاجتهاد.

وأخيراً، قد يكون البعض ممن ينتمي إلى هذا المنهج بسوء فهمه، وقلة علمه؛ يعطي صورة غير حقيقية عن هذا المنهج، فهذا شأنه وشأن عموم المسلمين اليوم الذين لا يمثلون الصورة الحقيقية للإسلام مع انتسابهم جميعاً إليه؛ فهل نرفض الإسلام من أجل إساءة فهم بعض المسلمين للإسلام؟! كما يراد أن يرفض المنهج السلفي من أجل إساءة بعض منتسبيه إليه.

هذا ما تيسر جمعه وصلى الله على نبينا محمد وعلى أهله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.