طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > النظر إلى المخطوبة (عبد الكريم بن صنيتان العمري)

ملتقى الخطباء

(2٬364)
181

النظر إلى المخطوبة (عبد الكريم بن صنيتان العمري)

1431/08/01
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

عبد الكريم بن صنيتان العمري

المدينة المنورة-جامع الصانع
 

 

 

الخطبة الأولى 
 

البصرُ نعمة عظيمة، وهو من جملة النعم التي رَكَّبَ الله تعالى منها جسد ابن آدم، وبه يستطيع المرء أن يتأمل ويتفكَّر في مخلوقات الله، ويصل إلى غايته، ويدير شؤون حياته، ولأهميته البالغة وقيمته السامية جعل الله ثوابه عند فقده الفوز بالجنة إذا صبر من سُلِبَه واحتسب، فعن أنسٍ قال: سمعت النبيَّ يقول: ((إن الله تعالى قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ـ يريد عينيه ـ ثم صبر عوّضته منهما الجنة)) رواه البخاري.

وقد أمر الله تعالى بحفظ البصر، وحرَّم النَظَر إلى المحرمات، وأوجب استعماله فيما ينفع، وصيانته وعدم إطلاقه بتتبع العورات وملاحقة المعاصي والمنكرات، ووعد من غض بصره بأن يورثه لذةً وراحةً في قلبه، ونورًا وإشراقًا يظهر في سائر جوارحه.

ولما كان النظر من أقرب الوسائل إلى ارتكاب الآثام والوقوعِ في المنكر والحرام شددت الشريعة على أهمية العناية به، ولزوم المحافظة عليه، والتأكيد على توظيفه فيما أبيح، وألقت بالمسؤولية على صاحبه: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً [الإسراء:36].

ونظر المرأة الأجنبية إلى الرجل الأجنبي ونظره إليها مما حرَّمه الله تعالى على الذكور والإناث، قال تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُون [النور:30]، وقال جل شأنه: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور:31]، وقال : ((يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة)) رواه أحمد والترمذي.

لكن هذا التحريم استُثني منه، فأبيح في بعض الحالات النظر، وذلك بالاطلاع على ما تدعو إليه الحاجة، وتقتضيه الضرورة. وقد وُضِع لذلك شروط وضوابط ذكرها العلماء، ومن المواضع التي يباح فيها النظر نظر الطبيب والقاضي والشاهد ونحو ذلك.

ومما أبيح فيه النظر وورد بجوازه أدلة ونصوص صريحة وصحيحة نظر الخاطب إلى مخطوبته ورؤيته المرأة التي يرغب نكاحها، وقد دل على الجواز ما يأتي:

1- ما رواه أبو هريرة قال: كنت عند النبي فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله : ((أنظرت إليها؟)) قال: لا، قال: ((فاذهب فانظر إليها، فإن في أعين نساء الأنصار شيئًا)) رواه مسلم.

2- وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله : ((إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل)) رواه أحمد.

قال جابر: فخطبت جاريةً من بني سلمة، فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجها.

3- وعن المغيرة بن شعبة قال: أتيت النبي فذكرت له امرأة خطبتُها، فقال : ((هل نظرتَ إليها؟))، قلت: لا، قال: ((فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)) رواه أحمد والترمذي.

4- وعن محمد بن مسلمة أن رسول الله قال: ((إذا ألقى الله في قلب امرئ خِطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها)) رواه أحمد وابن حبان.

فدلت هذه الأحاديث على استحباب نظر الخاطب إلى الفتاة التي يرغب في تزوجها ومشروعيته، والأمر الوارد في كلامه إنما هو على جهة الندب والإرشاد والمصلحة، والإفادة بأن النظر سبب في دوام الألفة وتمام المودة وحسن العشرة بين الزوجين، فإن رؤيته لها قبل العقد تستريح بها نفسه ويهدأ باله، ويؤدي ذلك إلى استمرار العلاقة الوطيدة بينهما.

ويتعلق بمسألة النظر إلى المخطوبة عدة أحكام مهمة منها:

أولاً: إن جواز النظر للخاطب مشروط بعقده العزم على خطبتها، وإرادة نكاحها، ويأمل إجابة وليها، أو يغلب على ظنه أنه سيجيبه، وبعد أن يطمئن ولِيُّ المرأة إلى دين وخلق وصدق الخاطب وجديته. أما عند عدم الاطمئنان إلى ذلك فلا يصح النظر، لا سيما أن بعض الشباب وضعاف النفوس قد يتخذون ذلك وسيلة إلى الاطلاع على الفتيات والنساء بحجة أنهم خطاب لهن.

ثانيًا: كون نظره قبل الخطبة لا بعدها، لأنه قد يُردُ أو يتراجع إذا لم تعجبه، فيصرف النظر عنها، فلو كان ذلك بعد الخطبة لأدى إلى إيذائها وتَرْكِ شيءٍ في نفسها.

ثالثًا: وجود محرم للمخطوبة عند نظر الخاطب إليها، فلا ينفرد بها في مكانٍ ليس معهما أحد، فإنها أجنبية عنه، والخلوة بها محرَّمة، لحديث ابن عباس قال: قال رسول الله : ((لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم)) متفق عليه.

ولا يعتبر السماح له بالرؤية مبيحًا الخلوة بها، فإنها تبقى على الأصل وهو التحريم، وذلك لما يترتب على الخلوة والانفراد بالمرأة من أضرار ومساوئ لا يحمد عقباها، وقد قال : ((ألا لا يخلونَّ رجلٌ بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان)) رواه أحمد والنسائي.

رابعًا: أن يكون نظره إليها مقصورًا على وجه المخطوبة وكفيها دون الشعر وغيره، فإن الوجه يعرف ويستدل به على جمال المرأة وزينتها، ويجمع محاسن جسدها، وبالكفين يتعرف على خصوبة البدن أو عدمها، ورؤية هذه المواضع كافية للترغيب في المرأةِ أو النفرة منها، فإنَّ أكثر الناس يتوقف عن الزواج بالمرأة أو يقدم عليه بمجرد رؤية عيب في وجه المرأة أو استحسانه، فإذا نظر إلى الوجه والكفين كان ذلك كافيًا، فلا يتجاوز النظر إلى غير ما ذكر، ويحرم عليه أن يمس شيئًا من جسدها؛ لأن الجواز خاص بالنظر فقط.

خامسًا: إذا نظر الخاطب إليها فأعجبته ورأى منها ما يرغبه في الزواج بها واطمأن إليها مضى في خطبتها من وليها، وإن لم تعجبه وقرر صرف نظره عنها وجب عليه السكوت عما رآه منها، ولا يجوز له التحدث عن صفاتها أو شيء من ملامحها، فإن الخوض في ذلك صفة من لا خلاق له ولا أمانة عنده، فتلك أسرار يلزم المحافظة عليها وكتمانها وعدم إفشائها والتكتم على نشرها؛ لأن ذلك يسيء إليها وإلى أسرتها، فقد يكون حديثه عنها سببًا في عضلها وتوقف الخطاب عنها، وقد يكون ما رآه منها يعجب غيره وإن كان لا يعجبه هو؛ لاختلاف أذواق الناس ورؤيتهم ومشاربهم وتقديرهم للأمور.

سادسًا: يجوز للخاطب أن يرسل امرأة يثق بها لتنظر إلى المخطوبة وتتأملها وتصفها له، ليكون على بصيرة من أمره، بل ربما كانت هذه الطريقة أنفع وأصلح له، فإن المرأة تطلع على ما لا يطلع عليه هو، وترى من المخطوبة ما لا يراه هو لو ذهب بنفسه، وهذا الجواز مستثنى من النهي الوارد في حديث ابن مسعود أنه قال: ((لا تباشر المرأة المرأة فتصفها لزوجها، حتى كأنه ينظر إليها)) رواه البخاري. أي: لا تنظر إلى بشرتها، فتصف ما رأت من حسنها وجمالها ومظهرها ومنظرها.

سابعًا: كما أبيح للرجل النظر إلى المخطوبة، فكذلك المرأة يجوز لها أن تنظر إلى من تقدم لخطبتها. قال في الإقناع وشرحه: "وتنظر المرأة إلى الرجل إذا عزمت على نكاحه؛ لأنه يعجبها منه ما يعجبه منها".

والأحاديث الواردة خاصة بنظر الرجل إلى المرأة، لكن علَّل بعض الفقهاء عدم ورود نص في نظر المرأة للرجل بأن الرجل يمكن رؤيته في أي مكان، بحيث لا يمكن أن يختفي كما تختفي المرأة، فنظرها إليه أسهل وأيسر، ويمكنها أن تراه بلا تكلف.

وبالجملة فإن نظر الخاطب إلى المخطوبة من الأمور الجائزة والمباحة، وقد أمر به أمر ندب واستحباب، لكن ينبغي للخاطب والولي والمخطوبة مراعاة الأمور والنقاط والقيود التي سبق ذكرها، والتشديد على عدم التساهل في أي منها، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

الخطبة الثانية
 

لم ترد.