طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > مسؤولية الأسرة تجاه الخاطب 2(عبد العزيز بن محمد السدحان)

ملتقى الخطباء

(2٬365)
190

مسؤولية الأسرة تجاه الخاطب 2(عبد العزيز بن محمد السدحان)

1431/08/01
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

الشيخ عبد العزيز بن محمد السدحان

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إن الحمد لله..

أما بعد:

معاشر المسلمين: كان الكلام في الجمعة الماضية عن مسؤولية الأسرة تجاه الخاطب ومدى أهمية هذا الأمر الذي يتعلّق بمصلحة الفتاة خاصة, ومصلحة بين أهلها عامة, وسبق القول بأنّ فلك هذا الموضوع يدور فيه سبعة أمور, تقدّم ذكر ثلاثة منها، وهي :
اختيار الولي الزوج الصالح لابنته عند تقدم الخطاب، والثاني: استشارة الفتاة في خطيبها، والثالث: البحث عن زوج صالح لابنته، في حالة عدم مجيء أحد يصلح زوجا لها.

وقبل ذكر الأمور الأربعة المتبقية, لا بدّ من التنبيه في حال بعض الأولياء, الذي لا يكون له في أمر زواج ابنته حلّ ولا عقد, بل الأمر كله في يد زوجته، فهي التي بيدها مبدأ القبول للخطيب أو الرد، بل والأدهى من ذلك والأمرّ أن ذلك الوالد لا يُرْجَع له في استشارة ولا رأي، إنما هو مجرّد ناقل، وليس بقائل، ناقل لكلام زوجته إلى الخاطب، وكلام الخاطب وشروطه إلى زوجته.

فواعجبا! أين القوامة التي جعلها الله له في قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء)؟ وأين هيبة الرجولة والولاية؟ ولكن..

ولا عجبًا أن النساء ترجّلت *** ولكن تأنيث الرجال عجيب

لكن من الإنصاف أن يقال: إن بعض الآباء ضعيف الإدراك, غلبت عليه غفلته, حسن ظنّه المفرط بكل أحد, مما جعل رأيه هامشيّا لا قيمة له.

لكن الشأن في أولئك الأولياء الذين يعرفون مناقب الخاطب ومثالبه ومع ذلك كله، فلسان حاله: ( فلن أكلّم اليوم إنسيّا)؛ لثقته المفرطة في أن رأي الزوجة هو المقدم لا رأيه هو، أو يزعم أن الأمر يتعلّق بإبنته، فلها القبول إن شاءت أو الرد، كان المتقدم ما كان, ويظن المسكين أن صمته في هذا الموطن أولى. وعودا على بدءٍ يقال:

الأمر الرابع: النظر إلى المخطوبة، وهذا الأمر يعدّه بعض الناس عارا وشنارا وعيبا، بل إن بعض الآباء عنده استعداد تام لأن تبقى ابنته أيّما طيلة حياتها دون أن يتنازل عن رأيه وإصراره طرفة عين، بل ويشنّع على من رخص للخاطب أن يرى مخطوبته، ويعد ذلك من العيب.

ولهذا وأمثاله يقال: إن هذا الأمر مشروع في السنّة, بل وحثّ عله النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: " إذا خطب أحدكم امرأة فلينظر إليها", وقد جاء بيان الحكمة من النظر في قوله صلى الله عليه وسلم: " فإنه أحرى أن يُؤدَم بينكما "، يعني أن يتفقا نفسيّا وتتآلف قلوبُهما, بل وإن تعجبوا فعجب أن الشارع الحكيم حثّ على النظر إلى المخطوبة حتى ولو لم تعلم به المخطوبة, قال صلى الله عليه وسلم –كما في بعض الروايات-: " فلينظر إليها وإن كانت لا تعلم بذلك ", وجاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قَالَ: " خَطَبْتُ جَارِيَةً فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا مَا دَعَانِى إِلَى نِكَاحِهَا وَتَزَوُّجِهَا فَتَزَوَّجْتُهَا" رواه أبو داود.

فيا أيها الوليّ: إن أراد الخاطب رؤيتها فامتنعت الفتاة فحاول أن تمكّنه من رؤيته لها، دون علمها، ففي ذلك مصالح كثيرة، وخير كثير.

الأمر الخامس: من براءة الذمة أن يخبر الوليّ للخاطب بما يكون في تلك المخطوبة من الأمور التي قد تحل عقد الزوجية إذا علِم بها الزوج، وذلك مثل: العيب الخلْقيّ الواضح، أو المرض الخطير، أو ما يكون من الأمور التي لو كانت في الخاطب وأخفاها عليهم, ثم علم بها الوليُّ لسارع بفسخ عقد النكاح.

وأنت – أيها الوليّ – في مقام الأمانة في كلامك للخاطب فلا تُخْفِ عليه شيئاً سيعلم به بعد الزواج، فيترتّب عليه هدم بيت الزوجيّة، بل إن كتمُك لما في ابنتك من العيوب المنفّرة يعتبر من الخيانة؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرّشْد في غيره فقد خانه " أخرجه أبو داود وابن ماجة والحاكم.

والناظر في سير سلفنا الصالح يرى أنهم قد ضربوا أروع الأمثلة في مجال المسؤوليّة، ومما يتعلّق بموضوعنا هذا ما ذكره الإمام الذهبي – رحمه الله تعالى- في سير أعلام النبلاء: أن رجلاً جاء إلى ميمون بن مهران يخطب ابنته، فقال ميمون: " لا أرضاها لك, قال الخاطب: ولمَ؟ فقال ميمون: لأنها تحبّ الحُليّ والحُلَلَ، فقال الخاطب: فعِنْدي من هذا ما تريد, فقال ميمون: الآن لا أرضاها لها ".

فانظروا – يا رعاكم الله – جعلَ غلوّها في محبّة الحلي والحلل عيبا ينبغي ذكره للخاطب؛ خشية أن يصدم الزوج بها، لكنه لما رأى رغبة الزوج في مطاوعتها على خطئها ردّ ذلك الخاطب؛ لأنه كان يأمل أن يكون مقوِّما لعوجها، فلما رأى أنه سيزيد عوجها لم يقبله.

فالله نسأل أن يصلح أحوالنا وأن يعيننا على أداء ما حمّلنا.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين..

أما بعد:

معاشر المسلمين: استكمالا للحديث يقال:

الأمر السادس: السؤال والبحث عن حال الخاطب، وهذا من المسؤولية بمكان عظيم، فبعض الأولياء قد يتقدّم إلى ابنته خاطب لم يكن له عنده سابق علم أو معرفة, فيكتفي ببحث يسير أو معرفة عامة عن ذلك الخاطب، وهذا لا يكفي في هذا المقام، بل عليك -أيها الولي – أن تتحرّى وتسأل حتى يتبيّن لك حاله أتمّ بيان، فإمّا أن تقبله براحة، أو تردّه بقناعة.

ولا بدّ أن يقال في هذا المقام: إن بعض الأولياء من كبار السنّ يكتفي بسؤاله لأصحابه وجلسائه هو، والغالب أن كبار السنّ لا يحيطون بأمور الشباب, ودواخل شؤونهم كما يعرف الشباب بعضهم بعضا، ولذا فإن عليك أن تتحرى فيمن تسأل, فاسأل إمام المسجد، أو أحدَ جماعة المسجد عن مدى محافظة الخاطب على الصلاة أولاً, ثمّ سلْ عن سيرته غير واحد من الناس، بل إن دعا الأمر إلى أن تسأل عنه في مكان عمله؛ لتقف على حقيقة ذلك الخاطب فافعل، ولا تظنّ أن هذا من التكلّف والتنطّع، بل هو – والله – من تمام المسؤولية، خاصة إذا لم يكن لك سابق معرفة بذلك الخاطب.

وفي المقابل: ليتق الله أولئك الذين يُسألون عن الخاطب, وليعلموا أن ذلك السائل قد جعل تزويج ابنته متوقّفا على كلامهم وحُكْمهم، فليصْدُقوا القول, وليخلصوا النصح للسائل، فيخبروه بما يعرفون مما يرغّبه فيه أو ينفّره عنه، أخرج مسلم في صحيحه أن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستشيره في أمر رجلين خطباها, أيهما أولى, فقالت يا رسول الله: خطبني معاوية، وخطبني أبو جهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمّا معاوية فرجل ترِبٌ خفيف الحال لا مال له، وأما أبو جهم فضرّاب للنساء"، وفي رواية: " فلا يضع العصا عن عاتقه "، فأبدى لها صلى الله عليه وسلّم حقيقة الرجلين، ثم قال صلى الله عليه وسلم مشيرا عليها: " ولكن عليكِ بأسامة بن زيد"، فقالت بيدها هكذا أسامة أسامة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " طاعة الله وطاعة رسول الله خير لكِ "، قالت: فتزوّجته فاغتبطتُّ.
أريتم كيف تكون ثمرة النصح الصادق والمشورة البارّة؟!

الأمر السابع والأخير: ما يتعلّق بغلاء المهور, وما أدراك ما غلاء المهور؟ غلاء المهور من قواصم الظهور, تلك القاصمة والمصيبة التي أكثرت العوانس في البيوت, وتضاعفت بسببها ظاهرة العزوبة في شباب المسلمين.

فكم من فتاة عانسة جلست حبيسة دار أبويها, عالة على أهلها, والسَّبب أن أباها فرض شرطا ماليّا, وجعل ابنته سلعة تجاريّة يساوَم عليها, فيا سبحان الله! أين رحمةُ الأبوّة وشفقتها, وأين الإحسان والإدراك لما ركّبه الله في الأنثى من غريزة حبّ بيت الزوجيّة، والتفيّؤ تحت ظلاله؟

عجباً لك – أيها الوليّ – لمَ تحْرِمْها من الذرّية التي تقرّ بها عينها, وينشرح بها صدرُها؟ فلمَ تكون عائقا لها؟

ثم – أيُّها الوليُّ – أما علمت أن المرأة أرقّ شعورا من الرجل؟ فكيف يكون حال هذه المسكينة إذا رأت بنات عمّها, أو بنات خالها وهنّ يحملن أطفالهنّ، ويرُحْن ويغْدَيْن مع أزواجهنّ, وهذه المسكينة تحترق كمدا وغمّا بسبب لُعاعة قليلة من المال تأخذها من الخطّاب؟

معاشر المسلمين: يتذاكر بعضُ الناس قصةً مفادُها: أن رجلاً ردّ خُطّاباً كثيرين تقدّموا إلى ابنته، وتلك المسكينة تنتظر موافقة أبيها في كل مرة، حتى تكون أُمّا تنعم بما تنعم به بنات جنسها من تكريم الزوج، وبرّ الأولاد، وحتى يكون لها كيان مستقل في بيت زوجها, لكن ذلك الوالد الذي طغى حبُّ المال والجشع على قلبه لم يلقِ اهتماما بحال ابنته؛ لأنّه كان ينظر إلى جيب الخاطب قبل أن ينظر إلى قلب ابنته.

شاهد القصة: أن تلك الفتاة تجاوزت سنَّ الخامسة والثلاثين وهي على ذلك الحال مع والدها، حتى عزف الخطّاب عنها, واقبلوا على غيرها، فلمّا رأت ذلك، بلغ منها الضيق والهمّ مبلغاً ألزمها الفراش، وتزايد المرض النفسي عليها، فجاء ذلك الوالد يريد مواساتها، ولم يعلم أنه السبب في هذا كلّه, فقالت: يا والدي، قل : آمين, فقال: آمين، فقالت: حرمك الله الجنّة كما حرمتني السّعادة في حياتي. فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

اللهمّ هيّئ لنا من أمرنا رشداً، وأصلح جميع شئوننا، اللهمّ ارزقنا برّ آبائنا وأمهاتنا، وارزقنا اللهمّ برّ أبنائنا وبناتنا بنا.
اللهم أعنا على تحمّلْنا, ووفّقنا لصالح القول والعمل، إنك سميع مجيب.