طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > فقه سنن النفسِ والمجتمع في السُّنة النبوية

ملتقى الخطباء

(6٬391)
171

فقه سنن النفسِ والمجتمع في السُّنة النبوية

1431/02/20
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وأما الباب الثالث: فأفردته للكلام على مراعاة السنن الإلهية في التصرفات النبوية بسياسة الأمة، وتدبير شؤون دولة الإسلام، وإن كان سبق في ذلك إشارات في ما تقدم من الفصول التي جعلتها لبيان فقه السنن الإلهية.
وبينت في كل ذلك تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم لسنن الله تعالى بما برهن على موافقة سنة الله القدرية لسنته الشرعية.

وشمَلَ هذا البابُ مدخلا في الكلام على وجوب منازعة السنن ومدافعة بعضها ببعض، على طريقة منازعة الأقدار شرِّها بخيرها وأحبِّها إلى الله تعالى..

 

 

 

 

 

د. إدريس العلمي
دكتوراه في الدراسات القرآنية

يستعرض الباحث في هذه المساهمة، بشكل مركز، أهم الخلاصات التي توصل إليها في بحثه لنيل شهادة الدكتوراه، والموسوم: "فِقْهُ سُنَنِ النَّفْسِ وَالمجْتَمَعِ في السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ" (2003). وهو بحث سعى من خلاله الباحث إلى الوقوف على الحاجة إلى العناية بفقه الحديث في باب السنن الإلهية.

عظيمُ فائدة فقه السُّنن الإلهية والحاجةُ إليه
إن أعظم فائدة تحصل للناظر في سنة الله تعالى والدارس لها، هي الاعتبار بعد النظر والاعتبار؛ وذلك أن الله أمر بالسير في الأرض، والنظر في وقائع القرون الخالية، وسنن الأمم الماضية، والتبصر في سيرهم، واستجلاء أخبارهم وأحوالهم، والسؤال عن أسباب صلاح الأمم وفسادها، وتحقُّقِ عادةِ الله عز وجل فيهم بالنظر في ترتب الآثار على الواقعات، واستقراءِ ما خلا فيهم من المثُلات، وما مضى فيهم من النعم والنقم، والاتعاظِ بكل ذلك، فقال تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الارْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [سورة ال عمران / الآية: 137]، وقال: (قُلْ سِيرُوا في الارْضِ فانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ) [سورة الروم / الآية: 41].

فإذا حصل السيرُ في الأرض، حِسًّا ومعنًى، فقد حصل الاعتبارُ بالوقائع والأخبار، وعُلم الغائب منها بالشاهد، وإذا تحقق ذلك فقد حصلت العبرةُ بمعرفة أنَّ ما ترتب من الجزاء على واقعات الغابرين، من عادة الله فيه أن يترتب مِثلُه على أمثالها في الحاضرين، فيَحْذَرُ الناظرُ المعتبِرُ أن يَتلبَّس بأحوال الهالكين فيصيبُه من النقم والإهانة ما أصابهم، ويحرصُ على اتباع سَنَن الصالحين ليناله من النعم والكرامة ما نالهم، فذلك قوله تعالى آمرا بالاعتبار: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلي الاَْلبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُومِنُونَ) [سورة يوسف / الآية: 111].

وما أصدق قول الشاعر:

اقرؤوا التاريخ إذ فيه العِبَر *** ضَلَّ قوم ليس يدرُون الخَبَر

ولولا ما في أحوال القرون الأولى وقَصصهم من السُّنن والطرائق المسلوكة ما وقع بها الاعتبار، وما كان لذكرها فائدةٌ ترجى، فلذلك كان ما تحصُل به العبرة من سنن الأولين، من الأشياء الكثيرة التي فصَّلها القرآن وجعل فيها الهداية والرحمة لأهل الإيمان والطاعة.

وإذا كان ذلك كذلك وجب الاعتناء بمعرفة سنن الله تعالى وفقهها لأنها من الدين الذي بينه الله في كتابه حيث قال: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [سورة النحل / الآية: 89].

فدخل في جملة أمور الدين التي بينها القرآن وفصلتها السنة: أحوالُ الأمم وآثارُها، وما جرى في ذلك من العبر والعظات بسنة الله في معاملتهم على أعمالهم في الخير والشر، والطاعة والمعصية، والنعمة والنقمة.

فلا جرم أن فقه هذه القواعد الثابتة والسنن المستمرة من فقه الدين، وأن رعايتها حفظٌ للدين؛ لأنها أساس الاستبصار في إقامة نظام العمران وصلاح أحوال المعاش، ومحك أفعال البشر في بيان صوابها أو خطئها، وقد أدرك هذا المعنى خطيب العرب وشاعرهم في الجاهلية، قس بن ساعدة الإيادي، فقال:

في الذاهبين الأولين *** من القرون لنا بصائر

ولذلك قامت الحاجة إلى هذا النوع من العلوم، وصار من أوجب الواجبات العنايةُ بتدوينه والتَّهَمُّمُ بإيضاح قواعده للناس ليحصل لهم ما أمر الله به من النظر والتدبر، والاعتبار والتبصر.

ثم إن العلم بسنن الله تعالى في النفس والمجتمع، ليس بِدْعا من العلوم، بل أصلُه في كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتصرفاته، وعمَلِ الصحابة الكرام رضي الله عنهم؛ فقد كان الجيل الأول يحيا على سبيل السنن، ويتصرف على هداياتها؛ لأنهم فَقُهوا الوَحْيَيْن، وإن لم يُدَوِّنُوا من ذلك شيئا.

إن تراث علماء المسلمين مليء من العناية بالفقه التشريعي، وسُوقُه نافقة، ولكنْ بضاعتُه من الاهتمام بالفقه الاجتماعي والتاريخي قليلة، وسوقُه كاسدة، لضعف النظر في فقه السنن الإلهية، وتأصيل مناهج العلوم الاجتماعية، بسبب الغفلة عن رؤية جريان أحوال البشر في الانفراد والاجتماع، وأوقاتهم في النصر والهزيمة، على سنة الله تعالى وعادته المألوفة في خلقه.

وقد قال الفيلسوف الشاعر محمد إقبال:

كلُّ شَيء فيه قانُون سَــرَى *** كيفَ في هَذِي المعَاني يُمترَى؟!

ومَثَلُ سنة الله تعالى في الأرض كمثل سفينة نوح، مَن ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. فمن اتبع أمر الله في السنن بالاستبصار، فقد ركب سفينة نوح وناداه الرُّبان: أن (اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم). ومن عطَّل النظر في السنن والاعتبار بها فقد تخلف عن سفينة النجاة، فأدركه الطوفان، (وقيل يأرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الاَمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين).

قِلَّة الدراسات والبحوث في هذا الشأن قديما وحديثا
ثم إن هذا الأمر لم يُوَفَّ قدرَه من العناية والاهتمام، ولم يُعطَ حقَّهُ من البحث والدراسة والتأمل في القديم والحديث، فكان ما كتبه العلماء والدارسون في ذلك من القلة بمكان مما يستوجب الاجتهاد في بيان السنن الإلهية والكشف عن معانيها وحقائقها، وإخراجها للناس علما وفقها وعملا.

فممن تكلم في السنن الإلهية من المتقدمين: شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728)، في فتاواه وألف في ذلك (رسالة في لفظ السنة في القرآن)، نشرت ضمن كتاب "جامع الرسائل". وتلميذه ابن القيم (ت 751) في مواضع من مؤلفاته، وعبد الرحمن بن خلدون (ت 808) في مقدمته.

ومن المتأخرين: الشيخ محمد عبده (ت 1323)، وتلميذه السيد محمد رشيد رضا، في تفسير المنار، ونجد من الأوروبيين الفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون (1841 – 1931 م) في كتابه (السنن النفسية لتطور الأمم).
وتلا أولئك طائفة منهم الأستاذ مالك بن نبي (ت 1393 هـ)، الذي لفت الأنظار إلى قضية السنن، في عديد من كتبه التي وضعها تحت عنوان: (مشكلات الحضارة)، ومنها: "شروط النهضة"، و"مشكلة الأفكار"، و"مشكلة الثقافة"، و"ميلاد مجتمع: شبكة العلاقات الاجتماعية"، وكذلك الأستاذ جودت سعيد، في سلسلة من كتبه جعل لها عنوان: (سنن تغيير النفس والمجتمع )، ومنها: كتاب "حتى يغيروا ما بأنفسهم"، وكتاب "الإنسان كلا وعدلا"، وكذلك سلسلة: (مجالس بئر عجم)، ومنها: كتاب "مفهوم التغيير"، وكتاب "رياح التغيير"، و"كن كابن آدم".

ثم ظهرت في الباب مؤلفات نذكر منها:

– السنن الإلهية الثابتة للإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي؛
– السنن التاريخية في القرآن الكريم، للإمام السيد محمد باقر الصدر؛
– السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد، للدكتور عبد الكريم زيدان؛
– ظاهرة المحنة: محاولة لدراسة سننية، لخالص جلبي؛
– على مشارف القرن الخامس عشر الهجري: دراسة للسنن الإلهية والمسلم المعاصر، لإبراهيم بن علي الوزير؛
– أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق لأحمد محمد كنعان؛
– الفعالية الحضارية والثقافة السُننية للطيب برغوث؛
– مدخل إلى سنن الصيرورة الاستخلافية: قراءة في سنن التغيير الاجتماعي، للطيب برغوث؛
– سنن الله في المجتمع من خلال القرآن الكريم، للشيخ محمد الصادق عرجون؛
– أسباب هلاك الأمم وسنة الله في القوم المجرمين والمنحرفين، للشيخ عبد الله التليدي؛
– سنن القرآن في قيام الحضارات وسقوطها، لمحمد هيشور؛
– السنن الإلهية في الآفاق والأنفس والأمم (كشاف موضوعي من خلال القرآن الكريم)، لزينب عطية؛
وكُتبت في الموضوع رسائلُ وأطروحات جامعية، فمن المغرب رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، للأستاذ عبد الرحمن قشيش، بعنوان "نظام السننية في المذهبية وأثرُه في التغيير الاجتماعي"، ونوقشت بالرباط عام 1993 م، ورسالة لنيل دكتوراه الدولة، للأستاذ جمال السعيدي، بعنوان "السنن الكونية والقرآن الكريم"، ونوقشت بالرباط عام 2001 م. ومن المشرق رسالة ماجستير للأستاذ حازم زكريا محيي الدين، بعنوان "السنن الإلهية عند محمد رشيد رضا" ونوقشت بكلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية، في بيروت، في ربيع الآخر 1423 هـ.

وكُتِبَت فيه أيضا مقالاتٌ من مؤلفات منها: "كيف نتعامل مع القرآن" للشيخ محمد الغزالي، و"السنة مصدرا للمعرفة والحضارة" للشيخ يوسف القرضاوي، و"التفسير الإسلامي للتاريخ" للأستاذ عماد الدين خليل، و"مراجعات في الفكر والدعوة والحركة" للأستاذ عمر عبيد حسنة، و"رؤية في منهجية التغيير" له أيضا. وما كتبه الأستاذ محمد أمزيان في مبحث أهمية الوحي في صياغة القوانين الاجتماعية، من رسالته "منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية".

وهذه البحوث وغيرها مما كُتِب في هذا الموضوع، يقل فيها الانكباب على دراسة القرآن لاستنباط السنن، وهو في السنة أقل وأكثر ندرة.

والناظر في هذه الدراسات يرى أن الشأن فيها لا يخلو من أحد أمرين:

الأول: أن منها ما اشتغل بالتأصيل لعلم السنن الإلهية وبيان أهميته، ومقارنته بقوانين المادية التاريخية في الفكر الماركسي، فجاءت الدراسة نظرية محضة، شِبْهَ خالية من التطبيقات وبيان أنواع السنن الإلهية وتقاسيمها، وبسط فقهها.

والآخر: أن ما اشتغل منها ببيان السنن وإظهار التطبيقات من الشارع -وهو قليل- اقتصر على القرآن الكريم، ولم يورد نصوص السنة النبوية إلا قليلا على سبيل الاستشهاد، فلا توجد، في ما أعلم، دراسةٌ مفردة للسنن الإلهية مستخرجة من السنة النبوية خاصة.

الحاجةُ إلى العناية بفقه الحديث في باب السنن الإلهية
ذلك، وإن سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وقعت العناية بها من العلماء، حفظا بتدوينها وكتابتها، وصيانةً من الدس والتحريف بوضع قواعد الرواية وأصول قبول الحديث ورده بمنهج الجرح والتعديل، وفِقْهًا من الناحية التشريعية وبيان أحاديث الأحكام.

إلا أن جانب الفقه الاجتماعي والتاريخي والكشف عن سنن الله في خلقه، ظل شبه غائب في مؤلفات شُرَّاح كتب السنة النبوية، سوى إشارات وعبارات قليلة، فلا تكاد تظفر منها بشيء ذي بال في هذا الميدان، وقد يُعتَذَرُ لعلمائنا الأجلاء بأن بحث السنن لم يكن فكرة تشغل عقولهم في تلك الأزمان بمثل ما هي مُلِحَّةٌ في هذا الزمان، مع العلم أن المسلمين آنئذ كانوا يصنعون حياتهم وفق سنن الله تعالى، فكأنهم استغنوا بالعمل عن القول في هذا المجال.

فصَحَّ الداعي وقَوِيَ الباعثُ على التَّهَمُّمِ والعناية بهذا الباب في فقه حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإنه باب من العلم خطير القدر، جليل الفائدة.

فلأجل ذلك كله انبريت للبحث في هذا الموضوع، مُنْكَبا على حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم وسيرته، مشتغلا بالبيان النبوي للقرآن الكريم، لاستنباط السنن الإلهية، غيرَ غافل عن آيات الكتاب إذْ كان وما زال أصلَ هذا الفن من فنون العلم، فلا يخلو الكلام في سنة من السنن في هذه الدراسة عن الاستدلال بأصلها في القرآن العظيم.

مصادر البحث ومنهجه
وأما مصادر البحث في هذا الموضوع فكانت نوعين: أصليَّة وتَبَعِيَّة.
فأما الأصلية فكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وأما التبعية فتفاسير القرآن، وكتب شُرَّاح الحديث، وكتب السيرة النبوية، ومعاجم اللغة، وكتب العقيدة والرقاق والسلوك.
فاعتمدت من كتب السنة على الكتب الستة مع مسند الإمام أحمد، وسنن الدارمي، ومعاجم الطبراني الثلاثة، وكتب البيهقي، وغيرها من المسانيد والمصنفات والمعاجم.

ومجملُ ما تحَصَّل لدَيَّ من نصوص الحديث من تلك الكتب في بيان السنن الإلهية، كان أصلُ مادته مستمدًّا من صحيح الإمام البخاري الذي تتبعت أحاديثه، حديثا حديثا، من الدفة إلى الدفة، وقرأتها قراءة متأنية مع إمعان النظر من غير ما تعجُّل.
ورُبَّ باب بل كتاب من صحيح البخاري، حسبته مَظِنَّة طَلِبَتي فوقفت عنده الأيامَ والليالِيَ العديدة، أجول بفكري في أحاديثه، ثم لم أظفر منه بشيء، ورُبَّ حديث واحد من البخاري يفتح الله عليَّ فيه من درر السنن ما يملأ الصفحات الطوال، فلذلك لم أكن لأترك من البخاري حرفا -على ما كان ينتابني في أحايين كثيرة من السآمة والملل لِحَال قِلَّة الظَّفَر- حتى أتيت على آخره مُسَبِّحًا وحامدًا.

ثم إني لمَّا أنهيت قراءته رتبت ما اجتمع لي منه في مادة البحث على أبواب ومسائل من السنن الإلهية، ثم شرعت أبحث في صحيح مسلم والسنن الأربعة ومسند أحمد وغيرها، لا على سبيل الاستقراء والاستقصاء، بل عمدت إلى كتب وأبواب بعينها، فاجتمع عندي، بفضل الله تعالى، ما أَقمتُ به صُلْبَ هذا البحث، وفَضُل منه الكثير من الأحاديث التي لم أَهْتَدِ إلى مواضعها من المسائل والأبواب، لكنها لا تخرج عن كونها شواهدَ لبعض السنن من باب الإشارة، فأعرضتُ عنها لحال الطُّول، ولِمَا شرطت لنفسي من ترك الاستيعاب والحصر، إذ هو أمر دونه عُمُر طويل، وعصبةٌ أولُو قوة.

وبعد الجمع والترتيب، جاء التبويب، ثم التحليل والتركيب، وبيانُ الفقه لكل سُنَّة على حِدَة.
ومنهجي في ذلك: أن أضع لكل سُنَّة عنوانا، ثم آتي ببيان معناها اللغوي بالرجوع إلى معاجم اللغة، ثم أذكر أصله من القرآن مع بيان التفسير، ثم أورد شواهدها من الحديث، وقصدت في ذلك إلى ترتيب الأحاديث على حسب أقواها دلالة على المراد في الباب، ثم أبين ما فيها من الفقه المتعلق بالسُّنَّة الإلهية، دون باقي معاني الحديث، معتمدا كُتُبَ فقه الحديث، إن ظَفِرْت منها بشيء، وإلا بَسطتُ البيان لما يَظهر لي من المعاني بما يسَّر الله من النظر والفكر.

وقد أسرد الأحاديث من غير ذكر ما قيل فيها من الفقه، حين لا تدعو الحاجة إليه، لظهور المراد منها بترتيبها على نظام لا يخلو من الربط بينها، وإيضاح المناسبات.
ولم يكد هذا المنهج يتخلَّف في جميع الرسالة إلا لماما.

ولقد حرصت في هذا البحث على تطلُّب الجِدَّة والنفع، والإعراض عما كان عريًّا عنهما، إذ الكتابة والتأليف ما حوى زيادة فائدة وإلا فهو تضييع زمان، وتخسير مداد، وتسويد كاغد، والله لا يحب الفساد.

ولم أكن في هذا العمل، بفضل الله ورحمته، ممن يكرر أعمال من سبقني، بل جاء البحث جديدا، نافعا إن شاء الله تعالى، فكان بحثا قرآنيا، أَثَرِيًّا حديثِيًّا، غنيا بنصوص الكتاب والسُّنَّة وآثار السلف، منظومةً في عِقد متناسق، واضح المناسبات، ناصع العبارات، وأبوابٍ وفصولٍ جديدةِ في الوضع والترتيب، ومفيدة في الجمع والتركيب.

خطة البحث
وجعلت كل ذلك في نظام هذه الرسالة التي سمَّيْتُها: "فِقْهُ سُنَنِ النَّفْسِ وَالمجْتَمَعِ في السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ"، واشتملت على مقدمة ومدخل وثلاثة أبواب وخاتمة.

ففي المقدمة: بيان فكرة موضوع البحث، ودوافع الاشتغال به، ومصادره ومنهجه وبيان خطته.
وفي المدخل: تفسير مصطلحات الموضوع، وبيان معانيها وما جرى عليه البحث منها، وأهمها تعريف سنة الله تعالى وبيان مفهومها، والكلام على خصائصها.

فعرضت لبيان مفهوم "السنة" في اللغة والاصطلاح، ودللت على ذلك من القرآن والحديث، واستعمالات لغة العرب، وخلصت من ذلك إلى أن سُنَّة الله: هي العادة المألوفة والمثال المتبع الجاري في معاملة الله تعالى للناس في الدنيا، على حسب أعمالهم في حال الطاعة وحال المعصية، بالإنعام على المطيع، والانتقام من العاصي.

واستعملت لفظ "السنة" بمفهوم آخر له دليله من اللغة، وإن لم يرد ذكره في القرآن بلفظ السنة، ولم يجر عليه استعمال المتقدمين، زيادة على المفهوم الجاري في اصطلاحهم، فكان الكلام على السنن الإلهية، في هذا البحث، جاريا على مفهومين اثنين: الأول: ما تقدم، والثاني: هو معنى من المعاني اللغوية للفظ "السنة"، وهو معنى الطبيعة والخَلْق، والمراد به: سُنَّة الله في ما خلق عليه الإنسان من الطبيعة والخليقة، النفسية والعقلية، وما ركب فيه من الأخلاق التي لا تزايله، في حال انفراده وحال اجتماعه.

فاستعمَلتُ في هذا المعنى لفظ السنة، وأفردت للكلام عليه البابَ الأول من هذا البحث الذي بينت فيه السنن الإلهية في الطبائع البشرية، وما ركبه اللَّهُ في الإنسان من جميع الطباع والأخلاق النفسية والعقلية، التي لا تنفك عنه، في حال انفراده وحال اجتماعه.

وفيه فصلان: الفصل الأول في سنن طبائع الأنفس، واشتمل على خمسة عشر مبحثا، بِعَدَد ما أوردتُ فيه من تلك السنن، كالشهوة، والغضب، والشح، والجدل، والغَيْرَة، والهلع، والحسد، وغيرها.
والفصل الثاني في سنن طبائع الاجتماع والعمران البشري، وما فطر الله عليه الإنسان في اجتماعه من سنن التآلف، والتظاهر، والتدافع، وغيرها. واشتمل على إحدى عشر مبحثا.
وبسطت بيان تلك السنن وفقهها، ولم أقصد في ذلك كلِّه إلى الاستقصاء والحصر؛ فدونه جُهد فريق من العمل، وأوقاتٌ مديدة.

وأما الباب الثاني: فجعلته لبيان فقه السنن الإلهية في التغيير، وعقدت فيه فصلين: الفصل الأول في فقه سنة التغيير، وضمَّ أربعة مباحث: الأول في الكلام على فقه سنة "كلُّ شيء بقَدَر"، ومناسبة هذا المبحث لباقي مباحث الفصل أن فهم مسألة القضاء والقدر باعث على إعمال سنة اتباع الأسباب للتغيير. والمبحث الثاني في بيان مفهوم التغيير، والثالث في فقه سنة التغيير وذكر أهميتها، وأما الرابع فجعلته لفقه سنة اتباع الأسباب.

وجعلت الفصل الثاني في بسط الكلام على فقه السنن الإلهية في التغيير، وفيه مبحثان: الأول في سنن ترتيب النقمة على كسب الشر، والثاني في سنن ترتيب النعمة على كسب الخير. وفي كل ذلك البيانُ لطائفة من سنن التغيير ذات العلاقة السببية، بلغَت في مجموعها خمسة عشر سنة، صِيغَت في عبارات تجمع السَّبَب والمسبَّب.
وأما الباب الثالث: فأفردته للكلام على مراعاة السنن الإلهية في التصرفات النبوية بسياسة الأمة، وتدبير شؤون دولة الإسلام، وإن كان سبق في ذلك إشارات في ما تقدم من الفصول التي جعلتها لبيان فقه السنن الإلهية.
وبينت في كل ذلك تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم لسنن الله تعالى بما برهن على موافقة سنة الله القدرية لسنته الشرعية.

وشمَلَ هذا البابُ مدخلا في الكلام على وجوب منازعة السنن ومدافعة بعضها ببعض، على طريقة منازعة الأقدار شرِّها بخيرها وأحبِّها إلى الله تعالى.
وشمل أيضا فصلين: الفصل الأول في مراعاة سنن طبائع الأنفس والأمم في التصرفات النبوية، وفيه مبحثان: الأول في مراعاة سنن طبائع الأنفس، وفيه سبعة مطالب. والمبحث الثاني في مراعاة سنن طبائع الاجتماع والعمران، وفيه مطلبان.

والفصل الثاني في الكلام على تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم في مراعاة سنة اتباع الأسباب، ولذلك عقدت فيه أربعة مباحث: الأول في سنة اتباع أسباب النصر، والثاني في سنة اتباع أسباب الرزق، والثالث في سنة اتباع أسباب الصحة، والأخير في سنة اتباع أسباب سلامة المخالطة.

وأنجزتُ الرسالة بخاتمة ذَكَرتُ فيها نتائج البحث، وبعض الجوانب المقترحة، والجديرة بالعناية والاهتمام في بحث السنن الإلهية.

ومن ذلك أنه يُنتظر من الباحثين والدارسين أن يشتغلوا في موضوع السنن الإلهية بأمور منها:

1. جمع ما كتبه فيه، المتقدمون والمتأخرون، وغربلة آثارهم وتقويمها.

2. تحقيق الكلام في الدراسة النظرية وبيان مصطلحات هذا العلم، وتقعيد قواعده، ليستقيم منهجه.

3. وضع كشاف موضوعي للسنن الإلهية مستخرجة من القرآن والحديث، وترتيبها على الأنواع والتقاسيم الممكنة في بابها.

وقد سلكت في بسط فصول هذا البحث ومسائله منهجا علميا اتسم بإحالة الآيات على مظانها من القرآن الكريم، وتخريج الأحاديث النبوية، وبيان صحيحها من ضعيفها، على جهة الاختصار، وبعزو النقول إلى أصحابها رعاية للأمانة العلمية وحرصا على حفظ بركة العلم.

وذيّلت هذا البحث بفهارس علمية للآيات، والأحاديث، والأشعار، وفهرس للمصادر، وفهرس للمسائل والموضوعات.

وبهذا العمل أكونُ قد وضعت لبنة من لبنات بناء صرح هذا العلم -"علم السنن الإلهية"- وساهمت بنصيب في بيان حقيقة السنن الإلهية، والكشف عن وجوه ذلك، وبخاصة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.