طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > محاضرة الله أكبر (2/2)

ملتقى الخطباء

(2٬553)
157

محاضرة الله أكبر (2/2)

1431/02/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

الله أكبر كلمة تورث قلب العبد تعظيم شعائر الله تعالى ومن عظم شعائر الله وما عظمه الله تعالى فهو المؤمن فإن العبد إذا صدق في تعظيمه لربه عظم كل ما يعظمه الله ..إن من عمر قلبه بتعظيم حرمات الله تعالى بتعظيم ما عظم الله تعالى من الأشخاص من الأزمان من الأمكنة من الأحوال كان ذلك دليلاً على ..

 

 

لفضيلة الشيخ: خالد المصلح

أيها الإخوة الله أكبر كلمة عظيمة كيف تذهل القلوب عن معناها من تعظيم الله تعالى وقد قال الله تعالى لعباده: ( مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً) .(40 )ما الذي يجعلكم لا تعظمونه سبحانه وبحمده حق تعظيمه؟ مالكم تعاملون ربكم معاملة من لا يخشاه ولا يخافه ولا يرهبه ولا يعظمه؟ قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى:( ما لكم لا ترجون لله وقاراً): ما لكم لا تعرفون لله حق عظمته؟

والله أكبر من يخاف جلاله أملاكه من فوقهم ببيان

أيها الإخوة الكرام

الله أكبر فوق عباده الله أكبر قاهر فوق عباده سبحانه وبحمده وقد قال الله تعالى في بيان عظيم قدره جل وعلا: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ)( 41). فالله سبحانه وتعالى فوق عباده يصرف شؤونهم يدبر أمورهم لا ملجأ منه إلا إليه فالمفر إليه سبحانه وبحمده فإذا قام العباد بحقه جاءهم الله تعالى بكل خير أمدهم بكل فضل أعانهم على كل بر وإذا قصروا في ذلك كان ذلك سبباً لكثير من الضلال والفساد الذي يقع في حياة الناس في شؤونهم الخاصة وفي شؤونهم العامة وقد قال الله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)( 42).

الله أكبر كلمة تورث قلب العبد تعظيم شعائر الله تعالى ومن عظم شعائر الله وما عظمه الله تعالى فهو المؤمن فإن العبد إذا صدق في تعظيمه لربه عظم كل ما يعظمه الله تعالى قال جل وعلا: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ). (43 )أي: إن من عمر قلبه بتعظيم حرمات الله تعالى بتعظيم ما عظم الله تعالى من الأشخاص من الأزمان من الأمكنة من الأحوال كان ذلك دليلاً على صلاح قلبه وتقواه وقد قال الله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) ( 44).
المؤمن المعظم أيها الإخوة لشعائر الله تعالى هو القائم بأمر الله تعالى طاعة له فيما أمر واجتناباً عما نهى عنه وزجر ومن قام بطاعة الله تعالى فتح له أبواب الخير فتح له أبواب الإنابة فتح له أبواب القيام بحقه سبحانه وبحمده وفتح له من أبواب السعادة والانشراح والاطمئنان ما لا يدركه غيره.

أيها الإخوة الكرام

إن من علامات تعظيم العبد لربه تعالى أن يعظم شعائره كما سمعنا في قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)(45 ).
ومن تعظيم الله تعالى أن يعظم العبد حدود الله تعالى في نفسه فلا ينتهك حدّاً من حدود الله ولا يقع فيما حرم الله تعالى ولا يقصر في شيء مما أوجبه الله تعالى عليه بل تجده مسابقاً لطاعة الله تعالى عاملاً بما يرضيه سبحانه وتعالى مجتنباً كل ما نهى الله عنه ورسوله.

أيها الإخوة الكرام

إن العبد إذا صدق في تعظيم شعائر الله تعالى وجدت عنده غضباً لحدود الله تعالى إذا انتهكت محارمه سبحانه وبحمده فتجد قلبه حزيناً منكسراً إذا عصي الله تعالى في أرضه ولم يقم بما أمر به الله تعالى من حفظ حدوده والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر روى البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها " قالت في وصف حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه شعائر الله تعالى قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده- أي: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضرب بيده شيئاً قط- ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه صلى الله عليه وسلم شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك أحد شيئاً من محارم الله تعالى فينتقم لله عز وجل"(46 ). هكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينتقم لنفسه في شيء من الأمور إنما ينتقم لله تعالى فإنه يسمح صلى الله عليه وسلم ويعفو عمن يقصر في حقه من امرأة أو خادم إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا نيل منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شيء من أمور الدنيا إلا عفا صلى الله عليه وسلم ولم يقابل ذلك بالانتقام إلا في شيء يتعلق بحق الله تعالى فإنه إذا انتهكت محارم الله تعالى انتقم لله عز وجل وإنما ينتقم صلى الله عليه وعلى آله وسلم تربية وتعليماً وبياناً لعظيم حق الله تعالى وأن حقه سبحانه وتعالى أن يغضب له جل وعلا.

أيها الإخوة الكرام:

الله أكبر حاجز يمنع المؤمن من التورط في ألوان المعاصي والسيئات، الله أكبر حاجز يحول بين المرء وانتهاك الحرمات فإنه لا يضيع ما فرض الله تعالى عليه ولا ينتهك ما حرمه الله عليه إلا من خف في قلبه تعظيم الله تعالى وإنما يقل الخوف في قلب العبد من قلة تعظيم الله تعالى فإذا نما في قلب العبد تعظيم الله جل وعلا كان العبد مسابقاً إلى طاعة الله تعالى منتهياً عما نهى الله عنه ورسوله وإنني أذكر لكم شيئاً من سير من قص رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم حتى يتبين للمرء ما الذي يثمره التعظيم ما الذي يثمره إجلال الله وتقديره.

روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ذات يوم خرج ثلاثة نفر يمشون فأصابهم المطر فدخلوا في غار في جبل فانحطت عليهم صخرة قال: فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه. فقال أحدهم: اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت أخرج فأرعى ثم أجيء فأحلب فأجيء بالحلاب فآتي به أبوي فيشربان ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي فاحتبست ليلة فجئت فإذا هما نائمان قال: فكرهت أن أوقظهما والصبية يتضاغون عند رجلي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم- يعني: مكثنا على هذه الحال- حتى طلع الفجر، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة نرى منها السماء. قال: ففرج عنهم قدر ما دعا. ثم إن الآخر قال في دعائه :اللهم إنك تعلم أني كنت أحب امرأة من بني عمي كأشد ما يحب الرجال النساء فقلت لها أطلبها عن نفسها فقالت: لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مئة دينار، فسعيت- أي: اجتهدت- في كسب هذا المبلغ الذي شرطته حتى جمعتها أي المئة الدينار فلما قعدت بين رجليها قالت وقد أحيا الله قلبها: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه. يقول هذا الداعي: فقمت وتركتها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة. قال: ففرج عنهم الثلثين. وقال الآخر في دعائه وهو الأخير: اللهم إنك تعلم أني استأجرت أجيراً بفرق من ذرة فأعطيته وأبى ذاك أبى أن يأخذ أجره إما لخصومة أو لزهد أو لاستقلال هذه الأجرة، المهم أنه أبى أن يأخذ ما أعطاه فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته حتى اشتريت منه بقراً وراعيها، ثم جاء فقال: يا عبد الله أعطني حقي. فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنها لك. فقال الرجل الأجير: أتستهزئ بي؟ قال: فقلت: ما أستهزئ بك ولكنها لك، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا. فكشف عنهم( 47).

أيها الإخوة هؤلاء ثلاثة قص رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم ما الجامع بين خبرهم وقصتهم؟ إنه إجلال الله تعالى وتعظيمه إنه مراقبة الله تعالى: فانظر إلى ذاك الرجل الذي ترك الصبية يتضاغون تحت قدميه حتى أصبح الصبح ينتظر أبويه أن يستيقظا ليشربا من الحلاب، ما الذي حمله على فعل ذلك؟ إنه بر الوالدين الذي يرجو به العقبى عند الله وإلا فإنه يمكن أن يعطي الأولاد ما يكفيهم ويرفع حق والديه إلى أن يستيقظا، وذاك الذي سعى في طلب المرأة التي أحبها أشد ما يحب الرجال النساء سعى في نيل مبتغاه منها حتى إذا كان على ما وصف بين رجليها قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه قام ما الذي أقامه عنها؟ ما الذي حجزه عنها؟ إنه تعظيم الله تعالى إنه مراقبة الله تعالى وخوفه هو الذي حمله على ترك ذلك الذي سعى له وكد لتحصيله. وذاك الأجير الذي ترك أجره عند صاحبه فثمّر صاحبه المال الأجر للأجير إلى أن عاد ثم قال له طالباً أجره فقال: كل ما ترى لك من البقر وراعيها فاستاق ذلك لم يبق منه شيئاً ما الذي حمله على ذلك؟ إنه خوف الله تعالى الذي هو أعظم ثمرات تعظيم الله تعالى.

الله أكبر عالم الإسرار وال إعلان واللحظات بالأجفانِ

الله أكبر أيها الإخوة له جل وعلا الحمد وله الثناء الذي لا ينقطع وذلك لعظيم ما له من الصفات سبحانه وبحمده إذا قام بقلب العبد تعظيم الله جل وعلا فلا تسأل عن أداء الحقوق ولا تسأل عن المبادرة إلى كل ما يرضي الله تعالى فإن العبد إذا صدق مع الله تعالى طلب مراضي ربه سبحانه وبحمده حيث كانت فإنه لا يطلب جاهاً ولا يطلب شرفاً ولا يطلب ثناء ولا يطلب مالاً إنما يطلب مرضاة الله تعالى فحيث ما كانت مرضاة الله تعالى أقبل عليها وأخذ بها.

أيها الإخوة الكرام: إن العبد إذا صدق معنى الله أكبر في قلبه وجدت منه إقبالاً على أداء الأمانات إلى أهلها كما قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)( 48). فإذا كان العبد مليء القلب بتعظيم الله تعالى أدى الحق واجتهد في أدائه ومن ذلك ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه مالاً فقال: ائتني بشهداء قال صاحب المال لطالب السلف: ائتني بالشهداء أشهدهم. فقال ذلك الرجل لمن طلب منه الشهداء قال: كفى بالله شهيداً ألا يكفيك الله تعالى شهيداً وأنه سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية وأنه يعلم السر وأخفى وأنه مطلع على حالنا؟ قال: فأتني بكفيل قبلت الله شهيداً لكن ائتني بكفيل يضمن هذا المال إذا لم تأت به. فقال له ذلك الرجل الذي امتلأ قلبه بتعظيم الله تعالى: كفى بالله كفيلاً ألا يكفيك أن الله رب السماوات والأرض أن الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض يكفلني؟ قال: صدقت. فدفع إليه ما طلب من المال إلى أجل مسمى فخرج هذا الذي اقترض المال واستلفه إلى جهة من الجهات ركب فيها البحر فقضى حاجته ثم إنه لما جاء الأجل التمس مركباً ليعود إلى صاحبه ليوفيه ما طلب فما وجد مركباً يحمله ولا شيئاً يسير به إلى ذلك الذي واعده وقد قرب الأجل فما كان منه إلا أن أخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها المال المقترض ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه ثم زج بها في البحر فقال يناجي ربه الذي يعامله قال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت من فلان ألف دينار فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلاً فرضي بك وسألني شهيداً فقلت: كفى بالله شهيداً فرضي بك وإني جهدت أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أقدر وإني أستودعكها. فرماها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف لا يلوي على شيء يطلب مركباً ليذهب به إلى صاحبه انصرف وهو يلتمس مركباً يخرج إلى بلده وإنما حمله على ذلك أنه أشهد الله وجعله عليه كفيلاً حمله على زج هذا المال في هذا البحر أنه جعل الله كفيلاً وجعل الله شهيداً فخشي أن يخسر شهادة الله وكفالته فماذا كان منه وما كان خبره وقصصه؟ إن هذا الرجل طلب مركباً ليذهب به إلى صاحبه يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في خبر القصة: فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركباً قد جاء بماله فإذا بالخشبة التي فيها المال التي رمى بها المقترض في البحر إذا بها بين يدي هذا المقترض فأخذها ماذا يريد بها ماذا عساه يفعل بها؟ أخذها ينتفع بها في بعض أمره فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم ذلك الذي أسلفه أتاه بالمال فقال له: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ الذي يسأل المقرض قال: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال: لم أجد شيئاً ولم أبعث لك بشيء. قال: ألم أقل لك ألم أخبرك أني لم أجد مركباً قبل الذي جئتك فيه؟ قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة فانصرف بالألف دينار راشداً فبين له أنما بعث به في هذه الخشبة قد جاء(49 ).

الله أكبر الله أكبر ما أطيب ثمار التقوى وما أعظم عواقب التعظيم أيها الإخوة فإن العبد إذا صدق مع الله تعالى صدقه إذا صدق العبد مع ربه جل وعلا في معاملته وخوفه ورجائه ومحبته وتعظيمه صدقه الله سبحانه وتعالى فإنه سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحرر قصده وأن يعظم الله تعالى في قلبه. ومن أعظم ما يقدح في قلب العبد التعظيم أن ينظر في آيات الله تعالى فإن النظر في الآيات مما يملأ قلب العبد تعظيماً للرب جل وعلا إذا تأمل العبد هذه الأفلاك وما فيها من عظيم الصنع تأمل العبد في نفسه فيما أمره الله بالنظر إليه من عظيم المخلوقات كان لذلك من الأثر في قلبه وسلوكه تعظيماً لله تعالى وإجلالاً ما ليس لغيره.

أيها الإخوة وإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ضرب في ذلك مثلاً عظيماً بيناً واضحاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استيقظ من نومه في أول نهاره كما في الصحيح كان يمسح وجهه صلى الله عليه وسلم ثم يقرأ الآيات الأخيرة من سورة آل عمران: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)( 50) يقول ابن عباس: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح النوم عن وجهه ثم خرج فنظر إلى السماء فقرأ هذه ثم صلى ما كتب له ثم رجع فنام ثم ماذا كان منه لما استيقظ ثانية؟ مسح النوم عن وجهه ثم خرج فنظر إلى السماء وقرأ قول الله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ).(51 ) (52 )

إن العبد أيها الإخوة إذا تعامل مع ربه جل وعلا هذه المعاملة من النظر في آلائه ونعمه سبحانه وبحمده كان ذلك من أعظم ما يغرس في قلبه تعظيم الله تعالى وإجلاله, إن العبد إذا تعامل مع الله تعالى معاملة صادقة وفقه إلى معرفته فإن العبد إذا تعرف على الله انفتحت له أبواب المعارف كلها وتفجرت ينابيع الحكمة في قلبه ويسر الله له من الإيمان والصدق ما ليس لغيره ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم لما كانوا أعلم الناس بالله عز وجل كانوا أعظم الناس إيماناً وأعظم الناس تعظيماً لله تعالى فكان قدر الله في قلوبهم عظيماً حتى مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بشر بعضهم بما بشره من الفضل والأجر والسبق والفوز لم يركنوا إلى هذه البشارات بل كانوا على خوف ووجل. فهذا أبو بكر صديق هذه الأمة وإمامها وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند موته: يا ليتني شعرة في صدر عبد مؤمن.

وهذا عمر رضي الله عنه في مرض موته يقول: يا ليتني أخرج منها كفافاً لا لي ولا علي. وكان رضي الله عنه شديد التحري في طلب المنافقين حتى إنه يسأل حذيفة رضي الله عنه: هل سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن سمى من المنافقين؟ وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يخشون النفاق على أنفسهم وعلى قلوبهم لعظيم ما كانوا عليه من تعظيم الله تعالى ومعرفة حقه فإن العبد إذا عرف حق ربه جل وعلا استصغر ما يكون من العمل، وأذكر في ذلك ما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: واعلموا أنه لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته. ( 53)

ففضل الله تعالى هو المحيط بالعبد أولاً وآخراً هو الذي يسوغ للعبد دخول الجنة فلولا فضل الله ورحمته سبحانه وبحمده ما كان عمله ولا كان سبباً لدخول الجنة ولا كان نعيم في الجنة إنما هو محض فضل الله ورحمته وقد قال جماعة من السلف في بيان عظيم فضل الله عليهم وأن عملهم لا يقوم بشيء من حقه سبحانه وبحمده قالوا: إن العبد لو عبد الله تعالى منذ خروجه من رحم أمه إلى أن يؤويه لحده ما أوفى الله حقه فلو كان العبد ساجداً لله تعالى منذ خروجه إلى الدنيا إلى مماته فإنه لم يف لله تعالى حقه وصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله..

أيها الإخوة الكرام إننا ندعو إلى تعظيم الله تعالى وإجلال الله جل وعلا بالقيام بحدوده والقيام بحقه إن الطريق الذي يوصل إلى ذلك هو ما أشرنا إليه فيما تقدم من المعرفة بالله تعالى من التفكر في آلائه ونعمه من النظر في قصص الصالحين فإن النظر في قصص الصالحين ومنهم النبيون يجد فيها الإنسان شيئاً كثيراً مما يثمر الإيمان في قلبه ويحيي في قلبه الإقبال على طاعة الله والعمل بمراضيه.

نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعلنا من عباده الذاكرين الشاكرين وأن ييسر لنا تقواه سبحانه وبحمده وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته وأن يرزقنا تعظيمه تعظيم من لا عظمة لأحد في قلبه إلا عظمة الله جل وعلا. اللهم إنا نسألك البر والتقوى ومن العمل ما ترضى , اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

___________
(40) سورة نوح الآية (13).
(41) سورة الأنعام الآية (18).
(42) سورة الروم الآية (41).
(43) سورة الحج الآية (32) .
(44) سورة الحج الآية (30).
(45)سورة الحج الآية (32) .
(46)البخاري رقم (3367) – مسلم رقم (2328).
(47)البخاري برقم (2152) – ومسلم برقم (2743).
(48)سورة النساء الآية (58).
(49) البخاري برقم (2169).
(50) سورة آل عمران الآية (191).
(51) سورة آل عمران الآية (190).
(52) البخاري برقم (1140).
(53) صحيح ابن حبان برقم (348) .