طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > اسم الله القدوس

ملتقى الخطباء

(5٬266)
152

اسم الله القدوس

1431/02/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

إذا كانت صفات الله تعالى على السَّعة والكثرة حيث لا يستطيع الخلق إحْصَاءَها، وكذلك على الكمال المُقدَّس عن إدراكه أو تصوُّره، فكيف يمكن التعبير عنها والدلالة عليها بأسماء هي مجرد ألفاظ أو كلمات ؟! إنه لو اجتهد جميع الخلق في وضع أسماء ..

 

 

الشيخ: فوزي السعيد

القدوس:-
الذي له المنتهى أكمل الكمال في الطَّهارة وصفاً وملكاً، وله المنتهى وأكمل الكمال في البركة وصفاً وملكاً، فالخير كله بيديه والشر ليس إليه.

……..

قدسية الذات:-

عرفنا أن القدس هو الدر لما فيه الجمال والبريق والنقاء والصفاء والثبات على ذلك، فكيف بخالقه القدوس وله المثل الأعلى في السَّماوات والأرض !! وهو أحق وأولى بكل كمال وجمال وجلال من المخلوق، وليس لنا أن نتكلم عن الذات الأقدس إلا بما جاءت به نصوص الوحي.

وسنذكر منها ما يلي:-
(1) روى مسلم في صحيحة أن أَبا ذَرٍّ رضي الله عنه سَأَل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ قَالَ: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ ". ثم روى بعده مباشرة حديثاً كالمفسِّر له، وهو حديث أَبِي مُوسَى قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجَابُهُ النُّورُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ النَّارُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ " والسؤال على هذا: كيف يراه ( وينظر إلى سُبُحَاتُ وجهه وهى التي لا يقوم لها شئ إلا أحرقته ؟ والجواب أنه ( رأي نوراً، وهو الحجاب المخلوق الذي يكشفه ربنا عز وجل في الجنة لعباده لينظروا إليه.

أما أنوار الذات التي تُحْجَب الأبصارُ عن إدراكِها كما قَالَ تعالى ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) الأنعام، فذاك الحجاب صفة للذات الأقدس لا تفارق ذات الربَّ عز وجل، ولو كَشَفَ ذلك الحجاب لأحرقت سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أدركه بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ، ولهذا لما حصل للجبل أدنى شئ من تجلى الربّ تسافي الجبل واندَّك لسُبُحَاتُ ذلك القَدْرِ من التجلي كما قَالَ تعالى: ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا ) الأعراف وجاء في الحديث تسميةَ هذا الحجاب برداء الكبرياء على وجهه تعالى، كما رواه البخاري في صحيحة في تفسير سورة الرحمن: قَالَ ( "جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ"، فهذا يدل على أن رداءَ الكبرياءِ على وجهه تبارك وتعالى هو المانع من رؤية الذات ولا يمنع من أصل الرؤية، فإن الكبرياء والعظمة أمرٌ لازم لذاته سبحانه( انظر ابن القيم في تعليقه على الآية من سورة النجم بتصرف )

والسُبُحَاتُ هي أنْوارُ وَجْهِهِ تعالي. يَقُول الإمَامُ أبو بكر بن خزيمة " إن لِوَجْه ربِّنا عز وجلّ من النور والضياء والبهاء، ما لو كشف حجابه لأحرقت سُبُحَاتُ وجهه كل شئ أدركه بصره تعالي " أ. هـ. وينبغي لكل مسلم أن يستصحب هذه المعاني مع كل تسبيحه وتكبيرة وتحميده، إذ لو تجلى الملك القدوس بعضَ التجلي للكرة الأرضية لدُكَّت الأرضُ كلها دكةَ واحدة بما عليها من الآلة العسكرية والقنابل الهيدروجينية وغيرها مما وصل إليه البشر من قوة وأسباب، ملك قدوس عظمته متناهية، ينظر فقط إلي ما يريد إحراقه فينتهي الأمر للشيء كن فيكون وهو الذي يقول: ( مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) 74 / الحج.

(2) روى مسلم ( 181 ) وأحمد ( 4 / 332 ) وبن ماجة ( 187 ) والترمذي ( 2552 ) واللفظ للترمذي من حديث صُهَيْبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ قَالَ إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا قَالُوا أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَيُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ قَالُوا بَلَى قَالَ فَيَنْكَشِفُ الْحِجَابُ قَالَ فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إِلَيْهِ ".

قَالَ عبد الرحمن بن أبى ليلى: فما ظنك بهم حين ثقلت موازينهم، وحين طارت صحفهم في أيمانهم، وحين جازوا جسر جهنم فقطعوه، وحين دخلوا الجنة فأعطوا فيها من النعيم والكرامة ( وكل من هذه المواقف يطير لها الفؤاد فرحا.. بل هو فَرَحٌ من شدته لا يتصور ) قَالَ: فكأن هذا لم يكن شيئاً فيما أُعطوه ( أي بالنسبة للنظر إلى وجه الله الكريم ).

ويوم المزيد في الجنة، يرجع المؤمن بعد لقاءَ الله والنظر إلى وجهه تعالى، وقد ازداد نضرة ونوراً وجمالاً يراه أهله فيبتهجون ويبشرون به. والله تعالى يقول ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) قَالَ الحسن البصري: الناضرة: الحسنة، حسنها الله بالنظر إلى ربها، وحُقَّ لها أن تنضْرُ وهى تنظُرُ إلى ربها. مع أن هذه الوجوه قد دخلت الجنةَ بنورٍ على قدر إيمانها، ففي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَالَّذِينَ عَلَى آثَارِهِمْ كَأَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً.. الحديث ".
فمن نظر إلى جمال ونور الله عز وجل أزداد جمالاً ونوراً مهما كان جماله ونوره السابق قبل النظر فكيف بجمال وأنوار القدوس الخالق !!

(3) القداسة لله ملكاً وخلقاً وفعلاً تستلزم وتدل على قداسة اللهِ وَصْفاً، وأعظم وأوسَعُ ذلك في حظيرة القدس كما سبق، ولنتذكر أن القداسة تجمع الطهر والبركة وأن الطهر نقاء وصفاء وجمال وزوال دنس، ولنأخذ بعض الأمثلة:-

حديث أبى موسى الْأَشْعَرِيِّ في الصحيحين أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْخَيْمَةُ " في الجنة " دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ طُولُهَا فِي السَّمَاءِ ثَلَاثُونَ مِيلًا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا لِلْمُؤْمِنِ أَهْلٌ لَا يَرَاهُمْ الْآخَرُونَ ) ينبغي تأمل هذه الأخبار الصحيحة والاجتهاد في تصورها – درة عملاقة لا نسبة فيها لدر الدنيا كلها نوعاً وحجما وقداسة، وأعدادها لا يحصيها إلا القدوس عز وجل، فكيف بالقداسة له وصفاً !!

– كم أعداد المؤمنين فيها وكم أنوارهم وطهارتهم وجمالهم، وكم أعداد الحور العين وكم أنوارهن، وإحداهن لو أطلَّت بطرفها بين السماء والأرض لأضاءت ما بينهما، سبحان الملك القدوس.

جاء في الصحيحين من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ.. الحديث " وهكذا لا نهاية لما في الجنة من طهر وجمال ونور وبركة، والجنة عَرْضُها السَّماوات والأرض، فكيف بوصف القدوس الذي خلق ذلك ولديه مزيد ؟ !! وكذلك يكون الكلام على أعداد الملائكة وطهارتهم وأنوارهم وجمالهم كما في البند التالي:-

(4) عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ( كان يقول في ركوعه وسجوده سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ. ( وقد تقدم ذكر الحديث وبعض التعليق على معانية ).
هذا النص كأنه يفسر معنى القدوس بأنه رب الملائكة والروح على النحو التالي:-

– معلوم أن كل وصف حسن تتصف به الملائكة فخالقهم أحق وأولى به أعظم وأجل ومن ذلك أنهم خلقوا من نور فهم مطهرَّون كرام بررة، فإذا كان المؤمنون متطهرون فإن الملائكة مُطَهَّرون فلا يأكلون ولا يشربون ولا يتنخّمون ولا يتمَّخطون ولا يبولون ولا يتغوطون، بل مُظهَّرون عن ذلك كله، ويتأذوْن من رائحة الثوم والبصل ومما يتأذى به بنو آدم، ولا يدخلون بيتا فيه كلب أو صورة أو تماثيل، وهم عبادٌ مكرمون لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، فهم مطهَّرون عن الإثم والمعصية وكل عملهم طاعة وعبادة وتسبيح وتقديس لربهم، وهم من الكثرة ما لا يُحْصِيهم إلا الله تعالى.

أ- في حديث الإسراء " الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ " 6، بمعنى في كل قرن قرابة 2600 مليون ملك، فكيف بملايين القرون إلى يوم القيامة ؟!

ب- روى الترمذي وابن ماجة والبزار من حديث أَبِي ذَرٍّ مرفوعاً " أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ "7.

جـ- روى الطبراني من حديث جابر مرفوعاً ( ما في السماوات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد )8.

إن زينة السماء الدنيا تبلغ مئات آلاف الملايين من المجرات، والمجرة بها مئات آلاف الملايين من المجموعات الشمسية ( النجم وتوابعه )، والشمس في مجموعتنا الشمسية تعدل مليوناً وثلاثمائة ألف مرة قدر الأرض، وتبعد عنها حوالي 150 مليون كيلو متر، ومن النجوم ما يبعد عن الشمس بمليارات السنوات الضوئية…، والسنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الشعاع الضوئي في سنة وسُرعة 300 ألف كيلو متر في الثانية.. سبحان الله…

يعنى لا يستطيع الإنسان إحصاء مساحات زينة السماء الدنيا من السعة والضخامة التي هي فوق العقول، فكيف بمساحة السماء الدنيا نفسها !!؟ وهى في السماء الثانية كحلقة في فلاة والثانية في الثالثة كحلقة في فلاة… وهكذا إلى السابعة.. فكم تكون هذه المساحات ؟!

وإذا كانت الملائكة فيها على النحو الذي ذُكر، فكم يكون عدد ملائكة السماوات السبع ؟!، والذين ينزلون في السحاب، والذين يكتبون الناس يوم الجمعة، والذين يتعاقبون، والذين يؤَمِّنُون على قراءة المُصَلىِّ، ويقولون ربنا لك الحمد، ويدعون لمنتظر الصلاة أو المقسمات أمراً، والمدبرات أمراً، وكل إنسان معه عدد من الملائكة وغير ذلك كثير، وبالإجمال لا يمكن لبشر أن يحيط بأعداد الملائكة علماً ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ) المدثر، ولا يحصي نورَهم وطهارتهم وبركتهم إلا القدوس الذي خلقهم، وإذا كان ذلك من خلقه ومُلْكِه وفِعْلِه، فكيف بِوصْفه هو سبحانه. والروح جبريل هو الروح الأمين وهو روح القدس، وهو زعيم الملائكة وأقربهم إلى القدوس عز وجل وهو " ذِي قُوَّةٍ " " شَدِيدِ الْقوي " " عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ " أي له مكانه ووجاهة عنده وعلو منزلة إذْ كان قريباً من ذي العرش (عِندَ ذِي الْعَرْشِ) وهو " ذُو مِرَّةٍ " أي جميل المنظر حسن الصورة ذو جلالة، فهو من أجمل الخلق وأقواهم وأعظمهم أمانة ومكانة عند الله.

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قولة تعالى " وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى" النجم 13 – 14، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" رَأَيْتُ جِبْرِيلَ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عَلَيْهِ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ يُنْثَرُ مِنْ رِيشِهِ التَّهَاوِيلُ الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ " أحمد 1 / 395، 412 / 460 واصل الحديث في الصحيحين، والتَّهَاوِيلُ: الألوان المختلفة وزينة الصور والنقوش والحلي
ومن حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا في الصحيحين قَالَتْ:" مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ، ولكن قد يأتي جبريل في صورته وخلقه سادا ما بين الأفق وَلَكِنْ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ وَخَلْقُهُ سَادٌّ مَا بَيْنَ الْأُفُقِ" وفي هذا المعنى أحاديث وروايات، وعلى القارئ أن يتأمل فيما دَلَّت عليه النُّصوص من جمال جبريل وجلاله وبهاء منظره وعِظَم خلقه، قَالَ تعالى (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ) وقَالَ رسول الله ( " إن روح القدس نفث في روعي… الحديث "9. ودعا ( لحسان رضي الله عنه فقَالَ (أَجِبْ عَنِّي اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) 10 وقَالَ تعالى ( إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ).

وإذا كان القَدْس والقُدس: الطَّهارة العالية المتكررة، و الثابتة حيث لا تزول كما تقدم في تسمية الدُّرِّ بالقدِسِ، فإن جبريل هو روح ذلك، فسبحان رِّبه القدوس، رب الملائكة والروح.

قداسة الصفات

ذَكَرْتُ في المقدمة مثالين على قداسة الصفات، وهما: الجمال والنور، وَبَيَّنْتُ هناك أن قداسةَ الصفةِ هو بلوغها من الكمال أكمله، ومن العلو أعلاه، وتلك درجة ورتبه لا يَتَصَوَّرهَا مخلوق من علوها، وما ينبغي له ذلك وما يستطيع، وأنى له ذلك وهو لا يحيط بالله علماً، وبالتالي لا يُتَصَوَّر ولا يَرِدُ بالخاطر إمكانيةُ وجود العيب أو النقص، ومن كان وَصْفه على هذا البيان فهو القدوس. وسأذكر هنا مثلين آخرين لترسيخ المعنى: –

1) الرحمة المخلوقة لا يمكن لمخلوق أن يتصورها بكمالها، بل لا يستطيع المخلوق أن يتخيل ذلك الجزء الواحد الذي أنزله الله في الدنيا تتراحم به الخلائق – كما سبق بيانه – فكيف بالمائة جزء، وكيف بالجنة وما فيها، وكل ذلك رحمة مخلوقة، فكيف بالرحمة التي هي وصفه عز وجل !! هو الرحمن وهو الذي وسع كل شئ رحمة وعلماً وبيان الكلام على الرحمة مذكور تفصيلاً في شرح اسْميْه "الرحمن الرحيم" والمقصودُ ببيان قداسة رحمة الله تعالى عن تصورها ووجود النقص والعيب فيها.

2) العلم من صفات الله عز وجل، والله تعالى علَّم الإنسان ما لم يعلَمْ، وأودع في المخلوقات علوماً لا تدخل تحت الحصر ولا التخيل، وما عليك إلا أن تقوم بإحصاء بسيط لما تم من أبحاث ورسالات ماجستير ودكتوراه وغيرها، وما يُدَّرس في المداس والجامعات والأكاديميات وغيرها، وعلوم الطب والهندسة والآلة العسكرية وغزو الفضاء وعلوم البحار والفلك وغير ذلك كثير، وستعلم حينئذ أنه لا يمكن لمخلوق أن يحيط بذلك، ثم الاكتشافات اليومية والتطوير المستمر لعلوم الكمبيوتر والاتصالات وغيرها في جميع المجالات، حتى أصبح من المُسَلَّمات أن علمَ اليوم قليلٌ في علم الغَدِ، وكل ذلك وإلى يوم القيامة قليل كما قَالَ تعالى ( وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) فكيف بعلْم الله الذي هو صفةٌ له سُبْحانه، هو بكل شئ عليم. ووسع كل شئ رحمة وعلماً، وهو علام الغيوب، يعلم أسرار القلوب وما سيكون فيها إلى موتها، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ. إن أعداد النجوم والكواكب تستعصي على الحصر" فكيف بِذَرَّاتِها وإلكتروناتها إن ذلك في علم الله يسير قَالَ تعالى: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) لقمان. فالكمال في علم الله لا يحصيه إلا الله سبحانه وما كان لِمَخْلوق أن يتصور ذلك الكمال أو يَتَخيَّله، فكيف يَردُ على العقل احتمالُ النَقْصِ فيه !! تقدَّس الله عن ذلك وتعالى علواً كبيراً. ألا ذلك هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ.

قداسة الأسماء

قَالَ بن القيم ( صفاته كلها صفات كمال محض، فهو موصوف من الصفات بأكملها، وله من الكمال أكمله. وهكذا أسماؤه الدالة على صفاته هي أحسن الأسماء وأكملها، فليس في الأسماء أحسن منها ولا يقوم غيرها مقامها، ولا يؤدي معناها، وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرا بمرادف محض بل هو على سبيل التقريب والتفهيم وإذا عرفت هذا فله من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى، وأبعده وأنزهه عن شائبة عيب أو نقص فله من صفة الإدراكات العليم الخبير دون العاقل الفقيه والسميع البصير دون السامع والباصر والناظر.ومن صفات الإحسان البر الرحيم الودود دون الرفيق والشفوق ونحوهما، وكذلك العلي العظيم دون الرفيع الشريف، وكذلك الكريم دون السخي، والخالق البارئ المصور دون الفاعل الصانع المشكل، والغَفُور العفُوّ دون الصَّفُوح السَّاتر وكذلك سائر أسمائه تعالى يجري على نفسه منها أكملها وأحسنها وما لا يقوم غيره مقامه، فتأمَّل ذلك، فأسماؤه ( كلها حسني )أحسن الأسماء كما أن صفاته أكمل الصفات، فلا عدل عما سمى به نفسه إلى غيره ،كما لا تتجاوز ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله إلى ما وصفه به المُبْطلون والمُعَطِّلون ) ا. هـ. بدائع الفوائد جـ1 صـ167.

إذا كانت صفات الله تعالى على السَّعة والكثرة حيث لا يستطيع الخلق إحْصَاءَها، وكذلك على الكمال المُقدَّس عن إدراكه أو تصوُّره، فكيف يمكن التعبير عنها والدلالة عليها بأسماء هي مجرد ألفاظ أو كلمات ؟! إنه لو اجتهد جميع الخلق في وضع أسماء تستوعب ذلك وتدل عليه دلالة كافية. ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. ولكنَّ الله عز وجل كما أثنى على نفسه، وسمَّى نفسه بالأسْماء الحْسنى ( أعلاما وأوصافاً ) كما قَالَ تعالى ( وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) 180 الأعراف وقَالَ ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى ) 8 طه. والحسنى مؤنث الأحسن، فمَهْما تَعَقَّل الخلق من حسنها فهي أعلى من ذلك وأحسن، أي في استيعاب الدلالة على الصفات مع سعتها وكمالها، وفي حُسْنها في الأسْمَاع والقلوب التي فُطرتْ عليها، فلن تجد القلوبُ ألذَّ ولا أنْعَم ولا أحْسَن من التعرُّف على الأسْماءَ الحُسْنى وتعلُّمِها تعلُّماً صحيحاً، كما أن الله لا يُدْعي إلا بها قَالَ تعالى ( قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى…. الآية ) الإسراء. وهى وسيلة مُقَرِّبة إلى الله يُحبُّها، ويُحبُّ من يُحبُّها ويُحبُّ من يحفظها ويبحث عن معانيها ويتعبد له بها.
أما عن تنوع وجوه الدلالة لتستوعب جميع الصفات وتستغرق جميع معانيها بكمالاتها العالية المتناهية فمنها ما يلي:-

1) دلالة الاسم عندما يذكر مفرداً: كالعزيز: حيث يدل على جميع معاني العزة والكمال فيها من عزة النُّدْرَةَ ونَفَاسَة القَدْرِ فلا يُعادِلُه شئ، ولا مثيل له ولا نظير. وعزة القوة والشدة فهو القوى الشديد. وعزة الامتناع فلا يرام جنابه ولا يغلب أبدا. وعزة الغلبة فهو القهَّار الغالب على أمره.

2) دلالةُ الاسْم عند الاقْتِرَان بغيره حيث تتسع دلالتهُ ليتناول كمالا آخر لم يظهر عند الإفْراد، فمثلاً: العزيز الرحيم: يدل على العزة، ويدل على الرحمة في العزة فهي عزة بلا قسوة، وكذلك يدل على الرحمة وعلى العزة في الرحمة فهي رحمة بلا ذل، وقس على ذلك في العزيز الحكيم، والعزيز الغفار، والعزيز الغفور، والعزيز العليم، والعزيز الوهاب والعزيز الحميد والعزيز المقتدر، وعزيز ذو انتقام، والعزيز الكريم فتأمل ذلك الإعجاز في الدلالة لهذا الاسم: العزيز: كيف أصبح بهذه الاقترانات دالَّا على أنواع العزة الأربعة وقد دخلت فيها الرحمة والحكمة والمغفرة الكثيرة والجيدة والعلم والْهِبَة والحَمْد والاقْتِدَار ومْلِكية الانتقام، والكرم. وذلك الأمر يحتاج إلى كتاب كبير، ولكنها الآن إشارة لبيان قداسة الأسماء، وأنها في عظمة دلالاتها تفوق التصور بكثير. وهكذا عامة الصَفات المقتربة والأسماء المزدوجة في القرآن.

3) أسماء يدل الواحد منها على جملة أوصاف عديدة لا تختص بصفة معينة، بل هو دال على معناه لا على معنى مفرد كالمجيد والكريم والعظيم والصمد. فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال ولفظه يدل على هذا فإنه موضوع للسعة والكثرة والزيادة ومنه ( ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ) صفة للعرش لسعته وعِظَمِه وشرفه. والكريم الذي يجمع صفات الجود والعزة والصفح والجمال، والعظيم من أتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال، والصَّمد يدل على كل كمالات الله عز وجل وأنه يصمد إليه كل الخلق، فهو السيد الذي كمل في سؤدده، والعظيم الذي كمل في عظمته، والكريم الذي قد كمل في كرمه وهكذا، واشتقاقه يدل على هذا، فإنه من الجمع والقَصد، الذي اجتمعت فيه صفات السؤدد فاجتمع القصد نحوه. والعجب العجاب عند اقتران هذا النوع من الأسماء كما في ( حَمِيدٌ مَّجِيدٌ )، ( الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ )، ( غَنِيٌّ كَرِيمٌ )، ( ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) وذلك مبسوط في مواضعه.

4) من أسماء الله أسماء مزدوجة تجرى الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت ؛ جارية مجرى الاسم الواحد لذلك لم ترد مفردة ولم تطلق عليه إلا مقترنة، مثل: الخافض الرافع الضآر النافع، المعطى المانع، المعز المذل، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاء ومنعاً ونفعاً وضرا وعفوا وانتقاماً.

5) اسم الله الواسع إذا قرن في الذهن بأي اسم آخر فقد وسع دلالة ذلك الاسم على صفته، فهو يخدم جميع الأسماء في ذلك، فمثلاً: واسع عليم يدل على سعة علم الله ليسع كل شئ، واسع حكيم، واسع المغفرة. قَالَ السعدي ( الواسع هو الواسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها بحيث لا يحصى أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة والسلطان والملك، واسع الفضل والسلطان عظيم الجود والكرم ) تيسير الكريم 5 / 305. فكذلك القدوس والأعلى والعليّ والمتعال، إذا قرن أحدها في الذهن بأي اسم من أسماء الله فقد دل على علو تلك الصفة وبلوغها أكمل الكمال، وهذا والله أعلم يفسر سر اقتران القدوس بالملك في الكتاب والسنة كما تقدم، إذ: الملك يستلزم كل صفات الكمال، ويأتي في القرآن متبوعاً لا تابعاً، والمراد هنا بيان قداسة الأسماء في الدلالة على المُسَمَّى وصفاته، سبحانه الملك القدوس.

انتهى ملخّصا من كتاب " اسم الله القدوس" للشيخ: فوزي السعيد حفظه الله