طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > محاضرة: فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ

ملتقى الخطباء

(9٬684)
163

محاضرة: فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ

1431/02/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ما ظنك يا أخي بربك رب العالمين الذي له الملك كله، وله الحمد كله، الذي له خلق السماوات والأرض ؟ فهو الخالق لا خالق سواه، هو المالك لا مالك سواه، هو المدبر جل وعلا لهذا الكون ، فما من حركة ولا سكون إلا بأمره جل وعلا .
السَّمك في البحار ، والأشجار في البراري كلها تصدر عن ..”

 

 

 

اسم الكتاب: فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ
اسم المحاضر: د. خالد بن عبدالله المصلح

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ، أحمده سبحانه وأثني عليه الخير كله , وأشهد أن لا إله إلا الله هو البر الرؤوف الرحيم لا إله إلا هو الرحمن الرحيم , وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، خيرته من خلقه ، صفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد:

فنحمد الله أهل الحمد والثناء ، لا نحصي ثناء عليه كما أثنى على نفسه ، فهو جل وعلا أحق من حُمِدَ ، كما أنه سبحانه وبحمده أحق من ذُكِرَ. نحمده على نعمه الكثيرة التي من أجلِّها وأعظمها هذا الكتاب المبين الذي جعله الله تعالى من أعظم آيات الأنبياء، هذا القرآن الذي فيه خبر من قبلنا ، وفيه فصل ما بيننا ، وفيه حكم ما اختلف فيه المختلفون، فيه الهدى والنور، هو الضياء الذي تشرق به القلوب، هو النور الذي تُسفر به الدنيا، جعله الله تعالى حاويًا لكثيرٍ من الخير الذي فيه صلاح الدنيا واستقامة الآخرة .

أيها الأحباب: إنَّ كتاب الله تعالى فيه من القصص والأخبار ما وصفه الله تعالى في قوله : ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) . هذا القرآن تضمن قصصاً عظيمة من الأمم السابقة فيها عبرة وعظة، فيها وعدٌ ووعيد، فيها ادِّكارٌ لمن أراد عبرةً واتعاظاً، إنه كتابٌ مجيد ، إنه كتاب (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) .

أيها الأحباب:هذا الكتاب حوى قصص أئمة وعظماء من بني آدم، على رأسهم الرسل ثم الأنبياء ثم الصالحون , وهذه القصص لها فوائد كبيرة، من أعظم فوائدها ما قال الله جل وعلا وقص في كتابه حيث قال : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).

إنَّ هذا القصص فيه بيان شيء كثير، فيه تفصيل هذا الكتاب وبيان ما فيه من الأسرار والحكم، فيه هدى ورحمة ، لكن هذه الرحمة وهذا الهدى إنما هو لقوم يؤمنون به ويعظمونه، يقفون عند آياته، يتدبرون معانيه كما قال الله جل وعلا : (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ).

إنَّ من أعظم قصص هذا القرآن التي فيها تقرير حق الله تعالى , وبيان ما له جل وعلا على عباده من الحقوق تلك القصة العظيمة : قصة إمام الحنفاء، قصة إبراهيم عليه السلام، فقد ذكرها الله جل وعلا في مواضع عديدة من كتابه الحكيم، وهي قصةٌ تضمنت بيانًا وتوضيحًا، مجادلةً ومُحاجّة ومناقشة لقوم كفروا بالله جل وعلا، اتخذوا من دونه آلهة، عبدوا سواه سبحانه وبحمده , وقد تكرر ذكر هذه القصة على ألوان متعددة في كلام الله جل وعلا وفي كتابه الحكيم، من ذلك ما ذكره الله جل وعلا في سورة الصافات في خبر مُحاجة إبراهيم ودعوته لأبيه وقومه، استمع إلى هذه الآيات المباركات التي تضمنت شيئًا مما جرى بين إبراهيم عليه السلام وبين قومه، يقول الله جل وعلا : (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ) . هذا خطاب إبراهيم عليه السلام الذي قال الله تعالى فيه : (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). إبراهيم عليه السلام يقول هذه الكلمات في توجيه قومه ومناقشتهم، يقول : (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ). أي شيءٍ تعبدون دون الله جل وعلا ؟! (أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ) . ثم جاء سؤال يهز المشاعر، جاء سؤالٌ كبير، قال الله جل وعلا في بيان ذلك السؤال : (فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) . أي شيء ظننتم بهذا الرب الذي له الأولَى والآخرة؟ له ما في السماوات وما في الأرض؟ له الحمد كله؟ كل شيء إليه صائر وعنه صادر جل وعلا ، فهو سبحانه وبحمده الأول الذي ليس قبله شيء , وهو جل وعلا الآخر الذي ليس بعده شيء , وهو سبحانه وبحمده الظاهر الذي ليس فوقه شيء , وهو الباطن الذي ليس دونه شيء , كيف عبدتم غيره ؟ ما ظنكم بهذا الرب الذي هذه صفاته ؟ أظننتم أنه يترككم تعظمون غيره ، وتصرفون العبادة لسواه ولا يعاقبكم على ذلك ، وهو جل وعلا قد أمركم بعبادته ، وفطركم على ألا تعبدوا سواه ، بل أخذ الميثاق عليكم وأنتم في ظهور آبائكم ألا تعبدوا إلا إياه جل وعلا ؟

ما ظنكم برب العالمين ؟ سؤالٌ كبير، يا له من سؤالٍ يرجف منه الفؤاد ويجل منه القلب .

فما ظنكم برب العالمين ؟ سؤالٌ يستوقف كل سامع ليُشْهِدَهُ تقصيره في حق الرب العظيم الكريم الذي قال جل وعلا عن حقه وحال عباده مع هذا الحق : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) .

(فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ما ظنك يا أخي بربك رب العالمين الذي له الملك كله، وله الحمد كله، الذي له خلق السماوات والأرض ؟ فهو الخالق لا خالق سواه، هو المالك لا مالك سواه، هو المدبر جل وعلا لهذا الكون ، فما من حركة ولا سكون إلا بأمره جل وعلا .

السَّمك في البحار ، والأشجار في البراري كلها تصدر عن أمره ، ولا يخفى عليه من شأنها شيء سبحانه وبحمده، ما ظنك بهذا الرب حتى عصيت أمره وخالفت شرعه؟ ما ظنك بهذا الرب حتى أعرضت عنه وعبدت سواه وصرفت العبادة لغيره ؟

(فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) يا له من سؤال !! ما ظنكم برب العالمين؟ سؤال ينبه العبد إلى عظيم قدر ربه , وأن ربه جل وعلا قد فاق كل غايةٍ في القدر والعلو والمكانة، سبحانه وبحمده هو العلي العظيم، له المثل الأعلى في السماوات والأرض جل وعلا: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ).

فسبحان مـن لا يقـدر الـخلق قـدره *** ومن هو فوق العرش فردٌ مُوَحَّـدُ
مـليكٌ على عرش السماءِ مهيمنٌ *** لعزته تعـنو الوجـوهُ وتسجـدُ

وقد قال جل وعلا : (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) .

(فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ). سؤال يبعث في القلب تعظيم الرب، كما أنه يبعث في القلب حسن الظن بالله الذي له الأمر كله جل وعلا، الذي لا يحسن العباد ولا يحصي العباد ثناءً عليه سبحانه وبحمده، هذا السؤال يبعث في القلب حسن الظن بالله جل وعلا، يبعث في القلب رجاء كل خيرٍ من قِبَلهِ .

قال يحيى بن معاذ رحمه الله : " أوثق الرجاء رجاء العبد بربه , وأحسن الظنون حسن الظن بالله تعالى " . ولذلك يستحضر المؤمن هذه المعاني في أحوال الضعف، كما أنه ينبغي أن تكون منه على بال في أحوال القوة لكنه ما أحوجه إلى استحضار ذلك في أحوال الضعف .

يقول أبو العتاهية في آخر شعره الذي قاله قبل موته :

إلهي لا تعذبني فإني *** مقرٌّ بالذي قد كان مني
فمالي حيلةٌ إلا رجائي *** لعفوك إن عفوت وحسن ظني

إن العبد يستصحب حسن الظن بالله تعالى إذا عرف قدر الرب.

(فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ). سؤالٌ أجب عليه بينك وبين نفسك، ما ظنك بربك ؟ ما هو فاعلٌ بك ؟ ما ظنك بربك وقد تركت حقه ؟ ما ظنك بربك وقد أقبلت عليه ؟ ما ظنك بربك الذي له الأولى والآخرة وله الحمد في السماوات والأرض وهو الحكيم الخبير ؟ ما ظنك بالله تعالى وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبد بي ". تنبه واستمع إلى خطاب الله جل وعلا وهو يخبر عباده بأمر عظيم: " أنا عند ظن عبدي بي , وأنا معه إذا ذكرني: إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي " رب العالمين يقول هذا لنا ويخاطبنا به كما نقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه . وإذا تقرب إلي عبدي شبرًا تقربت إليه ذراعًا , وإذا تقرب ذراعًا تقربت إليه باعًا , وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة ". الله أكبر! ربُّ السماوات والأرض،بقدر ما تقبل عليه بقدر ما يكون لك، فبقدر ما معك من الظن بربك وحسن الأمل في ما عنده جل وعلا بقدر ما يكون الله جل وعلا لك .

سَل نفسك يا أخي، سل نفسك: ما ظنك برب العالمين ؟ وابحث عن جواب لهذا السؤال الكبير ، فإن الله تعالى عند ظن عبده به، من أحسن ظنه بالله تعالى فليبشر، فإن الله تعالى لا يخيب ظن من أحسن الظن به , ولا يخيب من رجاه وأمَّله .

أيها الأحباب: إن الله تعالى عند ظن عبده به، فهو جل وعلا يعاملك على حسب ظنك به سبحانه وتعالى ، فهو سبحانه يفعل بالعبد ما يتوقعه منه من الخير والشر ، فأحسن ظنك بالله , فكلما كان العبد حسن الظن بالله تعالى، حسن الرجاء فيما عنده، حسن الأمل في ربه جل وعلا كان الله له فيما أمَّله وفيما ظنه وفيما رجاه ، فهو جل وعلا لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى .

قال عبد الله بن مسعود – فقيه الصحابة وبليغهم رضي الله عنه، ما أشبه كلام ابن مسعود بكلام النبي صلى الله عليه وسلم قال رضي الله عنه- : " والذي لا إله غيره لا يعطى عبدٌ مؤمنٌ شيئًا خيرًا من حسن الظن بالله عز وجل , والذي لا إله غيره لا يحسن عبدٌ ظنه بالله عز وجل إلا أعطاه الله عز وجل ظنه، ذلك بأن الخير كله في يديه سبحانه وبحمده" .

إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ *** فبمن يلوذُ ويستجيرُ المجرمُ؟
أدعوك ربِّ كما أمرت تضرعًا *** فإذا رددت يدِي فمن ذا يرحمُ؟

ربنا جل وعلا ذو فضلٍ وإحسان، وسعت رحمته كل شيء , وإن ذلك يوجب على العبد حسن الظن بالله تعالى .

إن إحسان الظن بالله تعالى أيها الأحباب من أوكد الفرائض , ومن أجلِّ الوجبات , وقد أمر الله تعالى عباده بأن يحسنوا الظن به سبحانه وبحمده، وذلك في مواضع عديدة، منها ما أمر الله تعالى به في قوله: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). قال عكرمة مولى ابن عباس , وهو من كبراء التابعين المفسرين للقرآن، قال في تفسير هذه الآية : أحسنوا الظن بالله. وذلك ترجمة لقول الله تعالى : (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) أحسنوا الظن بالله تعالى .

إِنَّ مما يدل على وجوب إحسان الظن بالله تعالى أن الله سبحانه وتعالى توعد الذين أساؤوا الظن به أشد وعيدٍ، فقال سبحانه وبحمده : (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ -ثم انظر عقوبة هؤلاء !! – عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً).

يقول ابن القيم : لم يأتِ عقاب ولا عذاب ولا وعيد في القرآن كما جاء في سوء الظن بالله تعالى , ولذلك قال جماعة من أهل العلم: إن أعظم الذنوب عند الله تعالى إساءة الظن به سبحانه وبحمده .

إنَّ مما يدل على وجوب إحسان الظن بالله تعالى أيها الأحباب أن الله تعالى توعد الذين أساؤوا الظن به بالنار، كما أنه سجَّل عليهم الحكم فقال: إنهم كفار، قال الله سبحانه وبحمده: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ – أي ظن أن السماوات والأرض مخلوقة عبثاً لا غاية ولا هدف،هذا الظن يقول الله جل وعلا: – ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ).

يقول الإمام الشنقيطي – رحمه الله تعالى – صاحب أضواء البيان : " تدل هذه الآية على أًنَّ من ظن بالله تعالى ما لا يليق به جل وعلا فله النار، نعوذ بالله من الخُذلان " .

أيها الأحباب: إن من أدلة وجوب حسن الظن بالله تعالى ما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال – قبل موته بثلاث، قبل موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام ، يقول صلى الله عليه وسلم -: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه ". وهذا يفيد أيها الأحباب وجوب دوام حس الظن، فإن الإنسان ما يدري ولا يعلم متى ينتهي أجله وينقضي عمره، فقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه ". يدل على وجوب دوام حسن الظن به سبحانه وبحمده، فإنه لا يتمكن العبد أن يحسن الظن بالله جل وعلا في ساعةٍ حرجة عند موته وقد أساء الظن به قبل ذلك، بل إن الأمر بحسن الظن بالله تعالى وعدم الموت إلا على هذه الحال دليلٌ على وجوب استصحاب حسن الظن به سبحانه وتعالى على كل حال ، فإنك على كل نفس يخرج منك لا تدري هل أنت على آخر أنفاسك ؟ أم بقي من أجلك شيء .

لما احتضر الإمام الشافعي رحمه الله كان في سياق الموت دخل عليه المزني- وهو من كبار تلاميذه , ومن أئمة الفقهاء- دخل على الشافعي رحمه الله , وهو على هذه الحال في حال الاحتضار،فقال له : " كيف أصبحت؟ " فقال رحمه الله : " أصبحت عن الدنيا راحلاً , وللإخوانِ مفارقًا , ولعملي ملاقيًا , وبكأس المنية شاربًا , وعلى الله واردًا . فلا أدري روحي تصير إلى الجنة فأُهنيها ، أم إلى النار فأُعزيها؟ ". ثم أنشأ أبياتًا فيها عظيم الرجاء وحسن الظن بربه، يقول رحمه الله :

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي *** جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته *** بعفوك ربي كان عفوك أعظما
ومازلت ذا عفوٍ عن الذنب لم تزل *** تجود وتعفو منة وتكرما

جعلت الرجا مني لعفوك سلما : جعلت رجائي وحسن ظني بك سُلمًا لإدراك عفوك .

تعاظمني ذنبي : يعني الإنسان تذكر هذا الذنب العظيم الذي أثقل كاهله .

الله أكبر تتلاشى في جنب مغفرته وعفوه وبره الذنوب مهما عظمت: " يا ابن آدم إنك لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لغفرت ما كان منك ولا أُبالي ".

إن مما يُعين على هذا الاستحضار لهذا المعنى في هذه الساعة الحرجة , وهو حسن الظن بالله تعالى -في دوام الحال , وعند الاحتضار خصوصًا- أن يذكر العبد سعة رحمة الله تعالى، إن من الناس من يذكر سعة رحمة الله فيكون حافزًا له على ألوان من المعصية، وهذا غلط ، فإن رحمة الله لا بد لها من تعرض، ولا بد لها من أسباب،وقد قال الله تعالى في رحمته: إنها قريبة من عباده المحسنين:(إن رحمت الله قريب من المحسنين) .

أيها الأحباب: إن من السلف من كان إذا حضره الموت تذكر رحمة الله تعالى، وقال لمن حوله: ذكرونا بالرخص، ذكرونا برحمة الله تعالى، حتى يقبل على الله تعالى وقد أحسن ظنه بربه سبحانه وبحمده . ويشهد لهذا المعنى ما رواه الترمذي وابن ماجه من طريق قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على شابٍّ وهو في الموت في حال الاحتضار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الشاب : " كيف تجدُك ؟ " يعني: ما هي حالك ؟ ما الذي في قلبك في هذه الساعة؟ " فقال : والله يا رسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي ". إني أرجو الله: أطمع فيما عنده وأحسن الظن به، وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمّنه مما يخاف". ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .

ما هو يا أحبابي معنى حسن الظن بالله سبحانه وتعالى ؟ إن معنى حسن الظن بالله هو رجاء كل خير من قبله سبحانه وبحمده . هو أن يؤمل العبد من ربه كل بر , وكل إحسان ، فهو رب كل نعمة، هو صاحب كل إحسان، هو صاحب كل سعة كما قال سبحانه وبحمده : (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) هو المؤمل في تحصيل المطالب , وهو المؤمل في كشف كل كربةٍ وكل خوفٍ .

يا من ألوذ به فيما أؤمله *** ومن أعوذ به فيما أحاذره
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره *** ولا يهيضون عظمًا أنت جَابِرُهُ

الله سبحانه وبحمده له الفضل والإنعام، إذا استحضر العبد هذه المعاني وأن كل نعمة من الله تعالى وكل خير منه راقب ذلك من جهته، لم يلتفت يمنةً ولا يسرة .

قال القاضي عياض في معنى حسن الظن بالله : " أن يُؤمل العبد أنه إذا استغفر غفر الله له , وأنه إذا تاب قبل الله تعالى توبته , وأنه إذا دعا الله تعالى أجابه إلى دعائه , وأنه إذا استكفى الله تعالى وطلب منه الكفاية كفاه الله سبحانه وبحمده ". بهذه الصفات يظهر حسن ظن العبد بربه .

أيها الأحباب: ما الذي يزرع في قلوبنا حسن الظن بالله تعالى ؟ ما الذي يزرع في قلوبنا حسن الظن به سبحانه وبحمده؟ إن أعظم ما يلقي في قلوبنا حسن الظن بالله تعالى أن نعرف ما له جل وعلا من الكمالات: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) سبحانه وبحمده ، وقد قال سبحانه وبحمده: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى). اقرأ كتاب الله جل وعلا تجد أن كتاب الله تعالى مليءٌ بصفاته، مليءٌ بالأخبار عنه، مليءٌ بجميل أفعاله سبحانه وبحمده . اقرأ هذه المعاني، فإنك كلما ازداد علمك بالله تعالى ازداد حسن ظنك به، فإن القلب الذي امتلأت أرجاؤه بهيبة الله تعالى وسطع فيه نور الإيمان ، وملئ بالتقوى والإحسان ، وخالطته بشاشة الإيمان والعلم بما لله تعالى من الكمالات لا يمكن أن يسيء ظنه بالله تعالى، بل إنه لا يجدُ إلا إحسان الظن به سبحانه وتعالى :

الحمد لله ملء الكون أجمعه *** ما كان منه وما من بعده يأتي

فالخير كله بيديه سبحانه وبحمده، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع.

إن أعظم ما يورث العبد حسن العمل وصدق الرغبة فيما عند الله تعالى وحسن الظن به أن يقرأ أسماء الله تعالى وصفاته، أن يطالع ما أخبر الله تعالى به عن نفسه، فإن ذلك مما يملأ قلبه بتعظيم ربه جل وعلا .

يا إخواني: إن الله سبحانه وبحمده أخبر في كتابه الحكيم عن موقفٍ كان للصحابة رضي الله عنهم في غزوة الأحزاب وهي الغزوة التي زُلْزِلَ فيها الصحابة زلزالاً شديدًا حتى بلغت القلوب الحناجر ودارت الظنون في القلوب , واختلفت تلك الأوهام وتلك الهواجس التي وردت على قلوب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، انقسم الناس إلى فريقين ، فلما جاء الأحزاب منهم من فرح بمجيئهم وقال كما قال الله تعالى عن عباده المؤمنين : (وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً ) .

هؤلاء أحسنوا الظن بالله تعالى , وإلا فإن اجتماع العرب مع اليهود، تحالف المشركين مع اليهود الذي حاصر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في السنة الخامسة في غزوة الأحزاب أمرٌ عظيم: ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) .

أمرٌ يزلزل القلوب قبل أن يزلزل الأبدان، فهو أمر مهولٌ عظيم ترتب عليه قلقٌ كبير لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكنهم لما أتى الأحزاب ألقى الله تعالى في قلوبهم السكينة ، فقالوا لما رأوا الأحزاب قد اجتمعوا وتألبوا عليهم : ( قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ-هذا الكرب وهذه الشدة- إلا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً ).

في حين أن المنافقين لما أتى الأحزاب ماذا قالوا؟ فرحوا بمجيئهم، قال الله تعالى : ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُوراً ). أي : إلا أماني لا يمكن إدراكها، لا يمكن تحصيلها، إنها أماني كاذبة، هكذا ظنوا بربهم وظنوا بخبر الله تعالى، فكان عاقبة أمرهم خُسراً .

إنَّ حسن الظن بالله تعالى أيها الأحباب يثمرُ ثمارًا زكية، له عوائد حميدة، له آثارٌ جليلة على العبد، فهو يثمرُ طيب الخصال وكريم الأعمال، يثمرُ شيئًا كثيرًا يلاحظ في قلب العبد وفي قوله وفي عمله .

نستعرض شيئاً من هذه الثمار التي يدركها العبد إذا أحسن ظنه بالله تعالى ولاحظ عظيم حق الله تعالى في إحسان الظن به:

إن حسن الظن بالله تعالى يثمرُ في قلب العبد تعظيم هذا الرب جل وعلا , والتعظيم أيها الإخوة أمر جليل عليه تقوم العبادة ، فإن الله سبحانه وتعالى قد عاتب من صرف العبادة لغيره، من قصر في حقه، فقال جل وعلا : ( مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ). أي: أيُّ شيءٍ يحملكم على أن لا تعظموه جل وعلا حق تعظيمه، أيُّ شيءٍ يحملكم على أن لا تقدروه حق قدره؟ وقد قال جل وعلا في مواضع عديدة من كتابه : ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ).

إن من أحسن الظن بالله تعالى سعى جهده في تعظيم ربه , وانفرد في قلبه محبة الله تعالى ، فليس لله في قلبه مزاحم، بل ربه قد ملأ قلبه ، فليس لله في قلبه مشارك، ليس في قلبه إلا الله محبةً وتعظيمًا، خوفًا ورجاءً، إجلالاً وإنابةً، توكلاً واعتصامًا، كل هذه المعاني يمتلئ بها قلب العبد عندما يحسن الظن بربه، عندما يتعرف على هذا الرب الذي له الأولى والآخرة , ولذلك لما امتلأ قلب إبراهيم عليه السلام بتعظيم الله تعالى قال تلك الكلمات النيرة: ( مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ).

إن هذه الكلمات، هذه الآيات تضمنت من تعظيم الله تعالى الشيء الكثير، فهذا خليل الرحمن يقول لأبيه وقومه : أي شيء ظنكم برب العالمين؟ أشككتم فيه حتى تركتم عبادته وصرفتم العبادة لمن سواه ؟! أو علمتم أي شيء هو حتى جعلتم له شريكاً من الأصنام والأوثان والكواكب وغيرها تعبدونه من دون الله تعالى ؟

إن العبد إذا غفل عن حسن الظن بربه تورط في سيئات عظيمة أعظمها الشرك بالله تعالى، يلي ذلك الغفلة التي تطبق على العبد فلا يدري خيرًا ، ولا يصيب برّاً؛ لأنه لا يحسن الظن بربه، إنما قد أساء الظن بربه , وظن أن الله تعالى غافلٌ عنه , ولذلك يقول الله تعالى في مواضع عديدة : (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ). إن هذه الآية لم ترد إلا في موضع واحد، لكن معناها جاء في مواضع عديدة يخبر الله تعالى بعلمه عن كيد الكائدين ومكر الماكرين , وذلك لأن علم الإنسان بأن الله محيطٌ بعمله من حسن ظنه بربه ، ومن غفل عن هذا وظن أنه يخفى على الله تعالى شيء من عمله لم يحسن الظن بربه ، وقد قال الله تعالى عن طائفة من الناس: ( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ ) . أي ما كنتم تتحفظون لما كنتم تعصون الله ، وتخالفون أمره، ما كان هؤلاء يتحفظون من أن يشهد عليهم سمعهم ، ولا أبصارهم ، ولا جلودهم، ما أحد في حال معصيته يستتر عن جلده ، أين يفر ؟! هل يخرج من جلده؟ إنه لا يتمكن من ذلك، ما هناك من يستتر من هذه الأمور، يتحفظ من هذه الأمور: ( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ). هؤلاء ظنوا أن الله تعالى لا يعلم كثيرًا من أعمالهم فأساءوا العمل، وهذا ثمرة سوء الظن بالله تعالى .

إذًا ثمرة حسن الظن بالله تعالى : أن يحفظ العبد ربه جل وعلا في الغيب والشهادة ، أن يحفظه في المنشط والمكره، أن يحفظه بين الناس وفي الخلوات، هكذا يكون حسن الظن بالله تعالى ، ولذلك قال الله تعالى معقبًا على ظن هؤلاء الذين أساؤوا الظن به، قال جل وعلا : (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ).

إن قومًا ذكر الله تعالى في كتابه أنهم أسرفوا على أنفسهم بتكذيب الرسل، أسرفوا على أنفسهم بألوان المعاصي، ثم إنهم مع هذه الإساءة ظنوا أن الله لا يعلم ما يعملون، وأنه لا يعاقبهم على ما يكون منهم، قال الله تعالى في سورة الحشر : (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ). أي : ظنوا أن هذه الحصون ستعصمهم من عقوبة الله تعالى، ستعصمهم من أخذه , وهل هذا حسن ظن بالله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية ، الذي هو على كل شيء قدير ؟ الجواب : لا ، إنَّه من أعظم إساءة الظن بالله تعالى أن يظن العبد بربه هذا الظن السيئ .

إذًا من أحسن الظن بربه جل وعلا كان ذلك من أعظم أسباب تعظيم ربه في قلبه , وإذا قام في قلب العبد تعظيم الله تعالى فليبشر، فإن تعظيم الله سيحجزه عن معصية الله تعالى ، سيحمله على طاعة الله تعالى، سيقوده إلى كل بر ، سيمنعه من كل شر .

حسن الظن بالله تعالى يثمر صلاح العمل , وحسن الطاعة لله جل وعلا .

إن حسن الظن بالله تعالى أيها الأحباب : ليس تفريطًا ولا غفلةً ولا إسرافًا على النفس بألوان المعاصي والسيئات .

إن حسن الظن بالله تعالى هو المسابقة , والجِد في تحصيل فضل الله تعالى , ولذلك قال الله تعالى : (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ). وقال سبحانه وتعالى : ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) السابقون إلى الطاعات والإحسان هم السابقون إلى الفضائل والمكرمات في الدنيا والآخرة .

إذًا حسن الظن بالله تعالى يحمل العبد على مزيد عمل؛ لأنه يحسن الظن بربه أنه لا يضيع عمله، أنه جل وعلا لا يخلف الميعاد ، فيقوى طمعه فيما عند ربه , ويعلم أنه ما يسجد لله سجدة إلا وسيجد ثمرتها، ما يقوم لله قومة إلا وسيجد نتاجها، ما يعبد الله تعالى في عبادة ولا يتقدم بحسنة إلا وسيجدها عند ربه: ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ).

إن العبد إذا قام بهذا ترجم حسن الظن، إذاً حسن الظن هو حسن العبادة كما جاء ذلك في بعض الأخبار، كما في جامع الترمذي ومسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " حسن الظن من حسن العبادة ". لكن هذا حديثٌ ضعيف، إلا أن الذي لا خلاف فيه أن حسن الظن يثمرُ صلاح العمل , وأذكر لكم شاهداً لذلك من الحديث الذي سقناه في أول كلامنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي ". هذا خبر من رب العالمين أنه عند ظن العبد به سبحانه وبحمده، ثم ما الذي جاء بعد هذا؟ ما الذي ذكره الله جل وعلا بعد هذا الخبر؟ إنه ذكر عملاً وأقسام الناس في العمل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي , وأنا معه إذا ذكرني ". إن الذكر عمل وهو من أجل الأعمال , ومن أعلى ما يكون من فضائل الطاعات , وألوان المبرات التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى: " إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي , وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ". ثم يقول الله تعالى في هذا الحديث الإلهي في بيان تفاوت سعي الناس إلى ربهم، يقول الله تعالى : " من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا , ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا , ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ". إذًا هنا تفاوت الناس في العمل بناءً على أي شيء يا أحبابي؟ بناءً على اختلافهم في حسن ظنهم بالله: من أحسن ظنه بالله خرج من ماله وولده وأهله لله رب العالمين يرجو رحمته، يطلب مراضي الله تعالى مظانها ، يصدق في طلب فضل الله جل وعلا، هذا هو الصادق، هذا هو الذي يَبْشِر بعاقبة حميدة؛لأنه أحسن الظن بربه فأحسن العمل .

إن حسن العمل من حسن الظن بالله تعالى، لا يمكن أن يثمر حسن الظن بالله تفريطًا ولا تقصيرًا، إن من ظن أن حسن الظن يعني الإسراف على النفس بالمعاصي فقد أخطأ، وهذا لبس لا بد من كشفه وخلط لا بد من تمييزه , وذلك أن حسن الظن يقترن بحسن العمل، فمن ظن أن حسن الظن يقترن بإساءة العمل فقد أَبْعَدَ النجعة:

سارت مشرقةً وسار مغربًا *** شتانَ بين مشرِّقٍ ومغرِّبِ

إن حسن الظن بالله تعالى يحمل العبد يا إخواني على الاجتهاد في طاعة الله تعالى، أما الاغترار وسوء الظن بالله تعالى فيحمله على الاجتراء على حقوقه، على انتهاك حرمات الله تعالى , على تعدي حدوده، يدعو إلى البطالة والانهماك في ألوان المعاصي .

قال سعيد بن جبير – رحمه الله – وهو من أئمة التابعين : " من الاغترار بالله المقام على الذنب ورجاء الغفران ". صدق! إن من الاغترار بالله تعالى أن تقيم على الذنب وتصر عليه ثم تقول: سيغفر لي ربي. إن هذا من الاغترار به جل وعلا .

وقد قال بعض أهل العلم رحمهم الله: ما كان أحدٌ أحسن ظنّاً بالله تعالى من رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم،فماذا كان عمله ؟ كيف كان حاله ؟ إنه صلى الله عليه وسلم ما أخذ مالاً إلا من حله , ولم يضعه إلا حيث أمره ربه جل وعلا، كان مراقبًا أمر الله تعالى في قيامه وقعوده، في سائر شأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نعم لقد كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحسن الناس ظنّاً بربه سبحانه وبحمده ، ومع ذلك كان يقوم حتى تتورم قدماه – بأبي وهو وأمي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه .

يا ناظرًا يرنو بعيني راقدِ *** ومشاهدًا للأمر غير مُشاهِدِ
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي *** درْك الجنان بها وفوز العائدِ
ونسيت أن الله أخرج آدمًا *** منها إلى الدنيا بذنبٍ واحدِ

يقول الله رب العالمين: ( فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ )

تذكر هذا عند كل إساءة، فإن الله قد أخرج آدم بسبب ذنبٍ واحد .

ونسيت أن الله أخرج آدماً *** منها إلى الدنيا بذنب واحدِ

قال خلف بن تميم: قلت لعلي بن بكار وهو من السلف الصالحين :" ما حسن الظن بالله؟ عرف لي حسن الظن بالله ما هو ؟ " .

قال رحمه الله : " حسن الظن بالله: لا يجمعك والفجار دار واحدة ". هذا هو حسن الظن بالله: ألا تجتمع مع من عصى الله تعالى، ألا تكون معهم، فكيف بموافقتهم في أعمالهم ؟ كيف بمجاراتهم على سائر حالهم ؟ فإن حسن الظن بالله يجب أن يقترن بالخوف منه سبحانه وبحمده حتى لا يفضي إلى الغرور , ولذلك كل حسن ظن ليس معه خوف فهو غرور .

يقول أبو سليمان الداراني رحمه الله : " من حَسُنَ ظنه بالله عز وجل ثم لا يخاف فهو مخدوع ".

لا بد إذا كان هناك حسن ظن بالله تعالى لا بد أن تخاف الله تعالى؛ لأنه جل وعلا شديد العقاب، وقد قال الله جل وعلا معاتبًا أقوامًا، فقال سبحانه وتعالى 🙁 يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ) وهذا خطاب لكل إنسان . يقول بعض الناس :كرمه، إن الذي غره كرم الله تعالى قد غره الغرور، فإن كرم الله له أسباب وله موجبات، من تعرض لهذه الأسباب أدركها , ومن غفل عنها فاتت عنه , ولذلك لا يُحصِّل العبد بالاغترار بالكرم إلا خبالاً ، بل الواجب عليه أن يسعى , وأن يجتهد في التعرض لأسباب هذه الرحمة، التعرض لأسباب هذا الفضل .

حسن الظن بالله تعالى أيها الأحباب يثمر في القلب صدق التوكل على الله جل وعلا:

أحسن الظن بمن قد عودك *** كل إحسانٍ وسوى أودك
إن من قد كان يكفيك الذي *** كان بالأمس سيكفيك غدك

فنعم المولى ونعم النصير إذا صدقنا مع الله رزقنا كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا ، تذهب في أول النهار فارغة جائعة ، ليس في أجوافها شيء، ثم تروح وترجع في آخر النهار شبعى من فضل الله وإحسانه ومنه وكرمه جل وعلا .

إن من أعظم أسباب التوكل على الله جل وعلا حسن الظن به عز وجل، فمن أحسن الظن به عز وجل فإنه يصدق عليه أنه قد توكل على الله تعالى .

يقول ابن القيم رحمه الله : " يكون الراجي – أي المحسن ظنه بربه – دائمًا راغبًا راهبًا مؤملاً لفضل ربه حسن الظن به جل وعلا " . فالعبد الذي يحسن الظن بالله تعالى ويصدق في رجائه سبحانه وبحمده قد اغتنى غِنًى لا نظير له، يقول الشاعر رحمه الله :

غنيٌّ فحسن الظن بالله مالُه *** عزيزٌ فصنع الله من حوله جندُ

إن حسن الظن بالله تعالى يثمر أيها الأحباب مكارم الأخلاق، يثمر طيب الخصال .
وقد قال ابن عباس – رحمه الله ورضي عنه – : الجبن والبخل والحرص غرائز سوءٍ يجمعها كلها سوء الظن بالله تعالى ، فإنه من أحسن الظن بالله تعالى ورجا ثوابه سبحانه وبحمده , وأيقن أن الأجر عليه كان محسنًا لعمله، مسابقًا إلى طاعة ربه، يرقب الله في كل عمل، إنما يرجو الله تعالى لا يرجو غيره، كما قال الله تعالى في وصف عبادة الأبرار : ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً ), وكما قال الله تعالى في وصف الصديق : ( وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى ). فسعيه وكده وعمله، ذهابه مجيئه، إنفاقه، قيامه قعوده، كلامه صمته، كله لله جل وعلا، لا يرجو من الناس ( جَزَاءً وَلا شُكُوراً ). ومن كان كذلك فإنه سيخلف الله عليه خيرًا عظيمًا , ويبلغه درّاً كبيرًا , وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخاف الفقر؛ لثقته بما عند ربه جل وعلا .

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله غنمًا بين جبلين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :"خذها". أعطاه إياها ، فذهب هذا الرجل إلى قومه فقال : " أي قوم أسلموا، فوالله إن محمدًا ليعطي عطاءً ما يخاف الفقر". إنه قد وثق فيما عند ربه جل وعلا فامتدت يده بالسخاء، ولم يبقَ فيها إلا ما يرجوه من فضله وإحسانه سبحانه وبحمده .

حسن الظن بالله تعالى أيها الإخوة يثمر الرضا بقضاء الله وقدره، إن العبد في هذه الدنيا لا يمكن أن يسلم من المكدرات والمنغصات، قد قال الله تعالى : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ). فالكبد ملاحق لك، الغصص والأقذار والأكدار وأنواع المؤلمات تحيط بك من كل جانب، لكن ما الذي يعينك على تحمل هذه الأهوال ؟ ما الذي يقوي قلبك على الصبر على هذه الأثقال؟ إنه حسن الظن بالله تعالى، قد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث صهيب : " عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير: إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له , وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له ". وهذا لا يكون إلا بعظيم الأمل بالله تعالى، وصدق الرجاء له سبحانه وتعالى، وحسن الظن به سبحانه وبحمده .

حسن الظن بالله تعالى أيها الأحباب يثمر توقع الخير من الله تعالى , ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ضاقت به الأمور تلمس ألوان الفرج من أشياء كثيرة , ولذلك قال الله تعالى : ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ). وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لن يغلب عسرٌ يُسرين ". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل , وهو الكلمة الحسنة يسمعها ، فهذا إنما هو لصدق حسن ظنه بربه جل وعلا .

إن حسن الظن بالله أيها الأحباب يبدل المخاوف التي تحيط بقلوب الناس، إن الإنسان لا يخلو من أشياء يخافها ويرهبها، لكن إذا أحسن الظن بربه جل وعلا , وعلم أن الله لا يضيع عمل عامل , وأنه لا يخيب عبده إذا صدق معه فإن ذلك من أعظم ما يعينه.

وانظر إلى موقف من أعظم المواقف التي مرت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابتداء الوحي، فإنه موقفٌ عظيم: رجل في خلاء يأتيه ملك على هيئة عظيمة، على هيئة غريبة، يحدثه بحديث ليس له به عهد، وليس عنده منه خبر ، فيرجع إلى زوجته فيقول: " زملوني زملوني " يرجف فؤاده، ترجف بوادره صلى الله عليه وسلم من شدة الهول، فماذا تقول له خديجة – رضي الله عنها – لما أخبرها بخبر ما رأى؟ قالت له كلمات مليئة بحسن الظن بالله تعالى: " كلا والله لا يخزيك الله أبدًا ". من أين هذا اليقين ؟ من أين هذا الجزم بأن الله لا يخزيه ؟ بأن الله لا يخزي محمداً صلى الله عليه وسلم :" كلا والله لا يخزيك الله أبدًا: إنك لتصل الرحم , وتحمل الكل , وتكسب المعدوم , وتقري الضيف , وتعين على نوائب الحق ". من كانت هذه حاله كيف يخذله الله ؟ كيف يخذله ربه جل وعلا؟ إن الله لا يخذل من كان على هذه الحال، وقد قال سبحانه وبحمده : ( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) .

إن من حسن الظن بالله تعالى أن يرقب العبد وعد الله تعالى , وأن يصدق أن ما أخبر به سبحانه وبحمده لا بد أن يقع , وقد قال جل وعلا : ( إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) . فالله سبحانه وتعالى لا يخلف ما وعده عباده، بل ما وعده عباده لا بد أن يقع ولا بد أن يأتي , وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ترجمة لهذا وأنه صادر عن حسن الظن، وذلك فيما رواه البخاري في صحيحه من قصة خباب بن الأرت رضي الله عنه، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : " شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردَهُ في ظل الكعبة، قلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا ؟ ". وهذا في حال كونهم بمكة، لما ضاقت بهم الأمور واشتدت عليهم الكروب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخباب -وهي رسالة لكل أهل الإسلام- : " كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، لا يصده ذلك عن دينه . وكان يُؤتى بأمشاط الحديد، فيمشط ما دون عظمه من لحم وعصب، لا يصده ذلك عن دينه ". ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " والله ليتمن الله هذا الأمر – من أين يقول النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام ؟ إنه يقوله لعظيم تصديقه لربه وحسن ظنه به – والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ".

إن حسن الظن بالله تعالى يثمر رجاء إجابة الدعاء، والاجتهاد في سؤال الله تعالى , ولذلك جاء الحث في السنة بل في الكتاب والسنة على الدعاء في مواضع عديدة، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه ينبغي للعبد إذا سأل الله تعالى أن يعظم الرغبة والجزم فيما يسأل، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة ". أي ليقل ذلك قول عازمٍ جازم، فإنه لا مكره له , وقد قال صلى الله عليه وسلم أيضًا كما في رواية الإمام مسلم : " لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة وليعظم الرغبة – يعني: ليعظم ما يريد وما يسأل، ويصدق في الرغبة في ما عند الله تعالى- فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه " .

جل وعلا بيده الخير كله، ينفق كيف يشاء سبحانه وبحمده .

إن العبد أيها الإخوة الكرام ينبغي له أن يوقن أن الله تعالى إذا منعه إجابة دعائه لا يمنعه لفقر ولا يمنعه لعجز ، فهو الغني الحميد , وهو الذي على كل شيء قدير، إنما يمنعه ما سأله من المسائل لمصلحته ، والله تعالى حكيمٌ خبير في تربيته لعباده , وفي إصلاحه لهم :

وإني لأدعو الله حتى كأنني *** أرى بجميل الظن ما اللهُ صانعُهْ

أيها الأحباب : إن العبد إذا صدق مع الله تعالى أدرك خيرًا كثيرًا وبرّاً عظيمًا، هذه أمور هي بعض ثمار حسن الظن بالله تعالى , وهي شذرات من ثمار حسن الظن بالله تعالى , وإلا فإن الأمر أعظم:

وما راءٍ كمن سمعا

وليس الخبر كالعيان.

إن حسن الظن بالله تعالى قد قام في حياة الناس في مواضع عديدة , وترجمه أُناس كُثُر في حياتهم , وعلى عجل نذكر شيئاً من ذلك .

نماذج من حسن ظن المؤمنين بربهم جل وعلا :
من ذلك ما ذكره الله تعالى في قصة نوح : قصة نوح من القصص العظيمة في القرآن العظيم، فيها خبر الله تعالى عن وحيه لنوح: ( أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) . ثم أمره الله تعالى بأن يصنع سفينة، هل كان على ضفاف نهرٍ ، أو على شاطئ بحرٍ ؟ لا، إنه كان في صحراء قاحلة ليس عنده ماء، أمره الله بصنع السفينة فهل تلكأ أو تردد ؟ لا،إنه امتثل أمر الله جل وعلا، قال الله تعالى: ( وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ –امتثالاً لأمر الله- وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ) . ما الذي جعله يجيب بهذا الجواب ؟ حسن ظنه بالله وأنه ( لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) . وأنه جل وعلا لا يظهر أعداءه على أوليائه و:( إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) .

هود عليه السلام : لما قابل قومه لم يأت بآية بينة كما يقول أهل العلم، لم يأت بآية آفاقية أو أرضية أو معجزة تدل على صدقه، لكنه جاء بأمرٍ قال أهل العلم: هو آية هود عليه السلام .

إنَّ هودًا عليه السلام قال لقومه لما قالوا له: ( إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ-ماذا قال لهم؟- قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * -ثم قال:- مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ) . إ