طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > السلفيون في بلاد الحرمين… آمال وتحديات

ملتقى الخطباء

(2٬394)
324

السلفيون في بلاد الحرمين… آمال وتحديات

1432/06/29
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

عبد الرحيم الوهيبي 

عاش الفكر السلفي سنواته الذهبية خلال العقود الماضية، وشهد تمدداً واسعا وانتشاراً ملحوظاً خارج بيئته التي توهج منها، "الجزيرة العربية"، فأصبحت عين المراقب تلحظ حضورا علمياً واضحاً للتيار السلفي في كافة البلاد العربية والإسلامية، وقد جاء هذا الانتشار لأسباب عديدة، من أهمها:

1- قوة ورسوخ محددات الفكر السلفي، التي حمل رجالاتها لواء الدعوة للمعين الصافي للإسلام، وهو الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، ونبذ البدع والخرافات التي ساهمت في تدجين وجمود عقول المسلمين ردحاً من الزمن، بالإضافة إلى ما يغرسه الفكر السلفي في نفوس أتباعه من الاستقلالية العلمية والفكرية، ونزع آصار التعصب والتقليد للأشخاص والمذاهب، وإن كان التيار السلفي المعاصر لم يسلم من هذا الداء تجاه رموزه وشيوخه.

2- تسنم العلماء السلفيين زمام القيادة الدينية بشقيها (الرسمي والشعبي)، وتزامن ذلك كله مع تدفق عوائد النفط على خزينة السعودية، ساهم في استثمار المخصصات الضخمة للمؤسسات الإسلامية في نشر الفكر السلفي في أنحاء العالم عبر فروع الجامعات والمراكز الإسلامية وطباعة الكتب الشرعية بلغات متعددة، بالإضافة إلى وفود مئات الألوف من الشباب المسلم إلى بلاد الحرمين، إمّا عبر الجامعة الإسلامية في المدينة أو عبر البوابة الكبرى، وهو العمل في الوظائف المختلفة، والذي أدى لتأثر هؤلاء بالفكر السلفي السائد في البلاد، ثم العودة إلى بلادهم لنشره لدى أهليهم، ولازلت أذكر أنّي استمعت لتسجيل صوتي لشيخ الأزهر "علي جمعة"، كان يسخر فيه من الدعوة السلفية بطريقة غير مهذبة، وأشار حينها إلى أنّ غالب هؤلاء المصريين تأثروا بـ "الوهابية" بعد قدومهم من السعودية.

3- أممية الفكر السلفي، والذي تجاوز الحدود، حتى أصبحت عين المراقب لا تخطئ رؤية قوافل "الشباب السلفي الجهادي" في شتى مواطن القتال والاضطراب في أفغانستان والشيشان والبوسنة والعراق.. وحتى كردستان وطاجكستان، فصورة أولئك الشباب الذين طلقوا زخرف الدنيا وملذاتها، ليدافعوا عن أعراض المسلمين ودمائهم ساهم في رواج الفكر السلفي بمحدداته العامة، وإن كان هذا التيار "أحياناً" غلى في التكفير واستحلال الدماء في الحالة العراقية على وجه الخصوص، ولكن الموقف الخياني لعامة الطائفة الشيعية في العراق، الذي جاء مؤيداً للرؤية السلفية المألوفة للشيعة، وتبني بعض الفصائل السلفية المعتدلة خيار المقاومة، قلل من الخسائر الإعلامية للدعوة السلفية في العراق بشكل عام.

عقب حادثة 11 سبتمبر، تعرض التيار السلفي لأكبر محنة في تاريخه الحديث، فقد وضعه ساسة الدول الكبرى في قفص الاتهام، وتم ملاحقة كافة نشاطاته العلمية والدعوية والإغاثية والجهادية، وضربها بقبضة من فولاذ، وقد وجدت بعض التيارات والمذاهب "التاريخية القديمة" و"الحديثة المعاصرة" الفرصة سانحة لتصفية حساباتها مع التيار السلفي، فركبت موجه الحرب على الإرهاب، بقصد تهشيم البنية الفكرية والمشاريع الدعوية للتيار، سيما وأنّ الضغوط أفضت إلى تنازلات من قبل التيار السلفي الرسمي وبعض الوجوه السلفية المستقلة.

وقد دفعت هذه التنازلات الخصوم لنصب محاكمات فكرية ظالمة، واستعداء جهات داخلية وخارجية، لضرب الدعوة السلفية في تراثها ورموزها في موقف يعكس "براجماتية"، خصومها الذين ملؤوا الدنيا بالشكوى من إقصاء السلفيين لمخالفيهم، فإذا بهم يمارسون الدور نفسه، ولكن بصورة أبشع، وفاقم هذه الحالة المؤسفة دخول بلاد الحرمين في دوامة العنف، والرغبة السلفية العارمة في إثبات البراءة من تيار العنف، الذي عصفت أعماله الإجرامية بالبلاد، وتزامنت هذه الأحداث المتلاحقة مع استثمار خصوم التيار السلفي لجيوشهم الإعلامية من فضائيات ومواقع انترنت، لملاحقة ونقد الفكر السلفي المعاصر، ومناقشة مشاريعهم عبر الفضاء، في وقت لم يستعد فيه السلفيون لهذه المعركة البتة، فما بين "الحرج الشرعي" و"الجدل المتأخر" في حكم المشاركة في القنوات أو حتى مشروعية إنشاء قناة إسلامية، والاشتغال في ردود تقليدية على الإسلاميين من خارج المنظومة السلفية، كان الخصوم يلقون بشبهاتهم وأفكارهم، فتباينت ردود أفعال الرموز السلفية في كافة الاتجاهات، واضطربت الجماهير بسبب اضطراب وتباين مواقف الرموز، بل وتصادمها أحياناً.

وقد جاء هذا التباين والتصادم، كنتيجة طبعية للأساليب الارتجالية التي دأب السلفيون على انتهاجها عند أية نازلة تعصف بهم، بالإضافة إلى الخلط المعهود بين "الثوابت" و"المتغيرات"، فبدأ التيار السلفي يفقد بعض مقاعده ومربعاته في المجتمع.

وتجلت مظاهر هذا التراجع عبر نزيف بشري بين صفوفه، ففئة اختارت منحى حاداً في التراجع، كتلك الفئة التي تنكبت الطريق ولحقت بقافلة العلمانيين واللبراليين، وفئات أكبر، تحولت لهمومها المعيشية والدنيوية، مكتفية ببعض مظاهر التدين في اللباس، وفئة وجدت من الصعوبة الجمع بين العمل الدعوي وفق رؤيتها والواقع بتعقيداته، فاكتفت ببيانات أو مشاركات حولية أو نصف حولية، وعلى الصعيد الشعبي، تراجعت وسائل الدعوة المألوفة، كالشريط والمطويات، بعد أن أخذت الفضائيات والشبكة العالمية مكان الصدارة في التأثير، وأحسب أنّ سبب تراجع الإقبال على الشريط عائد لطبيعة الخطاب الدعوي، الذي لم يواكب الحراك الاجتماعي والثقافي المتسارع للمجتمع السعودي خلال العقد الأخير.

لقد شعر أنصار التيار السلفي بالخطر الذي يتهدد الدعوة، واختلفت طرائقهم في معالجة المعضلة، فشرع بعضهم في إقامة محاضرات وكتابة مقالات عن أهمية الثبات والبعد عن أسباب الانتكاس، وهذه الدعوة صحيحة ولاشك، ولكن الخلل عندما يتم توظيف الدعوة للثبات، للتأكيد على مواقف لا تعبر عن ثوابت شرعية، بقدر ما تعبر عن مواقف سلفية معاصرة اجتهادية، فعلى سبيل المثال، سمعت أحد الدعاة الفضلاء يتحدث عن أسباب الثبات وخطورة الانتكاس، وكان من ضمن كلامه، أنّه يعتب ويؤنب من أصبح لا يأخذ بقول الشيخ الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله، فكأنّ تحول الشباب عن بعض الفتاوى السائدة، يعد علامة على الانحراف والانتكاس، وهذا الخطاب يضر الدعوة السلفية ولا ينفعها، فأقل طالب علم "متجرد" بإمكانه أن ينظر في هذا القول الذي شنع عليه الشيخ، وربما وجده على مذهب جماهير السلف والخلف وعندها ستكون النتيجة معاكسة.

إنّ سعينا لتبرير أي إخفاق في الدعوة داخل المجتمع بآيات وأحاديث غربة الدين وقلة المتمسكين بالإسلام، يؤدي من حيث لا نشعر إلى إسباغ القداسة والعصمة على أنشطتنا ودعوتنا ومجمل خطابنا الدعوي، ممّا يشكل طبقة سميكة على أخطائنا تمنعنا من المراجعة والنقد الذاتي.

لقد ظهر لي أنّ لهذا التراجع أسبابا عديدة، سأكتفي بذكر سببين، لأنّ الإحاطة بالموضوع من كافة جوانبه، يحتاج لجهود جماعية، والمراد هنا التنبيه وممارسة نوع من المكاشفة الداخلية، بوصفي ابناً لهذا التيار السلفي الأصيل، فأقول:

المحور الأول: الخطاب الدعوي التقليدي

إنّ الخطاب الوعظي الذي يُعلي من شأن العاطفة، ويضخم بعض المخالفات الشرعية، والتي ربما كانت صغائر أو مباحات عند بعض العلماء، وجعلها فيصلاً بين التدين والانحراف، لم يعد مقبولاً لدى النّاس اليوم، وليس المقصود هنا عدم التحذير من المعاصي، بحجة أنّها صغائر، بل المقصود إعطاء هذه المخالفات قدرها في الشرع، دون تهميش أو مبالغة، فلو تأملنا في نتاج الدعاة خلال العقدين الماضيين، لوجدنا مئات المحاضرات والمطويات التي تحدثت عن (الغناء، الإسبال، التصوير, اللحية، التلفاز) في مقابل محاضرات قليلة جداً تحدثت عن (الصدق، الأمانة، أهمية التوحيد، الغيبة، فقه الوفاق، إتقان العمل).

كما تميز هذا الخطاب بالإفراط في نقد المخالفين، دون تفريق بين خصوم الحل الإسلامي من علمانيين وأمثالهم وبين إسلاميين مخالفين للتوجه السلفي، والاعتماد على الأسلوب المباشر في توجيه الجماهير، بما يُشعر المتلقي بتهميش فكره وشخصيته، وهذا الأخير راجع لتصدر بعض الوعاظ غير المؤهلين علمياً وفكرياً.

إنّ هذا الخطاب الذي لقي رواجاً في التسعينيات، ويلقى اليوم رواجاً محدوداً لدى الطبقات الدنيا (اجتماعياً وفكرياً) في المجتمع، لم يعد مناسباً اليوم، وفي كل يوم يزداد عدد الناقدين له من قبل عامة النّاس، وخصوصا فئة الشباب من الجنسين، بدءاً من طلاب المرحلة الجامعية فصاعداً.

فلا بد من تحديث الخطاب السلفي المعاصر، وذلك بمراجعة نظرتنا لمسائل الخلاف في الفروع، والنظر في مسائل النوازل في ضوء المقاصد الشرعية، ومراجعة آلية التعامل مع المخالف، سواء أكان هذا المخالف كافراً أو مبتدعاً أو فاسقاً.

لقد أثار كتاب (افعل ولا حرج) حفيظة العديد من الفضلاء، حيث صدرت ثلاثة كتب للرد عليه وتعقب مسائله، وطُبعت عشرات الكتب والمقالات في الرد على من أخطأ في مسألة الإيمان من السلفيين، ومع صدور فتاوى كبار العلماء السلفيين وتقريظهم لعدد من الكتب التي عنيت بتأصيل المسألة والرد على من أخطأ فيها، إلاّ أنّ المكتبات لا زالت تقذف لنا سنوياً بكتب، بعضها "رسائل جامعية"، لتكرار نفس المسائل وتكرار الرد فيها.

وفي المقابل، نواجه "التحديات الكبرى" التي تعصف بالمجتمع على كافة الأصعدة الفكرية والسلوكية والاجتماعية، ونعيش "نوازل دولية" ألمت بالمنطقة من حولنا، ولا نرى جهوداً علمية وفكرية توازي حجم هذه التحديات، مع بالغ الأسف، فنحن بحاجة ماسة لترشيد طاقاتنا العلمية واستثمارها في المجالات التي يحتاجها المجتمع الذي نعيش فيه، وقد عُني السلف بهذا، فصرفوا جهودهم العلمية والفكرية بما يتناسب مع تحديات عصرهم.

ولست هنا أرفض معالجة التصور الخاطئ لمسائل الإيمان الذي وقع بها بعض السلفيين أو مناقشة كتاب في الحج، ولكن الخلل في الإغراق في الكتابة في هذه الموضوعات، وإشغال صفوة الشباب في الجدل حولها سنوات عديدة، وفي ظني أنّ كتاباً واحداً بتقريظ عدد من كبار العلماء، كان كافياً في علاج الإشكال الأول، وتُصرف بقية الجهود في تأصيل مسائل الإيمان في الدروس العلمية، دون الاشتغال بماذا قال فلان أو علان، وفي مسائل الفروع، كمسائل الحج الذي كثر الجدل حولها مؤخراً، علينا أن نبقي الخلاف في إطاره الصحيح الذي كان عليه جماهير السلف، دون أن يجهد الكاتب في إخراج المردود عليه من مذهب أهل السنة أو منهج السلف، لاختياره أقوالاً لم يقل بها شيوخه المعاصرين.

المحور الثاني: وسائل الخطاب السلفي التقليدية

خطت التيارات والمذاهب المنحرفة خطوات هائلة في استثمار البث الفضائي في الدعوة لمذاهبها ورؤيتها، حتى إن عدد القنوات الشيعية جاوز عشر قنوات، بينما لا يزال السلفيون يراوحون أماكنهم، ويكتفون بالمتابعة والمشاهدة أو النقد والتحذير من هذه القناة أو تلك.

علينا أن ندرك أنّ صدور فتوى أو بيان أو محاضرة لبعض العلماء والدعاة في التحذير من قناة منحرفة أو رموز ليبرالية أو إسلامية يشوب طرحها بعض الخلل، لم يعد كافياً، وإن كان مطلوباً على كل حال.

علينا معاشر السلفيين أن نتيقن أنّ الحل الأمثل، يتمثل في النزول للميدان بدلاً من الاكتفاء بالنقد والتحذير، وذلك بإنشاء قنوات فضائية قوية ومواقع شبكية جاذبة، يزاوج القائمون عليها بين نشر العقيدة والتوعية والتفاعل مع هموم النّاس الحياتية، بالإضافة إلى فسحة من الترفيه المنضبط، الذي يبني شخصية مسلمة متكاملة، وكلما نجحت هذه القنوات والمنابر الإعلامية في جذب النّاس لشاشتها، كلما ساهم هذا في نشر أفكارها ورؤيتها وتقليل تأثير القنوات والمنابر المنحرفة.

لهذا أعتبر ظهور "قناة المجد" وانتشارها، مع ما قد يؤخذ عليها من أمور، قدم أكبر خدمة للدعوة السلفية في بلاد الحرمين، بإيجاد محضن إعلامي للمتدينين وأسرهم، وجذب عدد لا بأس به من غيرهم، مع أنّ القناة لم تسلم في بداية ظهورها من الكتب والبيانات المحذرة من الداخل السلفي، ولكن ما يصدق على قناة المجد من نقد ينسحب على أي مشروع إعلامي سلفي قادم، بأن لا تتحول قنواتهم الإعلامية إلى (مراكز صيفية مرئية) أو (حلقات وعظ رتيبة)، فإنّ هذا لن يقدم شيئاً ذا بال في معركتنا القادمة ضد عتاة العهر الفضائي، بل الأمر يحتاج لرؤوس أموال داعمة وخطاب سلفي معاصر، يعلي من شأن الكليات ولا يهمل الجزئيات، ولكنه يوظفها في ضوء هذه الكليات، بالإضافة للاستعانة بخبرات إعلامية مؤهلة.

وفي الختام، لا أشك أنّ في رجالات التيار السلفي كافة المواد الأولية (العلمية والمادية والمهنية) لصروح إعلامية قوية ومؤثرة، ولكن الإشكالات المنهجية في الخطاب السلفي المعاصر تقف حجر عثرة ضد انطلاقها إلى فضاء العالمية، فإن تفطن الغيورون لهذا، فهذا مؤذن بتعافي التيار السلفي من كبوته ولملمة خلافاته وتوحيد جهود أفراده وطاقاته.

 

 

 

 

المصدر: العصر