طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > السلفية .. توضيحات وتنبيهات

ملتقى الخطباء

(2٬821)
328

السلفية .. توضيحات وتنبيهات

1432/07/24
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ينبغي على أصحاب المنهج السلفي من استفاضة البلاغ والدعوة إلى الله تعالى بالحسنى؛ لأن الكلمة هي الخط الأصلي الساخن للتواصل بين أصحاب المنهج السلفي والمدعوين لاسيما عندما تقف السلطة السياسية أو وسائل الإعلام حائلاً بين أصحاب المنهج الصحيح لدين الله وبين من يدعونهم؛ لأن الناس أعداء ما جهلوا ويتم ذلك بصور مختلفة سواء كان ذلك في الدروس أو المحاضرات أو على المنابر التي نصل من خلالها إلى الناس ..

 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

بدأ في الآونة الأخيرة يبرز مفهوم السلفية على الساحة وفي أوساط عدد غير قليل من المسلمين وأثار هذا المصطلح الكثير من الجدل، وتردد على الأسماع، وتساءل الكثير عنه، وأثيرت شبهات حول هذا المصطلح أو حول المنهج السلفي منهج أهل السنة والجماعة، فهل لهذا المفهوم أو المصطلح أصل في الشرعية؟ وهل ما يثار حوله من جدل أو شبهات لها أساس من الصحة.

في هذا الموضوع نريد أن نبين باختصار المفهوم الصحيح للسلفية والرد على أهم أو بعض ما ورد من شبهات حول هذا المنهج.

بادئ ذي بدء لو تأملنا حولنا من التجمعات البشرية وغيرها من أنواع المخلوقات من حيوان ونبات نجد أنه قد أطلق عليها ألقاباً وقد تميزت بشعارات تعرف به وخاصة الألقاب التي ترجع إلى وصف أو دين أو مذهب أو لون أو بلد أو قبيلة أو شعب من الشعوب.

فالألقاب والأنساب إلى الأديان والبلدان والمهن ظاهرة بشرية، المقصود منها التعارف، وأن أحكامها تختلف باختلاف مضمونها وموقف الدين منها، ولا يمكن أن نبني حكما صحيحا عن مصطلح قبل أن نتصور مفهومه وكما يقول علماء الأصول (الحكم على الشيء فرع عن تصوره) (1)، فإذا أردنا أن نحكم على مذهب أو عقيدة أو لقب فلا بد أن نتصور مفهومه عند أهله أولاً، ثم ننظر في الكتاب والسنة لنلتمس حكم الله فيه من الوجوب أو التحريم أو الكراهة أو الندب أو الإباحة، فمثلاً إذا أردنا أن نصدر حكماً على المذهب الاشتراكي أو الشيوعي كمذهب إلحادي فلا بد من معرفة ماهيته، ثم ننظر في حكم الله فيه، وهكذا إذا أردنا أن نحكم على الخوارج مثلاً كمذهب يزعم أهله أنه إسلامي فلا بد من تصور مذهبهم، ثم الحكم عليه بما يستحقه شرعاً وهكذا سائر المذاهب والفرق، وكذلك السلفية التي هي موضوعنا.

فالسلفية في اللغة هي نسبة إلى السلف وهم (من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن والفضل) (2) و(السلف المتقدمون، وسلف الرجل: أبواه المتقدمان) (3).

أما في الاصطلاح فتدور كل التعريفات للسلف حول الصحابة، أو الصحابة والتابعين، أو الصحابة والتابعين وتابعيهم من الأئمة الأعلام المشهود لهم بالإمامة والفضل واتباع الكتاب والسنة.

يقول القلشاني: (السلف الصالح، وهو الصدر الأول الراسخون في العلم، المهتدون بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، الحافظون لسنته، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، وانتخبهم لإقامة دينه ورضيهم أئمة الأمة، وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده وأفرغوا في نصح الأمة ونفعهم، وبذلوا في مرضاة الله أنفسهم، قد أثنى الله عليهم في كتابه.. فيجب اتباعهم فيما نقلوه، واقتفاء آثارهم فيما عملوه، والاستغفار لهم) (4).

ويقول الشيخ محمود خفاجي: (وليس هذا التحديد الزمني كافيا في ذلك، بل لابد أن يضاف إلى هذا السبق الزمني موافقة الرأي للكتاب والسنة وروحها، فمن خالف رأيه الكتاب والسنة فليس بسلفي وإن عاش بين أظهر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين) (5).

ويقول الشيخ ابن حجر القطري: (وعلى ذلك فالمراد بمذهب السلف ما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، وأتباعهم، وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة وعرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفاً عن سلف، كالأئمة الأربعة، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وابن المبارك، والنخعي، والبخاري، ومسلم، وسائر أصحاب السنن دون من رمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضي مثل: الخوارج، والروافض، والمرجئة، والجبرية، والجهمية، والمعتزلة) (6).

فالسلف إذن مصطلح يطلق على الأئمة المتقدمين من أصحاب القرون الثلاثة الأولى المباركة، من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين المذكورين في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) (7) فكل من التزم بعقائد وفقه وأصول هؤلاء الأئمة كان منسوباً إليهم وإن باعدت بينه وبينهم الأماكن والأزمان. وكل من خالفهم فليس منهم وإن عاش بين أظهرهم وجمعه بهم نفس المكان والزمان.

وكل من اتصف بهذا الوصف نفى عن نفسه أن يكون خارجياً يستحل دماء المسلمين بالمعصية أو أن يكون رافضيا يكفر الصحابة ويلعنهم أو متأولاً محرفاً لكلام الله تعالى أو قبوريا أو حلوليا أو اتحاديا أو متعصباً لإمام بعينه ولو خالف الدليل إلى غير ذلك من المعاني، إذن فهو مصطلح يقصد به تجديد الدين وإحياؤه لكي يعود غضاً طريا كما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما فهمه أصحابه رضي الله عنهم وهي كلمة يُقصد بها ببساطة تجريد التوحيد لله عز وجل وتصفيته مما علق به من شوائب البدع وتجريد الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقصد بها تزكية النفوس وتطهيرها، ولا شك أن كل هذه المعاني تفرز مسلماً جاداً يعرف حدود الله عز وجل ويعظم شعائره ويقف حيث أوقفه الله يأتمر بامره وينتهي بنهيه.

فالسلفية إذن موجودة وضاربة بجذورها إلى جيل الصحابة بل إن السلفيين هم التدفق والامتداد الطبيعي لجماعة المسلمين الأولى فكل مولود يولد في الإسلام هو منسوب بالأصالة وبالجملة إلى هذا المنهج إلا إذا أعلن مفارقته وتميزه عن هذا المنهج؛ إما بأفكاره ومعتقداته أو سلوكه وأفعاله.

ومن العجب أن يعترض على هذا اللقب الشريف الذي يعمق صلتنا بسلفنا الصالحين الماضين، في حين تنتشر في كل اتجاه الفرق التي تحمل الألقاب المستهجنة شرعاً، وبعضها يرجع أصله إلى مذاهب إلحادية ولا نسمع حولها أي اعتراض أو استنكار.

والذي يتأمل هذا التعريف لا يجد مانعاً شرعيا يمنع من هذا اللقب لسلامة مدلوله من المحاذير الشرعية، بل ولتضمنه مقصداً من المقاصد الشرعية العظيمة ألا وهو أنه يفرض على أصحابه تصور هذا الدين كما كان في صورته الأولى، ورفض الزيادة عليه والنقص، وما أظن أن أحداً يعترض على هذا المقصد من حيث الجملة.

ولقد تسمى بعض المسلمين بالمهاجرين "لأنهم هاجروا مع الرسول صلى الله عليه وسلم" وبالأنصار "لأنهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم" والتابعين "لأنهم اتبعوا السلف الصالح، فما هو الضير من أن تتسمى مجموعة من الدعاة إلى الله تعالى بالسلفيين" أي الذين يتبعون السلف الصالح، ثم إن هذا المصطلح لم يظهر على الساحة الإسلامية إلا بعد افتراق الأمة إلى فرق وأحزاب فهذا مسلم شيعي وهذا مسلم معتزلي وآخر مسلم أشعري إلى غير ذلك من المسميات التي يدعي أصحابها أنهم على منهج وفهم الصحابة لهذا الدين، فكان لابد من التميز باسم لإظهار الحق وبيانه للناس.

ولقد حصل الاتفاق على أمور ينبني عليها الكلام في صحة هذه النسبة من عدمها، وبيان ذلك أن المسلمين أو على الأقل الحركات الإسلامية متفقون على أن أحوال الأمة الإسلامية اليوم أحوال مزرية ومتدهورة في كل المناحي، وعلى أنها قد تسلط عليها أعداؤها وساموها سوء العذاب، فنهبوا ثرواتها، وغيروا ثقافتها، وفرقوا صفوفها، وجمدوا نشاطها، وجعلوها في المؤخرة.

ومتفقون أيضاً على أن سبب ذلك هو البعد عن الدين، وأن هذا البعد يتمثل؛ إما في رفض التحاكم إلى هذا الدين، ورد مسائل النزاع إليه، واعتماد مصادر أخرى مغايرة، وإما إلى سوء فهم في تصورنا لقضايا متعددة منه، ومتفقون على أن الحل المخرج لنا مما نحن فيه هو التمسك بديننا، ورجوعنا إليه.

ومتفقون على أن الصحابة والتابعين هم المثل الأعلى والقدوة الحسنة لتمثيل هذا الدين، وما منا من أحد إلا إذا أراد أن يشيد بأمجاد هذه الأمة، وتاريخها المشرق، وإنجازاتها الحضارية؛ فإنه لا يجد ما يقوله إذا لم يكن الرعيل الأول من الصحابة والتابعين، ومن سار على منهاجهم؛ موضع استشهاده وإشادته، فهم الصفحة المشرقة المحتوية على كل الأمثلة التي نفاخر بها الأمم سواءً من ناحية سلامة المعتقد والتصور والفكر الذي أقاموا به تلك الحضارة وشادوا عليه بنيانها، أو من ناحية العدل وقيم التعامل مع مختلف الأمم التي وجدت نفسها تحت حكمه وقيادته.

وبعد هذا الاتفاق على أحوال الأمة، وعلى ضرورة الرجوع إلى الدين، واعتباره العنصر الرئيس في إحيائها؛ فقد قام كل فريق من هذه الأمة -من المهتمين بالدعوة إلى الله- بما يراه واجباً في دعوته لأمته، وأخذه بيدها لإرجاعها إلى دينها.

فمنهم من يرى أن المنهج الواجب الاتباع هو ما عليه الموروث الصوفي من الاستنجاد بالموتى، والاستغاثة بهم، والاشتغال بإحياء الموالد والأناشيد الدينية، وإحياء طرائق الفرق الصوفية السلوكية كالشاذلية، والرفاعية، والقادرية وغيرها، والدعوة إلى التقليد المذهبي والجمود الفقهي وغير ذلك، مدعين أن الحل لما تعيشه الأمة من الناحية الفكرية والسلوكية هو هذا المنهج الذي هم عليه، وأن هذا هو الدين الذي أمرنا الله باتباعه واعتناقه.. فإذا عرضنا هذه المنطلقات على ما كان عليه الصحابة فإننا لا نجدها في سلوكياتهم وعباداتهم وأعمالهم، بل نجد أحوالهم ضد هذه الأوضاع والطرائق.

وفريق آخر يرى أن الدين هو ما قاله الأئمة المعصومون -في زعمهم- وما فهموه منه وهو مذهب يقوم على تقديس أهل البيت، وطلب الشفاعة منهم، والاستغاثة بهم في الملمات، وقد وصفوهم وصفاً يخرجهم عن الطبيعة البشرية، ويقوم دينهم هذا على الطعن في الصحابة، وتكفير معظمهم، ويقومون بأعمال جاهلية تشوه جمال الإسلام وصفائه مثل: ضربهم لأنفسهم بالسلاسل، وتفجير الدماء من مواضع عديدة من أجسامهم ورؤوس أطفالهم؛ متقربين إلى الله بذلك، زاعمين أن هذا هو دين الله الحق الذي تجب دعوة الأمم إليه.

ومعلوم براءة الدين الإسلامي، وبراءة السلف الصالح -وعلى رأسهم علي رضي الله عنه، وعن أهل بيته- من هذه الأوضاع.

وأتى فريق آخر فزعم أن الدعوة إلى الله والرجوع إليه يكمن في سلوك المناهج الفلسفية، والطرائق الكلامية، والمحارات العقلية في الدفاع عن العقائد الدينية، والأحكام الشرعية، أمام الهجمات الفكرية الصليبية والاستشراقية، وأن النصوص الشرعية لا تكفي في هذا الباب، لأن القضية عقلية، والنصوص الشرعية مساعدة فقط لا يعتمد عليها، ولا تنفرد بالتأصيل لهذه القضايا، وأعادوا دعوة أسلافهم إلى تلك المناهج ممن أطلق عليهم لقب أهل الكلام مع علمهم بمخالفة السلف الصالح لها، وتحذيرهم منها.

وفريق آخر أذهلته الحضارة الغربية بوسائلها المادية، وطرائقها السياسية والاجتماعية، ومظاهرها المدنية، بل ومناهجها الفكرية؛ فصار مجنوناً بها يهذي في كل الأوقات بالإشادة بها، داعياً إليها، ساعياً إلى التوفيق بينها وبين خصائص الحضارة الإسلامية بطرق ملتوية، وتأويلات فاسدة، متألماً من تخلف الأمة عن ذلك الركب، وصار يركب الصعب والذلول في طرق التوفيق، فأتى بما أضحك منه العقلاء.

هذا بالإضافة إلى التوجهات الأخرى مثل: مناهج الأحزاب العلمانية القومية منها والوطنية، والديمقراطية منها والاشتراكية، والتي تشعبت بها السبل، وتفرقت بها الطرق، فلم تزد الأمة إلا خبالاً، ولم تجن الأمة منها إلا مزيداً من التفرق والتشرذم، والعداء والتربص بعضها ببعض.

فأمام هذه التوجهات برمتها فما ذنب من يتبنى في دعوته لأمته الإسلامية طريقة سلفها الصالح في الاعتقادات والعبادات والسلوك، وطرائق التفكير والحكم على الأشياء، معتمداً على كتاب الله وسنة رسوله، رافضاً الاقتداء بماركس ولينين وإنجلز وغيرهم من مفكري اليهود والنصارى قديماً وحديثاً، داعياً أمته إلى التمسك بهذا الدين في العقيدة والشريعة، ففي زمن غربة الإسلام وكثرة المذاهب والفرق المضللة يحتاج المسلمون للتميز بصفة أخص من صفة الإسلام لا تتعارض مع الإسلام؛ لأننا جميعا يضمنا اسم الإسلام وراية الكتاب والسنة لكن التحقق بذلك في وسط هذا الكم الهائل من الفرق الضالة المنحرفة يدعونا أن نقول نحن مسلمون على منهج السلف الصالح أو منهج أهل السنة والجماعة.

ولا يمنعنا ذلك الاقتباسُ من هذه الحضارات من العلوم الإدارية، والاستفادة من تكنولوجيا العلوم المختلفة، والثورات المعلوماتية، والسباق في الإحاطة بهذه العلوم، والمشاركة في الإبداع فيها، والإتيان بجديدها العربي والإسلامي؛ لأن هذه العلوم الآلية لا تختلف باختلاف الثقافات والأديان والعقائد.

وإذا تم لنا ذلك فنحن لا نجعل اسم السلفية "شعاراً بديلاً عن الإسلام بل السلفية بالنسبة للإسلام هي الفهم الصحيح له فقط فلا تعارض بين الإسلام والسلفية.

لكن ثمة أمور ينبغي التنبيه عليها وهي:

أولاً: ينبغي أن يعلم أصحاب المنهج السلفي أن ولاؤهم للحق وحده؛ فلا يتعصبون لأسماء أو شعارات أو تجمعات أو زعامات فهم لا يتعصبون إلا للإسلام وحده ويوالون ويعادون على أساس الدين والتقوى ومن هذا المنطلق فإنهم ينظرون إلى كل فرد أو طائفة أو تجمع على هذا الأساس وحده وليس على أساس التعصب الجاهلي للقبيلة أو المدينة أو المذهب أو الطريقة أو التجمع أو الزعامة.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وليس لأحد أن يعلق الحمد والذم، والحب والبغض، والموالاة والمعاداة والصلاة واللعن، بغير الأسماء التي علق الله بها ذلك: مثل أسماء القبائل، والمدائن، والمذاهب، والطرائق المضافة إلى الأئمة والمشايخ، ونحو ذلك مما يراد به التعريف… فمن كان مؤمنا وجبت موالاته من أي صنف كان. ومن كان كافرا وجبت معاداته من أي صنف كان… ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أعطي من الموالاة بحسب إيمانه ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي، كما يقوله الخوارج والمعتزلة، ولا يجعل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة) (8).

ويقول: (بل الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها مثل انتساب الناس إلى إمام كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي أو إلى شيخ كالقادري والعدوي ونحوهم أو مثل الانتساب إلى القبائل: كالقيسي واليماني وإلى الأمصار كالشامي والعراقي والمصري. فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان) (9) ويقول أيضاً: (وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية، وسنة، وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا) (10).

ثانياً: ينبغي أن تراجع السلفية أنفسها وصفوفها؛ لأنه قد يختطف السلفية بعض الأدعياء وقد توجد منهم أحداث شاذة يقوم بها مغامرون أو يقوم بها جهلاء أو سفهاء تؤدي إلى تشويه المنهج أو على أقل الأحوال تشويه صورة القائمين على المنهج السلفي، ومثل هذه المواقف لا تمثل السلفية في شيء وليست من دين الله تعالى في شيء.

ثالثاً: على أصحاب المنهج السلفي أن يحذروا حمية الجاهلية بأن نتصور أن كل من انتسب إلى المنهج السلفي أصبح فوق الناس أو أعلمهم فهذه النظرة هي التي تحدث الانشقاقات والاختناقات والفرقة بين العاملين للإسلام من جهة وبين أصحاب المنهج السلفي وبقية المسلمين من جهة أخرى، والذي يجب علينا هو أن نحكم على الناس باتباعهم للكتاب والسنة لا لانتمائهم لدعوتك أو جماعتك؛ فالمنهج هو الميزان الذي نوزن جميعا به ونتحاكم إليه.

رابعاً: ينبغي على أصحاب المنهج السلفي من استفاضة البلاغ والدعوة إلى الله تعالى بالحسنى؛ لأن الكلمة هي الخط الأصلي الساخن للتواصل بين أصحاب المنهج السلفي والمدعوين لاسيما عندما تقف السلطة السياسية أو وسائل الإعلام حائلاً بين أصحاب المنهج الصحيح لدين الله وبين من يدعونهم؛ لأن الناس أعداء ما جهلوا ويتم ذلك بصور مختلفة سواء كان ذلك في الدروس أو المحاضرات أو على المنابر التي نصل من خلالها إلى الناس.

خامساً: أصحاب المنهج السلفي من أجل صفاتهم أنهم خير الناس للناس فهم حملة ميراث النبوة في جانبيها العلمي والعملي، ولاشك أن من أبرز الجوانب العملية في الهدي النبوي هو الجانب الأخلاقي، ولذلك فإن أخلاق النبوة -من الرحمة ومحبة الخير للناس واحتمال أذاهم والصبر على دعوتهم إلى غير ذلك- هي المنبع الذي يستقي منه أصحاب المنهج السلفي خصائصهم السلوكية والأخلاقية والتي لا تقل أهمية في منظور الحق عن ميراث العلم والهدي ولذلك لابد لأصحاب هذا المنهج من أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم لمنفعة الخلق وصلاحهم، وأن يشاركوا الناس همومهم وأوجاعهم اليومية والمسلم الذي يبتلى بمشكلة إن لم يشعر أن أصحاب هذا المنهج بجواره في مشكلته فلن ينشرح صدره ولن ينفتح قلبه ولن يستمع إليهم، ولا شك أن مما يفتح مغاليق القلوب مشاركة أصحاب المنهج السلفي الناس في تخفيف آلامهم وأوجاعهم.

سادساً -وأخيراً-: ينبغي أن نفرق بين السلفية أو المنهج السلفي وبين السلفيين؛ فالسلفيون بشر من البشر يصيبون ويخطئون غير معصومين يطرأ على أحدهم الخطأ وإن كان من الأئمة الأعلام الذي يشار إليهم بالبنان، أما المنهج أما الدين فهو فوق الجميع لا يعتريه الخطأ.

———

الهوامش:

1- انظر: شرح الكوكب المنير 1/50.

2- لسان العرب ج 9 ص 158.

3- تحرير المقالة من شرح الرسالة ص 36 نقلا عن (المفسرون بين التأويل والإثبات) للمغراوي ج 1 ص 18.

4- المصدر السابق.

5- العقيدة الإسلامية بين السلفية والمعتزلة ص 21.

6- العقائد السلفية بأدلتها العقلية والنقلية نقلاً عن (المفسرون بين التأويل والإثبات) للمغراوي ج 1 ص 19-20.

7- أخرجه البخاري رقم 2509.

8- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ج 28ص 227- 229.

9- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ج 3 ص 416.

10- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ج 28 ص 209.

——–

المراجع:

1- أهل السنة والجماعة معالم الانطلاقة الكبرى جمع وإعداد محمد عبد الهادي المصري.

2- حوار للشيخ عبد المجيد الريمي مع صحيفة الرشد اليمنية.

3- السلفية إصلاح مفاهيم ورد شبهات للشيخ صلاح الصاوي حوار أجراه خالد عبدالله بقناة الناس.