طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > واجب العلماء والدعاة في نصرة الدعوة السلفية والذود عنها (محمد عيد العباسي)

ملتقى الخطباء

(2٬507)
308

واجب العلماء والدعاة في نصرة الدعوة السلفية والذود عنها (محمد عيد العباسي)

1432/06/29
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

محمد عيد العباسي

اقتضت سنة الله في خلقه، وحكمته في عباده وجود الحق والباطل، وتدافعهما المستمر إلى قيام الساعة، ليتحقق الابتلاء والامتحان، وتظهر حقيقة كل إنسان، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيّ عن بينة، وفي ذلك يقول ربنا – تبارك وتعالى -: { كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ} [الرعد: 17]، ويقول: { إنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: 7]، وقد قال لبني إسرائيل لما شكَوْا ما أصابهم من ظلم فرعون وبطشه: {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129]، ومثل ذلك في الكتاب والسنة كثير.

وهذا التدافع والصراع بين الحق والباطل سِجَال؛ فتارة ينتصر الحق ويعلو، وتارة يظهر الباطل ويسود، ولكن الله – تعالى – قضى بأن العاقبة والخاتمة، والنتيجة والمآل للحق بلا شك ولا ريب، كما قال – سبحانه وتعالى – في الآية السابقة: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً} وكما قرر في أكثر من آية أنّ العاقبة للمتقين {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] و {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49] و {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].

ولئن أجاب اللهُ رأسَ الكفر والشر إبليس -عليه لعنة الله- إلى طلبه أن يُنْظِرَه إلى يوم يُبعثون، وأَذِنَ للناس أن يكون لهم شيء من الأمر في الدنيا، فيختاروا اتّباعه وطاعته، أو اتّباع الرحمن وعبادته، وترك الباطل يصول ويجول في هذه الدار؛ فإن الأمر كله والحكم جميعه في الآخرة لله -تعالى- وحده، وليس لغيره منه أي نصيب؛ فهناك تظهر الحقائق، وتُبلى السرائر، ويحق الحق، ويبطل الباطل، ويُكرَم أهل الإيمان، ويحل بالكفرة والفجرة الهوان والخسران.

وفي زماننا الحاضر يشهد العالم علو الباطل وانتفاخه، وعِظَم قوته – فيما نحسب – وانتفاشه، وظلمه وعدوانه وخاصة على المسلمين؛ إذ يدبر لهم المكائد والمؤامرات، ويحاول بشتى الطرائق والأساليب من جديد لاحتلال بلادهم، ونهب ثرواتهم، وإهدار طاقاتهم، واستعباد جماهيرهم، وليس هذا فقط، بل إنه يحاول – عن طريق ما يدعونه بالعولمة ونشر الديموقراطية والإصلاح – سلخَهم عن دينهم، والقضاء على عقيدتهم، وتغيير مناهج تعليمهم وتفكيرهم، وإحلال قيمه وثقافته وشريعته وعاداته عليهم، وهذا كما أخبرنا ربنا – جل وعلا – تماماً قبل نحو خمسة عشر قرناً؛ حيث قال: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]، وكما قال: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، وهذا واحد من أمور كثيرة جداً من إعجاز القرآن؛ إذ أخبرنا عما سيكون، وقد وقع كما أخبر.

وقد تم للأعداء -مع الأسف- كثير مما أرادوا حين تمكنوا من القضاء على دولة الخلافة في القرن الماضي، واحتلّوا أكثر بلاد الإسلام، ونشروا أفكارهم وعاداتهم وطريقة عيشهم، واستجاب كثير من أبناء المسلمين لهم، ونشأت أجيال من المسلمين تؤمن بالدعوات القومية والاشتراكية والماركسية والرأسمالية والعلمانية، بل والوجودية والإباحية والإلحاد.

ولكن الله – تعالى – شاء أن يرحم المسلمين وينقذهم من هذا الخطر الماحق لكيانهم ودينهم، فمهَّد لإيقاظ المسلمين وإعادتهم إلى السيادة العالمية، وإعادة مجدهم إليهم، وهو الغالب على أمرهم وأمر الخلق جميعاً، وهو الذي يدير في الحقيقة المعركة بحكمته وعلمه، فيسّر الأسباب التي أدّت إلى سقوط الشيوعية ممثلة بالاتحاد السوفييتي أكبر قوة وإمبراطورية تدعو إلى الإلحاد في التاريخ، ثم أعقب ذلك إسقاط الدعوات القومية والاشتراكية والثورية، التي منيت بالفشل الذريع والإخفاق الكامل، والتي كانت تحارب الإسلام ودعاته في أكثر بلاد الإسلام.

وأما الذين كانوا يروّجون للمعسكر الغربي الرأسمالي وللعلمانية، ويخدعون الناس بشعارات الحرية والديموقراطية فقد فضحهم الواقع البائس؛ لما تفعله دول هذا المعسكر في بلاد الإسلام، ولما يعانيه الناس كل يوم ولما يشاهدونه من الظلم والقهر والاستهتار بأرواح الناس، والاعتداء على مقدساتهم وكرامتهم، ومن سياسة الكيل بمكيالين بل بمكاييل متعددة، دون أن يرقبوا في المسلمين إلاً ولا ذمة، حتى ضجت من أفاعيلهم جماعات حقوق الإنسان نفسها التي كانوا يتاجرون بها ويفاخرون بأنهم أنشؤوها، وقد أزال هذا الواقع المرير الغشاوة عن عيون المخدوعين بالدعوات البراقة، التي كان يزينها أصحاب هذه الدعوات وأتباعهم، وكشف العمى عن قلوب المضلَّلين.

وقد أفسحت هذه الوقائع والمستجدات والتطورات لدعاة الإسلام المجال لإحداث اليقظة الإسلامية، وفرح المؤمنون بنصر الله وفرجه، فرأينا الناس تملأ المساجد، واللحى تُعفى، والحجاب بين النساء ينتشر، والكتب والأشرطة والمطويات الإسلامية تَذيع وتتداولها الأيدي، ويتحدث بها الناس.

ولكن هذه الفرحة والبهجة مع الأسف الشديد لم تطل؛ فقد كدّر صفوَها، وأفسد جمالها، وكاد يخيّب الآمال فيها تسلل دعوات باسم الإسلام، تحاول أن تركب الموجة، وتستغل الفرصة، وتقود السفينة لصالح دعوات منحرفة، وأفكار مضللة، لبعض الفرق الإسلامية التي خرجت عن منهج الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة؛ فهذه تدعو لإسلام شيعي، وتلك تدعو لإسلام صوفي، وثالثة تدعو لإسلام معتزلي، ورابعة تدعو لإسلام تكفيري خارجي، بل ظهر ما يمكن تسميته بعلمنة الإسلام، والإسلام الأمريكي، والإسلام الحداثي، وهكذا.

وأصبحنا – مع شديد الأسف والألم – نعيش في فوضى فكرية وعلمية بالغة، وأخذ أرباع المتعلمين وأنصافهم يفتون في الحلال والحرام، وتجرأ (الرويبضة) على الفتوى في الأمور الكبرى، والنوازل العظمى، التي لو عرضت على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي – رضي الله عنهم – لتريثوا فيها، ولجمعوا المهاجرين والأنصار للتشاور فيها قبل أن يقولوا فيها شيئاً.

وقد شارك كثير من أجهزة الإعلام من صحف ومجلات وإذاعات وقنوات فضائية مسموعة ومرئية في هذه الفوضى والبلبلة والعبث، فأخذت تلمّع التافهين، وتسوِّق للجاهلين، بعضها لأغراض خبيثة، وبعضها لأغراض تجارية ودعائية، وبعضها عن جهل وسذاجة، والله أعلم بالسرائر.

وتجاه هذا الواقع المؤلم، والخطر المحدق، يبرز دور العلماء والدعاة المخلصين في إنقاذ الصحوة الإسلامية المباركة من هذه الفوضى والأخطار، وإيصالها إلى بر الأمن والسلام، وقيادتها بحكمة وعلم وصدق وإخلاص، كي تحوز رضا الله الكريم الرحمان، وتنجو من مكائد الإنس والجان، وتقيم الحجة على المخالفين، وتثبت المؤمنين من الحاقدين والمعاندين والمنافقين.

وقد يقول قائل: وماذا عسى العلماء والدعاة أن يفعلوا وليس بأيديهم سلطة ولا قوة؟ وأقول: إنهم يستطيعون فعل الكثير، وبأيديهم قوة كبرى لا يمتلكها غيرهم حتى ولا ذو السلطان، تلك هي قوة الكلمة والحجة والعلم والبيان، وهل انتصر النبي – صلى الله عليه وسلم – إلا بهذا القرآن؟ وهو كلام، ولكنه أشرف كلام وأعظم كلام، وبأيدي العلماء هذا القرآن وكذلك السنة، وشروح العلماء لهما وبيانهم لأسرارهما وكنوزهما؛ فإذا فقهوهما، وحملوهما ونشروهما، ودعوا إليهما كما أمر الله – تعالى -، فكانوا أسرع الناس إلى العمل بهما والتخلق بأخلاقهما والتأدب بآدابهما، والالتزام بأحكامهما، فإنني واثق أن معظم الناس سيستجيبون لهم، ويسارعون إلى التمسك بأحكام الدين، وتعود إليهم ثقتهم بينهم، ومنهج سلفهم الصالح، وإذا فعلوا ذلك فليستبشروا بالنصر والتأييد، والتوفيق والتسديد، والغلبة والتمكين بعون الله العزيز القدير.

نصائح ووصايا هامة:

وأقدِّم في هذه العجالة بعض الوصايا والنصائح لنفسي ولإخواني من أهل العلم والدعوة، قياماً بواجب النصح والتذكير، و {الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55]، وعملاً بقوله – تعالى -: {وَالْعَصْرِ * إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 – 3].

1 – فأول ما يجب فعله في هذا الزمن وهذه الأحوال، أن يجتمع العلماء والدعاة، ويتلاقوا، ويتشاوروا، ليكونوا صورة واضحة متكاملة صادقة للواقع الاجتماعي والثقافي والديني والاقتصادي والسياسي الذي يمر بالمسلمين اليوم، ويتدارسوا أسبابه، بكل موضوعية وتجرّد وإخلاص، ثم يتباحثوا بوضع خطة مقترحة متدرجة للعلاج والإنقاذ، مسترشدين بكتاب الله وسنة رسوله، وهدي السلف وتجارب المسلمين وغيرهم، وإذا اختلفوا في بعض المسائل، فليأخذوا بما يراه أكثرهم؛ فإن أكثر الخاصة وأهل العلم هم أقرب إلى الصواب عادة من القلة، ولا يدَعوا للشيطان سبيلاً للتنازع والخصام، فما يختلف فيه أهل العلم فلا بد أن يكون مما يسوغ فيه الاجتهاد، ولا يمكن أن يكون فيه نص قاطع، طبعاً هذا لدى أهل السنة والجماعة ممن تتوافر فيهم صفة العلم والإخلاص والتقوى، وظني بأهل العلم والدعوة أن يكونوا كذلك.

وليذكروا ما وصى به النبي – صلى الله عليه وسلم – صاحبيه الكريمين معاذاً وأبا موسى الأشعري – رضي الله عنهما – حينما أرسلهما إلى اليمن، للدعوة والتعليم، فقال لهما: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا»(1).

وفي العمل بهذه الوصية النبوية الحكيمة العلاج الناجع والدواء الشافي لهذا الداء الوبيل، ولهذا الاختلاف والشقاق والنزاع والخصام الذي استشرى وعمّ وطمّ – مع الأسف – بين بعض أهل العلم؛ إذ كثيراً ما ترى كراهة وجفاء بعضهم لبعض بسبب خلاف على رأي أو فهم، وقد يكون في مسألة صغيرة، من الخلاف المعتبر الذي كان يحصل مثله بل أكبر منه بين أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم -؛ ومع ذلك فما كان يؤثر على محبة بعضهم لبعض ولا أخوّتهم ولا احترامهم.

2- على العلماء والدعاة الحذر من أي تصرف فردي يقوم به أحدهم في المسائل الكبرى مما يؤثر سلباً على سير الدعوة، ويؤثر على الجميع، وليذكروا حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي ضرب مثلاً رائعاً لوضع الجماعة بالراكبين في السفينة، فقال – صلى الله عليه وسلم -: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فتأذوا به، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذِ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً»(2).

فهذا الحديث العظيم يبين خطر التصرفات الفردية الخرقاء على المجتمع، فيجب أن يلحظ العلماء والدعاة والجماعات الإسلامية خطر التصرف الفردي غير المسؤول؛ فإن مصير الجميع واحد، وما يفعله الواحد سيؤثر على الجميع، فليتق الجميع الله – عز وجل – في دينهم وأمتهم وإخوانهم، وليتذكروا تحذير النبي – صلى الله عليه وسلم – من الإعجاب بالرأي والشذوذ عن الجماعة ووصفه ذلك بأنه من المهلكات.

3- التشمير عن ساعد الجد، والعمل النشيط الدؤوب لتنفيذ خطة العلاج المقترحة، وجعل ذلك محور اهتمامهم، وتخصيص جلّ وقتهم وطاقتهم لإنجاحها، والاقتداء برسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه الكرام في التضحية والبذل والعطاء، وليذكروا خطاب الله – تعالى – لنبيه الكريم يحيى – عليه السلام – : {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12]، وقوله لبني إسرائيل: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63].

وما لم يتوافر العزم والجد والبذل والنشاط فلن ينجح أي عمل؛ فكيف بهذا المشروع العظيم الذي هو أشرف مشروع، وأكثره أجراً؛ وهو نصرة دين الله وإنهاض الأمة المسلمة؟ فما كان ليتحقق أبداً – بحسب سنة الله في الحياة – على أيدي أناس كسالى بطّالين، همهم دنياهم وعاجلتهم، ولا يعطون دينهم إلا فُتات جودهم وفضلات أوقاتهم.

4- أن ينشروا الدعوة إلى الوسطية والاعتدال، ويحذروا من الغلو، والتطرف؛ فالإسلام دين الوسطية كما قال ربنا – تبارك وتعالى -: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]. وأهل السنة والجماعة هم الفرقة الوسط كذلك بين الفرق الإسلامية، والغلو هو السبب الأكبر في خروج جميع الفرق عن الفرقة الأم أهل السنة والجماعة. والغلوّ له طرفان متضادان في كل أمر؛ فالخوارج مثلاً في مسألة الإيمان غَلَوْا وتشددوا في نصوص الوعيد، فحكموا بالكفر على كل من ارتكب كبيرة، وفي مقابلهم المرجئة الذي تساهلوا في الإيمان وفي نصوص الوعد، فحكموا بالإيمان على كل من قال: لا إله إلا الله، ولو فعل ما فعل، وعدّوا الرجل الفاسق المقترف للكبائر والتارك للواجبات مؤمناً كامل الإيمان، وإيمانه مثل إيمان أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما -، وقل مثل ذلك في باقي الفِرَق؛ فكلها من الغلاة، والفرقة الوسط هي أهل السنة والجماعة وحدها.

وليذكِّروا الناس جميعاً بأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد حذّّر أشد التحذير من الغلو، فقال: «…إياكم والغلو في الدين؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين»(1).

5- أن يسعوا لإعادة الثقة بالإسلام وعظمته، وصلاحيته لكل زمان ومكان في نفوس أبناء الإسلام، وليعرفوا فضله العظيم وقدره الكبير، وليعتزوا بالانتساب إليه، ويشكروا الله – تعالى – على النعمة العظمى التي حباهم بها حين يسَّر لهم وقدر أن يكونوا من أبناء هذا الدين. وتحصل هذه الثقة بمقارنة عقائد الإسلام وسهولتها وموافقتها للفطرة والعقل والعلم مع العقائد الأخرى، وكذلك تشريعاته وسبقها تشريعات الأمم الأخرى لتحقيق مصالح العباد بشكل متكامل متوازن دون التسبب في مفاسد واضطرابات واختلاطات وآثار مؤذية.

ويفيد في هذا السبيل بيان نواحي الإعجاز في القرآن، وخاصة الإعجاز العلمي في نصوص الكتاب والسنة، وبيان أن ذلك ليس له تفسير إلا بأنهما من عند الله – تعالى – العظيم الخبير، وهو مصداق لقوله – تعالى -: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53]. ولكن الحذر من الغلو في ذلك بادعاء الإعجاز في بعض النصوص بتكلف وتمحُّل ودون دلالة ظاهرة قوية، فتعود بأثر عكسي على الإسلام.

كما يفيد في تقوية إيمان الناس بربهم – سبحانه – وبعظيم قدرته، وبديع صنعه، وبالغ حكمته: الاهتمام بتوحيد الربوبية، وتوحيد الصفات؛ لكن دون إهمال لتوحيد الألوهية، وضرب الأمثلة الكثيرة من أسرار حياة مخلوقاته المختلفة، والتدليل بها على كمالاته – سبحانه -. وكذلك مما يفيد كثيراً في تحبيب الناس ببارئهم – جل وعلا – وإشعارهم بفضله وإحسانه، بيانُ أصناف نعمه الكثيرة الجليلة على عباده التي لا تُعدّ ولا تحصى، وبيان صفاته العُلا، وشرح أسمائه الحسنى، وخاصة رحمته الواسعة ورأفته بعباده، وستره المذنبين، وعفوه عن المخطئين، ورزقه العاصين، وإجابته دعاء الداعين، وفرحه بتوبة التائبين؛ فهذا جدير كله بأن يرسخ إيمان المؤمنين، ويعيد ما فقد أو ضعف من ثقتهم بربهم وبدينهم، وشريعتهم، ويدفعهم لاستشعار حبه وعظمته، وفضله وإجلاله، ويقوي مراقبته، ويدفع لطاعته والتزام أحكامه.

6- وعلى العلماء والدعاة أن يعملوا على تجديد الخطاب الديني الذي كانوا يوجهونه للناس، ويراعوا ما جدَّ في حياتهم وواقعهم من التيارات الفكرية والعلاقات والأخلاق والعادات في العالم اليوم، وهذا ما وصّى به سلفنا الصالح؛ فهذا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – يقول: «ما أنت بمحدِّثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»(2)، وبهذا يقول الخليفة الراشد علي – رضي الله عنه – : «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذَّبَ الله ورسوله؟ »(3)، وفي رواية: «ودَعُوا ما ينكرون». فقد صار العالم -اليوم- كما يقال شبه قرية صغيرة، واتصل بعضه ببعض، واختلطت الثقافات والعادات والأفكار، وحدث انفجار هائل في المعلومات، فكُشفت الأسرار، واشتد الصراع الفكري، وألقيت الشبهات، وكثرت المناظرات، وأحدث هذا كله هزة عنيفة وفوضى في الأفكار. فعلينا مجابهة هذه المستجدات كلها بنشر العلم الصحيح والوعي الرشيد في الأمة، وتزويدها بالحجج الدافعة، والبراهين الساطعة والحِكَم البالغة، التي تحمي عقيدتها من الشكوك والشبهات. وغالب من ضل وتأثر بالفرق المنحرفة إنما كان ذلك لنقص العلم وفراغ القلب، كما قال الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى *** فصادف قلباً خالياً فتمكنا

ثم لم يعد الحصول على المعلومات هو المشكلة؛ فقد بُذِلت للجميع بأيسر سبيل، ولكن المشكلة هي تعليم الناس المنهج العلمي لمعرفة الحقائق، وتعريفهم بطرائق الاستدلال التي بواسطتها يستطيعون تمييز الحق من الباطل، وكشف الزيف والمغالطات والخلل في الكلام؛ فما أكثر ما يستدل الشانئون للإسلام وأهله بما ليس له وزن في ميزان الحقيقة؛ فقد يستدلون بآية كريمة؛ وتكون لدى التأمل والدراسة لا تدل على المعنى الذي يريدون، وقد يستدلون بحديث نبوي، وعند البحث والفحص، يتبين أنه مكذوب أو ضعيف أو ليس له أصل، وربما يستدلون برؤيا منام، أو بعادة متبعة، أو رأي شاذ اشتهر وليس له مستند، وقد يدَّعون الإجماع، ويكون هذا الادعاء باطلاً، وقد يستعملون القياس، وما أكثر ما يكون القياس فاسداً… ؛ فالدليل الصحيح في الأمور الشرعية إنما هو كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – ليس غير، على أن يُفهَما على ضوء فهم السلف الصالح دون غيرهم.

كما أن على العلماء والدعاة أن يعلِّموا الناس أصول الدين وطريقة التفكير السديد، ولا يهتموا بالتلقين والتقليد، وعليهم أن يُرفقوا المعلومات بأدلتها، عملاً بقوله – تعالى -: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].

وعليهم أيضاً أن يوجهوا الناس إذا أشكل عليهم أمر، أو لم يجدوا لشبهة جواباً أن يسألوا أهل العلم عملاً بقوله – سبحانه – : {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7]، وعليهم كذلك أن يحذروا مَنْ ليس أهلاً للمناقشة والمناظرة ألا يشارك فيها حتى لا يستغل الخصوم ضعفه وإخفاقه في نشر باطلهم؛ فالمناظرات فهم وعلم لا يصلح له إلا القليل، وعلى المناظر أن يهتم بالأمور المهمة، وأن يكون يقظاً فلا يُستدرَج للخوض في الجزئيات قبل الاتفاق على الكليات، ولا يدع الخصم يفرّ من الهزيمة باستطراد أو حيدة أو أساليب ماكرة، بل عليه إعادته للموضوع كلما حاول الابتعاد عنه، كما أن عليه في البدء تحديد نقطة الخلاف حتى تكون واضحة للجميع، وهكذا.

7- وعلى العلماء والدعاة أن ينفتحوا للناس وخاصة الشباب، ويشجعوهم على البوح بما في أنفسهم، والإفضاء بكل ما لديهم، ويتلطفوا معهم، ولا يثوروا ولا يتأففوا مهما سمعوا منهم من آراء شاذة، وأفكار باطلة، بل عليهم أن يعالجوا الأمر بالحكمة والحسنى، وأن يذكروا ما كان عليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من سعة الصدر والأسلوب الحسن في مثل هذه المواقف؛ فكلنا يذكر موقفه – صلى الله عليه وسلم – مع الأعرابي الذي بال في المسجد النبوي، وموقفه من الشاب الذي جاءه وقال له: يا رسول الله! ائذن لي في الزنا…، فموقفه مع معاوية بن الحكم السلمي الذي تكلم في الصلاة، وغيرهم كثير، فلنا فيه – صلى الله عليه وسلم – قدوة حسنة، وهدي رشيد.

ولعل الكثير ممن انحرفوا إلى جماعات التكفير والتفجير، وأجرموا وأفسدوا في الأرض هم في نفوسهم مخلصون متحمسون لدينهم، ولكنهم فقدوا المرشد الرفيق، والهادي الأمين، فتلقفهم أحد عناصر الضلال، وخدعهم بأساليب ماكرة، وزين لهم القبيح، وأثار فيهم العواطف الجياشة تجاه ما يجري للمسلمين في كل مكان من الحرب والتسلط والمؤامرات وكيد الأعداء، وصور لهم أن طريق الخلاص إنما هو بالجهاد، وأن الخروج على الحكام هو جهاد يوصل إلى الجنان، واستغل سذاجتهم وبساطتهم وعدم تمكنهم من العلم الشرعي الصحيح، ومن تقدير الواقع الراهن والمصالح والمفاسد، فساقهم إلى هذه الجرائم والمنكرات.

8- وعلى العلماء والدعاة أن يلتزموا بما أمر الله – عز وجل – به من العدل والإنصاف مع المخالف، كما قال الله – عز وجل – في وصيته للمؤمنين: {وَإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} [الأنعام: 152]، وقوله: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]، فعليهم أن يقروا بما لدى الفرق الضالة من الصواب، ويبينوا ما لديهم من الخطأ، ولا يظلموهم أو يفتروا عليهم، أو ينسبوا إليهم ما ليس بصحيح، كما أن عليهم التثبت في الأخبار وعدم التعجل في الأحكام، وسيكسبهم هذا ثقة الناس، فيرجعون إليهم ويسترشدون بآرائهم، وبمثل هذا كان للعلماء الربانيين المنزلة الرفيعة لدى الأمة، ولأقوالهم الوزن والثقة والاتِّباع، وهذه الصفة مما اختص به أهل السنة وحدهم دون غيرهم من أهل الأهواء والبدع. قال الإمام وكيع بن الجراح – رحمه الله – : (أهل السنة يذكرون ما لهم وما عليهم، وأما أهل الأهواء فلا يذكرون إلا ما لهم)، ولشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – كلام طويل جميل نحو ذلك.

9- وأخيراً على العلماء والدعاة أن يكونوا قدوة حسنة للناس في سلوكهم وفي عبادتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم، فيرى الناس فيهم هدي النبي – صلى الله عليه وسلم – والسلف الصالح، من التقوى والتواضع واللطف والرفق والإحسان، والعدل والإنصاف، ويسمعوا منهم الرأي السديد، والتوجيه الرشيد، الممتلئ بالمحبة والإشفاق والرحمة، فينصحون ولا يفضحون، ويشهدون بالحق، ويحكمون بالعدل، وينقدون النقد البنّاء، ويحذِّرون تحذير الوامق(1) المشفق لا الشامت الشانئ، ولا العدو الكاشح، ويكونون أرحم الناس بالخلْق وأعرفهم بالحق؛ وعند ذلك سيكونون قادة الأمة الحقيقيين الذين يُسْمَع كلامهم، ويحترمهم الجميع حتى الحكام، فيقدّرونهم ويشاورونهم ويأخذون بنصائحهم.

هذا؛ والبحث واسع وذو شجون، ولكن فيما ذُكر غُنية عما لم يُذكر، وفي الإشارة ما يغني عن العبارة، وصلى الله وسلم على محمد وآله.

 

 

 

 

المصدر: صوفية حضرموت