طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > الاستواء بين إثبات السلف وتأويل الخلف

ملتقى الخطباء

(153)
151

الاستواء بين إثبات السلف وتأويل الخلف

1431/02/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وعلو قهره: فلا مغالب له ولا منازع ولا مضاد ، ولا ممانع ، بل كل شيء خاضع لعظمته ، ذليل لعزته ، مستكين لكبريائه ، تحت تصرفه وقهره، لا خروج من قبضته. وعلو شأنه: فجميع صفات الكمال له ثابتة وجميع النقائص عنه منتفية عز وجل وتبارك وتعالى . وجميع هذه المعاني للعلو …

 

 

 

بحث قام به الفقير إلى الله أبو رملة محمد المنصور إبراهيم

من أقوال أهل العلم:
"في حديث الجارية مسألتان : الأولى : شرعية قول المسلم: أين الله ؟ والثانية : قول المسؤول : في السماء . ومن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى صلى الله عليه وسلم"
– الإمام الذهبي في كتاب العرش: "اعلم أن الوصف له تعالى بالاستواء اتباع للنص، وتسليم للشرع، وتصديق لما وصف نفسه تعالى به"
– القاضي عبد الوهاب المالكي في شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني: "وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش"
– الإمام عبد القادر الجيلاني في كتاب الغنية: "لا يُقدح إطلاق الفوقانية على الله، فكثيرا ما أومأت إليه الأخبار وظواهر الآيات"
– الشيخ عثمان بن فودي في الجامع لفتاوى الشيخ عثمان: "لم ينكر أحد من السلف الصالح أن الله استوى على عرشه حقيقة"
– أبو عبد الله القرطبي المالكي في التفسير: "فكل من قال إن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده ولصريح المعقول"

ما يجب اعتقاده في صفات الله تعالى عموما
الذي يجب على المسلم في صفات الله تعالى هو الاعتقاد الجازم بأن الله عز وجل متصف بجميع صفات الكمال ، ومنزه عن جميع صفات النقص ، وأنه متفرد عن جميع الكائنات . ولا يكون ذلك إلا بإثبات ما أثبته لنفسه من الصفات أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف لألفاظها أو معانيها ، ولا تعطيل بنفيها أو نفي بعضها عن الله سبحانه ، ومن دون تكييفها بتحديد كنهها وإثبات كيفية معينة لها ، ولا تشبيهها بصفات المخلوقين .
فإيمان المسلم بصفات الله تعالى يقوم على ثلاثة أصول :

الأصل الأول : تنزيه الله تعالى عن النقائص وعن مشابهة صفاته لصفات المخلوقين . يدل على هذا الأصل قوله تعالى ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ? [الشورى:11] ?فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ? [النحل : 74] ?وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ? [الإخلاص : 4].

الأصل الثاني : الإيمان بجميع صفات الله تعالى الثابتة في الكتاب والسنة دون تجاوزها برد بعضها أو الزيادة عليها أو صرفها عن معانيها . ?أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ? [البقرة : 140] ?أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ? [البقرة : 80] ؟!.

الأصل الثالث : قطع الطمع عن إدراك كيفية هذه الصفات. يدل عليه قوله تعالى :?يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا? [طه :110]. فلو سأل سائل عن كيفية صفة من صفات الله سبحانه وتعالى كأن يقول : كيف يسمع ؟ أو كيف يبصر ؟ أو كيف استوى ؟ أو كيف ينزل ؟ أو كيف يضحك أو كيف يغضب أو كيف يده ؟ أو ما أشبه ذلك من الأسئلة ، نقول له : كيف هو ؟ فإذا قال : لا أعلم ، قلنا له : فكيف تعلم إذن كيفية صفاته؟!11
 

قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى عند تفسير قوله تعالى ?ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ? في سورة الأعراف ما نصه:
هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات الصفات كقوله ?يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ? [الفتح : 10] ونحو ذلك، أشكلت على كثير من الناس إشكالا ضل بسببه خلق لا يحصى كثرة، فصار قوم إلى التعطيل وقوم إلى التشبيه – سبحانه وتعالى علوا كبيرا عن ذلك كله – والله جل وعلا أوضح هذا غاية الإيضاح، ولم يترك فيه أي لبس ولا إشكال . وحاصل تحرير ذلك أنه جل وعلا بيّن أن الحق في آيات الصفات متركب من أمرين:

أحدهما : تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة الحوادث في صفاتهم سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا .

والثاني : الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله ?أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ? [البقرة : 140]، ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه :?وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى? [النجم : 3] . فمن نفى عن الله وصفا أثبته لنفسه في كتابه العزيز ، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم زاعما أن ذلك الوصف يلزمه ما لا يليق بالله جل وعلا ، فقد جعل نفسه أعلم من الله ورسوله بما لا يليق بالله جل وعلا . سبحانك هذا بهتان عظيم .
ومن اعتقد أن وصف الله يشابه صفات الخلق فهو مشبّه ملحد ضال . ومن أثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته رسوله صلى الله عليه وسلم مع تنزيهه جل وعلا عن مشابهة الخلق فهو مؤمن جامع بين صفات الكمال والجلال والتنزيه عن مشابهة الخلق سالم من ورطة التشبيه والتعطيل .
والآية التي أوضح الله بها هذا هي قوله تعالى: ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ? [الشورى : 11] فنفى عن نفسه جل وعلا صفة الحوادث بقوله :?ليس كمثله شيء? وأثبت لنفسه صفة الكمال والجلال بقوله :?وهو السميع البصير? فصرح في هذه الآية بنفي المماثلة مع الاتصاف بصفات الكمال والجلال .12

إثبات علو الله على خلقه
قال الله تعالى : ?وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ?[البقرة : 255]
وقال تعالى :?سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى?[الأعلى : 1]
وروى مسلم وغيره من حديث حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده :"سبحان ربي الأعلى".13
فالله عز وجل موصوف بصفة العلو : علو الذات وعلو الصفات وعلو القدر وعلو القهر . ومن نفى شيئا من ذلك فعليه الدليل .
قال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي (ت 1377هـ) رحمه الله :
يتضمن اسمه العلي الأعلى الصفة المشتق منها وهوثبوت العلو له بجميع معانيه : علو فوقيته تعالى على عرشه : (فهو سبحانه) عال على جميع خلقه ، بائن منهم ، رقيب عليهم ، يعلم ما هم عليه، قد أحاط بكل شيء علما ، لاتخفى عليه خافية. وعلو قهره : فلا مغالب له ولا منازع ولا مضاد ، ولا ممانع ، بل كل شيء خاضع لعظمته ، ذليل لعزته ، مستكين لكبريائه ، تحت تصرفه وقهره، لا خروج من قبضته. وعلو شأنه : فجميع صفات الكمال له ثابتة وجميع النقائص عنه منتفية عز وجل وتبارك وتعالى . وجميع هذه المعاني للعلو متلازمة لا ينفك معنى منها عن الآخر .14

إثبات فوقية الله على عباده

قال الله تعالى : ?وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ? [الأنعام : 61]
وقال تعالى في وصف الملائكة : ?يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ? [النحل : 50]
فالله عز وجل فوق عباده ذاتا وقدرا . ومن قال غير ذلك قلنا له هات الدليل ? قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ?.
قال المجدد الشيخ عثمان ابن فودي رحمه الله :
مسألة : لا يُقدح إطلاق الفوقانية على الله ، فكثيرا ما أومأت إليه الأخبار وظواهر الآيات. ولكن الاعتقاد يقدح إن اعتقدها من غير تنزيه .15
وإثبات علو الله على خلقه وفوقيته عليهم هو مقتضى الفطر السليمة التي لم تتلوث بلوثة الابتداع ولم تَشُبْها شائبة علم الكلام وذلك أن الخلق جميعا بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء ، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله لا يلتفتون يمنة ولا يسرة . وبهذه الحجة قهر الشيخ أبو جعفر الهمداني الأستاذ أبا المعالي الجويني المتكلم المعروف بإمام الحرمين حتى ضرب على رأسه وقال : حيرني الهمداني ! حيرني !! كما حكى القصة الإمام ابن أبي العز في شرحه لعقيدة الإمام أبي جعفر الطحاوي16.
وبذلك أيضا احتج الإمام أبو الحسن الأشعري في الإبانة . قال :
ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء ، لأن الله عز وجل مستو على العرش الذي هو فوق السموات ، فلو لا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض.17

ونقل المجدد الشيخ عثمان بن فودي رحمه الله عن الشعراني ما يدل على هذا وهو قوله :
فإن قيل : فما الدليل على أن معرفة الحق تعالى واجبة؟

فالجواب أن دليل ذلك كون المعرفة من الأمور التي يسهل الوصول إليها ، فإن الإنسان إذا اضطر وضاقت به المسالك فلا بد أن يستند إلى إله يؤوب إليه ويتضرع نحوه ويلجأ إليه في كشف الضر ويسمو قلبه ويصعد إلى السماء ويشخص ناظره إليها من حيث كونها قبلة الدعاء للخلائق أجمعين . فيستغيث بخالقه وبارئه طبعا وجبلة لا تكلفا . ومثل ذلك قد وجد في الوحوش والبهائم أيضا فإنها ظاهرة الخوف والرجاء رافعة رؤوسها إلى السماء عند فقدان الكلأ والماء وإحساسها بالهلاك والفناء . وكذلك شاهدنا الأطفال عند اللأواء يرفعون مسبحتهم نحو السماء . وهذا كله مركوز في جبلة الحيوانات فضلا عن الإنسان العاقل، فهي الفطرة المذكورة في القرآن والحديث.18

إثبات أن الله في السماء
قال الله تعالى : (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير? [الملك : 16-17]
قال ابن عباس ( : أي أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه؟19
وفي الموطأ وصحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للجارية : أين الله ؟ قالت : في السماء . قال :"اعتقها فإنها مؤمنة".20
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي رحمه الله بعد إيراده لهذا الحديث في كتاب "العلو للعلي العظيم" : ففي الخبر مسألتان :
إحداهما : شرعية قول المسلم : أين الله ؟
والثانية : قول المسؤول : في السماء . قال : فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى صلى الله عليه وسلم .21
ومعنى أن الله تقدست أسماؤه في السماء أنه على السماء مستو على عرشه كما قال تعالى ? فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ ?[التوبة:2] أي على الأرض . وقال تعالى ?لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ?[طه:71] أي على جذوع النخل .
قال الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى :
فالسماوات فوقها العرش ، فلما كان العرش فوق السماوات قال تعالى :?أأمنتم من في السماء? لأنه مستو على العرش الذي هو فوق السماوات ، وكل ما علا فهو سماء ، فالعرش أعلى السماوات . وليس إذا قال :?أأمنتم من في السماء? يعني جميع السماوات وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات ، ألا ترى أن الله عز وجل ذكر السموات فقال تعالى 😕 وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا ? [نوح :16] ولم يرد أن القمر يملؤهن وأنه فيهن جميعا .22

إثبات استواء الله على عرشه المجيد

قال الله تعالى : ?إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ? [الأعراف : 54] [يونس : 3]. وقال تعالى في وصف القرآن : ?تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)? [طه ].
قال الإمام البغوي : قوله : ?ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ?: علا عليه 23.
وذكر الله عز وجل استواءه على العرش بعد خلق السموات والأرض في سبعة مواضع في كتابه الكريم منها ما تقدم ومنها في سورة الفرقان : 59 وفي سورة السجدة : 4 وفي سورة الرعد : 2 وفي سورة الحديد:4.
وفي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ( عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي غلبت غضبي" .24
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي (ت 422هـ) رحمه الله في شرحه لمقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني عند قول ابن أبي زيد "وأنه فوق عرشه المجيد بذاته ، وهو في كل مكان بعلمه" قال :
واعلم أن الوصف له تعالى بالاستواء اتباع للنص ، وتسليم للشرع ، وتصديق لما وصف نفسه تعالى به . ولا يجوز أن يثبت له كيفية لأن الشرع لم يرد بذلك ، ولا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيه بشيء ، ولا سألته الصحابة عنه .25
وقال الحافظ الذهبي رحمه الله :
هذه الصفات من الاستواء والإتيان والنزول قد صحت بها النصوص ، ونقلها الخلف عن السلف ، ولم يتعرضوا لها برد ولا تأويل ، بل أنكروا على من تأولها مع إصفاقهم (اجتماعهم) على أنها لا تشبه نعوت المخلوقين، وأن الله ليس كمثله شيء ، ولا تنبغي المناظرة ولا التنازع فيها ، فإن في ذلك محاولة للرد على الله ورسوله ، أو حوما على التكييف أو التعطيل .26

معنى الاستواء

الاستواء في اللغة له عدة معان . وتختلف معانيه باختلاف الاستعمال فيأتي مطلقا ومقرونا بالواو ومقيدا بإلى أو بعلى .
1. فإذا أطلق لفظ الاستواء ولم يقيد بحرف كان معناه تمّ وكمل كما قال تعالى : ?وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا?[يوسف:14] .
2. وإذا قرن بالواو كان بمعنى التساوي كأن يقال استوى الماء والخشب .
3. وإذا قيد لفظ الاستواء بحرف "إلى" صار معناه القصد كما في قوله سبحانه : ? ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا..?[فصلت:11].
4. وإذا قُيد بحرف "على" كان معناه العلوّ والصعود والارتفاع كما قال تعالى : ? لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ..?[الزخرف:13]. وقال عز وجل : ?وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ?[هود:44].
وآيات الاستواء كلها جاءت معداة بـ "على".27 ومن أجل ذلك أطبق السلف على تفسير الاستواء بالعلو والارتفاع كما نقل الإمام البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد عن أبي العالية الرياحي وعن مجاهد بن جبر تلميذ ابن عباس .28 ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن بطال رحمه الله تعالى قوله:
وأما تفسير استوى بعلا فهو صحيح ، وهو المذهب الحق وقول أهل السنة لأن الله سبحانه وصف نفسه بالعلي وقال : ?سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ?[النحل:1] وهي صفة من صفات الذات . وأما من فسره بـ: ارتفع ففيه نظر لأنه لم يصف به نفسه.29
قال الحافظ ابن حجر : وقد نقل البغوي عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن معنى ?استوى على العرش? ارتفع . وقال أبو عبيد والفراء وغيرهما بنحوه .30
فنثبت لله استواءه على عرشه كما أثبته لنِِفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل كما هو مذهب السلف الصالح رضوان الله عليهم .

إبطال قول أهل التأويل في الاستواء

وأما من أوّل صفة الاستواء فهم طائفتان : طائفة تقول معناها الاستيلاء فإن "استوى" معناه عندهم استولى بزيادة اللام . وهو قول الجهم بن صفوان .31 وقد صرح جمع من علماء اللغة بأنه مخالف لما تعرفه العرب في كلامها حتى قال ابن الأعرابي – النحوي المشهور – لمن قال له ذلك : ويحك ! إن الاستيلاء لا يكون إلا بعد المغالبة ، والله لا يغالبه أحد.
ثم إنهم لم يجدوا ما يؤيدون به هذا التأويل من كتاب الله ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا من قول العرب الفصحاء إلا بيتًا منحولا على الأخطل النصراني – شاعر العصر الأموي – وهو قوله :

قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق

وقد أنكر العلماء نسبة هذا البيت إلى الأخطل ، وقال بعضهم إنه هكذا :

بشر قد استولى على العراق * من غير سيف ودم مهراق

ولو ثبت عنه كما نقلوه لما كان مقبولا، فإن الأخطل نصراني سيء المعتقد، وهو القائل – يستهزئ بشعائر الإسلام :

ولست بقائم كالعير يدعو *** قُبيل الصبح حي على الفلاح
ولست بصائم رمضان طوعا *** ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بسائق عيسا بكورا *** إلى بطحاء مكة للنجاح
ولكني سأشربها شمولا *** وأسجد عند منبلج الصباح

ولو كان الأخطل مسلما لما قُبل منه هذا البيت أيضا فإنه من الموّلدين الذين تأثرت عربيتهم بالعجمة ، فلا يحتج بقوله على تفسير الكلام الرباني ناهيك عن هذا الأمر الخطير الذي هو صفة من صفات الله العلية . ولقد شنّع على هذا المعتقد مع هذا الاحتجاج عدد من أهل العلم نظما ونثرا . ومن الأول ما جاء في لامية ابن تيمية رحمه الله :

وأقول قال الله جل جلاله *** والمصطفى الهادي ولا أتأول
وجميع آيات الصفات أُمرها *** حقا كما نقل الطراز الأول
وأرد عهدتها إلى نقالها *** وأصونها عن كل ما يُتخيل
قُبحا لمن نبذ القران وراءه *** وإذا استدل يقول قال الأخطل32

ومنه ما قاله تلميذه الحافظ ابن القيم في النونية :
أُمر اليهود بأن يقولوا حطة *** فأبوا وقالوا حنطة لهوان
وكذلك الجهمي قيل له استوى *** فأبى وزاد الحرف للنقصان
قال استوى استولى وذا من جهله *** لغة وعقلا ما هما سيان
نون اليهود ولام جهمي هما *** في وحي رب العرش زائدتان33

والقائلون بهذا التأويل يلزمهم أحد أمرين : إما القول بأن الله استولى على العرش ولم يستول على سائر المخلوقات لأن الله خص بهذا الوصف عرشه العظيم أو أن الله استوى على السموات والأرض وسائر المخلوقات جميعا وكلاهما غير صحيح فإن الله ذكر أنه ?اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ? ولا يجرؤ أحد على القول بأن الرحمن على الأرض استوى ، فدل على أن استواءه على عرشه غير غلبته على العرش وعلى سائر المخلوقات. وقد رد هذا التأويل الحافظ ابن القيم من أربعين وجها.34

والطائفة الثانية تؤول العرش بمعنى المُلك ، فمعنى استوائه على العرش عندهم ارتفاعه على المُلك . وبطلان قولهم لا يخفى لأن العرش سرير محسوس له ظل35 وهو محمول ومحفوفة به الملائكة كما يدل عليه قول الباري جل في علاه: ?وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ? [الحاقة : 17] وقوله عز وجل : ?الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ? [غافر : 7] وقوله سبحانه : ?وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ? [الزمر : 75].

فالعرش أعظم المخلوقات ، وقد كان موجودا قبل خلق السموات والأرض كما قال تعالى: ?وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ? [هود : 7] . وله قوائم كما في حديث :"فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش" 36.فهل ملكه هو الذي كان على الماء ؟! أو أنه الذي تحمله الملائكة وتحف من حوله ؟!! أو هو الذي أخذ موسى عليه السلام بقائمة من قوائمه ؟!!! ما أقبح التأويل !.
إثبات معية الله مع خلقه وقربه من عباده
ولا يتعارض ما تقدم من علوه على خلقه ما تقرر أيضا من أنه مع خلقه قريب مجيب ?وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ? [الحديد : 4] ولكن يجب أن نفهم هذه المعية حسب ما فهمها السابقون من أئمة العلم والدين . وسياق الآية وسباقها يدلان على أن معيته مع خلقه معية العلم ، فهو معهم بسمعه وبصره وعلمه وقدرته لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء 37. اقرأ الآية السابقة من أولها : ?هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ? [الحديد : 4] . ففي أول الآية أثبت الله استواءه على العرش بعد خلق السموات والأرض ثم في وسطها أثبت إحاطة علمه بالمخلوقات وأثبت معيته معهم ثم بين نوع المعية بقوله : ?والله بما تعملون بصير? .

ومثل هذا ما ورد من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول :"اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل"38 فهو سبحانه مع المسافر في سفره ومع أهله في وطنه ولا يلزم من ذلك أن تكون ذاته مختلطة بذواتهم، كما قال :?مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ? [الفتح : 29] أي معه على الإيمان ، لا أن ذاتهم في ذاته بل هم مصاحبون له . وقوله :?إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ? [النساء :146] يدل على موافقتهم في الإيمان وموالاتهم ، وكذلك قوله :?وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ? [التوبة : 119] ?وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ? [البقرة : 43] . فالله تعالى عالم بعباده وهو معهم أينما كانوا ، وعلمه بهم من لوازم المعية .39
وكل النصوص التي تدل على المعية لا تخلو من هذا البيان بوجه ولذلك لما سئل الإمام علي بن المديني – شيخ الإمام البخاري – رحمه الله : ما قول أهل الجماعة ؟ قال : يؤمنون بالرؤية – يعني رؤية الله لأهل الجنة – والكلام – يعني إثبات أن القرآن كلام الله – قال: وأن الله فوق السموات على العرش استوى . فسئل عن قوله تعالى: ?مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ? فقال : اقرأ ما قبلها: ?أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ? واقرأ في آخرها : ?إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ? [المجادلة: 7] .

والله سبحانه مع أنبيائه وأوليائه بالتوفيق والنصر والتأييد كما قال تعالى لموسى وهارون : ?إنني معكما أسمع وأرى? [طه : 46] وقال سبحانه : ?إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون? [النحل : 128] وقال حكاية عن موسى عليه السلام : ?كلا إن معي ربي سيهدين? [الشعراء : 62] وقال النبي صلى الله عليه وسلم للصديق إذ هما في الغار: ?لا تحزن إن الله معنا? [التوبة : ] . فهذه المعية أيضا لا تعني أن الله مختلط بذاته في ذوات الأنبياء والأولياء ولكنه معهم بنصره وتأييده وكفايته وحفظه40.

والعبد يكون في بعض أحواله أقرب إلى ربه من بعضها . يدل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ( عن النبي صلى الله عليه وسلم :"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"41.42
ولذلك قال الله تعالى: ?أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب? [الإسراء : 57].43
وإذا عرفت هذا علمت أنه ليس هناك أي تناقض بين إثبات العلو وإثبات المعية لأنه لا يمكن وجود التناقض بين نصوص الكتاب الكريم . وهذا وصف لجميع عقائد أهل السنة ليس فيها أي تناقض وإنما التناقض بين أقوال أهل البدع .44
خاتمة نسأل الله حسنها
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وخليله محمد وعلى أزواجه وذريته وعلى أصحابه وأنصاره ومن اتبع سبيلهم إلى يوم الدين .