طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > نعم للاغتراب لا لزواج الأقارب(جمال عبد الناصر)

ملتقى الخطباء

(2٬247)
204

نعم للاغتراب لا لزواج الأقارب(جمال عبد الناصر)

1431/08/03
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

 

جمال عبد الناصر

كثيرٌ من مجتمعاتنا العربية والإسلامية ما زالت – للأسف الشديد – تسيطر عليها وتحكمها عاداتٌ قبلية؛ ألا وهي: لا بُدَّ من تزويج البنات لأقاربهن، سواء أكان هذا القريب كفئًا لهذه البنت أم لا، وسواء كان في مثل سنها أو يقترب منها أم لا، سواء كان متقاربًا معها في المستوى الثقافي والتعليمي أم لا، سواء كان على خُلُق ودين أم لا، المهم أنه قريبها، المهم أنه ذو حسب ونسب، المهم أنه له أصل! ومن أين جاء الناس؟ أَوَلَيْسُوا من أصول؟! أَوَلَيْسُوا من بني آدم؟!
 

ومن هنا ارتفعت نسبة العنوسة في كثيرٍ من بلدان العالم الإسلامي، التي ما زالت تسيطر عليها هذه العادات والتقاليد، وكَثُر الانحراف، ووُجِدَت جرائم الاغتصاب، وزنا المحارم – والعياذ بالله – وانفجرت الغريزة الأنثوية على الإنترنت تنادي على مَنْ يتلذَّذ بها في الحرام؛ فقد حُبِسْن ومُنِعْن من الحلال، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
 

أيُّها الوليُّ والأب المسلم، ماذا تقول لله – عز وجل – يوم القيامة، عندما تأتي ابنتك أو أختك وتحاجُّك أمام الله قائلة: يا رب، سَلْه: لِمَ زوَّجني مُكْرَهة؟! سَلْه: لِمَ ظلمني؟! يا ربِّ سَلْه: لم منعني من الزواج؟! اذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول)).

علمًا بأن ديننا الحنيف شنَّ حربًا شعواء على الجاهلية بكلِّ متعلِّقاتها، وكان الحبيب المصطفى – صلى الله عليه وسلم – يقول لمن أخطأ في حضرته من أصحابه أو تلفَّظ بلفظة جاهلية؛ كأن عيَّر شخصًا بأمه، أو تفاخَر على غيره: ((إنك امرؤ فيك جاهلية))، وقال- صلى الله عليه وسلم -: ((أفبدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم؟!))، ((دعوها، فإنها منتنة))… إلخ.

هذا يدعونا لنبذ الجاهلية ومتعلقاتها، فينبغي علينا إذًا ألاَّ نلجأ لمثل هذا الزواج إلا عند التوافق أو التكافؤ أو المصلحة الشرعية.

أمَّا أن تُربط النساء وتُعضَل حتى يأتيها ابن عمها أو قريبها أو مَنْ له أصلٌ يناسبها – فتلك لعمري عادةٌ جاهلية، فمن أين جاء الناس؟ أَوَلَيْسُوا من أبينا آدم – عليه السلام؟! كما قال النبي العدناني- صلى الله عليه وسلم -: ((كلُّكم لآدم، وآدم من تراب))، وكما قال ربنا – جل في علاه -: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].
 

حتى إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لمَّا ذكر أقرب الناس مجلسًا منه يوم القيامة لم يقل: بنو عمي ولا أقاربي، بل قال- صلى الله عليه وسلم -: ((أتدرون أيكم أقرب مني مجالس يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقًا، الموطَّؤون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون…)).

الاغتراب مطلوب هندسيًّا: بل إن الاغتراب في الزواج فيه مصلحةٌ؛ حيث إنه يقوِّي النسل ويوسع الروابط الأسرية والصِّلات بين الناس، والاغتراب يقوِّي النَّسل، وهو ما أكَّده علماء الهندسة الوراثية؛ لذلك حثَّنا علماؤنا وفقهاؤنا عليه؛ جاء في "مغني المحتاج" في فقه الشافعية: أن "الشافعي نصَّ على أنه يستحبُّ للرجل ألا يتزوَّج من عشيرته، وعلَّله الزنجاني بأنَّ من مقاصد النكاح اتِّصال القبائل؛ لأجل التعاضد والمعاونة باجتماع الكلمة".
 

ومن هنا يتَّضح لنا أن التعليل المقبول في استحباب الزواج من النساء البعيدات لا القريبات في النسب؛ من أجل توسيع دائرة الروابط الاجتماعية المؤثِّرة في تحقيق التواصل والتعاضد والتعاون بين أطراف هذه الروابط.
 

ويُلاحَظ أننا مطالبون بتقوية النسل والنشء الجديد، فقد جاء في كتاب "المغني" لابن قدامة الحنبلي: "ويختار الأجنبية؛ فإنَّ ولدها أنجب، ولهذا يقال: (اغتربوا لا تضووا)؛ يعني: أنكحوا الغرائب؛ كيلا تضعُف أولادكم؛ ولأنَّه لا تؤمَن العداوة في النكاح وإفضاؤه إلى الطلاق، فإذا كان في قرابةٍ أفضى إلى قطيعة الرحم المأمور بصِلَتِها"، وهذا القول يصلح أيضًا تعليلاً مقبولاً لترجيح نكاح البعيدات.
 

والراجح في مسألة اختيار المرأة القريبة أو البعيدة هو أن تنظر كل مسألة على حِدَة؛ لأن هذا الاختيار يُرَاد به تحقيقُ المصلحة الشرعية الراجحة، سواء جاءت هذه المصلحة بزواج البعيدة أو القريبة، وهذا يختلف باختلاف الظروف والأحوال، فلو كانت القريبة يتيمةً لا كافل لها وهي متديِّنة، فالزواج بها أَوْلى وأرجح من الزواج بالأجنبية؛ لأن الأقربين أولى بالمعروف، والزواج بهذه اليتيمة القريبة معروفٌ لا شكَّ فيه، ويحقِّق مصلحة شرعية مؤكَّدة ترجح على ما يظن من المصلحة بزواج الأجنبية.
 

لا للبدل أيضًا:
أيضًا يشابه زواجَ الأقارب زواجُ البدل؛ كأن يبادل الرجل أخته بأخت صديق له يتزوَّجها ويزوِّجه أخته مكانها، وفي المَثَل البدوي: (البَدَل قِلَّة عَدَل)؛ فقد يتخاصم أحدهم مع امرأته فيطردها أو يطلِّقها، فيضطر الثاني الذي يعيش في وفاق مع امرأته أن يقابِلَه بمثل صنيعه، وإن لم يفعل فإنَّ الأَوَّل الذي طرد زوجته يستدعي أخته ويحجزها عنده؛ حتى تنتهي المشكلة، إما بعودة النساء إلى بيوتهن، أو بطلاقهن.
 

فالفائدة من هذا الزواج مهما كانت فإنها لا تُعَدُّ أكبرَ من كونها تزيد الروابط الاجتماعية، ومع ذلك فهي تتحقَّق بأيِّ زواج آخر، وسلبيات زواج البدل عديدة؛ لأن كِلاَ الزواجين يرتبط تلقائيًّا بالآخر، فما يحدث في أحدهما ينتقل إلى الآخر.

وهذا الزواج نادرًا ما ينجح، والواقع أثبت ذلك؛ حيث إنه إذا انتهى أحد الزواجين بالطلاق نتيجة وجود ما يعكِّر صفو الحياة الزوجية، وجدنا أن الزواج الآخر ينهار ويحدث الطلاق مع أنه لا يوجد ما يوجب الطلاق، بل العكس تمامًا ربما كان زواجًا ناجحًا، والزوجان يعيشان في انسجام ووئام.
 

البدل يشتت الأسر ويمزق البيوت, فكم من زوج وزوجة عاشَا متحابَّين سعيدَين متوافقَين فإذا بِعَادة البدل تقضي على حبهما، وتنتزع أحدهما من حضن الآخر دونما ذنب أو جريرة، فما ذنب تلك الزَّوجة التي تعيش سعيدة مع زوجها وأطفالها حتى تطلَّق؟! إنها في ذلك تتعرَّض لظلم فادِح، وما ذنب الزوج الذي يضطر إلى تطليق زوجته دونما ذنب أو جرم ارتكبته؟! مع أنه يتحمل جزءًا من المسؤولية؛ لأنه قام بزواج البدل من الأساس.

وأخيرًا: فلنَعُد إلى قواعد ديننا، ولنجعله هو الفيصل، مصداقًا لقول نبينا الكريم- صلى الله عليه وسلم -: ((فاظفر بذات الدين تربت يداك))، وقوله: ((إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه)).

الألوكة