طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > الإسلاميون وحادث المنشية المنتظر – التاريخ يعيد نفسه

ملتقى الخطباء

(1٬844)
291

الإسلاميون وحادث المنشية المنتظر – التاريخ يعيد نفسه

1432/06/29
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

أبو الهيثم محمد درويش 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

لاشك أن الواقع الحاضر في جميع الدول العربية ككل, وفي الدول التي نجحت ثوراتها خاصة ينم عن تربص واضح بالتوجه الإسلامي للشعوب العربية التي تأبى إلا الإسلام،
ومع اختلاف التوجهات الإسلامية, إلا أن الدعوة السلفية القائمة على الكتاب والسنة, تسيطر عداوتها على عقول وقلوب أعداء الأمة وأعوانهم وأذنابهم من الليبراليين والعلمانيين, ولا شك أيضًا أن الفهم الصحيح لمعنى السلفية يجعلها عباءة لكل الحركات الإسلامية كونها عقيدة وليست جماعة فكل الجماعات الإسلامية تتبنى منهج الكتاب والسنة في فهم الشريعة وتطبيقها, ومن هذا المنظور, فالحرب على السلفية اليوم هي حرب حقيقية على الإسلام مغلفة بكلمة مستترة هي كلمة السلفية حتى يظن الظان أن العداء ليس للإسلام نفسه, ولكن بالطبع مع كل يوم يمضي تتضح الرؤيا ويظهر العداء السافر للإسلام نفسه تحت مسمى السلفية.

لذا ومن الواضح البين أن خطة إقصاء الإسلام ومحاربته تحت شعار ومسمى إقصاء السلفية هي خطة أكيدة، وقد تكون بالفعل قد اكتملت وبقي التنفيذ الذي سبقته بالفعل إرهاصات في جميع الدول العربية، ففي المملكة العربية السعودية بدأت مناهج جديدة للفتوى تنتشر تحت ستار التخفيف والتيسير, تبناها الليبراليون ليهللوا ويبشروا بالإسلام الليبرالي الجديد.

 

وفي مصر وبعد الثورة بدأ التخويف من السلفيين وتشويه دعوتهم وأعتقد أن التاريخ يحدثنا بلسان حاله عن تدبير مكيدة كبيرة قد يتم إلصاقها للسلفيين ليتم إقصاءهم من الخارطة السياسية المصرية بل من خارطة العمل الدعوي بالكامل, وما هذا الإقصاء إلا إقصاءً للإسلام نفسه وما هو في حقيقة الأمر عداء لفصيل وإنما هو عداء لدين.

لما قامت ثورة يوليو بمصر في خمسينيات القرن الماضي, قام بها ضباط ينضوون تحت لواء الخلايا السرية لجماعة الإخوان المسلمين والتي كانت تمثل التيار الإسلامي العامل بالكتاب والسنة في هذا الوقت, وبعدما بذلت الجماعة الغالي والثمين لمناصر الثورة, وتثبيت أركانها, ما كان من الطاغية الجبار الذي خاف من كيان الإخوان على ملكه إلا أن دبر لهم حادثًا تمثيليًّا تم حبكه باقتدار للتخلص من جميع الإخوان والتنكيل بهم والقضاء على دعوتهم حتى يقصيهم من طريقه, وينشر بعدها اشتراكيته الخرقاء, ومعها دخلت الخلاعة والانفلات غير المسبوق على المجتمع المصري المحافظ والذي يعاني المجتمع إلى يومنا هذا من بعض آثاره.

تم تدبير الحادث لشركاء الثورة وإخوان الأمس, ثم تم وسمهم بأبشع الصفات, وإلصاق أخس التهم والألفاظ بشبابهم الأطهار, وللأسف شارك في هذه الجريمة غافلاً أو مستغفلاً بعض أبناء المجتمع سواء من الوفديين أو للأسف بعض أبناء الأزهر الذين وصفوا الإخوان المظلومين بأنهم خوارج هذا العصر وأجاز بعض المرجفين منهم قتلهم, وهكذا تحول مجاهدوا الأمس في حرب 48 وأصحاب الثورة إلى أعداء للأمة وخوارج ويجب التنكيل بهم وقتلهم والتحذير منهم وتشويه صورتهم، وما كان كل هذا إلا إقصاءً للإسلام ذاته من المشاركة في حياة الأمة.

اليوم يتم استخدام عدة قضايا مفخخة للإيقاع بالحركة الإسلامية متمثلة في التيار السلفي, وهذه القضايا المفخخة منها قضية الفتنة الطائفية المفتعلة واستقواء النصارى بالغرب, والتي قد يتم إشعال فتيلها في أي لحظة من خلال حادث اغتيال, أو حرق كنيسة, أو أي وسيلة تخريب لتشتعل الحرب بين المسلمين والنصارى, ثم يتم إلصاق الأمر برمته للسلفيين, ومن ثم تفتح السجون والمعتقلات كحاضن طبيعي للإسلام من وجهة النظر العلمانية والليبرالية.

كذا ملف الخلاف الذي يحاول الليبراليون إظهاره بين الحين والآخر من خلال خروج أحد الرموز الليبرالية بين الحين والآخر بلا أدنى حياء ليستهزئ بالذات الإلهية, ويخرج آخر لينكر معلومًا من الدين بالضرورة, ويخرج ثالث ليفعل كذا وكذا.

ثم يتم تدبير حادث لهذا الشخص, لتقع الواقعة وتلتصق التهمة بالإسلاميين, وتتكرر المأساة
دعونا نعيش مع أحداث وشهادات خاصة بحادث المنشية القديم لنقف ونحذر ونعلم ما يحاك بنا.

يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمد عباس في مقال قيم بعنوان حادث المنشية: «كانت كل الحكومات قبل الثورة ترفض فصل السودان عن مصر، وترفض أي استفتاء لتقرير المصير فهو لا يجوز إلا إذا جاز إجراء مثل هذا الاستفتاء لأهل أسيوط.

وكان الإخوان المسلمون ككل المصريين والسودانيين على هذا الرأي.

ممارسات الهمج الهامج الذين قاموا بثورة 23 يوليو روعت الشعب السوداني ومكنت أعداء الأمة وعلى رأسهم الإنجليز من تحذير الشعب السوداني من أنه لو استمر في الوحدة مع مصر فسيعامله العسكر بالطريقة التي يعاملون بها الشعب المصري، وكان هناك صمام أمان هو محمد نجيب.

اللواء محمد نجيب

كان لمحمد نجيب – بغض النظر عن جدارته – شعبية هائلة في السودان، وكانت أمه سودانية وكان قد عاش في السودان ردحًا طويلا من عمره.

وافقت الثورة على استفتاء لتقرير المصير وعزلت محمد نجيب، وذهب صلاح سالم يرقص عاريا في الجنوب فلم يفد رقصه وارتكب خطيئة كبرى عندما وزع الهبات والرشاوى على القبائل والعشائر، ومع الخطايا السياسية والدينية الأخرى تصاعد الاتهام كل من ينادي بالوحدة مع مصر بأنه تلقى رشوة من صلاح سالم، وأجري الاستفتاء، وانفصلت السودان عن مصر، ألم يكن عبد الناصر يستطيع الانتظار عامًا آخرًا حتى يخدع الشعب السوداني قبل استفتاء تقرير المصير؟!

هل كان تاج الشوك يستحق كل هذا الثمن؟!

هل كان الانفراد بالسلطة يستحق كل هذا الخراب؟!

لعل بعض القراء يعيب عليَّ حدَّتي، لكن أي وصف أصفه لأي واحد من ضباط يوليو إنما أرجع فيه إلى ضابط آخر من ضباط يوليو.

لن أستند الآن على ما قالته كل القوى السياسية الفاعلة في مصر بين عامي 25 و54 من أن البصمات الأمريكية كانت واضحة على الثورة، وكان الشهيد سيد قطب من أول من لاحظوا ذلك.

لن ألجأ إلى كل ذلك الآن لكني أستند على أقوال الضباط بأنفسهم في أنفسهم، كل واحد منهم اتهم الآخر بالعمالة لأمريكا وبالخيانة.

وثمة اتفاق على أن السادات كان كذلك، وثمة شبهات حول عامر وشمس بدران وسامي شرف وزكريا محيي الدين وعلى صبري، و..و..و..

أما محمد حسنين هيكل فقد قال لي في لقاء لم يتكرر ونشرته ذلك قبل أعوام: أن نوعًا من إعجاز عبد الناصر أنه صنع ثورة 23 يوليو بمثل هؤلاء الذين كانوا معه حيث الضحالة والسطحية والقصور لا تكاد تصدق.

كان هذا هو حكم محمد حسنين هيكل على ضباط 23 يوليو.

وواصل هيكل يبرر انحيازه للسادات في 15 مايو أنه كان مخيرًا في الانضمام إلى فئة من فئتين:

فئة يمثلها السادات، والسادات جاهل، وفئة يمثلها ما أطلق السادات عليهم بعد ذلك مراكز القوى، وهم عصابة مجرمين، الوصف ساعتها كان لهيكل، لكن جمال عبد الناصر كان قد سبقه إلى نفس الوصف عام 67 حين قال: البلد كانت بتحكمها عصابة.

وواصل هيكل مبررا انحيازه للسادات:

الجاهل بالخبرة قد يتعلم، أما رئيس العصابة بالخبرة فسوف يشتد إجرامه ويزيد.

لست أنا إذن من يصف رجال يوليو بهذه الصفات.

 

هل تذكرون يا قراء يوم زيارة السادات للقدس، وكيف حاول أن يدلس على الأمة ويخدعها بأن الفكرة قد هبطت عليه كالوحي وهو في الطائرة فوق جبال آرات حيث مهبط سيدنا آدم على الأرض.

اكتشفنا بعد ذلك بأعوام أن العملية كلها كانت عملية مخابرات تم الترتيب لها قبلها بأعوام، فلماذا لم نكتشف في الوقت المناسب أن حادث المنشية كله كان عملية مخابرات.

المؤلم أنني احتجت إلى ربع قرن بل يزيد كي أدرك هذا وكانت الحقيقة واضحة طول الوقت وماثلة.

لكن الإلمام بالحقيقة لا يعني إدراك الحق.
والوصول لا يعني المثول.
والمثول لا يعني القبول.
كانت الحقيقة واضحة.

وكان يمكننا أن نكتشف دون صعوبة كبيرة كم وكيف دبر حادث المنشية، ليس للتخلص من الإخوان المسلمين بل للتخلص من المنهج الإسلامي كله.

كانت الحقيقة واضحة.

وكانت العيون مفتوحة، ولكن عميت البصيرة.

ما أريد التركيز عليه، هو أنه ليس من حق أي واحد منا أن يدعي فقدان وعيه، أو أنه لم يكن يعرف ما يحدث.

في تلك الأيام من عام 1954 كنت طفلا دون العاشرة، وما زلت أذكر كيف كنت أجلس وسط الكبار مروَّعًا مذهولًا وأحد المجندين يأتي في إجازته كل بضعة أسابيع يفخر بما يفعله في السجن الحربي من تعذيب للإخوان المسلمين.

كانت قاعة الدرس الديني تتحول من سماع الشيخ إلى سماع الجندي المجند في السجن الحربي، كان ضميري يئن ويصرخ، وكان المنافقون أو الجبناء أو الأغبياء يدَّعون أنه من المستحيل أن يوافق عبد الناصر على هذا القدر الهمجي الوحشي من العذاب.

وغرقت في أحلام يقظة أعبر فيها الحجب وأخترق الجدران فأصل إلى عبد الناصر في خفية من الجميع لأنبهه كي يتدارك الكارثة.

وفي ذلك الوقت، كان الجو المحيط بي ما بين الرعب والخوف الذي أذل أعناق الرجال، وما بين الجهل والنفاق، كان الوفديون يشعرون بشماتة هائلة في الإخوانيين الإرهابيين.

لم أكن قد أدركت ولا عرفت أن الوفد أول حزب علماني فصل الدين عن الدولة،
وما كنت عرفت ولا أدركت أن سعد زغلول مهما بلغت زعامته كان علمانيًّا من تلاميذ كرومر، وأن امرأته تسمت باسمه كي تهرب من اسم أبيها الخائن، وأن سعدًا نفسه كان مقامرًا ومجاهرًا بعدم الصلاة وبالإفطار في رمضان، وأنه هو الذي عضد وشجع ونشر فكر قاسم أمين وكتبه، وأن ميدان التحرير قد سمي كذلك لا احتفالا بتحرير الوطن أو الأمة، بل ذهبت صفية مصطفى فهمي الشهيرة بصفية زغلول مع صويحباتها لا لمهاجمة معسكر الإنجليز هناك في ثكنات قصر النيل، بل ذهبن ليمزقن الحجاب ثم يدسنه بالأقدام ثم يحرقنه.

وكان الشيطان يزين لهم أن هذا هو التحرير، ولهذا سمي الميدان ميدان التحرير.

كيف خدعنا ولماذا خدعنا؟

نعود إلى السؤال: كيف خدعنا ولماذا خدعنا؟

كان الناس قد تركوا مقياس الولاء والبراء، ولم يعد الإسلام مرجعية، وكان بعض الصوفية من ناحية وبعض أصحاب البدع من ناحية أخرى يرون أن ما يحدث للإخوان المسلمين هو القصاص الإلهي العادل وانتقام أهل البيت والأولياء منهم، فهم – كما يقولون – لا يحبون هؤلاء ولا أولئك، بل إنهم يهاجمون الموالد والأضرحة، وهم ينتسبون إلى الوهابيين الذين كانوا يريدون هدم ضريح الرسول صلى الله عليه وسلم.

لست أدري من كان يقول ذلك ولا من كان يروجه، ولقد علَّمت نفسي منذ زمان بعيد: عندما لا تدري ابحث عن المخابرات.

يضاف إلى هذا وذاك، في الوسط المحيط بي آنذاك، أن المحيطين من الإخوان، وما أصابهم من فزع، لم يكونوا من النوع الجليل الشامخ الذي عرفته بعد ذلك، بل كانوا عنصر تنفير لا تبشير.

كانت الصحف والمجلات والإذاعة تهاجمهم باستمرار ولم يكن هناك أحد أبدًا يدافع عنهم، ولم يكن هناك ما يدعوني لتكذيب كل أولئك، كنت أصدق ما يقال عنهم، وعلى الرغم من ذلك كنت أدين تعذيبهم بجماع قلبي، فهناك دين وهناك قانون، أما ما يحدث من تعذيب فهو الإجرام بذاته.

الغريب، الغريب حقا أنني أذكر تفاصيل كثيرة عن أحداث 54، بينما لا أكاد أذكر شيئًا عن أحداث 65، وعدا الألم الفادح يوم نشر خبر إعدام الشهيد سيد قطب ورفاقه، لا أكاد أذكر شيئًا، ولعلها حيلة دفاعية للنفس، فلو أن أحدًا صب عليك رصاصًا منصهرًا فإنك سوف تصاب بالإغماء كوسيلة دفاعية لتقليل الإحساس بالألم الذي لا يمكن احتماله، ولعل النفس تفعل نفس الشيء، فعندما تواجه النفس بألم لا يمكنها احتماله، فإنها تواجهه بفقدان الذاكرة، كان الألم الفادح أنني لم أكن أستطيع تصور أن هؤلاء الشهداء عملاء للأمريكيين كما تقول الإذاعة والصحف، وفي نفس الوقت، لم أكن أستطيع أن أكذب شيوخ الأزهر، الذين راحوا يهاجمونهم بمنتهى العنف، متهمينهم بأنهم خوارج، وبأنهم مرقوا من الإسلام، ولم أكن أستطيع أن أتصور أن المفتيين عامي 54 وعام 65، قد أباحا دماءهم دون سند شرعي.

كان الضمير ممزقًا بين ما لا يمكن تصديقه وما لا يمكن تكذيبه.
وكان الوعي والوجدان ممزقين كذلك.

كنت أفتقد المنهج والأدوات والمعلومات لكنني بالحدس كنت أدرك أن هناك خطأ هائلاً وأننا مقدمون على كارثة، فتنبأت بهزيمة 67، واستدعاني الأمن وحذرني من الهزيمة إلى موت جمال عبد الناصر كانت هدنة بين إدانة سابقة وإدانة لاحقة، كنا نعاني ذات الجرح وننزف نفس الدم.

عام 68 قضيت ليلة في وزارة الداخلية، كتبت تفاصيلها في مقال آخر وفي نهاية هذه الليلة كان نائب وزير الداخلية يصرخ في وجهي:

أنا أتعاطف معك لأنك تذكرني بشبابي، كنت نظيفًا مثلك، لكنني الآن ملوث ومدان وأعرف أن جميع ما تقوله صواب وأننا على خطأ، وزير الداخلية مثلي ملوث ومدان، وزير يعرف أنه على خطأ، رئيس الوزراء كذلك، جمال عبد الناصر أيضًا ملوث ومدان ويعرف الباطل والصواب، وهو على باطل ويعرف ذلك.

التزامًا بالدقة فإنني قمت الآن بتهذيب العامية التي تحدثنا بها يومها، أما مكان كلمتي "ملوث ومدان" فقد كانت الكلمة التي قيلت هي كلمة "وسخ"، وعلى أي حال فالكلمة عربية صحيحة، صرخت يومها:

البطولة والإبهار والمجد والزعامة والإلهام والفكر والحكمة والقداسة والعصمة والصواب المطلق ونفي الآخر وادعاء أن الآخر كان شيطانًا رجيمًا، كل ذلك لم يكن كذلك،

لقد نجح برنامج صناعة النجم على غير الحقيقة فألبس الحق ثوب الباطل والباطل ثوب الحق.

كل ذلك، لم يكن كذلك.
الثورة، ليست كذلك.
وهيكل، ليس كذلك.
وتلك الصورة المثالية الحالمة ليست كذلك.
الطهر كان عهرا.
والبطولة كانت خيانة.
والخونة حاكموا الأبطال.

بعد موت جمال عبد الناصر كان السادات بغيضًا، وكان توجهه إلى أمريكا وإسرائيل مفزعًا، وكان الكشف عن تفاصيل جرائم التعذيب مروعًا، وكانت حجة الشيطان التي أخرت اكتشافي لحقيقة ما حدث أنني قلت لنفسي: "كلمة حق يراد بها باطل".

وكان ثروت أباظة هو الذي تصدى لنشر تفاصيل التعذيب في المجلة التي يرأس تحريرها في الثمانينيات، كانت الأدلة تكتمل وثمار التجربة المرة تثمر، وكنت أحاول التوفيق بين المتناقضات أو على الأحرى التلفيق لا التوفيق، قلت لنفسي على سبيل المثال أن حادث المنشية حقيقي وليس مصطنعا، وأنني عاتب على الإخوان أن ينكروا ذلك، لقد كان من حقهم في ضوء المعلومات التي توفرت لي أن يقوموا بهذه المحاولة التي يشرفهم أنهم قاموا بها ولا يشرفهم إنكارها، وأن قيامهم بالمحاولة يقدم اعتذارًا جزئيًّا لعبد الناصر فيما فعله بهم بعد ذلك،لم أكن قد أدركت أن الخلاف لم يكن خلافًا سياسيًّا بل كان الأمر أبعد من ذلك بكثير، تحت وهم الموضوعية قلت لنفسي أن كلا من الطرفين يبالغ في عيوب الطرف الآخر، وأن عليَّ ألا أصدق أيًّا منهما وأن أبحث عن طرف محايد ولم يكن ثمة طرف محايد.

هل تعرفون أيها الناس الحديث النبوي الشريف عن خطاب "حاطب بن أبي بلتعة" إلى أناس من المشركين من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكشف الله لرسوله أمره فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «يا رَسُولَ اللهِ، دَعْنِي أضْرِبُ عُنُقَ هَذا المُنَافِقِ، قَالَ: إنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ أنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» [الألباني بإسناد صحيح].

«لَعَلَّ اللهَ أنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»

هل تعرفون يا قراء لماذا ورد هذا الحديث النبوي الشريف بخاطري الآن؟ لقد ورد بمفهوم الضد، إذ تخيلت قوة باطشة طاغية جبارة تقول لكل من أساء إلى الإسلام:

لعل أمريكا قد اطلعت على كل من أساءوا إلى الإسلام والمسلمين فقالت اعملوا ما شئتم فسوف أحميكم وأرفع شأنكم وذكركم.

لا تنسوا ذلك يا قراء، كل من أساء إلى الإسلام يحمل معه حصانة قد تحميه ذات يوم ما لم يكفر بأمريكا كفرًا بواحًا يخرجه من ملتها، وحتى لو اضطرت أمريكا إلى عقاب بعض من يحملون بطاقة الحصانة هذه، فإن العقاب لا يكون شاملا بل إنها قد تقتلهم، لكن أجهزة إعلامها تحافظ عليهم في ذاكرة أمتهم كأبطال، التسفيه من نصيب المسلمين فقط، الاتهام بالرجعية والغباء والسطحية والتفاهة والتناقض والإجرام والخلل العقلي من نصيب المسلمين فقط، كان وما زال وما فعله جمال عبد الناصر بالإخوان المسلمين عام 54 هو بذاته ما تفعله أمريكا بالمسلمين اليوم، وليس جورج بوش ولا شارون هما أول من اتهم المسلمين بالإرهاب بل إبراهيم عبد الهادي وجمال عبد الناصر.

قلنا أنه حتى لو كان الإخوان المسلمون قد دبروا حادث المنشية ونجحوا في اغتيال جمال عبد الناصر فإن هذا لا يسوغ ما حدث.

فما بالكم إن كان الحادث كله مدبرًا، ولو أن أول احتكاك بين الإخوان والضباط الأحرار كان عام 54 لما سُوِّغَ هذا للضباط أن يفعلوا ما فعلوه، فما بالكم إذا كان الوضع مختلفًا تمامًا، لقد كان معظم الضباط الأحرار أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين وبالتحديد في التنظيم السري، يقول العالم الجليل الأستاذ سيد سابق الداعية الجليل، صاحب كتاب فقه السنة الذي لا يكاد يخلو منه بيت طالب علم في العصر الحاضر:

أقول كلمة حق في ذلك، أولا جمال عبد الناصر كان من الإخوان المسلمين يقينًا، وقد بايع مع كمال الدين حسين في ليلة واحدة على المصحف والمسدس، وكان جمال تابعًا للخلايا السرية، وبقي كذلك حتى قامت الثورة، وكانت فكرة الخلايا السرية أساسًا محاربة الإنجليز، فإذا استطاع الإنجليز القضاء على الهيكل الظاهري، فيكون وجود الخلايا السرية باقيا كقوة، وقد كان لي دوران في الهيكل التنظيمي للإخوان، في الجماعات السرية وكذلك الظاهرة، ولم يكن أتباع الظاهر يعلمون بأني مسئول إحدى الجماعات السرية الباطنة، والتي يتبعها جمال عبد الناصر، وعندما قام جمال بالثورة مع الإخوان الذين يعرفونه، ونجحت ثورته بدأ الخلاف، وأساس الخلاف الدائر كان حول ‏"‏من الذي سيحكم؟‏"‏‏‏‏‏ وعندما كبر بدأ يتنكر…» انتهى، [من مقال الدكتور محمد عباس، حادث المنشية].

الحذر الحذر من نذير عريان.

مما سبق ومن قراءة التاريخ يتأكد لنا أن الصدام ومحاولة إقصاء الإسلاميين وليس السلفيون فقط قادم لا محالة, وأن تدبير المكائد والمصائد والشباك لاصطياد الإسلاميين وفي مقدمتهم الفصيل السلفي آت ولا شك إلا أن يشاء الله رب العالمين شيئًا.

إذن ما العمل؟

ألخص خطة الخروج من المكيدة في نقاط مختصرة:

أولاً، الاعتصام بالكتاب والسنة والاستمساك بحبل الله المتين والتوكل عليه سبحانه حسن التوكل, قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران:173-174].

ثانيًا، الالتفاف حول علماء الأمة الربانيين والسير خلفهم والعمل بتوجيهاتهم, فهم قادة الأمة الحقيقيون وهم أهل الحل والعقد والرأي السديد, بما عندهم من معارف ومدركات تتسع لفهم مآلات الأمور وبما عندهم من مقدرة على حساب المفاسد والمصالح وترجيح ما يصب في مصلحة الأمة ويبعدها عن المفاسد.

ثالثًا، عدم التسرع في التصرفات والتهور في الأفعال, وسلوك مسلك المحب لدينه والخائف على مقدرات الأوطان, وهذا يرتبط بما سبقه من لزوم غرز العلماء.

رابعًا، التعاون والتلاحم بين الحركات الإسلامية حتى تصبح قوة مرهوبة, يحسب لها أعداء الإسلام ألف حساب قبل التفكير في إقصاءها أو تشويهها أو حتى مجرد التلويح بمعاداتها, وكلما تفرقت الحركات الإسلامية كلما أعطت الفرصة لأعداء الإسلام لنيل ما يريدون، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران:103].

خامسًا، كونوا قدوة واضربوا للناس المثل الأعلى في حسن الخلق, والاجتهاد في الأعمال فالهجوم خير وسيلة للدفاع, فبدلاً من أن نظل محاصرين ندفع عن أنفسنا الشبهات, نبدأ بتقديم المثل الأعلى في الخلق والعمل, وساعتها لن يصدق الناس تلك الشبهات بداهة دون أن ننطق بكلمة دفاع واحدة.

سادسًا، تحمل أمانة الدعوة بشرطها، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125]، وقال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108].

قال الإمام ابن كثير: «يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين الجن والإنس آمرًا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله أي طريقته ومسلكه وسنته وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي, وقوله {وسُبْحَانَ اللهِ} أي وأنزه الله وأجله وأعظمه وأقدسه عن أن يكون له شريك أو نظير أو عديل أو نديد أو ولد أو والد أو صاحبة أو وزير أو مشير تبارك وتقدس وتنزه وتعالى عن ذلك كله علوًّا كبيرًا».

{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء:44].

وأخيرًا أسأل الله العليَّ القدير أن يحفظ على الأمة الإسلامية إيمانها وأمنها, وأن يأذن لشريعته أن تسود.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

 

المصدر: طريق الإسلام