طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > استعمال القياس بين صفات اللّه تعالى

ملتقى الخطباء

(2٬138)
150

استعمال القياس بين صفات اللّه تعالى

1431/02/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وقد ذكر الله في ثنايا هذا الدّليل الصّفات المصحّحة للإعادة ؛ وهي عموم العلم وتمام القدرة وكمال الإرادة ؛ لأنّ تعذّر الإعادة إنّما يكون لقصور في هذه الصّفات، ولا قصور في علم من هو بكلّ شيء عليم، ولا قدرة فوق قدرة من خلق السموات و…

 

 

استعمال القياس في العلم المتعلّق بصفات الله تعالى يكون في اعتبار الغائب من أفعال الله بالمشهود منها، ويكون في اعتبار صفات الخالق بما يشاهد من صفات المخلوق ؛ فإن كان الاعتبار في طرفيه متعلّقًا بأفعال الله وصفاته جاز في ذلك استعمال قياس الأولى والمساواة ؛ والأدلّة على ذلك كثيرة ؛ فمن أدلّة قياس المساواة النّصوص الآتية: ـ

1 ـ قوله تعالى: ( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ) [ الرّوم: 19 ]، فقاس النّظير على النّظير ؛ ودلّ بفعله المتحقّق بالمشاهدة من إخراج وإحياء على بعث الأموات الَّذي استبعدوه وأنكروه ؛ إذ الفعل الموعود نظير الفعل المشاهد، ومن أنكره لزمه التّناقض والتفريق بين المتماثلين، والطّعن في علم الربّ وحكمته وإرادته وقدرته ؛ ولهذا حكم الله على منكري البعث بكفر الربوبيّة، قال تعالى: ( وَإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ) [ الرّعد: 5 ].

وقد تكرّر الاستدلال على البعث بإحياء الأرض بالنّبات ؛ وذلك لصحّة مقدّماته، ووضوح دلالته، وقرب تناوله، وبعده عن كلّ معارض، قال تعالى: ( وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ الحجّ: 5، 6 ]، وقال: ( فَانْظُرْ إلَى ءَاثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ الرّوم: 50 ]، وقال: ( وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ) [ ق: 11 ]، وقال: ( وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ فصّلت: 39 ]، يقول ابن القيّم: " جعل الله سبحانه إحياء الأرض بعد موتها نظير إحياء الأموات، وإخراج النّبات منها نظير إخراجهم من القبور، ودلّ بالنّظير على نظيره، وجعل ذلك آية ودليلاً على خمسة مطالب: ـ

أحدها: وجود الصّانع، وأنّه الحقّ المبين، وذلك يستلزم إثبات صفات كماله وقدرته وإرادته وحياته وعلمه وحكمته ورحمته وأفعاله.

الثّاني: أنّه يحيي الموتى.
الثّالث: عموم قدرته على كلّ شيء.
الرّابع: إتيان السّاعة وأنها لا ريب فيها.
الخامس: أنّه يخرج الموتى من القبور كما أخرج النّبات من الأرض " (76).

2 ـ قوله تعالى: ( وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ ) [ الأنعام: 133 ]، فقاس النّظير على النّظير، وبيّن أنّ القدرة على إذهاب المخاطبين كالقدرة على إذهاب السّابقين ؛ فإذا ساورهم في العلّة والمعنى والأعمال ساووهم في الحكم والوعيد والعاقبة، كما قال تعالى: ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ) [ مُحَمَّد: 10 ]، فأخبر أنّ حكم الشيء حكم مثله، وكذلك كلّ موضع أمر فيه بالسّير في الأرض فإنّه يدلّ على الاعتبار والحذر أن يحلّ بالمخاطبين من أفعال الله مثل ما حلّ بالسّابقين ! (77).

3 ـ ما رواه الإمام البخاريّ بسنده عن أنس بن مالك ( أَنَّ رَجُلاً قَالَ: " يَا نَبِيَّ اللَّهِ ! يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ: أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (78)، فقاس الإمشاء على الوجه على الإمشاء على الرّجلين ؛ إذ قدرة الربّ على الفعل الموعود نظير قدرته على الفعل المشهود، يقول ابن حجر: " المراد بالمشي حقيقة ؛ فلذلك استغربوه حتَّى سألوا عن كيفيّته، وزعم بعض المفسّرين أنّه مَثَل، وأنّه كقوله: ( أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا ) [ الملك: 22 ]، قال مجاهد: هذا مثل المؤمن والكافر. قلت: ولا يلزم من تفسير مجاهد لهذه الآية بهذا أن يفسّر به الآية الأخرى (79) ؛ فالجواب الصّادر عن النَّبيّ ( ظاهر في تقرير المشي على حقيقته… والحكمة في حشر الكافر على وجهه أنّه عوقب على عدم السّجود لله في الدّنيا بأن يسحب على وجهه في القيامة ؛ إظهارًا لهوانه ؛ بحيث صار وجهه مكان يده ورجله في التوقي عن المؤذيات " (80).

أمّا أدلّة استعمال قياس الأولى بين صفات الله تعالى فمنها النّصوص الآتية: ـ
1 ـ قوله تعالى: ( إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [ آل عمران: 59 ]، فقاس القدرة على خلق عيسى على القدرة على خلق آدم ؛ لأنّ من قدر على الخلق من غير أب ولا أم فقدرته على الخلق من غير أب من باب أولى، يقول ابن تَيْمِيَّة: " شبّهه الله بخلق آدم الَّذي هو أعجب من خلق المسيح ؛ فإذا كان سبحانه قادرًا أن يخلقه من تراب والتراب ليس من جنس بدن الإنسان أفلا يقدر أن يخلقه من امرأة هي من جنس بدن الإنسان ؟! " (81).

2 ـ قوله تعالى: ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ. أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ. إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [ يس: 78 – 82 ]، فقاس القدرة على الأيسر على القدرة على الأعظم ؛ لأنّ القدرة على النشأة الأولى، وعلى خلق السموات والأرض دليل على النّشأة الثّانية من باب أولى. وقد ذكر الله في ثنايا هذا الدّليل الصّفات المصحّحة للإعادة ؛ وهي عموم العلم وتمام القدرة وكمال الإرادة ؛ لأنّ تعذّر الإعادة إنّما يكون لقصور في هذه الصّفات، ولا قصور في علم من هو بكلّ شيء عليم، ولا قدرة فوق قدرة من خلق السموات والأرض، ولا إرادة تعارض من إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون ! (82)

وقد تكرّر الاستدلال على المعاد بخلق الأنفس والآفاق بأفصح العبارات، وأقطعها للعذر، وألزمها للحجّة، قال تعالى: ( وَيَقُولُ الإنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا. أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ) [ مريم: 66، 67 ]، وقال: ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ إنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ… ) الآية [ الحجّ: 5 ]، وقال: ( فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ. إنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ) [ الطّارق: 5 ـ 8 ] ؛ فدلّ على الإعادة بالقياس على النّشأة الأولى المعلومة والمشهودة ؛ وهي نشأة أصل البشر من تراب لا حياة فيه، ونشأة آحاد بني آدم تدريجًا في الأطوار حتَّى إحكام الخلق (83).
وقال تعالى: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ) [ الإسراء: 99 ]، وقال: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ) [ الأحقاف: 33 ]، فقدرة الله التامّة على خلق السموات والأرض دليل قطعي على قدرته على إعادة الخلق من باب أولى !

حكم القياس بين صفات الخالق والمخلوق

إذا كان الاعتبار بين صفات الخالق والمخلوق فإنّ طريقة قياس الأولى ليس غير ؛ لقوله تعالى: ( وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى ) [ النّحل: 60 ]، أي الصّفة العليا الَّتي يستحيل معها وجود المثل. والمراد بالصّفة الجنس فتعمّ جميع صفات الكمال (84). وهذا المعنى يتضمّن أمرين: ـ
أحدهما: تنزيه الله عن المثل ؛ وقد بنى العلماء على هذا الأصل تحريم قياس المساواة بين الخالق والمخلوق تمثيلاً كان أو شمولاً ؛ فلا يجوز أن يستدلّ على الخالق بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمولي يستوي أفراده ؛ لأنّ الله لا مثل له ؛ فلا يجوز أن يمثّل بغيره، ولا أن يدخل تحت قضيّته كليّة يستوي أفرادها.

والثّاني: استحقاق الله تعالى لأعلى صفات الكمال المنافية لجميع النقائص. وقد بنى العلماء على هذا المعنى مشروعيّة الاستدلال بصفات المخلوق على صفات الخالق عن طريق قياس الأولى سواءٌ أكانت صورته تمثيلاً أو شمولاً ؛ فكلّ ما ثبت للمخلوق من صفات الكمال المطلق فإنّ الخالق أولى به، وكل ما تنزّه عنه المخلوق من صفات النّقص فإنّ الخالق أولى بالتنزّه عنه (85).

وسياق الآية يبيّن دلالتها على صحّة الاعتبار بين الخالق والمخلوق بطريق الأولى ؛ فإنّ الله تعالى يقول: ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ. وَإذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ. يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ. لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) [ النّحل: 57 – 60 ] ؛ فإذا كانت الأنوثة نقصًا وعيبًا لا يرضاه المشرك لنفسه، ويكره أن يضاف إليه، فإنّ الخالق أولى بالنزاهة عن الولد النّاقص المكروه ؛ لأنّ الله تعالى له المثل الأعلى المشتمل على كلّ كمال وللمشرك مثل السّوء المشتمل على كلّ نقص ! وهذه الحجّة لبيان تناقض المشركين ؛ لأنّ انتفاء الولد مطلقًا معلوم من النّصوص الأخرى (86) !
وممّا يعضد دلالة الآية على صحّة قياس الأولى، واعتباره طريقًا شرعيًّا في الاستدلال بصفات المخلوق على صفات الخالق طردًا وعكسًا النّصوص الآتية: ـ
1 ـ قوله تعالى: ( فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) [ فصّلت: 15 ]، فجعل ما في المخلوق من قوّة وشدّة يدلّ بطريق الأولى على قوّة الخالق وشدّته ؛ لأنّ الخالق أحقّ بالكمال من المخلوق (87).
2 ـ قوله تعالى: ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ) [ العلق: 3 ]، أي الأفضل من غيره في الكرم الجامع للمحاسن ؛ فيقتضي أنّه أحقّ بجميع المحامد ؛ وهي صفات الكمال ؛ فهو الأحقّ بالإحسان والرّحمة والحكمة والقدرة والعلم والحياة وسائر صفات الكمال (88).
3 ـ قوله تعالى: ( وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) [ البقرة: 255 ] ؛ فإنّ اسم العليّ يدلّ على علوّ الذات والقهر والقدر، وعلوّ القدر يتضمّن الدّلالة على أنّه الأحق بجميع صفات الكمال ؛ فكلّ ما في المخلوق من كمال مطلق فإنّ الله أحق به ؛ لأنّه أعلى من المخلوقات قدرًا (89).
4 ـ قوله تعالى: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [ النّحل: 75، 76 ]، فأبطل الشّرك بقياس الأولى ؛ فالعاقل لا يقبل ألبتة المساواة بين مخلوق يملك ويقدر وآخر لا يملك ولا يقدر فلأن لا يقبل التماثل في الحقوق والكمالات بين الأوثان العاجزة المملوكة وبين من له المثل الأعلى من باب أولى (90).
5 ـ قوله تعالى: ( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) [ الرّوم: 28 ]، فنزّه نفسه عن الشّريك بمثل مضروب بطريق الأولى ؛ فالسيّد من الخلق يتنزّه عن مشاركة مماليكه في حقوقه على الرّغم من قصور ملكه ؛ فيكون المالك الكامل أولى بالنزاهة عن الشّركاء ؛ لأنّ المخلوق لا يملك إلاّ بعض منافع عبيده، والخالق يملك أعيان عباده وأفعالهم ؛ فلا يخرج عن ملكه شيء ألبتة (91).
6 ـ روى ابن أبي عاصم بسنده عن أبي رزين ( قال: " قلت: يا رسول الله ! أكلّنا يرى ربّه يوم القيامة ؟ قال: أكلّكم يرى القمر مخليا به ؟ قال: نعم، قال: اللّه أعظم " (92) ؛ فأثبت الرؤية لجميع المؤمنين دون تضام وازدحام وقت النّظر بالقياس على رؤية القمر ؛ فإنّه إذ كان ذلك ممكنًا في رؤية المخلوق فإمكانه في رؤية الخالق أولى ؛ لأنّه أعظم وأولى بالكمال من كلّ موجود.

*آثار المثل الأعلى/ د. عيسى بن عبد الله السّعدي