طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > الخِطبة( سعد بن عبد الله العجمة الغامدي)

ملتقى الخطباء

(2٬040)
179

الخِطبة( سعد بن عبد الله العجمة الغامدي)

1431/08/01
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

1- الفرق بين الخِطبة والخُطبة. 2- الحث على نكاح ذات الدين. 3- التحذير من تقديم الجمال أو المال أو النسب على الدين. 4- الصدق في وصف الخاطب والمخطوبة. 5- خطبة الرجل على خطبة أخيه حرام. 6- البحث عن الكفء من الرجال وتزويجه. 7- آداب الخطبة. 8- منكرات تحصل في الخطبة.

 

 
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
22/11/1410

الطائف- سعيد الجندول 
 

 

الخطبة الأولى 
 

أما بعد: فهناك أمور تسبق الزواج قد يخفى على بعض المسلمين حكم الإسلام فيها، أو قد يتهاونون فيها ويعيشون بين الإفراط والتفريط، بين عادات الكفار والتشبّه بهم وبين العادات التي ورثوها عن الآباء والأجداد.

والْخِطْبَةُ بكسر الخاء: خِطبة الرجل للمرأة لِيَنْكِحَهَا أيْ: يتزوجها، وقد شرع الله الْخِطْبةَ قبل الارتباط بعقد الزوجية؛ ليتعرف كل من الزوجين على صاحبه، كما قال تعالى: وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ [البقرة: 235].

أما الْخُطْبَةُ بِضَمِّ الْخَاءِ فهي: حَمْدُ الله تعالى والثناء عليه والشهادتان المعروفة في مقدمة الخطب والمواعظ، والمسماة بخطبة الحاجة، ثم ذكر الكلام بعدها سواء كان قليلاً أو كثيرًا، ومنها خُطبة الجمعة والعيدين وخُطبة الاستسقاء وخُطبة الحاجة والْخطبة التي تسبق عقد الزواج عند الْخِطْبَةِ التي يتقدّم بها الرجل إلى أولياء الْمَخْطُوبَةِ وغير ذلك من أنواع الْخُطَبِ.

ويتفاوت المسلمون في هدفهم وغرضهم من الزواج، وخاصة في هذه الأيام، سواء الرجال أو النساء، مع أن ذلك وغيره قد حُدِّدَ في الإسلام وضُبِطَ بضوابط لو طُبِّقَتْ بعد الرضا والتسليم لَعَمَّ الرخاءُ والأمنُ وصلح المجتمع بإذن الله.

أما بالنسبة للرجل فعندما يريد اختيار الزوجة فعليه أن يبحث عن ذات الدين والخلق ويظفر بها وإن كانت دميمة أو ليست على درجة من الجمال أو مما يسعى إليه معظم الناس اليوم بالنسبة للمال أو الحسب والنسب أو الجمال، فكل هذه المطالب سريعة الزوال لأدْنَى وأَتْفَه الأسباب، وإن كان لا بأس بتلك المطالب مجتمعة أو بأحدها فهي خير إلى خير، ولكن التركيز على غير الدين ذاهب لا محالة، وقد تكون له عواقبه ونتائجه الْوَخِيمَة، أما الدين فهو الدعامة الراسخة الكفيلة بإذن الله بإرساء دعامات الأسرة المسلمة ورسوخ قواعدها، وهذا المطلب ثبتت خَيْرِيَّتُهُ وفضلُه في القرآن الكريم وفي الصحيح من حديث رسول الله ، قال تعالى: وَلأمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ [البقرة: 221]، وقال رسول الله : ((تُنْكَحُ المرأةُ لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يداك)).

نعم، إن هذه الأمور الأربعة هي التي تدفع الرجل إلى الزواج من المرأة، وقد تكون مجتمعة فيها، وقد يجتمع فيها أمران أو ثلاثة، وقد يكون غير ذلك، والذي نسمعه من سنوات أن الذي يقدم على الزواج من الشباب لا يريد إلا المرأة الحسناء على حدّ تعبيره أي: الجميلة بمعنى أصح، ولا يهمّه الدين، وقد يتجه بعضهم إلى الرغبة في المال، وقد يسعى آخرون إلى الحسب والنسب والجمال، وهذه الأمور ليست محرّمة، لكنها أهداف ومطالب قصيرة الأمد والأجل، تنتهي وتتوقف في أيّ لحظة من اللحظات القريبة أو البعيدة، ولكنَّ الدينَ قليلٌ مَنْ يَبْحَثُ عنه مع أن السعادة فيه في الدنيا والآخرة، فالمرأة الصالحة أرض طيبة للأولاد، والأولاد الصالحون من خير الأعمال الصالحة التي لا ينقطع عمل ابن آدم منها بعد موته وتبقى بعده يَصِلُهُ ثَوَابُهَا بإذن الله بعد الممات. والمرأة الصالحة إِنْ نَظَرْتَ إليها سَرَّتْكَ بكلامها ومنطقها وحسن معاشرتها وإن لم تكن جميلة، فجمال خُلُقِهَا يَغَطِّي النَّقْصَ في جمال خِلْقَتِهَا، وإنِ اجْتَمَعَ الأَمْرَانِ فالحمد لله وذلك خير على خير، وإنْ غِبْتَ عنها حفظتك في مالك وولدك وعرضها، وإن أمرتها أطاعتك، فهي خَيْرُ مَتَاعِ الدنيا كما قال : ((الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة)) رواه مسلم. وقد ورد في الأثر: (لا تزوّجوا النساء لحسنهن فعسى حُسْنُهُنَّ أنْ يُرْدِيَهُنَّ، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الإيمان، ولأَمَةٌ خَرْمَاءُ سوداءُ ذاتُ دِينٍ أفضل).

وكما أن الدين مطلوب من المرأة عند البحث عنها من قبل الرجل، فكذلك هو مطلوب أن يوجد في الرجل المتقدم للزواج من النساء لقول رسول الله : ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير))، وفي رواية:((عريض)) بدل: ((كبير))، و((فزوجوه)) بدل: ((فأنكحوه)). ولننظر إلى دقة اللفظ في الحديث من حيث الدين والْخُلُق، فالمعلوم أن الخلق من الدين، والدين يشمل ذلك، ولكن قد يكون الشخص صاحب دين وصلاح ولكنْ فيه من الطباع والصفات والأخلاق أمور غير مرغوب فيها لدى المرأة، وخاصة التي سوف تعيش معه وتعاشره، مثل: البخل والشح والجبن والغلظة والفظاظة وضرب النساء وغير ذلك من الطباع والأخلاق التي قد لا تحتملها المرأة ولا ترضاها في الزوج الذي تريده، ولذلك جاء في الحديث: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)).

ولا بد للخاطب إذا كان غير الزوج نفسه أو الوسيط المسؤول عن حال المتقدم للمرأة أن يكون أمينًا صادقًا واضحًا فيما ينقله عن الرجل الذي يتقدّم لخطبة أيّ امرأة؛ لأن غالبية من يتمّ سؤالهم عن حال أي متقدم للزواج وخاصة بعض الناس الذين تأخذهم الحمية لزواج صاحبهم حتى يُوقِعُوا تلك المسكينةَ، فغالبيتهم أقرب إلى الغش والتدليس والكذب وأبعد عن الصدق والأمانة، وخاصة من أقربائه أو زملائه في العمل؛ لأنه يطلب منهم تزكيته وذِكْرَهُ بما ليس فيه من الأخلاق والمعاملة الحسنة حتى يظفر بتلك المرأة، فليتق الله كل مسلم ويعطي ما يعرفه من معلومات حقيقية سواء كانت إيجابية أو سلبية، لا ما يظنه أو يكون مبنيًا على التخمين سواء في صالح الخاطب أو ضده، فلا بد أن يكون أمينًا صادقًا ناصحًا، ولا حرج عليه فيما يذكره من حقائق عنه للأمانة، وليس ذلك من باب الغيبة إلا أن يكون قاصدًا للغيبة مُتَنَقِّصًا لأخيه المسلم. جاء في الحديث أن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قالت: أتيت النبي فقلتُ: إن أبا الجهم ومعاوية خطباني، فقال رسول الله : ((أما معاوية فَصُعْلُوكٌ لا مالَ له، وأما أبو الجهم فلا يَضَعُ العصا عن عاتقه)) متفق عليه، وفي رواية لمسلم: ((وأما أبو الجهم فَضَرَّابٌ للنساء))، وهو تفسير لرواية: ((لا يضع العصا عن عاتقه))، وقيل معناه: كثير الأسفار.

فعلى المسلم أن لاَّ يُزَكِّيَ أحدًا إلا بما يعلم من حاله وواقعه فعلاً، ولا يشهد إلا بما يعرفه حقيقة لا ظنًا أو تخمينًا، وإذا لم يخالط الشخص ويتعامل معه في تجارة أو عمل أو سفر أو غير ذلك فليبتعد عن تزكيته أو مدحه بما يظهر منه؛ لأنه قد يكون تَصَنُّعًا عند غالب الناس فيما يظهر منهم، والله أعلم بالحقائق، فلا يشهد إلا بما يعلم.

فعلى ولي أمر المرأة أن يتقي الله تعالى في حُسْنِ اختيار الزوج الصالح صاحبِ الدين لموليته، وأن لا يجبرها على زوج لا تريده في الوقت نفسه؛ لأنها هي التي سوف تعيش معه ولها حق الرفض أو الموافقة، لأن بعض الأولياء يرغمون المرأة على الزواج ممن لا تريد، وهذا فيه من المحاذير العظيمة والعواقب الوخيمة ما الله به عليم، فعلى الولي أن يستشير المرأة التي يتولى أمر تزويجها سواء كانت بنتًا أو أختًا أو أُمًّا أو غير ذلك ممن كانت له ولاية عليها، سواء كانت بكرًا أم ثيبًا على خلاف في البكر لقول رسول الله : ((لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حتى تُسْتَأَمَرَ، ولا تُنْكَحُ البكر حتى تُسْتأذن))، قالوا: يا رسول الله، كيف إذنها؟ قال: ((أن تسكت))، وفي رواية: ((إذنها صُِمَاتُهَا))، وفي أخرى: ((رضاها صَمْتُهَا)) رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.

ومن الأمور الواجب معرفة الحكم فيها عند الخطبة حرمة خِطْبة الرجل على خِطْبة أخيه المسلم إذا علم بذلك، أما إذا لم يعلم فلا حرج عليه؛ لأن الشخص يأتي لخطبة المرأة وهو لا يعلم غالبًا هل هي مخطوبة أم لا، وخاصة في المدن، أما في القرى والْهِجَرِ فإذا خُطِبَت المرأة فإنه ينتشر الخبر ويعلم بذلك مجتمعها الذي تعيش فيه، أما الخاطب من بعيد فلا يعلم غالبًا إلا بالسؤال؛ لأن في إِقْدَامِ الخاطب الثاني إذا علم ذلك إفسادًا على الخاطب الأول وإيقاعًا للعداوة بين الناس وإيغارًا للصدور وإثارة للفتن، وقد نهى الرسول عن ذلك في أحاديث صحيحة، منها حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يَخْطُبَ الرجلُ على خِطْبَة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له. رواه البخاري ومسلم. وقوله : ((المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يَذَرَ))، وقال : ((ولا يخطب الرجل على خِطْبَةِ أخيه حتى ينكح أو يترك)) رواه البخاري ومسلم. فَعُلِمَ من ذلك تحريم خطبة الرجل على خطبة أخيه، فكيف بمن يتكلم في الخاطب الأول بما ليس فيه ويلصق به من العيوب ما الله به عليم ليفسد هذا الزواج ويظفر هو بتلك الزوجة ويمدح نفسه ويظهر بمظاهر زائفة؟! لا شك أن التحريم أشد وأعظم.

وبهذه المناسبة فإن بعض المفسدين لأيّ أمر من الأمور بينهم وبين الخاطب يسعون لإلصاق التهم به والعيوب وسبّه والتكلم في عرضه، بل البهتان والافتراء عليه؛ لكي يفسدوا ذلك الزواج لمرض في نفوسهم، فهذا للأسف منتشر في مجتمعات المسلمين، ولا يكاد يصدّق أحد وجوده بين المسلمين، وما ذلك إلا لضعف الإيمان والنفاق نعوذ بالله من ذلك، وقد يفسد بعضهم عند العقد أو الدخول بالمرأة أو قبل أو بعد بأشياء تُبَاعِدُ بين الناس.

وأما عن سَعْيِ الرجل لاختيار الزوج الصالح لموليته فلا حرج في ذلك ولا غَضَاضَةَ، بل هو من كمال الاختيار وحسنه، فقد ورد في القرآن الكريم ما يدل على ذلك وفي الأحاديث الصحيحة، فورد في القرآن أن بنت شعيب عليه السلام لَمَّا وصفت له موسى عليه السلام وهي لا تعرفه من قبل، ولكنها وصفته بالقوة والأمانة، وكذلك أخبر هو عن قصته عندما سأله عن ذلك، لهذا فقد عرض عليه شُعيبٌ وخَيَّرَهُ من الزواج بإحدى ابنتيه، وعلم موسى أيضًا عليه الصلاة والسلام من صلاح أبيهما ومن صلاحهما وخاصة من تلك التي جاءت تمشي على استحياء، والحياء مطلوب من المرأة، وعرف أيضًا قبل ذلك ابتعاد البنتين بعيدًا عن الذين يسقون وعدم اختلاطهما بالرجال وانتظارهما انتهاء أولئك الرجال لِتَرِدَا الماءَ وتَسْقِيَا الماشيةَ، فعملهما ذلك كان له أثر أيضًا في نفس موسى عليه السلام إلى جانب الأسباب الدينية الأخرى، قال تعالى مخبرًا عن ذلك الزواج: فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّـالِمِينَ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأَبَتِ اسْتَأجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأجَرْتَ الْقَوِىُّ الأمِينُ قَالَ إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَىَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّـالِحِينَ [القصص: 25-27]، وقال تعالى: وَأَنْكِحُواْ الأيَـامَى مِنْكُمْ وَلصَّـالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور: 32]، وقال تعالى: وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ [البقرة: 221]، وفي الحديث الصحيح ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين تَأَيَّمَتْ حفصةُ بنت عمر من خُنَيْس بن حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ ـ وكان من أصحاب الرسول قد شهد بدرًا تُوُفِّيَ بالمدينة ـ قال عمر: فلقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقلت: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حفصةَ بِنْتَ عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبثتُ ليالي ثم لقيني فقال: قد بَدَا لي أن لاَّ أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فَصَمَتَ أبو بكر فلم يَرْجِعْ إلي شيئًا وكنتُ أَوْجَدَ عليه مني على عثمان ـ أي: أن عمر غضب عليه أكثر من غضبه على عثمان رضي الله عنهم جميعًا ـ، فلبثتُ ليالي ثم خطبها رسول الله فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وَجَدْتَ عليَّ حين عَرَضْتَ عليَّ حفصة فلم أَرْجِعْ إليك شيئًا، قال عمر: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليَّ إلا أنني كنت علمت أن رسول الله قد ذَكَرَهَا، فلم أَكُنْ لأُفْشِيَ سِرَّ رسولِ الله ، ولو تركها رسول الله لَقَبِلْتُهَا. رواه البخاري. والروايات عن السلف الصالح في هذا الباب كثيرة، ولكن المقام لا يسمح بذكرها، وتكفي الإشارة إلى ذلك لمن أراد الاقتداء والاهتداء، فإنه لا حرج في ذلك ولا غضاضة، بل إن البحث عن الرجل الصالح للبنت سواء بالتصريح أو التلميح أو إرسال أحد بأي طريقة للدلالة على إقدام ذلك الرجل على خطبة تلك البنت من وليها فذلك أمر حسن، وكما أن الرجل يبحث لابنه عن امرأة صالحة فإن للبنت حقًا أيضًا في اختيار الزوج الصالح سواء تقدم هو بنفسه أو يبحث عنه بأي طريقة تحفظ للجميع كرامتهم وتخدم مصالحهم.

 

 

 

الخطبة الثانية 
 

 

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده سبحانه وبحمده وأشكره، وأؤمن به وأتوكل عليه وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله.

أما بعد: فإن واقع المسلمين بالنسبة لنظر الخاطب إلى مخطوبته بين الإفراط والتفريط، كما هو واقعهم في كثير من الأمور أيضًا، مع أن الخير كله في اتباع منهج الإسلام، ففي بعض البلاد يخلو الشاب بالشابة ويتنقلون من مكان إلى آخر في الجامعات وقاعات الدرس والأسواق والْمُتَنَزَّهَات والملاهي وغيرها تقليدًا منهم وتشبهًا بالكفار وابتعادًا عن روح الإسلام ومعانيه السامية، وفي بعض البلاد لا يعرف الزوج زوجته إلا ليلة الزواج، يحرِّمُون عليه النظرَ إليها حتى يتمّ العقد، وليس ذلك تَحَفُّظًا منهم وتمسكًا بالدين وحِرْصًا على الحجاب، إنما هو التمسك بالعادات والموروثات الجاهلية؛ لأنها قد تكشف على مَنْ لا يحلّ له النظر إليها من أبناء العم والخال والعشيرة، وقليل من يعمل بالإسلام وتعاليمه.

فالمشروع أن ينظر الرجل إلى المرأة إذا اتفق هو وأهل الزوجة على الأمورِ الْمَبْدَئِيَّةِ ولم يَبْقَ إلا النظر وعرفوا صِدْقَهُ وإِقْدَامَهُ على الزواج فإن له النظر إليها للأحاديث الواردة المبيحة النظر للمخطوبة، وذلك بعد الاتفاق على جميع الشروط بينهم والسؤال الذي يريدونه جميعهم وبعد معرفتهم لِمَطَالِبِهِ من أوصاف المرأة إن كانت موجودة في ابنتهم أَوْ غير متوفرة؛ لئلا تكونَ البنتُ سِلْعَةً ينظر إليها كل من يتقدّم سواء كان صادقًا أو كاذبًا، ولئلا تحصل أمور أخرى لا تحمد عقباها، وخاصة في نقل الأوصاف بين مرضى النفوس وضعيفي الإيمان، قال رسول الله : ((إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل))، وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: ((إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته وإن كانت لا تعلم))، وقال للمغيرة وقد خطب امرأة: ((انظر إليها فإنه أَحْرَى أنْ يُؤْدَمَ بينكما))، وقال لرجل أتاه فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار: ((أَنَظَرْتَ إليها؟)) قال: لا، قال: ((فاذهب وانظر إليها فإن في أَعيُن الأنصار شيئًا))، قيل: عَمَشٌ، وقيل: صِغَرٌ، وقيل: زُرْقَةٌ.

فالمشروع أن يرى الخاطب بنفسه مخطوبته؛ لأن الْعِشْرَةَ سوف تكون بينهما مستمرة بإذن الله، فلا تُبْنَى على غرر ولا غش ولا خداع، وليس كما يفعله بعض الناس من نظر الأم أو إحدى القريبات، فَلَسْنَ هن اللائي سوف يُعَاشِرْنَ المرأة أو يَعِشْنَ معها، ولكل إنسان نظرته وإن كان ذلك أفضل في البداية لوصفها للخاطب ليقدم أو يحجم، ثم هو ينظر إليها بعد الاتفاق فيما بينهم وبعد السؤال.

والغريب في أمر الناس اليوم أنهم لا ينكرون على أحد يريد شراء سلعة مهما قلّ ثمنها وإن كانت مَعِيبَةً، لا ينكرون عليه عندما لا تعجبه ويتركها، فترى أحدهم يقلب البضاعة من أعلاها إلى أسفلها ليأخذ رغبته وما يريد، ويُقَلِّب في الأغنام والبهائم ويتجوَّل يَمْنَةً ويسْرةً في السوق ليحصل على طلبه وفي السيارات والمعارض والأراضي والعقارات، مع أنه قد يبيعها بعد ساعة، فلا أحد ينكر عليه ذلك وهو أمر مباح، ولكن عندما يريد امرأة تشاركه حياته وتكون أرضًا طيبة لأولاده يعيش معها حياة طويلة لا يُمَكَّنُ من ذلك بحكم العادات والتقاليد، أو يكون على العكس من ذلك حيث يُقَدِّمُ بعضُهم صورةَ المرأةِ ليراها الرجل، وهذا أمر محرم لما له من عواقب سيئة وخطيرة على المرأة، خاصة إذا سُلِّمَتِ الصورةُ للخاطب أو أحد أقربائه، والمرأة لا تصوّر في هذا البلد إلى الآن والحمد لله، وهذا من فضل الله علينا، ولم تُلْجِئْهَا الضرورةُ إلى ذلك ما دامت داخل البلاد إلا في حالات الضرورة المعروفة، مع أن دعاة الشر يطالبون بذلك من عشرات السنين، ولن يملّوا حتى تتحقق مآربهم مع سعيهم الدَّؤُوب وتهاون أهل الخير وتساهلهم في الأمور حتى يتسع الخرق على الراقع، وعندها تتفاقم الأمور وتكثر الشرور، فكيف يبيحون تقديم صورة البنت مع حرمة ذلك التصوير ويحرمون المباح والحلال وهو النظر مباشرة إلى المرأة.

ومن الأمور المبتدعة التي لم ينزل الله بها من سلطان وقد جاء النهي عنها بالتصريح أو التلميح في القرآن أو السنة أو هما معًا عدة أمور أكتفي بالإشارة إليها لضيق الوقت، ومنها: خاتم الخِطبة المسمى دُبْلَةُ الْخُطُوبَةِ، خاصة من الذهب، فالذهب محرم على الرجال سواء في الخِطبة أو غير ذلك من الأحوال، وكذلك التكاليف الباهظة التي قد يستأجر لها أبو الزوجة أو الزوج قصور الأفراح ليتم العقد بين الزوجين، وقد تصل التكاليف إلى عشرات الآلاف من الريالات بل مئات الآلاف، وهذه التكاليف في العقد من ضمن العقبات والمعوقات التي وقفت سدًا وحاجزًا في طريق زواج الشباب وعدم تيسير الزواج وتسهيله، مع أن العقد يتم بحضور شاهدين وولي المرأة أو الوكيل والزوج أو وكيله وينعقد بالإيجاب والقبول بعد رضا الطرفين وتسمية المهر حتى ولو لم يُوجَدْ كَأْسٌ من الماء، فضلاً عما يُفْعل في هذا الزمان من مظاهر زائفة وعاداتٍ أوجبها الناس على أنفسهم وليست من الدين في شيء، ويتم العقد بما سبق توضيحه ولو لم يُوجَدْ عَاقِدٌ للنكاح؛ لأنَّ المأذونَ الرسْمِيَّ ليس شرطًا في صِحَّةِ عقد النكاح، وإنما هو لأمور تنظيمية رسمية تثبت ذلك العقد رسميًا.

ومع أن الجهةَ المنظِّمةَ منعت ذِكْرَ الشَّرْعِيّ واستبدلتها بالرَّسْمِيِّ عند كتابة اسم المأذون فلم يفهم المقصودَ من ذلك كثيرٌ من المأذونين، ومنهم من يحمل الدكتوراه في الفقه مع أنه لا يفقه الفرق بينهما؛ لذلك أقول بأنه لا بُدَّ من المأذون في هذا الزمن نظرًا لما يترتب على عدم الإثبات الرسمي من محاذير وعواقب وآثارٍ سيئة، وقد ظهرت النتائج السيئة على عدم التوثيق والإثبات الرسمي حيث ضاعت كثير من حقوق النساء والأولاد خاصة بعد وفاة الزوج أو عند دخولهم المدارس أو حاجتهم لمراجعات حكومية أو السفر والتنقل في الداخل أو الخارج، عندها يعلمون قيمة التوثيق الرسمي الذي لا مَنَاصَ عنه ولا بُدَّ منه لحفظ حقوق جميع الأطراف.

وقد ذكرتُ صِِحَّةَ العقد بدون مأذونٍ وعاقد رسمي حتى يعلم الناس ذلك، وليس هذا دعوة مني لمخالفة التعليمات المنظمة لأمور الناس، حَاشَا وكَلاَّ، إنما هو لبيان الحكم الشرعيِّ الذي يجهله كثير من المسلمين.

أعود لأقول بأنه يوجد نماذج طيبة وقدوات حسنة لا يعملون تلك الأعمال ولا يقدمون عليها ويمقتونها، ولكن العادات الدخيلة أو المتأصلة في النفوس والمنتشرة بين الناس تجعلهم لا يقلعون عنها، مع أن الخير في الابتعاد عنها.

ومن الأمور المحرمة تصوير المرأة والرجل معًا أو مع مجموعة من النساء، ودخول العريس على النساء ونظره إليهن ونظرهن إليه من غير المحارم، وعمل ما يسمى بالنَّصَّة وغير ذلك من عادات جاهلية هذا القرن، والتي انتشرت في مجتمعات المسلمين دون وعي وتفكير في العواقب. فهل بعد هذا نستيقظ من غفلتنا ونسأل عن أمور ديننا ونتبع منهج نبينا وسلفنا الصالح، أم أننا نستمر في الغي ونوجد المبررات والتعليلات الباردة والحجج الواهية ونتشبه بأعداء ديننا ونرضى بالدنية في ديننا؟!

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وآله…