طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > دلالة الأسماء الحسنى على التنزيه

ملتقى الخطباء

(2٬203)
165

دلالة الأسماء الحسنى على التنزيه

1431/02/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

د. عيسى بن عبد الله السّعدي

المبحث الثّاني

التّنزيه عن أسماء الذمّ وأفعاله

تمدّح الربّ تبارك وتعالى بأن أسماءه أحسن الأسماء ، وأعلاها ، قال تعالى : ( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) [ الأعراف : 180 ] ، وقال : ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ) [ الأعلى : 1 ] ؛ وهذا يدلّ سمعًا وعقلاً على تنزيه الربّ عن جميع أسماء الذمّ وأفعاله ؛ لأنّه لو كان من أسمائه اسم ذمّ لم تكن أسماؤه حسنى ، ولا عليا ، ولو فعل الشرّ لاشتقّ له منه اسم ، ولما كانت أسماؤه أحسن الأسماء وأعلاها ، وهذا يتضمّن تنزيه الربّ عن أربعة أمور ؛ أسماء الذمّ الصّريحة ، والأسماء المحتملة للذمّ ، والأسماء الموهمة به ، ولو من وجه خفيّ ، وأفعال الشرّ .

? ? ?

أسماء الذمّ الصّريحة:
لاشكّ أنّ الربّ ـ تبارك وتعالى ـ منزّه عن جميع أسماء الذمّ ؛ لأنّ أسماءه لو دلّت على صفة نقص أو ذمّ لم تكن حسنى ولا عليا ؛ ولأنّ ثبوت أسماء الكمال يستلزم نقلاً وعقلاً انتفاء أضدادها ، يقول ابن تَيْمِيَّة : (( السّمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى وصفات الكمال ما قد ورد ؛ فكلّ ما ضادّ ذلك فالسّمع ينفيه ، كما ينفي عنه المثل والكفء ؛ فإنّ إثبات الشّيء نفي لضدّه ، ولما يستلزم ضدّه .

والعقل يعرف نفي ذلك كما يعرف إثبات ضدّه ؛ فإثبات أحد الضدّين نفي للآخر ، وما يستلزمه )) (1) ؛ ولهذا أجمعت الأمّة إجماعًا ضروريًّا ، وعلم من الدِّين علمًا ضروريًّا أنّه تعالى منزّه عن جميع ما يضادّ أسماءه الحسنى من الأسماء ؛ سواء أكانت من أسماء السبّ للمخلوقين ؛ كأسماء الظّلم ، واللعب ، والجهل ، أم كانت من أسماء النّقص فيهم ؛ كأسماء الفقر ، والضّعف ، والعجز (2) .

? ? ?

الأسماء المحتملة للذمّ

ممّا يجب أن ينزّه عنه الربّ ـ تبارك وتعالى ـ الأسماء المشتملة على أوصاف تحتمل الكمال باعتبار والنّقص باعتبار آخر ؛ لأنّ أسماءه لو دلّت على أوصافٍ منقسمةٍ إلى المدح والقدح لم تكن حسنى ولا عليا ، وهذا ينافي ما تمدّح به الله تعالى من التفرّد بأحسن الأسماء وأعلاها (3) .

وينبني على هذا الضّرب من التّنزيه خمسة أمور : ـ
1 ـ إنكار دخول اسم المريد ، والفاعل ، والصانع ، في عداد الأسماء الحسنى ؛ لأنّ الإرادة ، والفعل ، والصّنع ، ينقسم مدلولها إلى كامل وناقص ، وخير وشرّ ؛ ولهذا أطلق الربّ على نفسه هذه الأوصاف في حال الكمال دون النّقص ، قال تعالى : ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) [ هود : 107 ] ، وقال : ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) [ النّمل : 88 ] ؛ ولأنّ هذه الأوصاف ترجع إلى ما يقوم بالربّ من الأفعال ، وباب الأفعال أوسع من باب الأسماء ، فلا يجوز أن يشتقّ له من كلّ فعل اسم مطلق ، يقول ابن القيّم : (( الفعل أوسع من الاسم ، ولهذا أطلق الله على نفسه أفعالاً لم يتسم منها باسم الفاعل ؛ كأراد ، وشاء ، وأحدث ، ولم يسم بالمريد ، والشائي ، والمحدث ، كما لم يسم نفسه بالصّانع ، والفاعل ، والمتقن … وقد أخطأ أقبح خطأ من اشتقّ له من كلّ فعل اسمًا ، وبلغ بأسمائه زيادة على الألف )) (4) .
2 ـ عدم دخول اسم الموجود ، والذات ، والشيء ، والمذكور ، والمعلوم ، في عداد أسماء الله الحسنى ؛ لانقسام مسمّى هذه الأسماء إلى كامل وناقص ، وما كان مسمّاه منقسمًا لم يدخل اسمه ضمن الأسماء الحسنى . ولكن يجوز أن يخبر به عن الربّ ؛ لأنّ باب الإخبار عنه أوسع من تسميته به (5) .
وقد أنكر جهم أن يطلق على الله اسم الشّيء لمُدْرَك آخر ؛ هو أنّه لا يفيد في المسمّى صفة كمال وجلال ، ولا يشعر بشرف ولا رتبة ؛ ولهذا يطلق اسم الشّيء على أخسّ الأشياء ، وأكثرها حقارةً (6) .

والصّواب أنّه لا يطلق على الله لانقسام مدلوله إلى كامل وناقص ؛ ولهذا يخبر به عن كلّ شيء ، حتَّى أعظم الأشياء ، قال تعالى : ( قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ) [ الأنعام : 19 ] ، والمعنى : أنّ الله أعظم الأشياء شهادة على صدق النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ، وأنّه على الحقّ ، وقومه على الباطل (7) .

والظّاهر أنّ انقسام الشّيء إلى كامل وناقص ، وحسن وسيّء ، إنّما هو في متعلّقه لا في ذاته ؛ ولهذا يجوز الإخبار به ، وبنظائره عن الله تعالى ، والإخبار عن الله لا يكون باسم سيّء في ذاته ؛ يقول ابن تَيْمِيَّة : (( وأمّا الإخبار عنه فلا يكون باسم سيء ، لكن قد يكون باسم حسن ، أو باسم ليس بسيء وإن لم يحكم بحسنه ، مثل اسم شيء ، وذات ، وموجود ـ إذا أريد به الثّابت ، وأمّا إذا أريد به الموجود عند الشّدائد فهو من الأسماء الحسنى ـ وكذلك المريد ، والمتكلّم ؛ فإنّ الإرادة ، والكلام تنقسم إلى محمود ، ومذموم ، فليس ذلك من الأسماء الحسنى ، بخلاف الحكيم ، والرّحيم ، والصادق ، ونحو ذلك فإنّ ذلك لا يكون إلاّ محمودًا )) (8) . والتّنظير بين اسم المريد ، واسم الشّيء إنّما هو في جواز الإخبار بهما عن الربّ ، وامتناع تسميته بهما ؛ لانقسام متعلّقهما إلى محمود ومذموم . وأمّا بالنّظر إلى ذاتهما ؛ فاسم الشّيء وما قرن به ليس بسيء ، واسم المريد والمتكلّم حسن ؛ لأنّ الإرادة والكلام حسنة باعتبار ذاتها ؛ فمن يريد ، ويتكلّم أكمل ممّن لا يكون منه ذلك ؛ ولهذا أبطل الله ألوهيّة العجل بعدم الكلام ، قال تعالى : ( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ) [ الأعراف : 148 ] .

3 ـ عدم دخول الماكر ، والمستهزئ ، والكائد في عداد الأسماء الحسنى ؛ لأنّ مسمّى هذه الأسماء ؛ وهو ما تدلّ عليه من الصّفات ، يعتبر نقصًا في حقّ فاعله إلاّ إذا كان في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها ؛ لأنّها حينئذٍ تدلّ على قدرة فاعلها على مقابلة عدوّه بمثل فعله أو أشدّ ، ولهذا لم يذكرها الله من صفاته على سبيل الإطلاق ، وإنّما ذكرها في مقابلة صفات أعدائه ، ومعاملتهم بمثلها ، قال تعالى : ( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) [ آل عمران : 54 ] ، وقال : ( قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ . اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) [ البقرة : 14 ، 15 ] ، وقال : ( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا . وَأَكِيدُ كَيْدًا ) [ الطّارق : 15 ، 16 ] ؛ وأيضًا فإنّ الإخبار عن الربّ بالمكر ، والاستهزاء ، والكيد إخبار بأفعال مقيّدة ، ولا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيّدًا أن يشتقّ له منه اسم مطلق ، وبخاصّة أنّ الإخبار بالفعل أوسع من إطلاق الاسم (9) .

4 ـ أن اسم ( المنتقم ) لا يدخل في عداد الأسماء الحسنى ؛ لانقسام مسمّاه وعدم دلالته على الكمال إلاّ إذا كان مخصوصًا مقيّدًا ، كما في قوله تعالى : ( فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ) [ الرّوم : 47 ] ، وقوله : ( فَلَمَّا ءَاسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ) [ الزّخرف : 55 ] . وأمّا وروده في رواية سرد الأسماء الحسنى فليس حجّة على أنّه من جملة أسماء الربّ تعالى ؛ لأنّ الرواية من إدراج بعض الرواة ، وليست من كلام النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ، يقول الصنعاني : (( اتّفق الحفّاظ من أئمة الحديث أن سردها إدراج من بعض الرواة )) ( 10) ؛ ولهذا قال ابن تَيْمِيَّة : (( اسم المنتقم ليس من أسماء الله الحسنى الثابتة عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم )) (11 ) .
5 ـ أنّ الأسماء المزدوجة لا يجوز أن تطلق على الربّ مفردةً ؛ لأنّها تجري مجرى الاسم الواحد الَّذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض ؛ فالمانع يجب أن يقرن بالمعطي ، وهكذا الضارّ بالنّافع ، والمذلّ بالمعزّ ، والمحيي بالمميت ؛ وذلك لأنّ هذه الأسماء لا تدلّ على الحسن والعلوّ المطلق إلاّ إذا قرن كلّ اسم بمقابله ؛ وحينئذٍ تفيد الثّناء على الربّ بمعاني الرّبوبيّة ، وكمال التصرّف في الخلق ؛ عطاءً ومنعًا ، ونفعًا وضرًّا ، وإحياءً وإماتةً (12) .

? ? ?

المبحث الثّالث

التّنزيه عن الأعلام الجامدة
ممّا ينزّه عنه الربّ تعالى أن تكون أسماؤه أو بعضًا منها أعلامًا جامدة ، والعَلم الجامد هو ما ينبئ عن الذات ويميزها عن غيرها دون أن يدلّ على أوصاف ثبوتيّة قائمة بها . فإنَّ الله تعالى قد تمدّح بالتفرّد بأحسن الأسماء وأعلاها ، والاسم إنّما يكون حسنًا إذا دلّ على صفة كمال ، وبذلك كانت أسماء الله تعالى حسنى وعليا ؛ لأنّها تدلّ على أكمل صفات التمجيد والتّقديس وأعلاها ؛ فلو كانت أعلامًا محضة لم تكن حسنةً فضلاً عن أن تكون أحسن الأسماء ، وأعلاها ؛ لأنّ الأعلام المحضة هي الَّتي لم توضع لمسمّاها باعتبار معنًى ، أو وصف قام به (21) .

ويبنى على هذا الأصل ثلاثة أمور : ـ
الأمر الأوّل : أنّ أسماء الله أعلام وأوصاف ؛ إذ لو كانت مجرّد أعلام جامدة لم توضع لمسمّاها باعتبار ما قام به من الأوصاف لم تكن حسنى ، ولا كانت دالّة على مدح ولا كمال ، ولكانت كلّها سواء ، لا فرق بين مدلولاتها ؛ فالمفهوم من العزيز هو المفهوم من الرّحيم ، والمفهوم من المعطي هو المفهوم من المانع ؛ وهذه مكابرة صريحة للفطرة واللغة والعقل !
وممّا يدلّ على أنّ أسماء اللّه أعلام وأوصاف أربعة أدلّة : ـ
1 ـ ما ورد في النّصوص من وصف الربّ تعالى بمصادر أسمائه ؛ كوصفه بمصدر اسمه القويّ ، والعزيز ، والعليم ، والرّحيم ، والسّميع ، والبصير ، والقدير ، والمتكبّر ، قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) [ الذّاريات : 58 ] ، وقال : ( فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) [ النِّساء : 139 ] ، وقال : ( أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) [ النِّساء : 166 ] ، وقال : ( وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ) [ الكهف : 58 ] ، وروى الإمام أحمد بسنده عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ )) (22) ، وروى مسلم بسنده عن أبي موسى الأشعريّ
يرفعه : (( حِجَابُهُ النُّورُ ، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ )) (23) ، وروى البخاريّ بسنده عن جابر مرفوعًا : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ )) (24) ، وروى
مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدريّ مرفوعًا : (( الْعِزُّ إِزَارُهُ ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ )) (25) ، فعلم من هذه النّصوص أنّ أسماء الربّ أعلام وأوصاف ؛ إذ لو لم تكن أسماؤه دالّة على معان وأوصاف لما جاز أن يوصف بمصادرها ، ويخبر بها عنه ؛ فهو قادر بقدرة ، عزيز بعزّة ، عليم بعلم ، ولولا ثبوت هذه المعاني ونظائرها ، وقيامها بالربّ على الوجه اللائق بجلاله لما سمّي قويًّا ، ولا عزيزًا ، ولا عليمًا ، ولا غير ذلك ، واكتفي بما ينبئ عن الذات فقط .
2 ـ أنّ الله تعالى وصف نفسه بأحكام أسمائه ، قال تعالى : ( إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) [ طه : 46 ] ، وقال : ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) [ البقرة : 255 ] ، وقال : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) [ النِّساء : 48 ، 116 ] ؛ فلو لم تكن أسماؤه مشتملةً على معان وصفات لم يسغ أن يخبر عنه بأفعالها ؛ لأنّ ثبوت أحكام الصّفات فرع ثبوتها ؛ فإذا انتفى أصل الصّفة استحال ثبوت حكمها .
3 ـ أنّ أسماء الله تعالى لو كانت أعلامًا جامدة لما ذكر في القرآن كلّ اسم مع ما يناسبه من فعل الله وأمره ، ولساغ في التوسّل وقوع أسماء الغضب مقام أسماء الرّحمة ، والعكس ، فيقال : اللهم اغفر لي إنّك أنت العزيز القهّار ، واللهم قاتل الكفرة إنّك أنت الغفور الرّحيم !
4 ـ أنّ الزّعم بأنّ أسماء الله تعالى مجرّد أعلام ؛ إلحاد في إسمائه ، وقد توعّد الله الملحدين في أسمائه بقوله : ( وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [ الأعراف : 180 ] ؛ والإلحاد في أسمائه يكون بجحد معانيها وتعطيلها ، كما يكون بجحدها وإنكارها ، أو إشراك غيره في ألفاظها ، أو الانحراف في ظاهرها وحقوقها ولوازمها (26) .
ودلالة الأسماء الحسنى على الوصفيّة لا تنافي ما تفيده من العلميّة المختصّة ؛ لأنّ أوصاف الربّ مختصّة به ، ولا يشركه فيها أحد ، وهذا بخلاف أوصاف عباده ؛ فإنها تنافي علميّتهم ؛ لأنّ أوصافهم مشتركة فنافتها العلميّة المختصّة (27) .

? ? ?

الأمر الثّاني : بطلان مسلك المعتزلة وابن حزم في اعتبار الأسماء الحسنى مجرّد أعلام جامدة لا دلالة فيها على شيء من المعاني القائمة بالربّ تعالى ؛ لأنّها لو كانت مجرّد أعلام محضة لما كانت حسنة فضلاً عن أن تكون أحسن الأسماء .
وخلاصة رأي المعتزلة في هذه المسألة أنّهم يثبتون أسماء الربّ في الجملة ، ولكنّهم يعتبرونها مجرّد أعلام محضة ؛ ولهذا نفوا صفاته ، وقالوا في المشهور عنهم : هو عالم بذاته ، قادر بذاته ، حيّ بذاته ، لا بعلم وقدرة وحياة ؛ لأنّ إثبات معان قديمة قائمة بالذّات ينافي التّوحيد ؛ لما يستلزمه من التعدّد (28) !
وهذا المسلك غير صحيح ؛ لأنّه ينافي ما تواترت به النّصوص من إثبات مصادر الأسماء الحسنى ، وأحكامها ، كقوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) [ الذّاريات : 58 ] وقوله : ( أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) [ النِّساء : 166 ] ، وقوله : ( إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) [ طه : 46 ] ، وقوله : ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) [ البقرة : 255 ] .

أمّا التعدّد فإنّما يلزم من إثبات ذوات قديمة متباينة ، لا من إثبات الصّفات المتعدّدة ؛ لأنّ الصّفة لا توصف بالقدم على سبيل الاستقلال ؛ لأنّها لا تقوم بنفسها ، ولا تستقلّ بذاتها ، ولكنّها تكون قديمة بقدم موصوفها ، وتابعة له . وهذا الإلزام مبنيّ على فهمهم معنى التّوحيد ، وأنّه لا يتحقّق إلاّ بإثبات ذات مجرّدة عن وصف زائد عليها .

وهو فهم خاطئ ؛ لأنّ الذّات لا يمكن أن توجد بدون صفات ، كما أن الصّفات لا يمكن أن تقوم بدون ذات ، وهذا مقتضى الذاتيّة لا يختلف شاهدًا ولا غائبًا ؛ فإذا ذكرنا الله بلفظ ظاهر أو مضمر دخل في مسمّى اسمه صفاته ، من حياة ، وعلم ، وقدرة ، وسمع ، وبصر ، وسائر صفات الكمال ، وليس المراد أنّا ذكرنا ذاتًا مجرّدة عن الصّفات ؛ فإنّ وجود مثل هذه الذّات ممتنع في الأعيان . وهكذا الشّأن في الشّاهد ؛ فإنّ المتعارف عليه بين النّاس اعتبار الموصوف بصفاته شيئًا واحدًا مهما تعدّدت أوصافه ، يقول الإمام أحمد : (( النّخلة .. لها جذع ، وكرب ، وليف ، وسعف ، وخوص ، وجمار ، واسمها شيء واحد ، وسمّيت نخلة بجميع صفاتها ، فكذلك الله ، وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد … ، وقد سمّى الله رجلاً كافرًا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال : ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ) [ المدّثّر : 11 ] ، وقد كان هذا الَّذي سمّاه وحيدًا له عينان ، وأذنان ، ولسان ، وشفتان ، ويدان ، ورجلان ، وجوارح كثيرة ، فقد سمّاه الله وحيدًا بجميع صفاته ، فكذلك الله ، وله المثل الأعلى ، هو بجميع صفاته إله واحد )) (29) .
وقد ذهب جماعة من علماء السّلف ومن وافقهم إلى أن اسم ( الله ) علم جامد ؛ وقد ذكر القرطبي والجرجاني هذا القول عن الخليل وسيبويه في أحد قوليهما ، وذكراه أَيْضًا عن الشّافعيّ والخطّابيّ والغزالي وغيرهم (30) . ولكن هؤلاء لا يريدون بالاسم الجامد ما أراده المعطّلة ، ولزمتهم الشناعة لأجله ، وإنّما يريدون به معنًى آخر ؛ فإنّ الاسم الجامد يراد به ما لا يدلّ على صفة كمال ، ويراد به ما ليس مأخوذًا من الفعل ؛ سواء أكان اسم عين ، كحجر ، أم كان اسم معنى ؛ كعلم ، وهذا اصطلاح النحاة (31) ، وهو ما أراده الخليل ومن وافقه ؛ فمقصودهم من القول بأن اسم الله علم جامد بمعنى أنّه ليس مشتقًّا من فعل ( أله ) ، ولا من فعل ( وله ) ، ولا من غيرهما .
وذهب كثير من أهل العلم إلى أنّ اسم الجلالة مشتقّ ، وليس علمًا جامدًا ؛ ثُمَّ اختلفوا في اشتقاقه وأصله ؛ فقيل : إنّه مشتقّ من أله الرّجل إذا تعبّد ، وتألّه إذا تنسّك ، وقيل : إنّه مشتقّ من وله إذا تحيّر ؛ لأنّ الله تتحيّر الألباب في حقائق صفاته ، والفكر في معرفته ، وقيل غير ذلك ، والأوّل أظهر ؛ فأصله من ( تألّه ) ؛ أي تعبّد وتنسّك ، ولفظ الجلالة على وزن فعال بمعنى مفعول ؛ أي المعبود الحقّ الجامع لصفات الإلهيّة ، وهي صفات الكمال المنزّه عن المثل والنّقص (32) .

? ? ?

الأمر الثّالث : صحّة ما ذهب إليه أكثر العلماء من أنّ الدّهر ليس من أسماء الله تعالى ؛ لأنّ الأصل فيها أن تكون حسنى ؛ فلا بُدّ أن تشتمل على أحسن الأوصاف ، والدّهر اسم جامد لا يتضمّن وصفًا حتَّى يلحق بالأسماء الحسنى ؛ إذ هو مجرّد اسم للزّمن ، ومرور الليالي والأيّام .
وذهب بعض أهل الحديث إِلى أَنَّ الدّهر من أسماء الله تَعَالى ، نقله ابن تيميّة عن نعيم بن حمّاد واختاره ابن الوزير وغيره لما رواه البخاريّ بسنده عن أبي هريرة ? مرفوعًا : (( قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ ، يَسُبُّ الدَّهْرَ ، وَأَنَا الدَّهْرُ ، بِيَدِي الأَمْرُ ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ )) (33) ؛ فصرّح بأنّ الدّهر من أسمائه (34) .
وهذا الاستدلال غير مسلّم ؛ لأنّه يخالف الأصل في أسماء الله الحسنى ؛ إذ الدّهر اسم جامد ؛ لا يتضمّن من أوصاف الكمال ما يلحقه بالأسماء الحسنى ، وأيضًا فإنّ المراد بقوله : (( وَأَنَا الدَّهْرُ )) نسبة ما يجري في الدّهر إلى الله ؛ لأنّه الفاعل الحقيقي لما يجري فيه من الأحداث ، والدّهر مجرّد ظرف زماني لها ؛ والمعنى : وأنا مقلِّب الدّهر ، ومدبّره ، ومصرّف ما يجري فيه ؛ بدليل قوله : (( أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ )) ، والليل والنّهار هما الدّهر ، ويستحيل أن يكون المقلِّب هو المقلَّب ، وإلا للزم أن يكون الخالق الفاعل هو المخلوق المفعول !
وأيضًا فإنّ الدّهر عرض لا يقوم بنفسه ، بل يفتقر إلى محلّ يقوم به ، والمفتقر إلى غيره يستحيل أن يكون هو الربّ القائم بنفسه ، وإنّما هو مخلوق من جملة المخلوقات ، كما قال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) [ الأنبياء : 33 ] .
وهذه اللوازم مجرّد دليل على فساد المذهب كما هو معروف ، وليست مذهبًا لمن أدخل الدّهر في عداد الأسماء الحسنى ؛ لأنّهم يفسّرون الدّهر بالقديم الأزليّ ! وهو تفسير غير مسلّم ؛ لأنّ الدّهر اسم للزّمان مطلقًا ، أو بقيد الطول ، أو الاستمرار (35) .
_________
(1) الرِّسالة التدمريّة ص139 ، وانظر : تيسير الكريم الرَّحمن لابن سعدي 3/120 .
(2) انظر : إيثار الحقّ على الخلق لابن الوزير ص164 .
(3) انظر : تيسير الكريم الرَّحمن لابن سعدي 3/120 .
(4) مدارج السّالكين 3/415 ، وانظر : بدائع الفوائد لابن القيّم 1/161 ، إيثار الحقّ على الخلق لابن الوزير ص163 .
(5) انظر : مدارج السّالكين لابن القيّم 3/415 ، 416 ، بدائع الفوائد لابن القيّم 1/116 .
(6) انظر : تفسير الرّازيّ 15/68 ، 69 .
(7) انظر : تفسير البغوي 2/88 ، تفسير ابن كثير 2/126 .
(8) مجموع الفتاوى 6/142 .
(9) انظر : مدارج السّالكين لابن القيّم 3/415 ، 416 ، بدائع الفوائد لابن القيّم 1/161 .
(10) سبل السلام 4/166 ، وانظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 8/96 ، 22/482، تفسير ابن كثير 2/269 ، بلوغ المرام لابن حجر ح ( 1395 ) ، المنهاج الأسنى لزين شحاته 1/29 ـ 36 .
(11) مجموع الفتاوى 8/96 .
(12) انظر : التّفسير الكبير للرازي 15/67 ، بدائع الفوائد لابن القيّم 1/167.
…….
(21) انظر : مدارج السّالكين لابن القيّم 1/28 ، 29 ، تيسير الكريم الرَّحمن لابن سعدي 3/120 ، القواعد المثلى لابن عثيمين ص6 .

(22) مسند الإمام أحمد ، باقي مسند الأنصار ، ح ( 23675 ) ، وانظر : صحيح البخاريّ بشرحه فتح الباري : كتاب التّوحيد ، باب وكان اللّه سميعًا بصيرًا 13/372 ، سنن النسائي : كتاب الطّلاق ، ح ( 3460 ) ، سنن ابن ماجه : المقدّمة ، ح ( 188 ) ، والحديث رواه البخاريّ تعليقًا ، ووصله الباقون ، والحديث صحّحه الحاكم ووافقه الذَّهبيّ ، وقال الأرنؤوط : إسناده صحيح . انظر : المستدرك 2/481 ، تخريج أحاديث جامع الأصول 7/379 .
(23) صحيح مسلم بشرحه للنّوويّ : كتاب الإيمان ، باب ما جاء في رؤية اللّه ? 3/13 .

(24)صحيح البخاريّ بشرحه فتح الباري : كتاب الدّعوات ، باب الدّعاء عند الاستخارة 11/183 .

(25) صحيح مسلم بشرحه للنّوويّ : كتاب البرّ والصّلة ، باب تحريم الكبر 16/173 .
(26) انظر : مدارج السّالكين لابن القيّم 1/28 ـ 38 ، بدائع الفوائد لابن القيّم 1/162 ، 169 ، 170 ، القواعد المثلى لابن عثيمين ص 8 .
(27) انظر : بدائع الفوائد لابن القيّم 1/162 .
(28) انظر : الفصل لابن حزم 2/283 ـ 286 ، 293 ـ 297 ، شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبّار ص181 ـ 201 ، الملل والنّحل للشهرستاني 1/43 ـ 86 ، منهاج السنّة النّبويّة لابن تَيْمِيَّة 2/583 ، 584 ،

(29) الردّ على الزنادقة والجهميّة [ ضمن عقائد السّلف ] ص91 ، 92 ، وانظر : ابن تَيْمِيَّة السّلفي ونقده لمسالك المتكلّمين في الإلهيّات للهرّاس ص92 ـ 95 .
(30) انظر : تفسير القرطبي 1/103 ، شرح المواقف 8/234 .
(31) انظر : كشّاف اصطلاحات الفنون للتهانوي 1/265 ، جامع الدّروس العربيّة للغلاييني 2/3 .

(32) انظر : تفسير أسماء اللّه الحسنى للزجّاج ص25 ، 26 ، تفسير القرطبيّ 1/102 ، 103 ، مدارج السّالكين لابن القيّم 1/32 .

(33) صحيح البخاريّ بشرحه فتح الباري : كتاب التّفسير ، سورة الجاثية 8/574 ، وانظر : صحيح مسلم بشرحه للنّووي : كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها ، باب النّهي عن سبّ الدّهر 15/3 .
(34) انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 2/494 ، إيثار الحقّ على الخلق لابن الوزير ص163 ، فتح المجيد لعبد الرَّحمن بن حسن ص511 .
(35) انظر : المفردات للرّاغب ص173 ، مختار الصّحاح للرازي ص212 ، القاموس المحيط للفيروزآبادي 2/33 .
وانظر في الخلاف في اعتبار الدّهر من الأسماء الحسنى : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 2/491 ـ 496 ، فتح الباري لابن حجر 8/575 ، القول المفيد لابن عثيمين 2/357 ، 358 .

انتهى ملخّصا من كتاب: دلالة الأسماء الحسنى على التنزيه
د. عيسى بن عبد الله السّعدي