طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > السلفية المعاصرة وضرورة النقد الذاتي

ملتقى الخطباء

(2٬427)
323

السلفية المعاصرة وضرورة النقد الذاتي

1432/06/29
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

د محمد السيد الجليند 

إن محاسبة النفس وبيان أخطائها مطلب شرعي وضرورة تاريخية لإصلاح المسيرة على مستوى الفرد والأمة، وفي نفس الوقت هي من لوازم المنهج الصحيح، المراجعة الذاتية لاكتشاف مواطن الخلل لدى المعاصرين في المنهج والزلل في المسيرة والخطأ في التصور والأحكام. إن هذا مطلب حيوي في مسيرة كل فرد وفي حياة كل أمة.

وفي عصرنا هذا أصبح ذلك ضرورة ملحة لاكتشاف ذواتنا وتحديد معالم هويتنا كاملة ذات رسالة كانت تحمل في يدها معالم أصبحت في واقعها المعاصر خارج التاريخ وتعيش على هامش أحداثه، وإذا كان واقع المسلمين كما يراه المحللون يدعو إلى اليأس أكثر مما يدعو إلى الأمل، فإن ذلك لا ينبغي أن يحملنا على القنوط من اسرداد دورنا الحضاري والريادي؛ ولكن السؤال من أين نبدأ؟

إن علل الداخل وأمراضه ربما كانت في الكثير من جوانبها أكثر صعوبة من مواجهة العلل الوافدة من الخارج وتحدياته، وهذا من وجهة نظرنا يجعل النظرة أكثر قتامة والموقف أكثر صعوبة. وذلك لكثرة هذه العلل، وتشعب مصادرها، وعدم قدرة الذات على مواجهتها بشجاعة، وفقدان الحس بها في كثير من الأحيان وعلى كثير من الأصعدة.

إننا نحتاج إلى كثير من جوانب حياتنا إلى إحياء الحس الديني بمشكلات واقعنا وامتلاك الشجاعة ووسائل المواجهة يكشف عيوب ذواتنا إن كنا نحمل لهذا الدين ولاء ولهذه الأمة انتماء، ولا ينبغي أن تضيع هذه الحقيقة بين ضجيج الشعارات المعلنة في كل الجبهات ومن بينها السلفية المعاصرة.

نحن في حاجة إلى وقفة مع النفس أيها السادة، لاكتشاف موقع الأقدام وأين هي قربًا أو بعدًا من المنهج السلفي الذي كان نقيًا وردي اللون زكي الرائحة في عهد الرواد الأوائل.

وقفة مع الذات نكتشف خلالها أين نحن من فقه النصوص التي تتكرر على الألسنة مع عدم الفهم الصحيح لها لا فقهًا ولا تنزيلاً لها على الواقع المعاش أخذًا بمنهج سلفنا الذين فقهوا النصوص وأنزلوها منزلها الصحيح على أحداث عصرهم.

وقفة مع التراث تكتشف خلالها ما يدعوا إليه ديننا الحنيف من فقه الأولويات وحكمة التدرج في التشريع مع ضرورة الأخذ به حتى لا تضيع العمر والجهد في صراع حول أمور قد لا ترقى في حكمها الشرعي إلى مستوى المندوبات ويضيع منا في زحمة هذا الصراع فرائض وواجبات نحن أحوج ما نكون إلى إحيائها والإحساس بها في نفوس الناس، إن كنا حريصين على الانتماء لمنهج السلف.

نعم لابد من وقفة مع الذات نكتشف خلالها مواقفنا من هذه القضايا الثلاثة:

1- فقه الواقع ومشكلاته وأين نحن منها.

2- فقه النص وكيفية تنزيله على مشكلات العصر وقضاياه على مستوى الفرد والجماعة.

3- فقه الأولويات، حتى لا نضيع واجبات وفرائض في حلبة الصراع حول المندوبات والأخذ بالأولى.

إن هذه المنطلقات الثلاثة ينبغي أن تكون أساسًا جوهريًا لمحاسبة النفس وإعادة ترتيب الأوراق حتى نحسن التعامل مع الواقع وقضاياه، ولاستعادة الثقة بنا من جديد.

إن تهميش الأمة الإسلامية بهذا الحجم الذي تعيشه في واقعنا المعاصر وإخراجها كلية من حركة التاريخ لم يكن السبب في ذلك – من وجهة نظرنا – كامنًا في قوة الغير بقدر ما هو متأصل في ضعف الأنا. وخور الذات.

وليس السبب كامنًا في صلابة الغير بقدر ما هو كامن في الوهن الذي أصابنا.

إن قابلية الأمة نفسيًا لأن تخرج من مسار التاريخ وتعيش على هامشه هو أس الداء الذي أصابنا والذي يحتاج إلى تعاون أصحاب الرأي والفكر في الكشف عن أسبابه الذاتية داخل مجتمعاتنا لنعرف كيف تحولت التربة الإسلامية التي كانت عصية على كل من أرادها بسوء. كيف تحولت إلى أرض أشبه بالقيعان صالحة؛ لأن ينبت فيها كل فكر مسموم ورأي محموم ويعيش في أوديتها غربان التخريب والدمار.

إن فهم الحاضر وأسباب علله هو المنطلق الصحيح لبناء المستقبل الذي نستشرف خلاله إعادة المسيرة واستعادة الثقة بالنفس، إن تقويم الواقع بمنهج السلف يتم بصورة منهجية إلا من خلال هذه المنطلقات الثلاثة التي أشرنا إليها.

فقه الواقع وأبعاده.

فقه النص وسياقاته.

فقه الأولويات وضوابطه.

إن واقع المسلم مزدحم بالمشكلات التي تحتاج إلى مزيد من الحكمة في التعامل معها بفقه النصوص قبل إصدار الأحكام، وبفقه الواقع قبل استعمال القياس، وبفقه الأولويات قبل الاحتكام إلى الرأي والمذهب. إننا في حاجة إلى رجال أصول يعيدون لمبدأ الاجتهاد حيويته ونضارته من جديد… يعيدون صياغة الواقع وضبطه على القواعد الكلية لعلم أصول الفقه أكثر من حاجتنا إلى علماء في الفروع، يحللون ويحرمون ويفسقون ويبدعون بنصوص، يحفظونها ولا يفقهون لها معنى في معظم الأحيان.

والمنهج السلفي هو القادر على الاضطلاع بهذا العبء الضخم لأنه وحده يمتلك عصمة المرجع والمنطلق، لأنه ينطلق من ثوابت معصومة شكلتها آيات الوحي وأحاديثه وجعلت منه المرجع الثابت الذي لا يقبل الاحتواء المذهبي ولا الألغاز العقلي أو المحو التاريخي.

إن على السلفية المعاصرة النهوض أولاً بمراجعة الذات وأين موقعها صوابًا وخطأ من قواعد المنهج السلفي نفسه، في جوانبه الاجتماعية والثقافية والتربوية.

إن نمط الحياة المعاصرة يحتاج إلى رؤية واضحة المعالم لهذه الجوانب الثلاث في هذا المنهج، وهي واضحة جلية لا تحتاج إلى كبير عناء؛ نعم: حاجتنا الآن ضروري إلى الكشف عن الجوانب التربوية والاجتماعية في هذا المنهج السلفي أكثر من الجوانب الأخرى التي ركز عليها الكثيرون وباتت مكررة وليس فيها من الجديد شيء.

وكثيرًا ما أتساءل لماذا يهمل السلفيون الكشف عن هذه الجوانب المضيئة، ولماذا الإصرار على التوقف عند قضايا العقيدة فقط. وعند بعض مسائلها فقط، هل مشكلة المسلم المعاصر هي التعرف على المشكلات المثارة حول قضية الذات والصفات بمناسبة وغير مناسبة؟ هي مشكلة حياته اليومية الآن هو تأويل الصفات أو عدم تأويلها…

هل المسلم العامي الآن بحاجة إلى بعث الخلافات التاريخية القديمة حول هذه القضايا من جديد..

إن إثارة هذه المشكلات دليل على أن أصحابها يعيشون خارج العصر ومشكلاته.

إن مشكلة المسلم المعاصر الآن هي أن يكون أو لا يكون؛ وإذا سمح له بالوجود فلابد أن يكون خارج المعلب؛ مشكلتنا المعاصرة هي قضية الوجود أو العدم جملة وتفضيلاً.

إن هناك اتفاقًا سكوتيًا على السطو على تاريخ أمتنا واستلاب حاضرها وضياع مستقبلها؛ أحيانًا بمنطق الصاروخ والدبابة، وأحيانا بمنطق التزييف والتزوير، فأين أنصار المنهج السلفي مما يجري حولهم أنهم يتركون ذلك كله وينزوون في المساجد الصغيرة ليتشاوروا فيما بينهم حول مسائل الخلاف في أمور هامشية، ينبغي أن يعلموا أن وقت المسلم أغلى من أن يضيع فيها، إنهم يضيعون بسببها أصولاً وكليات هي من لوازم عصرهم، وهذا كله بسبب غيابهم عن الواقع وفقهه؛ وبسبب غياب فقه الأولويات عنهم، مع أن تحصيل العلم بفقه الواقع وفقه الأولويات مقدم شرعًا على ما يشغلون أنفسهم به من خلافات هامشية تسببت في قطع صلة الرحم بين الكثيرين. ولقد تأملت معظم المسائل التي يثور بسببها الخلاف بين المنتمين إلى السلفية المعاصرة فوجدتها في معظمها تعود إلى أمرين يرفضهما سلف الأمة، نصًّا وروحًا. وكثيرًا ما حذر سلف الأمة من هذين الأمرين، وهما التشدد في بعض المسائل إلى درجة الغلو في الدين، وتكفير الأمة.

1- الأمر الأول: تجد الواحد منهم يتسابق مع الآخر في الغلو في الدين، وفي التشدد في أمور ليست محل تشدد، ويقابلها في الطرف الآخر التساهل في أمور لا ينبغي التساهل فيها بل هي من ألزم الأمور للمسلمين حسب واقعهم المعاصر. فعلى سبيل المثال، قابلني مجموعة من الشباب مهندس وطبيب صيدلاني في المسجد الحرام بدون معرفة سابقة بيننا، وكان ذلك في أواخر الثمانينات، وتم التعارف بيننا وعرفت أن كلهم تخرج في الجامعة، وبتقديرات عالية، وكلهم آثر أن يترك تخصصه العلمي وأن يشتغل بالدعوة إلى الله، فقلت لهم ومما تأكلون وتكفلون لبيوتكم لقمة العيش. فقالوا ألم تقرأ قول الله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6] إن أبواب الرزاق مكفولة من الله للدواب فكيف لا تكون مكفولة للإنسان، فقلت لهم: وماذا لو باشرتم عملكم التخصصي فتنفعون به المسلمين وضمنتم لقمة العيش لبيوتكم وأولادكم وأنتم تكونون في عبادة وتدعون إلى الله من خلال القدوة الحسنة في عملكم، وأنتم تعلمون أن الرسول – صلى الله عليه وسلم قال: أفضل ما يأكل الرجل من عمل يده.

ثم لماذا فضلتم الاشتغال بالدعوة!! هل لقلة الدعاة؟ أم أن عندكم من العلم ما ليس عند المشتغلين بالدعوة حاليًا؟

وأي الأماكن أكثر حاجة إلى الدعاة. قلب الكعبة مهبط الإسلام ومحضن الوحي، أم مجاهل إفريقيا وآسيا، ومواطن التنصير؟ وفجأة ارتفع صوت أحدهم قائلاً: أنت لقد أتممت العمرة. فقلت له: نعم، فقال: ولماذا لم تحلق شعر رأسك كاملاً أخذًا بالأفضل والأولى. إنك آثم ومقصر.. ثم بدأ حديث طويل عن التفريط الذي وقعت فيه بسبب ترك الحلق كاملاً، ثم انتقلوا من ذلك إلى الحديث عن مراحل الشرك والتكفير، وعن ترك الناس للنوافل وإهمال الأخذ بالأولى والأفضل، وأن ذلك هو المدخل للوقوع في الكفر، ولم يتركوا لي فرصة كي أوضح لهم السبب الذي سألوا عنه في ترك الحلق والأخذ بالتقصير، ولكني أحسست من خلال حديثهم معي أنهم يتميزون بعاطفة دينية جياشة وحماس ديني متأجج لكن فاتهم تحصيل اللازم لهم من العلم النافع لكل من يتصدى لدعوة الناس، من ضرورة فقه النصوص وفقه الأولويات، وفقه الواقع الذي يعيشونه – وهذا حال الكثيرين من الشباب في عصرنا هذا – الغلو في الحكم على فروع وجزئيات والتساهل في أصول وكليات، وكلا الطرفين مذموم شرعًا.

ومما يؤسف له أنهم يعاملون المخالف لهم في الرأي من منطلق سوء الظن بعقيدته، ويرى بعضهم وجوب المقاطعة، وقد يترتب على هذا توجيهه الاتهامات بالكفر والفسق في كثير من الأحيان، ولاشك أن منهج السلف الذي يدعون الانتماء إليه والدفاع عنه يبرأ إلى الله من ظلم هؤلاء المنتسبين إليه وافترءاتهم عليه، ولا شك أن خطر المغالين في الدين أشد على الدين نفسه من خطر المفرطين فيه. ذلك أن هؤلاء يدخلون على الدين من منطلق التحمس له بلا علم، فيحسن الناس الظن بهم، وقد يجعلون من الدين ما ليس فيه ومع كثرة الاتباع وحسن الظن بالمتبوع يقع الناس في محاذير شرعية باسم الدين.

ولقد نبه سلف الأمة إلى خطورة هذه الظاهرة على الإسلام والمسلمين معًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن هنا يعرف ضلال من ابتدع طريقًا أو اعتقادًا زعم أن الإيمان لا يتم إلا به من مع العلم بأن الرسول لم يذكره على سبيل النهي أو التحذير. ولذلك قال الإمام مالك إذ قل العلم ظهر الجفاء، وإذا قلت الآثار النبوية كثرت الأهواء، ولهذا تجد قومًا كثيرين يحبون قومًا ويبغضون قومًا لأجل أهواء لا يعرفون معناها ولا دليلها بل يوالون على إطلاقها ويعادون على إطلاقها من غير أن تكون منقولة نقلاً صحيحًا عن النبي – صلى الله عليه وسلم -، أو عن أحد من سلف الأمة، ومن غير أن يكونوا هم يعقلون معناها ولا يعرفون لازمها ومقتضاها، وسبب هذا إطلاق أقوال ليست منصوصة وجعلها مذهبًا يدعي إليه ويوالي عليه ويعادي. وليس لأحد أن ينصب شخصًا بعد الرسول يدعوا إلى كلامه فيوالي عليه ويعادي عليه، ويجعله أصلاً للولاء والبراء من المسلمين، أنهم بذلك يجعلون ما ليس بحسنة شرعية حسنة شرعية وما ليس بمعصية شرعية معصية شرعية، فيقدمون بين يدي الله ورسوله، وقد يتأولون من القرآن ما لا يوافق هواهم، ويجعلون المخالف لهم في ذلك كافرًا أو فاسقًا.

ويحكي ابن تيمية: "أن السنة والإجماع على أن أهل البدع في الدين شر من أهل المعاصي الشهوانية، لأن أهل المعاصي قد يرتكبون أمرًا منهيًا عنه كالسرقة والزنا. أما أهل البدع فإنهم يتركون ما أمروا به من اتباع السنة وجماعة المؤمنين، وقد يضمون إلى ذلك اعتقادًا محرمًا من تكفير المخالف وتفسيقه وتبديعه، ويقرنون في معظم الأحيان بين خطأ المسلم وتأثيمه فيجعلون كل مخطئ يلزمه الإثم بالضرورة. ومن المعلوم أن كل خطأ قد لا يأثم صاحبه، أما لجهله بالحكم أو لاضطراره إليه، أو لعدم قيام الحجة عليه، ومعلوم أن المجتهد المخطئ مغفور له مثاب على اجتهاده، وهلا يجعلون الخطأ والإثم متلازمين أبدًا.

وأهل العلم بالآثار النبوية والعالمون بما كان عليه سلف الأمة لا يقولون بتأثيم كل مخطئ ولا يتبرأون منه، وهذا قد يقع فيه كثير من الشباب يحسن النية أحيانًا، لكن يحدوهم شدة الجهل بمنهج السلف وأصوله. وهم في ذلك يحاولون أن يجعلوا من سنة الرسول ما ليس منها وقد ينفون في موقفهم هذا ما هو من سنن الرسول في أفعاله وأقواله.

وقد يكون الأمر مرغوبًا فيه في حال، ومنهيًا عنه شرعًا في حال آخر. وقد يكون ترك السنة في حال مقدمًا شرعًا للمحافظة على الواجب الشرعي الذي هو أولى بالتحصيل والإتيان، وهذا معروف واجبًا في حال دون حال، بل إن من الأصول المتفق عليها – تبدل الفتوى بتبدل الأحوال – وأن الضرورات تبيح المحظورات، وإلا ما اضطرتم إليه.

وقد يكون التيسير على المسلمين في وقت معين وفي أمر معين مطلبًا شرعيًا له الأولوية على التشدد من باب فقه الواقع وفقه الأولويات وجريًا على الروح العامة للإسلام، قال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم السعر} [البقرة: 185] {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78].

وكثيرًا ما كان – صلى الله عليه وسلم – يوصي الدعاة بقوله: ((بشروا ولا تنفروا، يسروا ولا تعسروا، إنما بعثتم مبشرين لا منفرين)).

وكان يقول: ((إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، هذه أمور ينبغي على الشباب المتحمس أن يضعها نصب عينيه؛ لأنها تمثل روح الشريعة الإسلامية أكثر من المنهج المتشدد الذي يحرصون على أخذ المسلمين به.

إننا في عصر يحتاج ممن يتصدى للدعوة أن يكون ماهرًا في طب النفوس وترويض القلوب قبل أن يكون حافظًا للنص بدون فقه له. وأن يكون الداعية على درجة عالية من الخبرة بالواقع وملابساته الثقافية والاجتماعية والسياسية. بل والاقتصادية كذلك، إن ضمير الأمة نفسه في حاجة ماسة إلى من يوقظه من سباته ليحيي فيه حرارة الحس الديني، وليعيد إليه حياته من جديد، وفي مثل هذه الظروف كان مبدأ التدرج واعتبار الأولويات، وحسن التأتي. ومتى وكيف تأمر وتنهى. من أهم ما يتزود به الداعية. وغياب الخبرة بهذه الملابسات وما يترتب عليها من المشتغلين بالدعوة كان ضرره أكثر من نفعه وفي كثير من الأحيان كانت جهود كثيرة من الدعاة تؤدي إلى الإفساد من حيث أرادوا الإصلاح. وتؤدي إلى الفرقة والاختلاف من حيث أرادوا الوحدة والائتلاف، كل ذلك واقع ومشاهد في حياتنا اليومية من حيث أراد أصحابها تحقيق النفع والخير للمسلمين، من حيث ظنوا أنهم يحسنون صنعًا.

الأمر الثاني: الذي أخذ به بعض المنتمين إلى السلفية رفع سيف التكفير الذي يشهرونه في وجه الفرد أو الجماعة إن خالفت الرأي أو المذهب، والأمر المؤسف أن أصحاب هذا الاتجاه يدعون الانتساب إلى منهج السلف. ويرفعون راتبه، دعاة إليه، وهذا خطأ عظيم وافتراء على منهج السلف وتقول على سلف الأمة بما لم يقولوه، فمن المعروف أن سلف الأمة لم يقولوا بتكفير المسلم حتى وإن ارتكب الكبيرة، ومن أصولهم التي أجمعوا عليها "ألا نكفر أحدًا من أهل القبلة، وأن من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو منا، وهذا معلوم من منهجهم بالضرورة".

ولقد راجت هذه الفرية على كثيرين واستغلها كثيرون من الطرف الآخر للتشنيع بها على سلف الأمة حتى بلغ الأمر أن بعض الإعلاميين في مصر كتب في صحيفة الأهرام أن ظاهرة التكفير المعاصرة ترجع في أساسها إلى قراءة كتب السلف وخص منها كتب ابن تيمية والعقيدة الطحاوية هكذا بالنص عليهما، وأصبحنا ننتظر بين عشية وضحاها صدور التعليمات الخفية والمعلنة بتحريم اقتناء أو قراءة هذه الكتب؟

وهذا من وجهة نظرنا يعود إلى شيوع هذه الفرية الظالمة على السنة المنتسبين إلى السلف، إن هذه الفكرة الخاطئة قد تسللت إلى أذهان بعض المشتغلين بالعلم بناء على ما سمعوه وليس بناء على ما قرأوه هم بأنفسهم. وكم سمعنا من بعضهم من يقول إن ابن تيمية يكفر المخالف له. ولما سألناه وأين قرأت هذا عند ابن تيمية وفي أي كتاب له، يقول سمعت أن هذا هو المعروف عنه والمشهور عن مذهبه والغلاة المعاصرون يرددون ذلك عنه وعن السلف.

هكذا يقولون، وكم كان بودنا أن نسمع من هؤلاء أنهم قرأوا ابن تيمية في تراثه وهو متوفر لدى العامة والخاصة بدلاً من الاقتصار على السماع من غيرا لمتخصصين. وبدلاً من تبني الفكرة واعتناقها كقضية مسلمة. وهي في واقع الأمر مكذوبة على تراث ابن تيمية وعلى تراث السلف بصفة عامة.

 

 

 

 

المصدر: المصريون