طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > مسؤوليّة الأسرة تجاه الخاطب 3 (عبد العزيز السدحان)

ملتقى الخطباء

(2٬563)
189

مسؤوليّة الأسرة تجاه الخاطب 3 (عبد العزيز السدحان)

1431/08/01
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

 

إن الحمد لله ..

أمّا بعد

معاشر المسلمين: تقدّم في جمعتين كلام حول مسؤوليّة الأسرة تجاه الخاطب، وبقي في هذا الشأن بعضُ الأمور التي تهاون بها بعضُ الأولياء، ولم يلقوا لها بالاً، يحسبون أمرها هيّناً وهو عند الله عظيم، وبعض تلك الأمور قد يكون سببا في انحلال عقد الزواج، ومن أعظم تلك الأمور:
– تذرّع بعض الآباء بقبول الخاطب وإن كان مقصّرا في الصلاح؛ بحجّة أن ذلك الوالد يخشى إن ردّ ذلك الخاطب ألاّ يتقدّم أحدٌ لابنته بعد ذلك، والجواب على هذا التوهم من وجهين:
الأوّل: ما سبق بيانه أن من تمام المسؤوليّة أن يبحث الوالد عن زوج صالح لابنته في حال عدم مجيء أحد من الخُطّاب، أو مجيء من لا يصلُح.
الثاني: أن بقاء الفتاة أيّمًا في بيت أبيها خير لها من تزويجها برجل لا يصلي أو متهاون بأداء الصلاة. فكثل هذا الزوج فيه شرّ على الزوجة، وشرّ على والدها وأولادها، وشرّ على الزوج نفسه.
شرّ على الزوجة؛ حيث إن ذلك الزوج قد يؤثّر على زوجته فيزيد خطره، ويستطير شرره.
وشر على والدها؛ حيث إنه أعان الزوج على منكره وجرمه.
وشرّ على الزوج نفسه؛ لأنه قد يستمرئ ذلك المنكر فيصبح طبعا له، ويرفع عقيرته في ردّ من أنكر عليه، بحجة أن فلانا زوّجه ابنته.
وشر على أولادها؛ لأنهم ربما يتأثّرون بسلوك والدهم.

فيا أيها الوليُّ: اعلم – رعاك الله – أنك إذا رددت ذلك الخاطب طاعة لله، وابتغاء مرضاته، فاستبشر من الله خيرا، وتذكّر قول النبي صلى الله عليه وسلم: " اعلم أنك لن تدع شيئاً لله إلا عوّضك خيرا منه ".

فالحذر الحذر – معشر الأولياء – من تزويج تارك الصلاة أو المتهاون بها، واصغوا سمعكم – رعاكم الله – إلى كلام أهل العلم في شأن تارك الصلاة؛ لنعلم مدى الخطر الذي تهاونت به كثير من الأُسر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : " … من يمتنع عن الصلاة المفروضة، فإنه يستحق العقوبة الغليظة باتفاق أئمة المسلمين، بل يجب عند جمهور الأمة كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم أن يستتاب، فإن تاب وإلاّ قُتِل، بل تارك الصلاة شرّ من السارق والزاني وشارب الخمر وآكل الحشيشة"، وقال –رحمه الله – أيضًا: " ومن ترك الصلاة فينبغي الإشاعة عنه بتركها حتى يصلّي، ولا ينبغي السلام عليه، ولا إجابة دعوته، ثمّ قال: والمحافظ على الصلاة أقرب إلى الرحمة ممن لم يصلَّها ولو فعل ما فعل".

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتب العيال عن الشعبي – رحمه الله – أنه قال: " من زوّج فاسقاً، فقد قطع رحمه"، وأخرج أيضًا عن سلاّم بن أبي مطيع أنه قال: " لا أعلمه يحلّ لرجل أن يزوّج صاحب بدعة، ولا صاحب الشراب، أما صاحب البدعة فيدخل ولده النار، وأما صاحب الشراب فيُطْلِق ولدَه ولا يعلم ويفعل ويفعل..".

فإذا كان هذا في شأن الفاسق والشارب فكيف بمن هو أعظم؟ جاء في إجابات اللجنة الدائمة للبحوث العلمية م نصّه: "اختلف العلماء في تارك الصلاة عمدا من المسلمين إذا لم يجحد وجوبها، فقال بعضهم: هو كافر كفرا يخرج من ملة الإسلام ويعتبر مرتدا ، ويستتاب ثلاثة أيام فإن تاب فيها وإلاّ قتل لردته، فلا يصلى عليه صلاة الجنازة، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يسلم عليه حيّا ولا ميتا، ولا يرد عليه السلام، ولا يستغفر له ولا يترحّم عليه، ولا يرث ولا يورث ماله، بل يجعل في بيت مال المسلمين، سواء كثر تاركو الصلاة ام قلوا، فالحكم لا يختلف بكثرتهم وقلّتهم.

وهذا القول هو الأصحّ والأرجح من حيث الدليل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر أخرجه أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح، وقوله صلى الله عليه وسلم: " بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة" أخرجه مسلم في صحيحه مع أحاديث أخرى في ذلك..إلى آخر ما جاء في جواب اللجنة.

وفي سؤال ما نصّه: إن الله حرّم علينا الزنا، وحرّم علينا ترك الصلاة، فأيُّ ذنبهما اكبر من الآخر؟ أجابت اللجنة الدائمة بما نصه: "ترك الصلاة أعظم ذنبا من فعل الزنا؛ لأن ترك الصلاة كفر أكبر يخرج من الإسلام، أما الزنا فمن كبائر الذنوب، لا يكفّر صاحبه إذا لم يستحلّه، ولكن يجب عليه الحدّ الشرعي إذا رفع أمره إلى السلطان".

ومما ينبغي التنبيه عليه: تهاون كثير من الأولياء في شأن الخاطب الذي يتهاون بالصلاة؛ بحجة أن غيره قد كانوا على شاكلته ثم منّ الله لعيهم بالهداية، هكذا يحتجّ بعضُ الأولياء، ولا شك ولا ريب أن هذا من تلبيس الشيطان عليهم، وإلاّ فهذه حجّة داحضة، سقوطها يغني عن إسقاطها، وبطلانها يعني عن إبطالها.

وإلاّ فبأيّ وازع يسمح الولي لنفسه أن يزوّج ابنته من رجل يتهاون بالصلاة؟ فمن لم يراقب الله ويقوم بما أوجب الله عليه، فمن باب أولى ألاّ يقوم بحقوق زوجته وأولاده، بل قد يتعدى ذلك إلى تأثّر أهله وأولاده بسوء سيرته وضعف ديانته، وقد حصل في غير بيت من بيوت المسلمين من هذا الصنيع ما يندى له الجبين, ويتحمّل الولي في ذلك جزءا كبيرا من الإثم.

ومما ينبغي التنبيه عليه أيضاً: أن بعض الأولياء إذا تقدّم لابنته شابّ متهاون بالصلاة فإنه يعطيه الموافقة التامة، فإذا كلّم ذلك الولي في الموافقة على شاب هذا شأنه في أمر الصلاة، أحتج بأن ابنته نفسها متهاونة في أداء الصلاة، ولا مانع من قبول رجل على شاكلتها, هكذا يحتج بعضُ الآباء. ولا ريب أن هذا من ضعف المسؤولية، وإلا فكان الأولى به أن يبحث عن زوج يعينها على نفسها والشيطان، وأن يكون ذلك الزوج مقوّيا لها لا أن يكون سببا في زيادة عوجها وخللها.

ومن ذلك أيضا: ان بعض اولياء أمور البنات يقول: إني زوّجت فلانا، وكان مصليا ثم لم يلبث أن ترك الصلاة أو تهاون في آدائها، فما حيلتي في مثل هذا؟
وجواب ذلك: عليك بالدعاء له بالهداية والسداد وناصحه وذكره بالله تعالى، وأوصِ بعض أهل الخير بمكالمته ومناصحته، فإن لم ينفع معه النصح ولم يزل مصرا على معصيته العظيمة، فاستفتِ أهل العلم في أمره، وعن حكم مجالسته أو مكالمته، بل قبل ذلك عن حكم استمرارية عقد الزوجية مع ابنتك، أو اختك أو من ولاّك الله أمرها.

قال الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله – ولو تزوّجها وهو كفء لها, ثم تعاطى شيئا من أسباب الفسق، فلها ولأوليائها المطالبة بالفسخ، وكذا لو جهلوا أو تظاهر أنه تقيّ، ثم تبيّن لهم أنه يتعاطى المحرمات، فهذا العقد – لاشكّ – ينافي الكمال" اهـ

وعلى هذا فاحرص – أيها الوليّ – على عدم التهاون بمن كان هذا شانه، وبادر بفعل ما تستطيع من الأسباب في إصلاح ذلك الزوج، فإن اهتدى فلك وله، وإن كانت الأخرى فلك وعليه.
على المرء أن يسعى إلى الخير جهده *** وليس عليه أن تتمّ المقاصد
شاهد المقال: أن حرصك على مناصحته وهدايته فيه نفع لك وله ولزوجته، نفع لك بالأجر المترتب على النصيحة، وببراءة ذمتك من الإثم بإقامة الحجّة عليه، ونفع له أن نصحك له قد يردّه إلى جادة الصواب والرشاد، ونفع لزوجته ببقائها في عصمة رجل يصلي.

اللهم اصلح أحوالنا، وارزقنا البصيرة في جميع أمورنا.

***

 

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله رب العلمين، الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والذي أخرج المرعى.

معاشر المسلمين: مما ينبغي التنبيه عليه أيضا: أن بعض أولياء الأمور إذا تقدم أحد إلى بيته أعطى الموافقة سريعا، طمعا في نسب ذلك الخاطب، أو طمعا في منصبه أو جاهه، أو ظنا منه أن إعطاء الموافقة فورا دليل على الشيم والمروءة، وهذا جهل من الولي، وتسرّع في غير محله، وفيه جناية على ابنته، وبيان ذلك من وجهين:

الأوّل: أنه لا بد من استشارة الفتاة؛ لأن ذلك من حقها. والثاني: أنه قد يكون في ذلك المتقدّم موانع شرعيّة لا تظهر إلا بعد تمام النكاح، وسبب خفاء ذلك تسرع الولي في الموافقة، وعدم البحث والسؤال عن شخص المتقدم.

وكان الأولى بذلك الولي أن يتأنى في موافقته ويتروّى، حتى يكون على بينة مقنعة في شأن الخاطب، يكون على ضوئها القبول والردّ.

ومما يفرّط فيه بعض الأولياءوالأمهات قضية العناية بحقوق الزوج من جهة ابنتهم، فلاحظ أن أولئك الآباء والأمهات لا يدخرون جهدا ولا وسعافي وصيّة ابنتهم, وحثها على المكالبة بحقوقها من الزوج كاملة، كالنفقة وزيارة الأهل مثلاً, بينما يهمل أولئك الوالدان وصية ابنتهم بحق الزوج، وذلك كالخضوع لأمره – في طاعة الله -، وعدم الخروج من البيت إلا بإذنه, وعدم إثقال كاهله بالمطالب والحوائج.

والغالب ان وصية الوالدين لابنتهم شأن حقها دون حق الزوج يعود أثره وضرره على الفتاة خاصة، وعلى والديها عامة؛ لأنهما السبب في ذلك، وأيضاً قد يترتّب على ذلك طلاقها، فترجع ابنتهما عالة عليهما، فيكونان قد جَنَيَا عليها وعليهما.

اوصت أمٌ ابنتها عند قرب زفافها، فقالت في ضمن وصيّتها: " ..أيّ بنيّة، كوني له أمة يكون لكِ عبدا، واحفظي له خصالاً عشرا يكون لكِ ذخرا:
أما الأولو الثانية: فهي الخشوع له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة، وأما الثالثة والرابعة:فالتفقد لمواضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منكِ على قبيح، ولا يشمّ ممنك إلا أطيب الريح، وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت طعامه ومنامه، فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مصغبة، وأما السابعة والثامنة: فالاحتراس لماله والارعاء على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال: حسن التقدير، وفي العيال: حسن التدبير، وأ/ا التاسعة والعاشرة: فلا تعصيّن له أمرا، ولا تفشين له سراً، فإنكِ إن خالفتِ أمرَه أوغرْتِ صدْرَه، وإن افشيتِ سره، لم تأمني غدره، ثمّ إياكِ والفرح بين يديه إن كان مهتمّا(من الهمّ)، والكآبة بين يديه إن كان فرحاً".

وأصى عبد الله بن جعفر ابنته عند الزواج، وجاء في ضمن وصيّته لها: " إيّاكِ والغيرة؛ فإنها مفتاح الطلاق، وإياك كثرة العتب؛ فإنه يورث البغضاء".

اللهم أصلح أحوالنا، وبارك لنا في ذريّاتنا.

اللهمّ اجعل ذرّياتنا قرة أعين لنا..