طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > مسؤولية الأولياء تجاه الخُطّاب(عبد العزيز السدحان)

ملتقى الخطباء

(2٬032)
177

مسؤولية الأولياء تجاه الخُطّاب(عبد العزيز السدحان)

1431/07/02
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد, وأنه إذا امتنع لا يكون عاقّا، وإذا لم يكن لأحد أن يلزم أحدا بأكل ما يَنْفُر منه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه؛ كان النكاح كذلك وأولى؛ فإنّ أكل المكروه مرارة ساعة، وعشرة المكروه من الزوجين على طولٍ تؤذي صاحبَه ولا يمكن فراقه ..

 

 

 

 

 

إن الحمد لله …

أما بعد: فإن دين الإسلام من أكمل الأديان السماوية وأعظمها وأتمها, فما من خبر إلا دل عليه ورغّب فيه ورتّب على ذلك الأجر والثواب, وما من شرّ إلا نهى عنه وحذّر منه ورتب على ذلك الوزر والعقاب، فتشريعاته صالحة لكل زمان ومكان, على اختلاف طبقات الناس وأجناسهم.

وإن مما حرّص عليه الإسلامُ وشدد فيه أمرَ المسؤولية؛ لما يترتب على حفظها من الصلاح والإصلاح, وعلى تضييعها من الفساد والإفساد؛ قال صلى الله عليه وسلّم: " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيّته، فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته, والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيّتها .. " أخرجه الشيخان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

والكلام عن المسؤولية ومراتبها وأهميتها يطول كثيرا؛ لتشعّبه وتقاسيمه, وسيكون الكلام -إن شاء الله تعالى- في هذه الخطبة عن نوع واحد من أنواع المسؤولية يتعلّق بمسؤولية الوالد في بيته مع أولاده, وبالتحديد فيما يتعلّق بقضية تزويج ابنته أو بناته, وموقف الوالد تجاه الخاطب الذي يتقدّم ليخطب ابنته.

أيها المسلمون: وحين نطرق هذا الموضوع فإنما هو لتأكيد أهميته؛ ولكثرة دواعيه؛ فمنها:

أولا: انطلاقا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة".

وثانيا: لأنه اللبنة الأولى في بناء أسرة جديدة.

وثالثا: لأنه أول لبنة يضعها الولي لبيت ابنته؛ فإن اجتهد بَرِأَت ذمّته, وإلاّ فقد لوّث ذمته بالإثم.

ورابعا: لعموم البلوى بتفريط كثير من الأولياء في أمر الخاطب, مما يترتب عليه تفرق أسر وتشتتها؛ فكم قد سمعنا أو قرأنا عن أُسَرٍ تم عقد الزواج والترابط بينهما, ثم لا تلبث الأيام اليسيرة أو الأشهر حتى ينحل ذلك العقد, ينقلب الترابط إلى تفرق, فترجع الفتاة إلى بيت أبيها كسيرة حسيرة، ثم تجلس في انتظار الطارق الآخر, وقد يطول الزمن بها, بل قد يعزف الخطّاب عنها, وبكل حال فلو بحثنا عن سبب ذلك التفرٌق فلربما يتحمل الولي جزءا من كبيراً منه.

لهذا وذاك كان لزاما علينا أن نطرح هذا الموضوع في مجالسنا ومساجدنا؛ لنعرف مكمن الخلل فنتقيه.

ولمعالجة تلك القضية نحتاج جميعا إلى معرفة أمور أساسية لا بد من طرحها على مسامعنا؛ ليعرف كل واحد منا مدى قيامه بالمسؤولية الملقاة على عاتقه؛ فإن كان قائما بها فليحمد الله تعالى على ذلك, ويسأله المزيد من فضله, وإن كان مقصّرا فليتق الله تعالى وليبادر إلى إصلاح تقصيره.

وللدخول في صلب الموضوع يقال: إن ذمة الوالد لا تبرأ من الإثم حتى يخلص النصح لابنته.

يدور محور الكلام في هذا حول سبعة أمور:

الأمر الأول: اختيار الزوج الصالح لابنته, ومما ينبغي ذكره عند هذا: أن بعض الآباء إذا تقدّم الخُطّاب إلى بنته أصمّ أذنيه وأغمض عينيه عن كل أحد إلاّ عن قريب له كائنا ما كان، صالحًا أو طالحًا, تقيّا أو شقيّا, لا يهمّه ذلك كله، إنما همّه الأول والأخير أن يكون المتقدّم لابنته قريبا في النسب, وهذا -والله- من الظلم؛ كيف يجعل ابنته وقفا على ابن عمّ أو قريب لها, بغضّ النظر عن صلاحه وحسن سيرته؟ بل إن بعض الآباء قد وضع في ذهنه منذ خلقت ابنته أنها لفلان دون غيره مهما كان حاله وسيرته؛ فيا سبحان الله! أين هذا من تحمّل المسؤولية؟ وبأيّ حقّ تبقى تلك المسكينة وقفا موقوفا على فلان أو فلان أيّا كان شأنه؟

فيا أيها الولي: اتق الله تعالى في نفسك وفي ابنتك, فكم من شرّ وبلاء قد حصل بين الزوج وزوجته، وكان من أسباب ذلك جناية الوالد على ابنته في كونه اختار لها زوجا لم يرعَ فيه صفات الصلاح من غيره.

واعلم -رعاك الله- أن اختيار الخاطب مسؤوليتك في الدرجة الأول؛ ألا ترى أن ابنتك إذا طلبت منك شيئا يتعلّق بكماليات المنزل، أو بأمور المدرسة, أخذت تستفصل منها عن لون ذلك الشيء, وصفاته, وجهة صنعته؛ كل ذلك حرصٌ منك على تحقيق رغبتها ومرادها، بل لو أحضرت مطلوبها ولم يناسبها، فإنك لا تتردد بإرجاعه واستبداله مرة ومرات في سبيل مرضاتها, وأنت بهذا العمل مأجور مشكور -إن شاء الله تعالى-؛ لأن ذلك من تمام الشفقة عليها والمحبّة لها.

لكن يا ترى أليس من التناقض -بل من الخزي والخذلان- أن ترى والدا يهتمّ بأمر فرعيّ ويهمل أمرا جذريّا أصليّا؟ أتهتم بشراء سلعة لها وتستشيرها وتخيّرها, ثم نرى ذلك الحبّ والشفقة تتلاشى كلها -أو أغلبها- عند اختيار الخاطب؟ فالحذر من التفريط في أمر كهذا.

واعلم -رعاك الله- أن الخاطب تقدم لخطبتها هي, تقدّم لعلمه أن أمرها -بعد الله تعالى- في يدك أنت؛ فبموافقتك أنت ستعيش معه على أحرّ من الجمر, أو على أحلى من التمر؛ فموافقتك هي الفصل في ذلك؛ فعليك بتقوى الله والإخلاص في النصح لها, واختيار من تتوسّم فيه الخير والصلاح؛ قال صلى الله عليه وسلّم: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه, إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" هذا ما يتعلّق بالأمر الأوّل.

أما الأمر الثاني: فهو استشارة الفتاة في خطيبها وعدم إجبارها؛ فعليك -أيها الولي- أن تستشير ابنتك في خطيبها؛ هذا إذا كان المتقدّم مرضي السيرة، أمّا إذا كان سيء السيرة والسّمعة فلا مرحبا به ولا كرامة, بل إن من تمام المسؤولية عدم استشارتها في أمره, ويجب عليك أن تصرف ذلك الخاطب عنها.

والعجب أن بعض الآباء يعطي الخاطبَ الموافقة التامّة دون أن تعلم تلك المسكينة, وقد يكون الخاطب رجلاً غير مرغوب فيه عند الفتاة, وعند جميع أهل الدار، لكن ذلك الولي يرى أن سلطته فوق الجميع، وأن أمرَه لا يُراجَع فيه, بل على أهل البيت المطواعية لما يقول أو يفعل، وهذه -والله- عين الجهل بالمسؤولية.

وفي هذا المقام لزاما علينا أن نعرف ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فتاة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت: إن أبي زوّجني ابنَ أخيه؛ ليرفع بيّ خسيسته, فجعل النبي صلى الله عليه وسلم أمرَها إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكني أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء, فخيّرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تفسخ نكاحها إذا شاءت، لكنها -رضي الله عنها- لم تُرِدْ أن تجْرح شعورَ أبيها فأمضت ما أراد أبوها على كرَهٍ منها؛ رغبةً في بِرّ أبيها.

وعن خُنَاسَ بِنْتِ خِذَامِ بْنِ خَالِدٍ رضي الله عنها أن أباها زَوَّجَهَا رَجُلًا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ, فَأَبَتْ إِلَّا أَنْ تَحُطَّ إِلَى أَبِي لُبَابَةَ, وَأَبَى أَبُوهَا إِلَّا أَنْ يُلْزِمَهَا الْعَوْفِيَّ, حَتَّى ارْتَفَعَ أَمْرُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هِيَ أَوْلَى بِأَمْرِهَا, فَأَلْحِقْهَا بِهَوَاهَا", قَالَ الراوي فَانْتُزِعَتْ مِنْ الْعَوْفِيِّ, وَتَزَوَّجَتْ أَبَا لُبَابَةَ, فَوَلَدَتْ لَهُ أَبَا السَّائِبِ بْنَ أَبِي لُبَابَةَ. رواه أحمد والدارقطني.

إذن فمن تمام المسؤولية أن تشاور ابنتك ولا تلزمها، ولا تقل: تلك عادات وأمور اعتدنا عليها؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد, وأنه إذا امتنع لا يكون عاقّا، وإذا لم يكن لأحد أن يلزم أحدا بأكل ما يَنْفُر منه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه؛ كان النكاح كذلك وأولى؛ فإنّ أكل المكروه مرارة ساعة، وعشرة المكروه من الزوجين على طولٍ تؤذي صاحبَه ولا يمكن فراقه" اهـ.

الأمر الثالث: وقد يكون غريبا على بعضنا, بل مستشنَعاً عند آخرين، وقد يعيبه آخرون، ولكن الحقّ أحبّ إلى الجميع -إن شاء الله-.

قد يترك بيت من بيوت المسلمين لا يطرقه خاطب, وقد يكون في ذلك البيت فتاة أو أكثر، وأن تلك الفتاة قد تمكث زمانا ولم يتقدّم إليها أحد، أو يتقدّم لها من لا يصلح, فتتعذّب المسكينة في داخلها، لكن جلباب الحياء يمنعها من إظهار ذلك؛ أيا تُرى -وفي مثل هذه الحال- هل يمكن للوالد أن يقوم بالبحث عن زوج يرضاه لابنته؟ نعم؛ ويؤجر على ذلك -إن شاء الله- ويثاب عليه, بل وله سلف في ذلك, فيَذكر للشاب الذي يرتضيه, أو يوسِّط من يذكر له أن له فتاة في سنِّ الزواج؛ فلو تقدّمْت لها؛ فإن رغب ذلك الشاب, وإلاّ بحث عن غيره, ولا يقولنّ قائل: هذا من العيب, بل -إن شاء الله- هذا من الخير؛ ألست تتردد على الأماكن التجارية في إحضار سلعة ترغبها ابنتك، وتحاول أن تختار لها السلعة الجيدة حتى تدخل السرور عليها؛ أليس من الأولى والأحرى والأجدر أن تبحث عن رجل يقاسمها الحياة، يبرّها وتبره، وتنجب منه أطفالاً يكونون خَلَفًا صالحاً لكَ أجرهم ويرفعون ذِكْرك في الدنيا والآخرة؟

وعودا على بدء: لا تقل هذا من العيب وإنه يخالف الشِّيَم والمروءة، دع عنك هذا، واسمع إلى ما قاله الإمام البخاري -رحمه الله – في الصحيح : "باب عَرْضِ الرّجل ابنته أو أخته على أهل الخير", ثم ساق خبراً فيه أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه عرض ابنته حفصة رضي الله عنها على عثمان بن عفّان رضي الله عنه فلم يرغب، ثمّ عرضها على الصّديق رضي الله عنه فلم يرغب, فتزوّجها النبي صلى الله عليه وسلّم، فدخلت باب التشريف وسمّيت بأمّ المؤمنين -رضي الله تعالى عنهنّ وأرضاهنّ أجمعين-.

قال الإمام ابن باز -رحمه الله – : "ليس من العيب أن يبحث الرجل عن زوج صالح لابنته أو أخته" ا.هـ.

اللهمّ هيئ لنا من أمرنا رشداً.

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله ..

معاشر المسلمين: الأمر الرابع: النظر إلى المخطوبة، وهذا الأمر يعدّه بعض الناس عارا وشنارا وعيبا، بل إن بعض الآباء عنده استعداد تام لأن تبقى ابنته أيّما طيلة حياتها دون أن يتنازل عن رأيه وإصراره طرفة عين، بل ويشنّع على من رخص للخاطب أن يرى مخطوبته، ويعد ذلك من العيب.

ولهذا -وأمثاله- يقال: إن هذا الأمر مشروع في السنّة, بل وحثّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: "إذا خطب أحدكم امرأة فلينظر إليها". وقد جاء بيان الحكمة من النظر في قوله صلى الله عليه وسلم: "فإنه أحرى أن يُؤدَم بينكما"؛ يعني أن يتفقا نفسيّا وتتآلف قلوبُهما.

بل وإن تعجبوا فعجب أن الشارع الحكيم حثّ على النظر إلى المخطوبة حتى ولو لم تعلم به المخطوبة, قال صلى الله عليه وسلم -كما في بعض الروايات-: "فلينظر إليها وإن كانت لا تعلم بذلك", وجاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قَالَ: خَطَبْتُ جَارِيَةً فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا مَا دَعَانِى إِلَى نِكَاحِهَا وَتَزَوُّجِهَا فَتَزَوَّجْتُهَا رواه أبو داود.

فيا أيها الوليّ: إن أراد الخاطب رؤيتها فامتنعت الفتاة فحاول أن تمكّنه من رؤيته لها، دون علمها؛ ففي ذلك مصالح كثيرة، وخير كثير.

الأمر الخامس: من براءة الذمة أن يخبر الوليّ للخاطب بما يكون في تلك المخطوبة من الأمور التي قد تحل عقد الزوجية إذا علِم بها الزوج، وذلك مثل: العيب الخلْقيّ الواضح، أو المرض الخطير، أو ما يكون من الأمور التي لو كانت في الخاطب وأخفاها عليهم, ثم علم بها الوليُّ لسارع بفسخ عقد النكاح.

وأنت -أيها الوليّ- في مقام الأمانة في كلامك للخاطب فلا تُخْفِ عليه شيئاً سيعلم به بعد الزواج، فيترتّب عليه هدم بيت الزوجيّة، بل إن كتمُك لما في ابنتك من العيوب المنفّرة يعتبر من الخيانة؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرّشْد في غيره فقد خانه" أخرجه أبو داود وابن ماجة والحاكم.

والناظر في سير سلفنا الصالح يرى أنهم قد ضربوا أروع الأمثلة في مجال المسؤوليّة، ومما يتعلّق بموضوعنا هذا ما ذكره الإمام الذهبي -رحمه الله تعالى- في سير أعلام النبلاء: أن رجلاً جاء إلى ميمون بن مهران يخطب ابنته، فقال ميمون: لا أرضاها لك, قال الخاطب: ولمَ؟ فقال ميمون: لأنها تحبّ الحُليّ والحُلَلَ، فقال الخاطب: فعِنْدي من هذا ما تريد, فقال ميمون: الآن لا أرضاها لها.

فانظروا -يا رعاكم الله- جعلَ غلوّها في محبّة الحلي والحلل عيبا ينبغي ذكره للخاطب؛ خشية أن يصدم الزوج بها، لكنه لما رأى رغبة الزوج في مطاوعتها على خطئها ردّ ذلك الخاطب؛ لأنه كان يأمل أن يكون مقوِّما لعوجها، فلما رأى أنه سيزيد عوجها لم يقبله.

الأمر السادس: السؤال والبحث عن حال الخاطب. وهذا من المسؤولية بمكان عظيم؛ فبعض الأولياء قد يتقدّم إلى ابنته خاطب لم يكن له عنده سابق علم أو معرفة, فيكتفي ببحث يسير أو معرفة عامة عن ذلك الخاطب، وهذا لا يكفي في هذا المقام، بل عليك -أيها الولي- أن تتحرّى وتسأل حتى يتبيّن لك حاله أتمّ بيان؛ فإمّا أن تقبله براحة، أو تردّه بقناعة.

ولا بدّ أن يقال في هذا المقام: إن بعض الأولياء من كبار السنّ يكتفي بسؤاله لأصحابه وجلسائه هو، والغالب أن كبار السنّ لا يحيطون بأمور الشباب, ودواخل شؤونهم كما يعرف الشباب بعضهم بعضا؛ ولذا فإن عليك أن تتحرى فيمن تسأل؛ فاسأل إمام المسجد، أو أحدَ جماعة المسجد عن مدى محافظة الخاطب على الصلاة أولاً, ثمّ سلْ عن سيرته غير واحد من الناس، بل إن دعا الأمر إلى أن تسأل عنه في مكان عمله؛ لتقف على حقيقة ذلك الخاطب فافعل، ولا تظنّ أن هذا من التكلّف والتنطّع، بل هو -والله- من تمام المسؤولية، خاصة إذا لم يكن لك سابق معرفة بذلك الخاطب.

وفي المقابل: ليتق الله أولئك الذين يُسألون عن الخاطب, وليعلموا أن ذلك السائل قد جعل تزويج ابنته متوقّفا على كلامهم وحُكْمهم؛ فليصْدُقوا القول, وليخلصوا النصح للسائل، فيخبروه بما يعرفون مما يرغّبه فيه أو ينفّره عنه؛ أخرج مسلم في صحيحه أن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستشيره في أمر رجلين خطباها, أيهما أولى, فقالت يا رسول الله: خطبني معاوية، وخطبني أبو جهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمّا معاوية فرجل ترِبٌ خفيف الحال لا مال له، وأما أبو جهم فضرّاب للنساء"، وفي رواية: " فلا يضع العصا عن عاتقه "، فأبدى لها صلى الله عليه وسلّم حقيقة الرجلين، ثم قال صلى الله عليه وسلم مشيرا عليها: "ولكن عليكِ بأسامة بن زيد"، فقالت بيدها هكذا أسامة أسامة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طاعة الله وطاعة رسول الله خير لكِ"، قالت: فتزوّجته فاغتبطتُّ.

أرأيتم كيف تكون ثمرة النصح الصادق والمشورة البارّة؟!

الأمر السابع -والأخير-: ما يتعلّق بغلاء المهور, وما أدراك ما غلاء المهور؟ غلاء المهور من قواصم الظهور, تلك القاصمة والمصيبة التي أكثرت العوانس في البيوت, وتضاعفت بسببها ظاهرة العزوبة في شباب المسلمين؛ فكم من فتاة عانسة جلست حبيسة دار أبويها, عالة على أهلها, والسَّبب أن أباها فرض شرطا ماليّا, وجعل ابنته سلعة تجاريّة يساوَم عليها؛ فيا سبحان الله! أين رحمةُ الأبوّة وشفقتها, وأين الإحسان والإدراك لما ركّبه الله في الأنثى من غريزة حبّ بيت الزوجيّة، والتفيّؤ تحت ظلاله؟

عجباً لك -أيها الوليّ- لمَ تحْرِمْها من الذرّية التي تقرّ بها عينها, وينشرح بها صدرُها؟ فلمَ تكون عائقا لها؟

ثم -أيُّها الوليُّ- أما علمت أن المرأة أرقّ شعورا من الرجل؟ فكيف يكون حال هذه المسكينة إذا رأت بنات عمّها, أو بنات خالها وهنّ يحملن أطفالهنّ، ويرُحْن ويغْدَيْن مع أزواجهنّ, وهذه المسكينة تحترق كمدا وغمّا بسبب لُعاعة قليلة من المال تأخذها من الخطّاب؟

معاشر المسلمين: ومما يفرّط فيه بعض الأولياء والأمهات قضية العناية بحقوق الزوج من جهة ابنتهم، فلاحظ أن أولئك الآباء والأمهات لا يدخرون جهدا ولا وسعا في وصيّة ابنتهم, وحثها على المطالبة بحقوقها من الزوج كاملة، كالنفقة وزيارة الأهل مثلاً, بينما يهمل أولئك الوالدان وصية ابنتهم بحق الزوج، وذلك كالخضوع لأمره -في طاعة الله-، وعدم الخروج من البيت إلا بإذنه, وعدم إثقال كاهله بالمطالب والحوائج.

والغالب أن وصية الوالدين لابنتهم في شأن حقها دون حق الزوج يعود أثره وضرره على الفتاة خاصة، وعلى والديها عامة؛ لأنهما السبب في ذلك، وأيضاً قد يترتّب على ذلك طلاقها، فترجع ابنتهما عالة عليهما، فيكونان قد جَنَيَا عليها وعليهما.

اللهمّ أعنّا على تحمّل مسؤوليّاتنا , واجعلنا ممن قام بها حقّ القيام وأكمله.

اللهمّ استر على نسائنا ونساء المسلمين, واجعلهنّ اللهمّ صالحات في أنفسهنّ, مصلحات لبيوتهنّ.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين, وأذل الشرك والمشركين.

اللهمّ وفق ولاة أمرنا إلى ما فيه صلاح العباد والبلاد, وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة.

دعوناك ربنا فأجبنا، وسألناك خالقنا فآتنا سُؤلنا.