طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > عفوا فضيلة المفتي ليست السلفية كالعلمانية

ملتقى الخطباء

(2٬143)
281

عفوا فضيلة المفتي ليست السلفية كالعلمانية

1432/06/29
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

الشيخ عاطف عبدالمعز الفيومي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رَحْمة للعالَمِين، نبيِّنا محمَّد – صلى الله عليه وآله أجمعين.

أما بعد: فلا تكاد الأُمَّة الإسلامية أن تَخْرج من غمَّة وفتنة، حتى تقَع في أُخرى، وهذا ولا رَيْب من سُنَن الابتلاء الجارية؛ لتمحيص الصَّفِّ المسلم، وتمييز أهل الحقِّ الصادقين، من غيرهم من أهل الخِداع والمُنافقين، ومما يُؤْلِم القلب، ويدْمي النَّفْس، ويهزُّ الكيان والوجدان: أن نجد ثُلَّة ممن يُشار إليهم بالبنان، يقفون دائمًا حجَرَ عَثرةٍ في طريق الأُمَّة ونَهْضتها، زاعمين أنهم يَسيرون بها نحو المَعالي، ويُشيِّدون لها صرح العلم والهداية.

ولقد كان الأزهر منارةً للعِلْم والهداية في طريق العلم والإرشاد، يُخْرِج العلماء والفُقَهاء، والمُحَدِّثين والمفتين على طول التاريخ، إلاَّ أنه في هذا الزَّمان تغيَّر مساره، وتحَجَّم دَوْرُه، وضعفَتْ كلمته، ودرَسَتْ سيادته، وما ذلك إلاَّ لِوُجود عوامل الضَّعف والانعزال، والتَّبعية للساسة والحكام.

واليومَ نرى بعضًا من أهله صاروا لا يَرْقُبون في العلم إلاًّ ولا ذِمَّة، ولا يرفعون له راية، ولا شامة، بل صاروا عِبْئًا ثقيلاً على تُراثه وعلمائه، زاعِمين مع ذلك أنَّهم سائرون بالأزهر تُجاه العلم والبناء.

المفتي واللَّمز بالسلفية وأتباعها:

الدكتور علي جمعة مفتي مصر؛ أبعَدَ الطَّريق، تحدث – كما نُشِر موقع مُفكِّرة الإسلام – في حوار مع موقع "أون إسلام"، نشَرَه يوم الاثنين، مُدافعًا عن دور الأزهر الذي يبدو خافتًا أمام تيَّارات أُخْرى على السَّاحة، فقال: "بعض الناس لا تُريد أن تَذْهَب للأزهر (للحصول على الفَتاوى) لِهَوى في نَفْسِها، ولاِتِّجاهات سلَفِيَّة متشدِّدة، ولِمَشارِبَ أخرى لا علاقة لها بالأزهر وكينونته وكفاءته، فالناس أرادت أن تَذْهب إلى هذا الغير، فالذي حدَث ليس في عِلْم مشايخ الأزهر وفي قُدْرتهم، بل الذي حدث هو ما جرى في الثَّقافة العامة، والثقافة العامَّة تتعرَّض لهجمات علمانيَّة، والسلفيَّة المتشدِّدة أَقْرب ما تكون إلى العلمانية منها إلى الإسلام.. إلى غير ذلك".

واستطرد شارحًا هذا الرَّبْط بين السَّلفية والعلمانيَّة بقوله: "إن د. عبدالوهاب المسيري المُفَكِّر المصريَّ الراحل هو أوَّلُ مَن شرَح هذا، وهو يَصِفُ السَّلفية بأنها أقرب إلى العلمانيَّة، وباختصار شديدٍ يُمْكِن القول: إنَّ العلمانية لا تُنْكِر الدِّين، لكنها تُنحِّي الدِّين عن سير الحياة، والسَّلفية المتشدِّدة تريد أن تَنْعزل بالدِّين عن سير الحياة".

وتابَعَ يقول: "العلمانية تُؤْمِن بالخصوصية؛ ولذلك تَدْعو إلى اختصاص كُلِّ قوم بِلُغَتِهم، بثقافتهم، بِفُلْكُلورهم، بتاريخهم، بمصالحهم، فهي تؤيِّد انفصال الأكراد والتُّركُمان والعَرَب، والشِّيعة من السُّنة، والأقباط من المسلمين، العلمانية تُريد هذا؛ ولذلك تريد خريطة أخرى للعالم، وبدلاً من 200 دولة يصبح 400 دولة".

ومضى يقول: "والسَّلفيُّ المتشدِّد يريد الخصوصية، يريد أن تَتْركه في حاله، يَلْبَس كما يشاء، ويُصَلِّي كما يشاء منعزلاً في مسجده؛ ولذلك تجد هذه السَّلفية التدميريَّة تبني برنامجًا كثير الجزئيات؛ حتى يعيش فيه الإنسان بعيًدا عن مُمارسة الحياة، إذًا فالسَّلَفية تَقْبلها العلمانية؛ ولذلك رأينا العلمانيَّة وهي تُبارك السَّلفية إلى أنْ لُدِغَت منها في المصالح، ولكن الفِكْرَ السَّلَفي هو الوجه الآخر للفِكْر العلماني وهو لا يدري"، على حَدِّ قوله.

ويستطرد مفتي مصر شارِحًا رؤيتَه: "عندما يَسْمع السَّلفيُّون هذا الكلام يَغْضبون، يقولون: لا.. نحن مُؤْمِنون، والعلمانيَّة كُفْر، أبدًا، العلمانية أصلاً لم يُنْكِروا الدِّين، هم يريدون أن يُخَصِّصوا الدِّين أو يعزلوا الدِّين، وأنتم تريدون أن تَنْعزلوا بالدِّين، وهذه هي المشابهة".

وحول انتشار السلفيَّة، اعتَبر "جمعة" أنَّ ذلك جاء كَردَّة فِعْل على موجات العلمانيَّة التي تَكْتسح المجتمعات الإسلاميَّة، وقال: "عندما تُريد هذه المجتمعات أن تتمسَّك بِهُويَّتها، فلا يكون عندها قدرة على التفكُّر، والوسطية والاعتدال، والانفتاح والترقُّب، فتُلْقي نَفْسَها في أحضان السَّلفية؛ لأنَّ السلفية حينئذ ستُمَثِّل لها هُويَّة محدَّدة"؛ انتهى.

عفوًا فضيلة المفتي، ليست السلفية كالعلمانية!

وبعد هذا نقول: إنَّ الدكتور لم ينطلق انطلاقًا علميًّا مُؤصَّلاً، في تَبْيين العلاقة المزعومة بين السَّلفية والعلمانيَّة، وليت شِعْري: أنَّى يجتمعان، وبينهما مِن الفوارق ما بين السماء والأرض؟!

إنَّ الدكتور يعشق مذهب التصوُّف، ويُعْلِن عنه، ويشرح كتُبَه، وحَسْبُنا هنا آخِر ما نُشِر عنه في وكالات الأخبار قوله: "الذين يُحاربون التصوُّف ليلَتُهم ظلماء، وليلتهم أسود من قَرْن الخرُّوب".

وأضاف قوله: "الله منَّ على مصر بأنْ أوجَد الإسلام بها، ونرى الأزهر الشريف لا يَنتمي إليه إلاَّ منكان أشعريًّا أو صوفيًّا، فالتصوُّف رسالة من الرسائل التي يحافظ عليها المِصريُّون، وهوالذي يُعْطي الشريعة وسَطِيَّتَها، والإسلامَ رُوحَه، ولهذا الدِّين معناه".

فلا غَرابةَ الدكتور أن يَلْمِز منهج السَّلَف وأتباعه، ولا غرابة أيضًا أن يُشِيد بالتصوُّف وأتباعِه ومَدارِسه، وقد أجاز لهم أن يَحْلفوا بالنبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – لأنَّه ركن من أركان الإسلام، ونسَبَ هذا التَّجويز للإمام أحمد، كما ذَكَر عن الشافعي أنه كان صوفيًّا.

ونحن نقول للدكتور:

إنِّ الفارق بين السِّلَفية كمنهج – يُمثِّل العودة إلى الإسلام وشريعته – وبين العلمانيَّة فارقٌ كبير، وإنَّ الخلط بينهما مع التَّبايُن الواضح خلطٌ مفضوح، واستخفاف بالعقول.

إن العلمانية مذهب غربيٌّ طارئٌ على العالَم الغربي، مذهبٌ خارج على منهج الكنَسِيَّة والعبادة، منهج لا يَدِين لله تعالى بِسُلطان على البشريَّة، ولا يُعْطي لله حقًّا أن يمدَّ لها منهجًا ربانيًّا يُضِيء لها الطريق في هذه الحياة الدُّنيا، مذهبٌ لا يُعبِّد النَّاس لَرِبِّهم وخالقِهم، ولا يجعل لله تعالى دِينًا يحكمهم ويهديهم.

إنَّ العلمانية تَعْني: فَصْل الدِّين عن الحياة، فَصْل المخلوق عن منهج خالقه ومعبوده، فلا دَخْلَ للدِّين في شؤُون الإنسان، لا في مأكله وملبسه، ولا في اقتصادِه وحُكْمِه وسياسته، فلا يقول الدِّين للإنسان: هذا حلالٌ، وهذا حرام، ولا يقول أيضًا: هذا شِرْك، وهذا إيمان، إنَّ العلمانية في إيجاز هي اللاَّدين، وكما قال قائلهم: "دَعْ ما لِقَيصر لقيصر، وما للهِ لله".

إنَّ العلمانية تَعْني: الطَّعن في الشريعة الإسلامية، وأنها شريعة بالِيَة ذاتُ طقوس وشعائر لا تُمارَس إلاَّ في دور العبادة.

وإن العلمانية تعني: إحياء الوثنيَّات القديمة، كالفِرْعونيَّة وغيرها، وإشغال الأجيال بتعظيم هذا التُّراث البائد، ودَعْم المُؤَسَّسات ودُور الثَّقافة؛ لإحياء الجاهلية من جديد على صفحة التاريخ البشَرِي.

وإن العلمانية تعني: الوقوف أمام تَحْكيم الشريعة الإسلامية؛ لأنَّها عندهم ليست مَنْهج حياة، وهذا عَصْر الحُرِّية وزمانُها، فلْيَعبد مَن شاء ما شاء.

وإن العلمانية تعني: مُحاربة القِيَم والأخلاق والحضارة الإسلامية؛ لأنَّها تَعْمل على هَدْم العلاقة بين الخالق والمخلوق، وبين العبد والمعبود، فلا رقابة لله عليه ولا سُلْطان، ولا ثوابَ ولا عقاب، ولا جنَّة ولا نار، فالمرأة في العلمانيَّة حُرَّة في جسَدِها تهَبُه مَن شاءَتْ، وتتحرَّك بإرادتها متى وكيف شاءت، فلا دين يَحْكُمها، ولا زوج يَأْمُرها، ولا أب يؤدِّبها، ولا قرآن يَهْديها.

وكذلك العمل على نَشْر الشُّذوذ الجنسي والإباحيَّة بلا خجل أو وجَل، فالعلمانية تعني الكُفْر بالآخرة؛ إذْ لا ثواب ولا عقاب، ومِن ثَمَّ لا حساب.

هذه هي العلمانيَّة في كلمات، والتي أراد الدكتور أن يساوي بها منهج السَّلف، في أنَّ السَّلفية جاءت كردَّة فعل للمجتمعات، كما حدث مع العلمانيَّة في الغرب، وهذا غريب جدًّا.

ونحن نسأل: ماذا قدَّمَت العلمانية للبلاد الإسلامية؟ وماذا أنتجَتْ من ثمار؟ إنَّ وجود العلمانية في بلاد الإسلام أدَّى بالأمَّة إلى الفرار، ولكن إلى مستَنْقَع الفاحشة والعُرْي والزِّنا، والفرار إلى الخنا والإباحيَّة، والإسفاف بالأخلاق والتميُّع بالقِيَم، فماذا حصدت الأمة من وراء ذلك؟ ما حصدت إلاَّ ضياع الأعراض، وانتهاك الحرُمات، وفساد الأخلاق وانحلالها، وانتشار الفواحش والعُرْي علَنًا، وتمرُّد الأجيال، وانتشار الأوبئة والأمراض الخبيثة؛ كالزُّهري والسَّيَلان المنَوِي، وأخطرها مرض الإيدز المُدمِّر، والذي لا يزال الطِّبُّ الحديث عاجزًا عن معرفة طُرُق الشِّفاء منه.

وفَرَّت الأُمَّة كذلك إلى التعامل الرِّبَويِّ وإعلان الفوائد المحرَّمة، والإسهام في البورصات العالمية والاستثمارية، فما حصدَتْ إلاَّ انتشار الفقر والبطالة بين الأجيال المتلاحقة، وما حصدت إلاَّ انتشار الفساد الاقتصادي، والسرقة المُعْلَنة في مقدَّرات الأُمَّة وثرواتها وممتلكاتها.

وفرَّت الأمَّة أيضًا إلى تحكيم القوانين الوضعيَّة المستوردة، فما حصدت إلاَّ ضياع نعمة الأمن والأمان، وظهور الحرام بكلِّ صُوَره وأشكاله، من أَخْذِ الرِّشوة، والسرقة، وشهادة الزور، وأكل الرِّبا، وأكل أموال الناس بالباطل، وما حصدت إلاَّ استعباد الأُمَم الكافرة لها، وتحكُّمها فيها، وإدارة شؤونها وحياتها ومقدَّراتها، والعبث بِأَمْنِها وأخلاقها وعقيدتها، حتى صارت الأُمَّة قَصْعة مستباحة لكلِّ أحد، وغنيمة مُشْبِعة، ولعبة مسلِّية بأيدي العابثين.

هذه بعض الثِّمار المُرَّة العلمانية المعاصِرَة في العالم الإسلامي، فضلاً عن آثارها وجراحها في العالَم الغَرْبي والأوربِّي نفسه، والتي لا طريق للخلاص منها إلاَّ بمنهج الله تعالى وشريعته.

أما السَّلفية من جانب آخر، فهي تَعْني: الاتِّجاه المقدَّم للنُّصوص الشرعية على البدائل الأخرى منهجًا وموضوعًا، الملتَزِم بِهَدْي الرَّسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – وهَدْي أصحابه عِلْمًا وعَمَلاً، المُطَّرِح للمناهج المخالفة لهذا الهَدْي في العقيدة والعبادة والتشريع"[1].

أو هي: اصطلاحٌ جامع يُطْلَق للدلالة على منهج السلف الصالح في تلَقِّي الإسلام وفهمه والعمل به، وللدلالة على التَّمسُّك بهذا المنهج، والعَضِّ عليه بالنواجذ؛ إيمانًا وتصديقًا واتِّباعًا.

إن السَّلفية ليست مذهبًا مُبْتَدعًا، ولا طريقًا مخالِفًا، كلا، إنَّما السَّلفية تعني: الدَّعوة إلى الإسلام دين الله الحق، المُنَزَّل من عند الله تعالى، الذي أَرسل به جميع أنبيائه ورسُلِه، هُداةً للعالَمين ورَحْمة لهم، وعلى رأسهم النبي محمَّد – صلَّى الله عليه وسلَّم – الذي اصطفاه الله لهذه الدَّعوة والرِّسالة الخاتمة لجميع الدعوات والرِّسالات: ? وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ? [سبأ: 28]؛ الآيةَ".

كما أنَّ الدعوة إلى منهج السَّلَف تعني: إقامة شريعة هذا الدِّين في الأرض، وإقامة عقائده وشرائعه ومبادئه وأخلاقه، كما أنَّها تَعْني صياغة الحياة البشريَّة كُلِّها بصبغة الربَّانية والعبودية لله تعالى وحده لا شريك له؛ كما قال تعالى: ? قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ?[الأنعام: 162 – 163]، وقال تعالى: ? أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ? [الشورى: 13] الآية".

نعَمْ، صبغة قائمة على عبوديتها لله وحده، وإيمانِها بِكُتُبه ورسله، عبوديَّة قائمة على إفراد الخالق المعبود بالخَلْق والأمر؛ ? أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ? [الأعراف: 54]، عبوديَّة لا تتَّجه إلاَّ على أصول العقيدة والتوحيد، ولا تقوم إلاَّ على الحقِّ والإيمان، فلا عقيدة تستقرُّ في القلوب إلاَّ عقيدة الإيمان بالله والإيمان برسله، والإيمان بكتبه وشرائعه، والإيمان بالبَعْث بعد الموت والدَّار الآخرة دار الجزاء الحقِّ، ولا شريعة تحكم الحياة البشرية وتُقَوِّم مسيرتها، وتهذِّب أخلاقها، وتُصْلِح مجتمعاتها، وتبني سياستها واقتصادها، وحَرْبها وسِلْمَها – إلاَّ شريعة هذا الدِّين الحق؛ لأنَّه الدِّين المُنَزَّل من عند الله وحده، فليس من دين غيره يُقْبَل عند الله كما قال تعالى: ? إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ? [آل عمران: 19] الآية"، وكما قال أيضًا لمن اعتقد دينًا يَدين به سواه: ? وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ? [آل عمران: 85]؛ ولأنَّه الدِّين الذي ارتضاه لها: ? وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ? [المائدة: 3] الآية"، ? وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ? [آل عمران: 102].

ولأنَّه الدِّين الذي ضمَّنه الله تعالى كلَّ جوانب السعادة والهداية في الحياة الدُّنيا وفي الآخرة، ? فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ? [طه: 123 – 124] الآيات"، ولأنَّه دين الحقِّ الجامع لكلِّ مَظاهر الحياة البشريَّة وفق منهج الله تعالى، الشَّامل الكامل، والصَّالح لكلِّ زمان ومكان: ? لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ? [الأنبياء: 10].

إنها ليست دعْوَةً إلى قَمْع البشرية واستعبادها، والسيطرة على مُقَدَّرات الشعوب وأقواتها، ونَهْب أموالها وممتلكاتها، كما فعلَتْه في القرون المتأخِّرة الشيوعيَّةُ الخبيثة المادِّية، بأفكارها ومعتقداتها الإلحادية الكافرة، أو كما تفعله أمريكا وأوربا بِمُبارَكةٍ وتخطيط يهودي صليبِي ماكر، أو حتىَّ ما يفعله أربابُ الأموال والثَّروات من الهنود واليابانيين والصينيِّين، كما أنَّها ليست دعوة للخروج على حُكْم الله وشريعته، بِدَعاوى التقدُّم والعلم والانفتاح العلمي أمام البشريَّة مما يَجْعلها ليست في حاجة إلى شريعة تَحْكمها، ولا دين يُنَظِّم شؤون حياتها، كما أنَّها ليست دعوة مُستمدَّة من العقل والفكر البشري القاصر عن إدراك حقائق الأشياء، ولا الوصول إلى جميع مدلولاتها؛ لِيَصوغ لها قوانين بشرية في شتى مجالات الحياة، ثم يُحَكِّمها فيها، ويقول لها: هذا هو القانون العَصْريُّ الذي يتناسب مع طبيعة هذا الزَّمان.

كما أنها ليست دعوة أيضًا للتعدِّي على آداب الإنسان وحيائِه وحرُماته، وليست دعوة للفوضى والإباحيَّة، والفواحش والمنكرات على حساب شريعة الله والآخِرَة، لكنها دعوة ربَّانية طاهرة، تَسْمو بالإنسان إلى حيثُ هو عند الله من التَّكريم والرِّفعة، وتسمو بأخلاقه وآدابه فيرتفع بإيمانه بالله على دَنايا النَّفْس، وحُبِّ الشَّهوات واللذَّات التي تقودها كثيرًا إلى الهلاك والخسران"[2].

فالسلفيَّة إذًا تعني العودة إلى منهج الإسلام وشريعته، والعودة إلى الكتاب والسُّنة بما كان عليه سلَفُ هذه الأُمَّة وصدرها الأول من أصحاب النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – والتابعين لهم بإحسان.

فكيف يحقُّ إذًا أن نُساوي بين الحقِّ والباطل، وبين الإسلام والكُفْر، وبين الضَّلال والهداية؟! حقًّا إنَّه قياس فاسد، ورأي كاسد، حقًّا إنَّ التخبُّط بعيدًا عن نور العلم والحقِّ، زعمًا أنَّ وجه المشابهة بينهما هو الانعزال عن الحياة، والانخراط في جزئيَّات وفرعيات، لا تُحَرِّك للأمَّة ساكنًا، كان على الدكتور أن يبيِّن الفارق الكبير بين شباب عرَفُوا المساجد والمصاحف، والمَحاريب وحِلَق العلم، وبين شباب تائهٍ متسكِّع في مَحاريب الشيطان وأوكار الفاحشة، وكان عليه أن يأخذ بيد الشباب إلى الله تعالى، وإلى سُنن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – وأن يستنقذهم من لوث الذُّنوب والأهواء، لكنَّه قام يَضْرب الحقَّ بالباطل، والباطِلَ بالحقِّ، وصدق الله تعالى إذْ يقول في كتابه: ? أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ? [القلم: 35 – 38].

كما كان على الدكتور أن يبيِّن للنَّاس أنَّ العلمانية طريقٌ إلى جنَّهم، فلَكَمْ أهلكَت الأُمَّة طويلاً، وأقْفرَت منها الآفاق في البلاد، واصْطَلَت بنارها وجحيمها!

كما كان عليه أن يقول للناس جميعًا: إن الذي يُخَطِّئ شيخ المُحدِّثين، ويُضَعِّف كتابه الصَّحيح – أَعْنِي البُخاريَّ رحمه الله – إنما هو أَخْرق مَعْتوه، لا يتكلَّم بميزان من الحقِّ والعلم.

وأن الذي يُبيح للأُمَّة أكْلَ الرِّبا من فوائد البنوك إنَّما هو مُسْتعْلٍ على الله وأَمْرِه، وأنَّ الذي يدعو إلى الشُّذوذ والإباحية إنما هو مُنْسَلِخ من الفطرة السَّويَّة، والعقيدة الربَّانية، وأن الذي يُبيح للناس شرب الدُّخان في نهار رمضان إنَّما هو صاحب هوًى لاَ اجْتهاد.

كما كان ينبغي عليه أن يقول كلمة الحقِّ في شأن العلمانيِّين والمنافقين، الذين يَسُبُّون أصحاب النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – في بلاد الأزهر، وصَرْح العلم، كما كان عليه أن يبيِّن للأُمَّة حُكْم الشريعة الإسلامية في مُنْكِري السُّنَّة النبوية، الجاحدين لها، والمُحارِبين لأهلها، وكذلك الحُكْم فيمن أنكَرَت الحجاب الشَّرعي الربَّاني، وأنكرت شرعيَّته وفضائله.

كما كان ينبغي عليه مع ذلك أن يبيِّن حُكْم الشَّرع في الحالف بغير الله تعالى، وكذلك الصَّلاة في المسجد الذي نُصِبَت فيه الأضرحة، وقامَتْ لغير الله وحده، وحكم الشَّرع في الذِّكْر الجماعي والتَّمايُل والصِّياح المرتفع، وحكم الشَّرع في شِرْك القبور.

كما كان عليه أن يبيِّن حكم الإسلام في وسائل الإعلام الفاسدة، ومَن يقومون على أمره من الفنَّانين والممثِّلين، والمُطْرِبين والمُخْرِجين، وكيف أنهم قادوا الأُمَّة إلى مستنقع آسنٍ عَفِن من الفاحشة والرَّذيلة باسْم الفن والتنوير.

وبعد كل هذا لست أدري هل يجوز لمسلم في أيِّ مَنْزِلة كان أن يُسَمِّي مُلازمة السُّنَّة، واتِّباعَ الحقِّ تشدُّدًا وتنطُّعًا؟! ولستُ أدري ما هو المقياس الحقُّ للوصول إلى معنى التَّشدُّد والتَّزمُّت، زَعَموا؟!

فهل اتِّباع السُّنة وملازمة هَدْي رسول الله الظَّاهر والباطن محسوب من التشدُّد؟! وهل بيان الحقِّ من الحلال والحرام، والسُّنة من البِدْعة – من التشدُّد؟! وهل البحْثُ عن أهل العلم الصَّادقين، الذين خالطَ الإيمانُ بشاشة قلوبهم وجوارحهم من التشدُّد؟! وهل معرفة حُكْمِ الله تعالى بلا متابعة الهَوى، ومُداهنة السُّلطان من التشدُّد؟! وهل بيانُ مَذاهب أهل البِدَع والأهواء، والمُخالفين لطريق أصحاب النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – من التشدُّد؟!

عفوًا يا دكتور؛ ما تُورَدُ المَسائل هكذا، وما يصحُّ القياس بهذا، إنَّ اختلال ميزان الحقِّ في القَلْب يُورِثُه اختلال الظَّاهر، والعكس بالعكس.

إن الأُمَّة اليوم لا تحتاج إلى مِثْل هذه العبارات المُلْهِبة للفِتْنة، لكنَّها في حاجة إلى عالِم ربَّاني، وقائد بصير، يأخذ بها إلى منهاج الحقِّ والنُّبوة، ويَسير بها نَحْو سبُل النَّجاة، فمتى يعي هذا الدَّرسَ أبناءُ أُمَّتِنا، وحامِلو رايَتِها؟!

ــــــــــــ

[1] "السَّلفية وقضايا العَصْر"، للدكتور الزنيدي، ص 49.

[2] "الدعوة السَّلفية"، عاطف الفيومي.

 

 

 

المصدر: الألوكة