طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > المنهج السلفي بين العداء والمضاء (1/2) (عاطف عبدالمعز الفيومي)

ملتقى الخطباء

(2٬191)
298

المنهج السلفي بين العداء والمضاء (1/2) (عاطف عبدالمعز الفيومي)

1432/06/29
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

الشيخ عاطف عبدالمعز الفيومي

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، نبيِّنا محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم وآله أجمعين.

أما بعد: فهذه وقفات مهمة – أحسبها كذلك – في التَّعقيب على الأحداث المتتابعة بعد الثَّورة، وما يتعلَّق بها من تطوُّرات على الاتِّجاهات الإسلامية والدعوية، وذلك في نقاط متتالية:

أولاً – صحوة أشرقَتْ بنور الإسلام:

إنَّ من نعم الله تعالى في هذا الزمان أن تفيء جموعٌ كثيرة من الأمة الإسلامية وشبابِها وأبنائها إلى العودة الجادَّة الصادقة إلى منهج الكتاب والسُّنة، وفق منهج سلَف الأُمَّة من الصحابة والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدِّين؛ ذلك أنَّ هذا المنهج السلَفي يمثِّل الإسلام في صفائه وجوهره، كما يمثِّل الإسلام في عقيدته وعباداته، وفي أخلاقه ومعاملاتِه؛ لأنَّ هذا المنهج دعوةُ الإسلام، وحقيقته الربَّانية الكبرى.

 

وهذه الدعوة – اليوم – أذِن الله لها أن تعود من جديدٍ بقوَّة وإيمان؛ لتتبوَّأ مكانَها الأوَّل، وقيادتها للعالَم الذي تنكَّب الطريق الحقَّ، وذهب لاهثًا وبقوة وراء الشهوات والنَّزوات، والكفر والإلحاد، إلا بقيَّة من أمة الإجابة والهدى أمَّة الإسلام، التي لم تُراوح مكانَها بعد لتتسلَّم مفاتيح القيادة لهذه البشرية اللاهثة خلف السراب، القابعة خلف الحجُب والدنايا؛ لتدلَّها على طريق هدايتها وسعادتها، وسلامتها وأمنِها، كما قال تعالى: ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [آل عمران: 104].

 

ولكنْ ثَمَّة طريق طويل وشاقٌّ بين التكوين لهذه القيادة الرائدة للبشرية، وبين التمكين الموعود لها من الله تعالى في الأرض، نعَم بدأت ملامِحُه تلوح في الآفاق، ودبَّت الصحوة الإسلاميَّة في كلِّ مكان، وبذرَتْ بذورها، لكنَّها لا تزال في حاجةٍ كبيرة إلى العناية والمتابعة، في حاجةٍ إلى التهذيب والتربية، وفي حاجة كذلك إلى التصحيح والتقويم، وفي حاجةٍ إلى البصيرة والتبصير.

 

وكلُّ ذلك لا يكون إلا بجهد الأمَّة ودُعاتِها الصَّادقين، وجنود الدَّعوة القائمين بها والمخلِصين، وحماية هذه الدَّعوة وشبابها من أعدائها المنافقين والمتربِّصين، قال تعالى: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) [السجدة: 25].

 

ثانيًا – الحرب على الاتِّجاهات الإسلامية:

المتأمِّل لواقع الأمة اليوم يرى كمًّا كبيرًا من الأعداء المتربِّصين بدعوة الإسلام، والتي أَذِن الله تعالى لها بالعودة من جديدٍ، فأهل الكُفر – خاصَّة من اليهود والنصارى – أعداءٌ لَها، والعلمانيُّون واللِّيبراليون والمنافقون كذلك، وكل هؤلاء المتربِّصين لا يريدون للإسلام دولة، ولا عودةً إلى حاكميَّة الحياة كلِّها للأمة الإسلامية، بل ويكيدون المكايد لها في الليل والنهار، كما قال تعالى: ( وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) [البقرة: 217].

 

وما أن بزغَتْ بعض رياح الحرِّية ونسائم الحقِّ، بعد تغيير قدَّرَه الله تعالى في هذه الثورات المتأخِّرة هنا وهنالك، وأذن الله تعالى للحقِّ أن يأخذ مجراه، ويخطَّ سبيله بين جموعٍ من النَّاس، إذْ بنا نرى الحرب الخبيثة سرًّا وجهارًا من المنافقين وغيرهم، وقد سنُّوا سيوف الحرب، وأوقدوا نارها، ودقُّوا طبولَها، في وسائل الإعلام؛ المرئيَّة، والمقروءة، والمسموعة على حدٍّ سواء.

 

ومن ثَمَّ أخذوا يلتقطون بعض العبارات والتصريحات والمواقف، من بعض شيوخ الدَّعوة والحقِّ؛ ليلعبوا بها على وتر العواطف والكلام، والنَّيل من منهج الحقِّ وأهله ودُعاته، خاصَّة الاتِّجاه السَّلفي.

 

ذلك بعد أن بدا لنا حراكٌ في وقت الحُرِّية – زعموا – من الاتِّجاهات الإسلامية عمومًا، والسلفيَّة خاصة، والتحرُّك نحو العمل والمشاركة السياسية، والخوض في غمارها، وهذا حقٌّ مشروعٌ ولا ريب، وأدلَّتُه بيِّنة لكلِّ أحد، وإن كان دعاةُ السَّلفية قد أحجموا عن المشاركة طيلة العقود الماضية؛ لوجود ألوانٍ من العبث في اللعبة السياسيَّة، وتزوير نتائجها في جلِّ مراحلها لصالح الأحزاب الحاكمة والسُّلطان، والضرب بيدٍ من حديد على الدَّور السياسي للأحزاب والاتِّجاهات الإسلامية، إلا أننا اليوم نعيش في واقع جديدٍ قدَّره الله تعالى وهيَّأه، ونحن نرجو من ورائه الخير والتمكين بعد حينٍ بإذن الله تعالى؛ ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) [يوسف: 21].

 

ثالثًا – صور من العداء والبغضاء:

لعل المتتبع للأحداث الأخيرة بعد الثورة يتجلَّى له أمران مهمان، نشير إليهما فيما يلي:

الأمر الأول: السَّعي الحثيث لطمس الهوية الإسلاميَّة ومعالِمها:

ذلك أن هؤلاء المنافقين من العلمانيِّين والليبراليين ومَن شابه طريقَهم وأهدافهم، لا يريدون – مهما كلَّفهم الأمر، وبذلوا من أموال – أن تظلَّ مصر ولا حتَّى الدول الأخرى، محافِظةً على هويَّتِها الإسلامية والعربيَّة، وتلك سُنَّة جارية؛ لأنَّ في ذلك نفعًا وتحقيقًا لغاياتهم ومآربِهم الخبيثة، ولدوام تواصُلِهم مع الغرب الكافر، والشرق الملحِد دون قيدٍ أو شرط.

ومن هنا شنُّوا عدة حملات خبيثة ماكرة في جلِّ وسائل الإعلام، وسخَّروا أبواقهم الماكرة للعبث بالدستور، خاصَّة المادة الثانية منه، والتي تنصُّ على أن الإسلام هو دين الدَّولةِ الرسميُّ، وأن أحكامه وشريعته هي المصدر الرئيسيُّ للتشريع، ولغة البلد اللُّغة العربية.

كما شنُّوا عدة حملات ضارية لفرض قولةِ "لا" للتعديلات المؤقَّتة، وإن كان لا يضيرنا ذلك، ولا نُرغم أحدًا عليه، إلاَّ أنه قد بدَت البغضاء الصُّراح من قلوبِهم وأفواههم وإعلامهم، بتحريض الجماهير لقول: "لا"؛ ليتسنَّى لهم العبث بتغيير الدستور الجديد، والعبث بالهويَّة المسلمة والعربيَّة، وقد صرَّح بعضهم بالاستعداد التامِّ لتغيير المادة الثانية، أو الإضافة إليها بما يريدون، وفي ذلك عبث أيَّما عبث، ونفاقٌ أيَّما نفاق.

قال الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق – رحمه الله تعالى -: "إنَّ البحث عن هويَّة أخرى للأمة الإسلاميَّة خيانةٌ كبْرى، وجناية عظمى".

إن هؤلاء حقًّا يسيرون على درب التِّيه والضلال، والخيانة للدِّين والأوطان، كما أنَّهم يخطون حذو القُذَّة بالقذَّة خلف من سبقَهم ممن تآمروا على الهويَّة الإسلامية من قبل.

من أمثلة ذلك:

1- مصطفى كمال أتاتورك: الذي مسخ هويَّة تركيا الإسلامية بالقهر، والذي قال: "كثيرًا ما وددتُ لو كان في وُسعي أن أقذف بجميع الأديان في البحر"، وهو الذي ألغى الخلافة، وعطَّل الشريعة، وألغى نصَّ الدستور على أن الإسلام هو الدين الرسميُّ للبلاد، وألغى المَحاكم الشرعية، والمدارس الدِّينية، والأوقاف، وألغى الأذان العربيَّ وحوَّله إلى التُّركية، وألغى الحروف العربيَّة واستبدل بِها اللاتينيَّة، وكان يقول: "انتصرت على العدوِّ وفتحتُ البلاد، هل أستطيع أن أنتصر على الشعب؟".

2- أغا أوغلي أحمد: الذي كان أحدَ غلاة الكماليِّين الأتراك القائل: "إننا عزَمْنا على أن نأخذ كلَّ ما عند الغربيين، حتَّى الالتهابات التي في رئيهم، والنجاسات التي في أمعائهم".

3- أحمد لطفي السيد: خَصْم العروبة والوَحدةِ الإسلاميَّة، وصاحب شعار "مصر للمصريين"، والنَّعرة الفرعونية، ويكفي في بيان عدائه للهويَّة الإسلامية أنه كان يَصِف نصَّ الدستور على أنَّ الدِّين الرسمي للدولة هو الإسلام بأنه: "النَّصُّ المشؤوم".

4- طه حسين: عميد التَّغريب، وداعية التَّبَعية المُطْلَقة للغرب حتَّى في مفاسده وشرورِه، والقائل: "لو وقف الدِّين الإسلاميُّ حاجزًا بيننا وبين فرعونيَّتِنا لنبذناه".

وقد طالب "عميدُ التغريب" بأن نسير سيرة الأوربِّيين، ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرِها وشرِّها، حلوها ومُرِّها، وما يحبُّ منها وما يكره، وما يحمد وما يعاب.

5- محمود عزمي: الذي أعلن أنَّ سبب مقْتِه للحجاب مقتًا شديدًا "هو اعتباره من أصلٍ غير مصري، ودخوله إلى العادات المصريَّة عن طريق تحكُّم بعض الفاتحين الأجانب[1]، فكان حنقي على أولئك الأجانب الفاتحين الإسلاميِّين يزيد"[2].

6- الشيخ علي عبدالرازق: الذي مَثُل أمام هيئة من كبار علماء الأزهر عام 1925، حيث أصدرت اللِّجنة بعد مناقشة طويلة معه حُكمًا بإدانته، وإخراجه من زُمرة العلماء، ومَحَوُا اسمه من سجلات الجامع الأزهر والمعاهد الأخرى، وطردوه من كلِّ وظيفة دينيَّة أو غير دينية؛ وذلك لكونه جعَل الشريعة الإسلاميَّة شريعةً روحيَّة مَحْضة، لا علاقة لها بالحُكم والتنفيذ في أمور الدُّنيا، وزَعْمِه أنَّ الدين لا يمنع أنَّ جهاد النبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – كان في سبيل المُلك لا في سبيل الدِّين ولا الدعوة، وأن نظام الحكم في عهد النبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – كان موضعَ غموض أو إبهامٍ، واتِّهامه للصحابة في أمورٍ كثيرة منها أمور القضاء والحكم والإمامة.

وقد كشفت صحيفة "ليفربول بوست" البريطانية عن هذه القبائح والمنكَرات التي دبَّرها الاستعمارُ البريطاني، واتخذ علي عبدالرازق وسيلة لتنفيذها، تُعاوِنه طَغامةٌ من حزب الأحرار الدستوريِّين، نشرت الصحيفة المذكورة في 13 أغسطس سنة 1925 مقالاً جاء فيه "… ولما عجز الأزهر عن حمل الحكومة على مُحاكمة الشيخ عبدالرازق، أصدر قرارًا بفصله من زُمرة العلماء"[3].

والقائمة طويلة ستجد فيها: سلامة موسى، ولويس عوض، وجرجس زيدان، وفرج فوده، وحسين أحمد أمين، وزكي نجيب محمود، وغيرهم، لا كثَّر الله من سوادِهم.

ولكن مع كلِّ ذلك فإنَّ الله يسخِّر لدينه في كل وقت ومحنةٍ مَن يدافع عن هويته وعقائده ومبادئه، والتاريخ حافلٌ بِهؤلاء العظماء الأمْجاد، والعلماء والأدباء، من أمثال: شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وتلميذه العلاَّمة ابن القيم، والأديب مصطفى صادق الرافعي، والدكتور محمد حسين الذهبي، والعلاَّمة محمود شاكر، وأبي الحسن النَّدوي، وغيرِهم من العلماء الربانيين والمفكرين[4].

الأمر الثانِي: السعي لتشويه الاتجاهات الإسلامية، والسلفية على رأسها:

لأن هؤلاء يعلمون يقينًا أنه لو ترك الأمر للشعوب حقًّا، كما تزعم الديمقراطية، وفتحت أبواب الحرِّية السياسيَّة أمامها، يعلمون أن الاتِّجاهات الإسلامية، خاصَّة "الإخوان المسلمين" و"السلفيِّين"، سيؤول الأمر والحكم إليهم يومًا ما، ويمتلكون زمام الحكم والسِّيادة، وعندها لا مكان لأيِّ منافق كذَّاب، ولا علمانيٍّ حقود، ولا ليبرالي مُخادع، فلن يكون إلا الحقُّ والعدل، وإلا الأمن والأمان، والسِّلم والسلام.

ومن هنا ندرك حقًّا، تلك الممارسات السيِّئة لهذه الاتِّجاهات المعادية، لا أقول: للأحزاب والاتِّجاهات الإسلامية، بل معادية لدين الإسلام وشرعتِه وأحكامه، وندرك أنَّهم لا يريدون خيرًا للبلاد والعباد والأوطان.

ومن ثَمَّ عملوا على إشاعة حملات ضارية، ومعارك إعلاميَّة وسياسية رهيبة، حيث استخدَموا أبواقهم المسمومة للتخويف مما سمَّوه بـ: "الدولة الدينية"، و"الجماعات والأحزاب الإسلاميَّة"، ونشر الرُّعب والخوف في قلوب الناس من أن تعود البلاد مسلمةً عادلة، وأن الدولة الدِّينية ما هي إلاَّ نوع من التخلُّف والجمود والرجعيَّة – زعموا – وأنَّها ستقطع أيدي الناس وأرجلهم من خلاف، وتخرص أفواههم عن الكلام، وحياتَهم عن الحراك، واقتصادهم عن الإنتاج والعمل، وستجعل النهار ليلاً، والليل سوادًا قاتِمًا.

وكأنَّ الدولة هذه ليست هي حضارةَ الإسلام العريقة، وقِيمَه الفاضلة، وأخلاقه السَّامية، وتاريخه المشرق عبيرًا ونصرًا وعلمًا، وكأن دولة محمَّد بن عبدالله رسولِ البشرية – صلَّى الله عليه وسلَّم – سُلطةٌ دكتاتوريَّة، واتجاهٌ اشتراكيّ أو علماني، ومصالح شخصيَّة، ودولة خلفائه الراشدين من بعده أبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ – رضي الله عنهم – ما هي إلاَّ سُلطان جبروتي، وحكم طاغوتي، وهم – أيْ: دُعاة الباطل – أعلم بالحقِّ والعدل منهم، وأعلم بِمَصالح الوطن والسِّياسة منهم، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العليِّ العظيم.

ولقد رأينا تلك الهالة الكبيرة لتشويه الدَّعوة السلفيَّة، وادِّعاءَهم الكاذب أنَّها كانت مغمورة لا صوت لها ولا أتباع، طيلة السَّنوات الماضية، وما أن وقعت الثَّورة، وتغيَّر الواقع حتَّى خرجَت من جُحرها، ورفعت صوتَها، وليت شِعري حقًّا أيُّ افتراء بعد هذا؟ وأي نفاقٍ فوق هذا؟! وكأنَّهم نسوا أنَّها تعمل منذ عقود طويلة معهم، وأنَّ لها من القوة والانتشار والحقِّ، ما يفوق قوَّتَهم وأبواقهم.

كما أنَّهم نسوا أو تناسَوا – تَجاهُلاً منهم، واستغفالاً للجماهير العريضة – أنَّ تلك الحكومات والأنظمة العميلة، كمَّمت الأفواه، وأخرصَتْ كثيرًا من الشُّيوخ الدعاة، وحجرَت على المساجد والشَّباب، وفتحت أبواب السُّجون والمعتقلات لكلِّ داعية ومتديِّن، وسلَّطت عليهم الصَّعق بالكهرباء، وشُرب مياه المَجاري، والنَّوم على بلاط الأرض في البَرد القارس، ولا ننسى السلاسل والقيود في الأيدي والأرجُل، كما لا ننسى الهجوم بالليل بدون إذنٍ قضائي أو شرعي على البيوت، وكسْر الأبواب المغلقة، واقتحام حرمات المسلمين والمسلمات، التي حرَّمها الله ورسوله، وإرهابَ الآمنين والمساكين.

وكذلك تصيُّد أصحاب اللِّحى والاستقامةِ في معابر التَّفتيش والأمن في الطُّرقات، في مناسبة وغير مناسبة، والحَجْر عليهم، بل ونَقْلهم من أعمالهم ووظائفهم الرسمية، والتي هي حقُّهم المشروع إلى أعمالٍ إدارية وإضافيَّة، حتى لا يُحْدِثوا أثرًا ولا تغييرًا بحقٍّ في مكانِهم ووظائفهم.

وأما الإعلام المرئيُّ والمقروء والمسموع فحدِّث ولا حرج، عن برامج كثيرة، تُهْدر لها الأموال هدرًا، في سبيل تشويه الاتِّجاهات الإسلامية والدعوية، وصبِّ الغضب عليها وعلى شيوخها وشبابِها في الليل والنهار، ورَمْيِهم بكلِّ قبيح وسيِّئ من الأوصاف؛ من التخلُّف، والرَّجعية، والتطرُّف، وما إلى ذلك مما شبعنا منه كذبًا وافتراءً.

ثم بعد كلِّ هذا يقولون لنا الآن: أين كنتم؟ وأين صوتُكم؟!

والحقُّ أننا نعكس السُّؤال لهم أنفسهم، ونقول لهم: نحن كنَّا نعمل، ونُعتقَل، ونُوقَف ونُؤذَى، طيلة سنواتٍ طويلة، فأين كنتم أنتم من هموم الأمَّة المسلمة، وقضاياها ومشكلاتها؟ وأين كنتم يوم أن لعب اللاَّعبون، وأفسد المُفسِدون، ونَهبوا الثَّروات، واقتحموا الحُرمات، وأحدثوا ألوانًا لا حصر لها من البلايا والفساد والشُّرور؟!

الحقُّ أنَّهم كانوا موجودين بالفعل، لكنهم كانوا أعوانًا لهم، وسلطانًا معهم، وبوقًا لكذبِهم، وصوتًا مرعبًا لكل معارض وصاحب حق.

رابعًا – المنهج السلفي منهج الإسلام:

وهنا ألفت القلوب والأنظار إلى أنَّه لا ينبغي اليوم أن نلتفت إلى صراخ الصَّارخين، وأقلام الموتورين والمرجفين من المنافقين والعلمانيِّين وأذنابِهم، الذين يشوِّهون صورة الدَّعوة وشيوخَها ومنهجها على حدٍّ سواء.

كما ينبغي أيضًا أن نعلم أنَّ المنهج السلفيَّ ليس جماعة ولا حزبًا، إنما هو منهجٌ أصيل في الإسلام، فهو يُمثِّل صورة الإسلام الصحيحة، البعيدة كلَّ البعد عن الانحرافات الفكريَّة والعقَدِيَّة والمذهبية على طول التاريخ الإسلاميِّ، كما أنه لا يعني انتماءاتٍ ولا عصبيَّات، ورايات جاهلية، إنما هو الإسلام في صفائه وشموله.

إن الدعوة السَّلفية تَعْني: "الاتِّجاه المقدِّمَ للنُّصوص الشرعية على البدائل الأخرى؛ منهجًا وموضوعًا، الملتَزِمَ بِهَدْي الرَّسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – وهَدْي أصحابه؛ عِلْمًا وعَمَلاً، المُطَّرِح للمناهج المخالفة لهذا الهَدْي في العقيدة والعبادة والتشريع".

أو هي: اصطلاحٌ جامع، يُطْلَق للدلالة على منهج السلف الصالح في تلَقِّي الإسلام وفهمه والعمل به، وللدلالة على التَّمسُّك بهذا المنهج، والعَضِّ عليه بالنواجذ؛ إيمانًا وتصديقًا واتِّباعًا.

إن السَّلفيةَ ليستْ مذهبًا مُبْتَدعًا، ولا طريقًا مُخالِفًا، كلاَّ، إنَّما السَّلفية تعني: الدَّعوة إلى الإسلام دين الله الحق، المُنَزَّل من عند الله تعالى، الذي أَرسل به جميع أنبيائه ورسُلِه، هُداةً للعالَمين ورَحْمة لهم، وعلى رأسهم النبي محمَّد – صلَّى الله عليه وسلَّم – الذي اصطفاه الله لهذه الدَّعوة والرِّسالة الخاتمة لجميع الدعوات والرِّسالات: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) [سبأ: 28]؛ الآيةَ".

كما أنَّ الدعوة إلى منهج السَّلَف تعني: إقامة شريعة هذا الدِّين في الأرض، وإقامة عقائده وشرائعه، ومبادئه وأخلاقه، كما أنَّها تَعْني صياغة الحياة البشريَّة كُلِّها بصبغة الربَّانية والعبودية لله تعالى وحده لا شريك له؛ كما قال تعالى: ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) [الأنعام: 162 – 163]، وقال تعالى: ( أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) [الشورى: 13] الآية".

إنَّها ليست دعْوَةً إلى قَمْع البشرية واستعبادها، والسيطرة على مُقَدَّرات الشعوب وأقواتها، ونَهْب أموالها وممتلكاتها، كما فعلَتْه – في القرون المتأخِّرة – الشيوعيَّةُ الخبيثة المادِّية، بأفكارها ومعتقداتها الإلحادية الكافرة، أو كما تفعله أمريكا وأوربا بِمُبارَكةٍ وتخطيط يهوديٍّ صليبِي ماكر، أو حتىَّ ما يفعله أربابُ الأموال والثَّروات من الهنود واليابانيين والصينيِّين.

كما أنَّها ليست دعوةً للخروج على حُكْم الله وشريعته، بِدَعاوى التقدُّم والعلم، والانفتاحِ العلمي أمام البشريَّة؛ مما يَجْعلها ليست في حاجة إلى شريعة تَحْكمها، ولا دين يُنَظِّم شؤون حياتها، كما أنَّها ليست دعوة مُستمدَّة من العقل والفكر البشري القاصر عن إدراك حقائق الأشياء، ولا الوصول إلى جميع مدلولاتها؛ لِيَصوغ لها قوانين بشرية في مجالات الحياة شتَّى، ثم يُحَكِّمها فيها، ويقول لها: هذا هو القانون العَصْريُّ الذي يتناسب مع طبيعة هذا الزَّمان.

فالسلفيَّة إذًا تعني العودة إلى منهج الإسلام وشريعته، والعودة إلى الكتاب والسُّنة بما كان عليه سلَفُ هذه الأُمَّة وصدْرُها الأول من أصحاب النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – والتابعين لهم بإحسان.

 

ـــــــــــــ

[1] انظر إلى تجرُّده من هويته، ولمزه للصَّحابة الكرام وعلى رأسهم عمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص – رضي الله عنهم أجمعين – وإذا كانوا هم من الإسلاميِّين، فهو يا ترى من يكون..؟!

[2] "هويتنا أو الهاوية".

[3] "العالم الإسلامي والمكايد الدولية"، فتحي يكن.

[4] انظر "هويتنا أو الهاوية".

 

 

 

المصدر: الألوكة

 

 

 

 

المنهج السلفي بين العداء والمضاء (2/2)