طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > السلفية لا تحتاج للتنوير.. فهي نور على نور!

ملتقى الخطباء

(2٬135)
319

السلفية لا تحتاج للتنوير.. فهي نور على نور!

1432/06/29
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

رافع علي الشهري

لقد عَلمَ أعداء الإسلام من خارج أمته، والمنافقون الذين في عمق دائرته، أن القضاء عليه أمرٌ ميئوسٌ منه، فهم قد يئسوا من هذا منذ السنوات الأولى للبعثة النبوية ومنذ أن كان القرآن ينزل منجّما على مُكْث، والمعجزات النبوية تترى وتتوالى، ولم يعد لهم ولو بصيص من الآمل يعوّلون عليه!!

 

لكنهم لم يقنطوا في تمييع منهجه، وتحريف خطابه، وسلخ أبنائه من قيمه ومبادئه، وعَلِموا حقا أن هذا لا يتأتى لهم إلا عن طريق البدعة التي لا تؤدي إلا إلى إفراطٍ وانسلاخ، أو إلى تفريطٍ وغلو!!

 

بيد أن تجاربهم مع بث البدع عبر القرون والأزمان من تاريخ الإسلام، جعلتهم يقتنعون تماما أن هناك عائقا كبيرا يقف حيال تحقيق أهدافهم، وهذا العائق هو منهج السلف الصافي الذي ينبع من معين الكتاب والسنة والصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان..ولهم في ذلك مواقف متعددة مرت بالحسن البصري مع نشأة المعتزلة، وأحمد بن حنبل، أيام بدعة القول بخلق القرآن ومرت بشيخ الإسلام ابن تيمية مع الرافضة والصوفية وأهل الكلام حتى وصلت إلى محمد بن عبدالوهاب ومن بعده من العلماء!!

 

وهم الآن يقفون حيارى أمام علماء المملكة العربية السعودية، والذين لهم في المنهج السلفي قدوة ومرجعا، مع قدرتهم على الاجتهاد حين يكون لازما حيال ما يقتضيه الحال، من مستجدات وحيثيات تتوافق مع الأحداث المعاصرة!

 

ولم يجدوا بدا من استنفار كل التيارات المناوئة لهذا المنهج الإسلامي الأصيل الذي هو روح الإسلام ومحجته البيضاء، فألبوا ضده الطوائف المبتدعة، واستعاروا الأفكار التغريبية الساقطة، واستقوا من الإيديولوجيات البائسة أسوأ ما فيها، وألصقوا به كل كارثة أو عملٍ إرهابي وشنوا حروبا إعلامية لا هوادة فيها عبر الفضائيات وعبر الصحف والمجلات والكتب والرسائل والندوات، ليوقفوا الزحف السلفي الجامح، الذي يمقته أهل البدع لأنه يخالفهم ويدعو إلى صفاء العقيدة..ويبغضه المستعمرون وأهل الملل الأخرى فهو الذي يحمل الراية الإسلامية السامقة، ضد المحتل المعتدي الغاصب، ويرفع علم الجهاد والفداء على منهج محمدٍ صلى الله عليه وسلم ومنهج أصحابه رضي الله عنهم أجمعين!

 

وليس غريبا أن يتفق الخصوم والمخالفون، وتتقاطع المصالح عند القضاء على منهج السلف، وهذا الذي جعلهم يفرّخون في كل مرتعِ وخم أقزاما ورعاعا، يحملون معاول للهدم والبلبلة وبث الفتن والنعرات ضد علماء ورموز هذه المدرسة الشامخة’حتى خرج من تحت عباءتها أدعياء يسمون أنفسهم (بالتنويريين)، أو المصلحين الجدد، وليسوا إلا من صنع مناوئيها!!

 

وبديهي أن لكل خلفٍ سلف، سواء كان في الأديان أو المذاهب أو النظريات.

فإذا سئل الرافضي مثلا، هل هو سلفي؟ فسيجيب بالنفي لأن سلفه في الكليني ونعمة الله الجزائري والمفيد وغلاة الشيعة!

 

وإن سئل الخارجي هل هو سلفي؟ فسيجيب وبلا شك بالنفي، فسلفه ابن ملجم وابن الأزرق وغيرهما، ولو أن الصوفي سئل أيضا بنفس السؤال، لأجاب بالنفي لآن سلفه في ابن عربي والحلاج!

ولكن السلفية الحقة، لا تتردد في إجابتها فسلفها محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، والتابعين الذين اتبعوهم بإحسان إلى عصرنا هذا، الذي ينتهي بالكثير الكثير من العلماء والفضلاء، كابن باز وابن عثيمين والألباني وغيرهم في شتى بقاع العالم الإسلامي، وهذا يجعلها أشد قربا وحبا وإتباعا للدين القويم، وأما أولئك الذين تنصلوا من السلفية، وأنكروا اتباعها، فأمرهم إلى الله عز وجل… ولكن صحة الدين وسلامته لا تكون إلا في إتباع أصله، لا في ابتداع فرعه!!

ولا غرابة البتة، أن يظهر علينا، في هذا الزمن فريق، يدعي الإصلاح والتنوير للسلفية، فنحن في زمن التيارات الوافدة البغيضة، وتداعي الأمم على المسلمين أو لنقل (على أهل السلف)!!

والذي يزيد الآمر سوءاً، أن هذا الفريق (اللبرو إسلاميك) (العصرانيون) يجاهر بأنه الابن الوفي للسلفية، والمناصر الصادق لها، والذي ما انبرى إلا لرفعة شأنها وإضاءة الدروب أمامها، ولربما كان صادقا، أنه ابن للسلفية، ولكن كم من ابن لم يبر أمه طرفة عين!!

بيد أن نقده للسلفية، يجعلنا نجزم أنه لا يوافقها، في قواعدها الأساسية التي تنطلق من خلالها، في عقيدتها وفقهها ومصطلحاتها الفكرية، والتي أوجزها العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين في قوله: "السلفيَّة هي اتباع منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؛ لأنهم هم الذين سلفونا وقدمونا وتقدموا علينا، فاتباعهم هو السلفية.

وأما اتِّخاذ السلفيَّة كمنهج خاص ينفرد به الإنسان ويضلل من خالفه من المسلمين ولو كانوا على حقٍّ واتخاذ السلفية كمنهج حزبي فلا شكَّ أن هذا خلاف السلفيَّة، السلف كلهم يدْعون إلى الإسلام والالتئام حول كتاب الله و سنَّة رسوله صلى الله عليه وآله سلم، ولا يضلِّلون مَن خالفهم عن تأويل، اللهم إلا في العقائد، فإنهم يرون أن من خالف فيها فهو ضال .أما المسائل العمليات فإنهم يخففون فيها كثيرًا.

لكن بعض من انتهج السلفيَّة في عصرنا هذا صار يضلِّل كل من خالفه ولو كان الحق معه، واتَّخذها بعضهم منهجاً حزبيّاً كمنهج الأحزاب الأخرى التي تنتسب إلى الإسلام، وهذا هو الذي يُنكَر ولا يُمكن إقراره، ويقال: انظروا إلى مذهب السلف الصالح ماذا يفعلون في منهجهم وفي سعة صدورهم للخلاف الذي يسوغ فيه الاجتهاد، حتى إنهم كانوا يختلفون في مسائل كبيرة، في مسائل عقديَّة، وفي مسائل عمليَّة، فتجد بعضَهم – مثلاً – يُنكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه، وبعضهم يقرُّ بذلك، وبعضهم يقول: إن الذي يُوزن يوم القيامة هي الأعمال، وبعضهم يرى أن صحائف الأعمال هي التي تُوزن، وتراهم – أيضاً – في مسائل الفقه يختلفون كثيرا، في النكاح، في الفرائض، في العِدَد، في البيوع، في غيرها، ومع ذلك لا يُضلِّل بعضهم بعضاً.

فالسلفيَّة بمعنى أن تكون حزباً خاصّاً له مميزاته ويُضلِّل من سواهم:نقول هؤلاء ليسوا من السلفيَّة في شيء السلفية اتباع منهج السلف عقيدة وقولاً وعملاً وائتلافاً واتفاقاً وتراحماً وتواداً كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد) أو قال: مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" (انتهى كلام الشيخ).

غير أن هؤلاء التنويريين الجدد، قد جحدوا الكثير من هذا القول الذي أتى من عالمٍ يعد من أكابر علماء عصره، ويعد امتدادا للمدرسة السلفية النقية! فهم يزعمون أن المدرسة السلفية، ذات غلو وجمود، ولا تقبل الرأي الآخر، وأنها ترفض التجديد في الفكر الإسلامي المستنير، المتفق مع مجريات العصر، وعلى هذا الأساس، فلا بد لهم من إصلاح وتنوير هذه المدرسة!

ويرى التنويريون الجدد أنه يجب إعادة النظر في أربعة قواعد أساسية:

(1) إعادة النظر في منهج الاستنباط من النصوص المبني على الحرفية، وهذا يجعلنا والعياذ بالله نؤمن ببعض ونترك بعض ? وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ? [الأحزاب : 36]، ويقول عليه الصلاة والسلام (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).

(2) إعادة قراءة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين مع ترتيب الأولويات.

ولم تشتهر السلفية في شيء أكثر من شهرتها، في الإقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين الذين أتبعوهم بإحسان، وقد قال عليه السلام (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)، ومتابعة الرسول وأصحابه من سلامة الدين!

(3) التعامل مع الآخر المسلم وغير المسلم.

ولعل السلفية هي التي تتميز بعدم التكفير إلا بأدلة قاطعة، يُجمع عليها، وإن كانت تعتبر من يخالفها في العقيدة ضال، وتخفف في مسائل العمليات، والسلفية تعطي المعاهدين وأهل الذمة والمستأمنين حقوقهم وافية غير منقوصة، وتقبل الحكمة أنّى وجدَتها، وتتعامل مع أهل الكتاب وغيرهم، بحسب كتاب الله وسنة رسوله وصحابته الأبرار!

(4) إحياء فقه الخلاف الديني، وتعويد الناس على سماع الخلاف الفقهي ليستوعبه الجمهور، وعدم الاقتصار على رأي واحد!

وهذا القول يعد دعوة صريحة، لترك الباب مفتوحا لكل من هب ودب ليقول بما لا يعلم ولا يفقه، إذا تُرك للعامة وأنصاف المتعلمين، وليس من الصواب أبدًا، أن يفتي المفتي لسائله العامي، بجميع الأقوال والخلافات ويخيره فيما بينها، وقد اشتهرت المدرسة السلفية بسعة صدور علمائها في مسائل الخلاف، وما يدرس في الجامعات السعودية والدروس العلمية، وما يتبعه قضاة المحاكم السعودية من ترجيح للأقوال المعتبرة في الفقه الإسلامي، لأدلة واضحة على قبول الخلاف والأخذ به بضوابط وقواعد يعرفها الأصوليون والفقهاء!

إذن فالسلفية لا تحتاج إلى من ينورها، فهي نور على نور ولا تحتاج إلى أدعياء، عشقوا الأضواء فسلطوا أدواتهم وآلاتهم الشرعية للغمز واللمز في منهج السلف الذي لم يبق صامدا في وجه البدعة والضلال إلا هو، إن السلفية التي يريدون تنويرها وإصلاحها هي التي كانت على ما كان عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام، إنها التي لازالت على المحجة البيضاء، وهي التي لم تخضع للعلمانية العمياء ولا اللبرالية الهوجاء، والتي لا تعد نفسها حزبا سياسيا ولا دينيا بل منهجا نبويا محفوفا بالسنة النبوية المطهرة، على منهج أهل السنة والجماعة!

إن دعوة التنويريين الجدد إلى إطلاق العقل المجرد بما يوافق المصلحة لدعوةٌ تذكرنا بأفكار جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي، والتي تطورت حتى أصبحت تنادي بإخراج المرأة من عفافها وتقدم العقل على النقل في كل شيء، فأماتت العقيدة وأوهنت الآمة، وأججت البدعة، وسلخت القيم الحميدة، ودلفت إلى جحور أهل الأهواء والمستعمرين!

إن منهج السلف لغني كل الغنى عن تنوير هؤلاء، ولغزير ووافر بكل علم وفن واجتهاد، فيما تحتاجه الآمة في كل مسألة من مسائل الدين والدنيا معا، فدعوها أيها التنويريون (اللبرو إسلاميك) فلا تكونوا أهل بدعة وابتداع!

 

 

 

 

المصدر: الألوكة