طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > اسم الله اللطيف

ملتقى الخطباء

(8٬277)
149

اسم الله اللطيف

1431/02/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

فعَلِمنا إذًا عن الله تعالى من اسمه “اللطيف” هذه المعاني: “الرفق، والبر، وإيصال الإحسان، والتوفيق والعصمة، والإحاطة والعلم بدقائق الأمور وغوامضها، وحُسْن تناوُلِ الأمور والقدرة على إنشائها وإتمامها” ..ونحن في حاجة وضرورة مُلِحَّة .. لمثل هذه المعاني والعطايا من الله تعالى، وقد فتح المولى بابَها، وما علينا إلا …

 

 

 

 

فضيلة الشيخ: محمد الدبيسى

 

 

تمهيد:

 

هذا الاسم المشرَّف "اللطيف" من الأسماء التي وردت في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ( اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ ) [الشورى: 19]، وفي قوله: ( وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) [الأنعام: 103].
وهذا الاسم سنذكر معانيَه وما يتعلق به من حق الله تعالى الذي يجب أن نُعَظِّمه ونوحِّده به – سبحانه وتعالى – . ثم بعد ذلك يعلم المرءُ حظَّه منه ويدعو اللهَ تعالى به. ثم نشير إلى معاني بعض الآيات الواردة فيه كما هو منهجنا في شرح أسماء الله الحسنى.

معنى " اللطيف " في حق الله تعالى

 

"لَطَف اللهُ بالعبد لُطفًا" يعني: رفق به، "وأَلْطَفَهُ يعني: بَرَّه" – سبحانه وتعالى – . وكذلك "لَطَف به لُطْفًا" يعني: وَفَّقَه وعَصَمه.
فيكون اللُّطف من الله تعالى هو: "التوفيق، والعصمة، وإيصال الخير"، فيوصِّل إليهم – سبحانه وتعالى – إحسانَه وبِرَّه وألطافَه من حيث لا يعلمون ولا يحتسبون، كما ذكرت الآيات:
( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) [الطلاق: 3].وقوله تعالى: ( إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) [الشرح: 6]، حيث ترى العُسْرَ فإذا باليُسْر مُتوطِّنٌ به داخلٌ فيه.
وقوله أيضًا: ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ) [يوسف: 110]. ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ ) يعني من إيمان قومهم، ( وَظَنُّوا ) أي قومُهم ( أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) يعني ظنوا أن الرسل قد كُذبوا، وأنه لن يأتيَهم عذابٌ ولا شيء.. حيث كان الرسل يُحَذِّرونهم ويُنْذِرونهم عذابَ الله تعالى، وتأخَّر عنهم عذابُ الله تعالى، ولكن بعد ذلك: ( جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) .
وهذا الاسم – "اللطيف" – سبحانه وتعالى – يدل صريحًا على مَن له لُطْفٌ، ويتضمن حينئذٍ جميعَ الصفات، كـ"العليم، والقدير، والسميع، والبصير…" وغير ذلك؛ لأنه لمَّا لَطَفَ – سبحانه وتعالى – بعبده أَوْصَل له فضلَه في سِترٍ وخَفاء، فإنه حينئذٍ يكون عليًما بما يُوصِل إليه من بِرٍّ، وعليمًا بمَنْ يُوَصِّل إليه هذا البِرَّ، وكذلك قديرًا – سبحانه وتعالى – في توصيل ذلك من حيث لا يحتسِب العبد، ولما كان كذلك فإنه سميعٌ بصيرٌ – سبحانه وتعالى – .
وقد يقال للحَسَنِ التَّنَاوُلِ للأمور، المقتدِر على إنشائها وإتمامها وتناولها برِفْق وحُسْنِ تَناوُلٍ، يقال له: "لطيفٌ"، يعني: أن "اللطيف" أيضًا هو الذي يتناول الأمورَ برفق ويَقْدِر على إنشائها وإتمامها وأن يتناولها برفق وحُسْنِ تناوُلٍ(1).

و"اللطيف" كذلك هو العالِم بدقائق الأشياء، فالذي يعلم دقائق الأشياء وغوامضها يسمى لطيفًا. فاللهُ – سبحانه وتعالى – أحقُّ بهذه الأوصاف كلها، فهو الذي انفرد بالإحاطة وتربية الجميع، وهو العالم بخَفِيِّ مصالحهم وتَدْرِيجِ أحوالهم وتنزيلِ كلِّ دقيق منها ابتداءً وجزاءً على موافقة حُكْمه، فيكون "اللطيف" اسمًا ذاتيًّا للرب تعالى.

* * *

فعَلِمنا إذًا عن الله تعالى من اسمه "اللطيف" هذه المعاني: "الرفق، والبر، وإيصال الإحسان، والتوفيق والعصمة، والإحاطة والعلم بدقائق الأمور وغوامضها، وحُسْن تناوُلِ الأمور والقدرة على إنشائها وإتمامها"، وكذلك عَلِمنا تَضَمُّنه جميعَ الصفات كـ"العليم، والقدير، والسميع، والبصير…" فكلُّ ذلك إنما هو لله تعالى(2). ونحن في حاجة وضرورة مُلِحَّة في الظاهر والباطن لمثل هذه المعاني والعطايا من الله تعالى، وقد فتح المولى بابَها، وما علينا إلا أن نَدْعُوَ اللهَ بها، ونُوحِّده بها؛ لِنُحَصِّل هذا الفتح العظيم الذي يُحِبُّ اللهُ جل وعلا لعبادِه.

رأي الإمام الغزالي في معنى اسم الله تعالى " اللطيف "

وقبل أن نخوض في شرح الآيات، نذكر رأيَ الإمام الغزالي /؛ لأنه أقرب في توضيح هذه المعاني السابقة، وإن كان اسمُ الله "اللطيف" اسمًا عظيمًا لا يستطيع المرءُ أن يحيط به، ولكن سنذكره لِيعلم المرءُ كيف أنه لا يحيط الناسُ بشيء من هذا الاسم المشرف(3).
يقول الإمام /: "إنما يَسْتَحِقُّ هذا الاسمَ مَن يعلم دقائقَ المصالح وغوامِضَها، وما دَقَّ منها وما لَطُف، ثم يَسْلُكُ في إيصالها إلى المُستحِقِّ سبيلَ الرِّفق دون العُنْف" يعني: هو الذي يعلم مصالِحَكَ كلها من أولها إلى آخرها، وليست مصالحك أنتَ فقط، ولكن مصالح الدنيا والآخرة والجن والإنس، والطير والحيوان والجماد والنبات، ومصالحَ كل خَلْقه، ويعرف الدقائقَ والغوامضَ والظاهرَ والباطنَ.. كل ذلك يعلمه – سبحانه وتعالى – ، ثم يسلك سبيلَ الرفق في إيصال هذه المصالح إلى مستحقِّها دون العُنْف. وانظر إلى بقية خَلْق الله – سبحانه وتعالى – دون الإنس ترى صِدْق ذلك.
فإذا اجتمع الرفقُ في الفِعْل واجتمع معه اللطفُ في العلم، تَمَّ معنى اللطف. ولا يُتَصَوَّر كمالُ ذلك في العلم والفعل إلا لله – سبحانه وتعالى – ، فلا يُتَصَوَّر أن يعلم أحدٌ هذه الأمورَ وفوائدَها وأن يُوصلها إلى مُستحقِّها في رِفْقٍ.. لا يُتَصَوَّر ذلك في حق أحدٍ إلا اللهِ جلَّ وعلا.

أما إحاطتُه – سبحانه وتعالى – بالدقائق والخفايا فلا يمكن تفصيل ذلك، لا يمكن لأحدٍ أن يُفَصِّل إحاطةَ الله تعالى بالدقائق والخفايا! أنتَ مثلًا أيها المسكين.. انْظُر إلى دقائق نفسك وخفاياك، تَعْلَمْ أنك لا تَعْلَمُ من نفسك شيئًا، يعني لا تعرف أجهزتَك ولا ظاهرَك ولا باطنَك وما يَحْدُث لك وفيك، ولا إنْ حَدَث لك شيءٌ ماذا تفعل.. إنْ حدث لك شيءٌ سارعتَ إلى الطبيب أو إلى غيره تَسْتعين به، والطبيبُ إنْ حَدَث له شيءٌ سارع إلى طبيبٍ آخر مثله… وهكذا، فلا يستطيع أحدٌ أن يحيط بشيء من هذه الدقائق والغوامض من تلك المصالح التي أصلح اللهُ تبارك وتعالى بها خلقَه على اختلاف أجناسهم: الإنسان والحيوان والنبات، وكل ذلك.
لذلك فالخَفِيُّ مكشوفٌ في علمه – سبحانه وتعالى – كالجَلِيِّ، ولا فَرْق. فعند الله تبارك وتعالى ليس هناك خَفِيٌّ ولا جَلِيٌّ، بل كلُّه واحدٌ عنده – سبحانه وتعالى – ، واللهُ تبارك وتعالى مُطَّلِعٌ عليه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؛ وهذا هو المعنى الأول الذي أشار إليه.

وأما الثاني؛ فهي رِفْقُه – سبحانه وتعالى – في الأفعال التي فعلها في الدنيا وصوَّرها، وصوَّر الإنسانَ والحيوان والنبات، وخَلَقَ له رزقَه، وخَلَقَ له ما يُعينه، وترتيبَ ذلك، ونَفَسَه، وصدرَه، وقلبَه، وبطنَه، وكلَّ ذلك مما يتعلق بالإنسان وغيره في الدنيا والآخرة، وفي الظاهر والباطن، وفي السماء والأرض، وفي البحار..

فرِفْقُه في الأفعال ولُطْفه فيها لا يدخل أيضًا تحت الحَصْر؛ إذ لا يعرف اللطفَ في الفعل إلا مَنْ عرف تفاصيل أفعاله – سبحانه وتعالى – ، فمَن غَيْرُه الذي يعرف هذه التفاصيل؟! وإنْ عرف المرءُ شيئًا عن نفسه اليوم فما الذي يعرفه عن بقية الكون؟! وإنْ عرف اليوم فماذا كان يعرف أمس وقبل سنين؟!

فلا يعرف اللطفَ في الفعل إلا مَن عرف تفاصيلَ أفعاله، وعرف دقائق الرفق فيها، وبِقَدْرِ اتِّساع المعرفة فيها تَتَّسِع المعرفةُ بمعنى اسم "اللطيف" – سبحانه وتعالى – . فبِقَدْر ما تتسع معارِفُك في معرفة الرب وتفاصيل رفقه في الأفعال التي خَلَقها ودبَّرَها وأنشأها… إلخ، بِقَدْرِ ذلك تتسع معرفَتُك بهذا الاسم المشرف "اللطيف"، والمعنى: أنَّ المرءَ في نهاية العجز، واللهُ تعالى في نهاية اللطف، ولطفُه به هو الذي جعله على هذا الحال الحسن، فليس لك إلا أن تدعوه – سبحانه وتعالى – قائلًا: "يا لَطِيف.. الْطُفْ بِنا".
وأنْ نشرح بعضَ رفقه في الأفعال ولُطْفِه فيها يستدعي تطويلًا، ولا يُتَصَوَّر أن يَفِيَ هذا التطويلُ بِعُشْر عُشَيْرِه، فلو فَصَّلنا شيئًا فإنه لا تستطيع مجلداتٌ كثيرة أن تَفِيَ بعُشْر مِعْشارِ تفاصيل رِفْقه – سبحانه وتعالى – في أفعاله!
وإنما يمكن التنبيهُ على بعض جُمَلِه التي تتعلق بلطفه – سبحانه وتعالى – (4):
" فمِنْ لُطْفه – سبحانه وتعالى – وهذه صورة قريبة ترى فيها لطفَ الله تعالى – خَلْقُه الجَنِين في بَطْن الأمِّ في ظلماتٍ ثلاث، وحِفْظُه فيها، وتَغْذِيتُه بواسطة السُّرَّة إلى أن يَنْفصِل فيَسْتَقِلَّ بالتناول بالفَمِ، ثم إلهامُه إياه عند الانفصال الْتِقَامَ الثدي وامتصاصَه ولو في ظلام الليل من غير تعليمٍ ومشاهدة.
" بل فَلَقَ(5) البيضةَ عن الفَرْخِ وقد أَلْهَمه التقاطَ الحَبِّ في الحال، فيخرج هذا الكائن الصغير منها وقد فَتَح فاه لِيلتقط الحبَّ، فهذا لُطْفه – سبحانه وتعالى – .
" ثم تأخِيرُ خَلْقِ السِّنِّ – للطفل حديث الولادة – عن أول الخِلْقة إلى وقت الحاجة للاستغناء في الاغْتِذَاءِ باللَّبَن عن السِّنِّ. فأَخَّرَ السِّنَّ لأنه مُسْتَغْنٍ عنه في ذلك الوقت، فمِن لُطْفه به ألا يخلق له السِّنَّ في أول نزوله من بطن أمه، حيث لا يستطيع حينئذٍ أن يرضع منها ولا أن يَلْتَقِم ثديها، ولا تستطيع هي أن تُرضعه. ثم إنباتُ السِّنَّ له بعد ذلك عند الحاجة إلى طَحْن الطعام، ثم تقسيم الأسنان إلى عَرِيضةٍ للطَّحْنِ وإلى أنيابٍ للكَسْر وإلى ثنايا حادة الأطراف للقَطْع… إلى غير ذلك.

" بل لو تَذْكُر لطفَه – سبحانه وتعالى – في تيسير لُقْمةٍ يتناولها العبدُ من غير كَلَفةٍ يَتَجَشَّمُها ما استطعتَ. انظر.. لقمةً واحدة، انظر إلى لطفه فيها – سبحانه وتعالى – بك، في لقمة واحدة يتناولها العبدُ من غير كلفة يتجشمها، فقد تعاوَن على إصلاحها خَلْقٌ لا يُحْصَوْنَ: مِن مُصْلِحٍ للأرض، وزَارِعها، وساقيها، وحاصِدها، ومُنَقِّيها، وطاحنها، وعاجِنها، وخابِزها… إلى غير ذلك، حتى تصل إليك. فهذه اللقمة التي تأكلها لو تفكَّرتَ فيها لعَلِمتَ لُطفًا عظيمًا. لذلك لما قال المولى – سبحانه وتعالى – : ( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ) [عبس: 24]، قال بعض العلماء بوجوب ذلك، لنرى كيف نحن غافلون عن الامتثال لهذه الأوامر الشرعية، فكثيرٌ من المفسرين قال: واجبٌ على المرء أن ينظر إلى طعامه ليرى فيه قدرةَ الله تعالى، ولُطفَ الله تعالى، وعِلْمَ الله تعالى، وحكمةَ الله تعالى، وقوةَ الله تعالى، وتيسيرَ الله تعالى.. ( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا ) [عبس: 24-28].
وكل ذلك على المعنى الظاهر لك فقط، أما بقية الأمور التي لا تَفْطِن إليها؛ مثل أن سخَّر لك الذي بَذَرها والذي أَصْلَحَها والذي نَقَّاها والذي رَوَاها والذي حَصَدها والذي طَحَنها والذي خَبَزها والذي حملها إليك… كلُّ ذلك ما كان لِيَتَيسَّر إلا أن يُيَسِّره اللطيفُ الخبيرُ – سبحانه وتعالى – : ( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ $(7|¹… ) إلى آخر الآيات. ولو أردنا شرح ذلك فقط لما استطاعنا أن نستوفي هذه الأشياء في شرحها. انظر منذ خَلَقَ اللُه تعالى هؤلاء الذين يشرحون هذه الأمور لم يَسْتَوْفُوا منها شيئًا، وكل يوم يستطلعون جديدًا ويتطلعون إلى جديد ويخترعون جديدًا لم يكونوا يعرفونه من قبل، وكلُّ ذلك لطفُه – سبحانه وتعالى – الذي استقام به حالُ المرء. ولو نَظَرَ المرءُ في نفسه لعَلِمَ كيف استقام حاله: النَّظَر والسمع والكلام والشم والمشي والذوق والتفكير والتخزين في العقل، والغضب والرضا والمحبة والكراهية والحقد وعدمه والأمانة والصدق والإخلاص… يا إلهي!! ينظر المرءُ إلى هذه المعاني كيف لُطْف اللهِ تبارك وتعالى به فيها، ولو عكسها فانظر إلى حاله ساعتها! يعني لو لم يكن لك هذا الطعام حتى تقوم أنت به مِن أوله هل كنتَ ستستطيع أن تأكل؟ وإلا ستموت قبل أن تحصد وأن تَجْنِي وأن تخبز شيئًا من ذلك، يعني لو تُرِكْتَ ونفسُك أنت لتُهَيِّئ هذه اللقمة التي يقوم بها صُلْبُك ما كنتَ مُحَصِّلَها حتى تموت قبلها! من أين تُحصِّلها؟ هل ستقوم وتزرع وتَبْذُر وتحصد وتعجن وتخبز وكذا وكذا شهورًا طويلة؟ تكون قد مِتَّ من الجوع قبل أن تصل إليك هذه اللقمةُ، فانظر إلى الترتيب السابق لله – سبحانه وتعالى – !
يقول الإمام الغزالي / مرةً أخرى: "وعلى الجملة فهو من حيث دَبَّر الأمورَ" هذا التدبير المُحْكَم، هو من حيث دبَّرها "حَكَمٌ"(6) جل وعلا. "ومن حيث أَوْجَدَها" أي هذه الأمور التي بها تستقيم حياتُك وعقلك وعلمك وذِهنك، وتسير بها حياتُك في جميع نواحيها، فهو من حيث أوجدها كذلك "جَوَادٌ" – سبحانه وتعالى – . "ومن حيث رَتَّبَها مُصَوِّرٌ" فهو "المصوِّر" جل وعلا. "ومن حيث وَضَع كلَّ شيء في موضعه عَدْلٌ" جل وعلا. "ومن حيث لم يترك فيها دقائقَ وجوهِ الرفق لطيفٌ". وهذه معانٍ عالية، ولكن نشير إليها لِيتعلم المرءُ شيئًا عن ربه جل وعلا الذي يعبده؛ حتى يكون ذلك مَدْعاةً إلى توحيده وإفراده بالعبادة والإقبال عليه ودعائه – سبحانه وتعالى – ، حتى لا تحتاجَ إلى غيره ولا تدعوَ غيره ولا تخاف من غيره ولا ترجو سواه – سبحانه وتعالى – ، كما هي معاني التوحيد التي أتى بها النبيُّ غ.
ولن يَعْرفَ حقيقةَ هذه الأسامي مَن لم يعرف حقيقةَ هذه الأفعال؛ فلن يعرف حقيقة "الجَوَاد" مَن لم يعرف معنى الجُود وفِعْلَ الجود في أفعال الرب جل وعلا. ولن يعرف حقيقة "المصوِّر" حتى يعرف فِعْلَه وتصويرَه في خلقه؛ في الإنس والجن والنبات والحيوان، وهذه الصور التي تعالى مصوِّرها – سبحانه وتعالى – . وكذلك لن يعرف اسمه "العدلَ" حتى يعرف كيف وَضَعَ كلَّ شيء في مَنْصِبه وفي مكانه على هذا المعنى من العدل والاستقامة… إلى آخر هذه الأسامي والصفات التي أشرنا إليها.
وكذلك:
" مِن عظيم لُطْفِه بعباده أنه أعطاهم فوق الكفاية وكَلَّفهم دون الطاقة، فإذا نظرتَ إلى ما أعطاك وإلى ما كلَّفك، فإنَّ ما كَلَّفَك به أقلُّ مما أعطاك: كَلَّفَك صلواتٍ خمسًا مُنَجَّمةً – يعني مُقَسَّطة – على اليوم، لم يطلبها منك مرةً واحدةً، في استطاعتك الإتيانُ بها. كلَّفك من مالِكَ أن تأتي رُبْعَ العُشْر منه، فأعطاك فوق الكفاية وكلفك دون الطاقة. وأعطاك جُهدًا وصحةً وبَصرًا وسمعًا ولم يطلب منك إلا أقلَّ القليل شكرًا له وتعبُّدًا له وإقبالًا عليه. ومع ذلك فالذي رَتَّبَ لك ذلك وأمرَك به وأعانك عليه أثابكَ على تنفيذ أمرِه – إنْ نَفَذَّتَ هذه الأوامر. فمنه – سبحانه وتعالى – الكفايةُ ومنه العطاءُ، ومنه بعد ذلك القَبول والجزاء. فله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ، وما بكم من نعمة فمن الله – سبحانه وتعالى – . ورَتَّب – سبحانه وتعالى – كلَّ ذلك على اللطف، فلَطف بعباده أنْ أعطاهم فوق الكفاية وكلَّفهم دون الطاقة.
" وكذلك مِن لُطْفه أنه يَسَّر لهم الوصولَ إلى سعادة الأبد بِسَعْيٍ خفيفٍ في مدةٍ قصيرة، وهي العُمر، فإنه لا نِسبةَ لها بالإضافة إلى الأبد. فهو – سبحانه وتعالى – قد يَسَّر لك سعادة الأبد بعمل ستين أو سبعين سنة مثلًا، أعطاك على هذه المدة القصيرة وهذا السعي الخفيف الذي تسعاه في حياتك، أعطاك به سعادةَ الأبد، والتي لا نسبة لهذه المدة القصيرة إلى سعادة الأبد عليها؛ وذلك من لطفه بك – سبحانه وتعالى – .
وهذه المعاني نحن نشير إليها مع أنها معلومة أمام المرء.. ولكنْ أين مَن يتذَكَّر ومَن ينظر ومن يَعْتبر؟! مع أن الله تعالى أمرَ عبادَه أن ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وأن يَتبصَّروا وأن يسيروا في الأرض ليعرفوا عن الله تبارك وتعالى، وأَمَرَهم أن ينظروا إلى طعامهم وأن ينظروا في الآفاق وفي أنفسهم؛ ليتبين لهم قوتُه وقدرته، ليتبين لهم الحقُّ كما ذَكر المولى – سبحانه وتعالى – : ( سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) [فصلت: 53، 54]. ومع ذلك فمن الذي يَنظر؟! والآياتُ التي دلت على الوحدانية ودلت على اللطف والعلم والقدرة والإرادة والعظمة والعُلُوِّ والوُسْع والحكمة والعدل والإيجاد والخَلْق والتَّصْوير، ودلت على كل هذه المعاني، هي أكثر الآيات في القرآن الكريم. اتْلُ مثلًا قولَه تعالى: ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ) [ق: 7]، لا تكاد تخلو آية من هذه المعاني.
وعليه؛ فإن المرء المؤمن مطالَبٌ بأن ينظر في هذه الآيات، على أقل تقدير – وهو يقرأها – أنْ يعرف أنها آيات توحيد الرب – سبحانه وتعالى – وإظهار القدرة وتَبْيِين العظمة… إلى آخر ما ذكرنا. انظر في أيةِ آيةٍ في أيةِ سورةٍ من سُور القرآن الكريم تجد هذه المعاني. غالبُ السور في القرآن الكريم تُبين مطالَعةَ الكون والنظرَ فيه، وأن ينظر المرءُ فيما كان ويكون وفيما حوله وفيما فوقه وتحته وأن يرمي ببصره إلى معرفة خَلْق الله تعالى. والمرءُ لم يفكر يومًا أن يكون ذلك سبيلَه إلى معرفة الله تعالى وتوحيده والإقبال عليه؛ مِن النظر في السماء والأرض والنَّفْس والكون والزرع والمطر والبحار.. فكل ذلك ذكره الله تعالى.
ونكمل شيئًا من مظاهر اللُّطف:
" فمِنْ لُطْفه – سبحانه وتعالى – إخراجُ اللَّبَن الصافي من بين الفَرْث والدَّمِ، وإخراجُ الجواهر النَّفِيسة من الأحجار الصُّلبة، وإخراجُ العَسَل من النحل، والإِبْرِيسَم – أي الحرير – من الدُّود، وإخراجُ الدُّرِّ من الصَّدَف.
" وأعجبُ من ذلك كلِّه: خَلْقُه الإنسانَ من النُّطْفة القَذِرة وجَعْلُه مُستودَعًا لمعرفته وحامِلًا لأمانته ومشاهِدًا لملكوت سماواته – سبحانه وتعالى – ؛ وهذا أيضًا رِفْقٌ لا يمكن إحصاؤُه(7).

بعض الآيات الواردة في معاني اسم الله تعالى المشرف "اللَّطِيف"

 

ونشير كما هي عادتنا في شرح الأسماء الحسنى إلى بعض الآيات التي ذكرت اسمَ الله تعالى "اللطيف" في القرآن الكريم، لنَتَمَيَّز منها ما ذكره اللُه – سبحانه وتعالى – عن نفسه.

أولًا: قوله تعالى:
… ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) [لقمان: 16].
وقد بدأنا بهذه الآية الكريمة دون غيرها لأنها – في غالب الظن – من أوضح الآيات التي تشير إلى لطف الله تعالى. وإليك تفسير هذه الآية الكريمة:
قوله تعالى: ( يَا بُنَيَّ ) نِداء. ونلاحظ أن في بعض آيات سورة لقمان تكرير للنداء، حيث قال: ( يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ) [لقمان: 13]، ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ ) [لقمان: 17]، ( ¢سo_ç6"tƒ… ) إلى آخر الآيات. وتكريرُ النداء هنا لِتَجْدِيد نشاط السامع كي يَعِيَ الكلام، مع الحرص على تعليمه وإظهار الشفقة به بالبُنوَّة.
و"المِثْقال": ما يُقَدَّر به الثِّقَل، يعني: ما يُوزَن به الشيءُ. و"الحبَّة": واحدةُ الحَبِّ، كبِذْر النبات، كسنبلة القمح، أو بذرة القطن أو غيره. و"الخَرْدَل" كما هو معلوم: نباتٌ له ساق وله أوراق، والأوراق هذه لها أزهار، والأزهار فيها حبوب صغيرة جدًّا تسمى "خَردلة" عند علماء النبات، ولها طعمٌ حِرِّيف كان يُستخدم في بعض الأدوية في الزمان الماضي.
يقول المولى – سبحانه وتعالى – في هذه الخردلة، هذه الحبة التي في نهاية الدقة: لو كانت في السماوات أو في الأرض أو في صخرة يأتِ بها الله، وهذا المعنى المتبادَر. ولكنِ انظر في الآيات لِتَعْرِف لطفَ الله تعالى وعظمته، يقول: ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ) (8)، ثم عَطَف – سبحانه وتعالى – على الجملة السابقة قوله: ( فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ ) ، فعطف السماوات على الصخرة؛ لأن الصخرة من أجزاء الأرض، ولو قلت: ( فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أو في الأرض أو في السماوات.. ) لا يستقيم الأسلوب، وإنما كان الأسلوب الكريم على الاستقامة وعلى البلاغة العالية: ( فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ ) ، ثم عاد إلى الأرض: ( أَوْ فِي الْأَرْضِ ) .
وقوله تعالى: ( فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ ) يعني: في هذه القطعة من الأرض الصُّلبة الصَّمَّاء الشديدة الصلابة تكون هذه الخردلة في داخلها، ( أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ ) : أو تكون هذه الخردلة الصغيرة في أي مكان في السماوات، ( أَوْ فِي الْأَرْضِ ) : أو تكن في أي مكان في الأرض.. ( يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ) .
وكأنَّ معنى الكلام: أنه لو كانت هذه الحبة في مكان عزيز صُلْبٍ كالصخرة مثلًا، أو كانت في مكان أعزَّ مَنالًا فَسِيحًا لا يُدْرَى بها فيه كالسماوات، أو كانت في الأرض في أي مكان.. يأتِ بها الله، في الوقت الذي لا يستطيع العالَمُ كلُّه أن يأتي بها بدون مفسدة.

فكلُّ ذلك في جَنْب علم الله تعالى سواءٌ؛ سواء كانت في أي مكان من العالم العلوي أم السفلي، كما قال – سبحانه وتعالى – عن نفسه: ( لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) [سبأ: 3].
وكونُه – سبحانه وتعالى – يأتي بها فذلك دليلٌ التمكُّن، ودليل العلم التام؛ لأن الإتيان بأدق الأجسام من أقصى الأمكنة وأعمقها وأصلبها لا يكون إلا عن عِلمٍ بكونها في ذلك المكان، وعن عِلم بأسلوب استخراجها سليمةً من ذلك المكان. فالمعنى الأول: أنه لا يأتي بها إلا وهو عالِمٌ بمكانها، أليس كذلك؟ والمعنى الثاني: أنه لا يأتي بها إلا وهو قادِرٌ على الإتيان بها.

ودليلُ العلم والقدرة التامة: أن يَسْتخرجها – هذه الحبة من الخردلة – من الصخرة، بحيث لا يقع في مُلكه – سبحانه وتعالى – أيُّ فساد. فلو حاولتِ الدنيا كلها أن تأتي بهذه الحبة أو هذه الذَّرة التي في صخرة أو السماوات أو الأرض، هل تستطيع أن تأتي بها بغير فسادٍ يمكن أن يقع في محاولة استخراجها؟ وبغير علمٍ وقدرةٍ تامَّتَيْنِ على ذلك؟! وتَأمَّلْ تَكْلِفةَ ذلك لو حاولوا أن يأتوا بها من السماء، أو تكلفته لو حاولوا الإتيان بها من الأرض؛ تُراهم كم يَبْذُلون لِيُحَصِّلوا هذه الخردلة؟!

فـ"اللطيفُ" – كما ذكرنا – مَنْ يعرف دقائقَ الأشياء، ويَسْلُك في إيصالها إلى مَنْ تَصْلُح له مَسْلَكَ الرِّفقِ. ووصفُ اللُّطفِ هذا وصفٌ مُؤْذِنٌ بالعلم والقدرة الكامِلَيْنِ، أي: يَعْلَم ويَقْدِر وتَنْفُذُ قدرتُه – سبحانه وتعالى – . لذلك فالتعقيبُ بوصفه ( لَطِيفٌ ) بعد قوله تعالى: ( يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ) … كما في الآية(9)، التعقيبُ بـ"اللطيف" فيه إشارةٌ إلى التمكُّن منها وامتلاكها بكيفيَّةٍ دقيقة تُناسِب فَلْقَ الصخرة واستخراجَ الخردلة، مع سلامتها وسلامةِ ما اتَّصَل بها، مع عدم اختلال نظام كونه – سبحانه وتعالى – وصُنْعِه، يعني: يستخرج – سبحانه وتعالى – هذه الخردلة سليمةً، وتكون الصخرةُ على هيئتها لا تَفْسُد حالَ استخراجها منها؛ لذلك قال جل وعلا: ( ..يَأتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) .
وهذا معنى جميلٌ يُبين لك لُطْفَ الله تعالى وقدرتَه التامة على أصغر الأشياء، بحيث يستخرجها ويُوصِلها بذلك الرفق، ولا ينبني على ذلك الإتيانِ فسادٌ لها ولا فسادٌ حالَ استخراجها مما حولها.

* * *

ويلاحظ المرءُ أن اسم الله تعالى "اللطيف" – سبحانه وتعالى – قد ورد في ستة آيات في القرآن الكريم، أربع آيات منها ورد فيها مقرونًا باسمه – سبحانه وتعالى – "الخَبِير"(10)..

وآيتانِ فقط ورد فيهما "اللطيف" مفردًا بدون "الخبير"(11).
ومعنى الخِبْرة بعد اللُّطْف: سَعة العِلْم، فهي من [خَبَرَ، يَخْبُرُ، خُبْرًا]، يعني: أن الله تبارك وتعالى بعد لُطفه ورِفقه في معرفة الأشياء ودقائقها؛ فإنه خبيرٌ – سبحانه وتعالى – بها.. مُطَّلِعٌ عليها.. عارِفٌ بكل أحوالها. وقوله تعالى: ( اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) [الملك: 14]، يعني: لطيفٌ وخبيرٌ بمواقع الإحسان، وبمواقع مَنْ يستحق هذا الإحسان، وبمواقع إيصال هذا الإحسان لِمُسْتَحِقِّيه.

* فائدة:
ينبغي على المرء المسلم أن يتعلم هذه المعاني لكي يَذْكُرَ اللهَ تعالى ويُوَحِّدَه ويَدْعُوَه بها، وألَّا يَفتُر اللسانُ والقلبُ عن ذكره – سبحانه وتعالى – ، وكذلك أن تَتجرَّد النفسُ إلى الله جل وعلا، وأن تخرج مما هي فيه من الرُّكُون إلى الخَلْق والاستعانة بهم والتوكل عليهم وإلى المسارعة إلى مَنْ يُنقذه ويُغيثه ويَتوسَّط له ويعطيه ويمُده. وفي الوقت نفسِه يَتعلم المراقبة لله تعالى، وأنه ناظرٌ إليه.. مُطَّلِعٌ عليه.. مُتَمَكِّنٌ منه، فإذا كان عالِمًا بالخردلة مُتَمَكِّنًا منها قادِرًا عليها، يعلم على أيِّ الأحوال وفي أيِّ الأماكن هي، فما بالُكَ بِكَ أيها العبد؟!
ولذلك كان هذا السؤال: ما هي علاقة هذه الآية الكريمة بقصة لقمان – عليه السلام – وابنه؟
والجواب: أن الله تبارك وتعالى ذكر قصة لقمان – عليه السلام – وذكر وصاياه لولده: ( يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِن الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) [لقمان: 13]، ثم قال تعالى بعد ذلك: ( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ) [لقمان: 14]، ثم قال بعد ذلك: ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) [لقمان: 16]، وذلك كله قبل قوله تعالى: ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصلاة وأمر بالمعروف) [لقمان: 17].

وكأنَّ الله تبارك وتعالى قَدَّم هذه الآية الكريمة: ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ … ) ، على قوله: ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للناس ولا تمشِ في الأمر مرحاً ) [لقمان: 17، 18]، إلى آخر الوصايا؛ وذلك لِيُرَبِّيَ في ذِهن الولد وقَلْبِه الخشيةَ من الله تعالى، وأنه ليس ثَمَّ شيءٌ في هذا العالم إلا واللُه تعالى مُطَّلِعٌ عليه: ( لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) [سبأ: 3]، مُتَمَكِّنٌ منه، قادِرٌ عليه، تَنْفُذ فيه قدرتُه ومشيئتُه. فعندما يَتربَّى الولدُ على الخشية والخوف والمراقبة لله تبارك وتعالى، فإنه حينئذٍ يُسارِع إلى إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وغير ذلك من الوصايا التي وَصَّى بها لقمانُ ولدَه كما ذكر القرآن الكريم.
وهذا سلوكٌ نتعلمه، نُرَبِّي عليه الأولادَ كما ورد مثل ذلك عن السلف رحمهم الله تعالى.

ثانيًا: قوله تعالى:
… ( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) [يوسف: 100].
وهذه الآية الكريمة جاءت بعد أن وَصَل إلى يوسفَ – عليه السلام – أبوه وإخوته وسجدوا له وتَحقَّقتْ رؤياه – عليه السلام – ؛ قال الله تعالى: ( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) [يوسف: 99، 100].
ومَنْ يتأمل هذه السورة الكريمة يفهم شيئًا يفيده جدًّا من معنى اسم الله "اللطيف"، فكل سورة يوسف من أولها إلى آخرها.. كلها لُطْفٌ من الله – عز وجل – (12).

وانظر إلى ألطاف الله تعالى المُتتابِعة على يوسف – عليه السلام – ، حتى وَصَل إلى ما وصل إليه كما عَلِمنا في نهاية قصته. ولسنا بصدد التفسير للسورة الكريمة، وإنما نختصر فقط مواضع اللطف اختصارًا يُظْهِر المطلوب في الاسم المشرَّف:
اللُّطْف الأول: أن الله تبارك وتعالى لَطَف بيوسف – عليه السلام – ، فجعل إخوتَه هؤلاء يَكِيدون له كيدًا: ( إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ) [يوسف: 8، 9].

تُرى لو لم يكيدوا له كيدًا، يعني لو لم يأخذوا يوسف من أبيه ويذهبوا لـ ( يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ) [يوسف: 12] كما يقولون، ثم بعد ذلك يُلقوه في غياباتِ الجُبِّ(13) ويرجعوا إلى أبيهم.. تُرى لو لم يحدث ذلك منهم هل كان سيحدث ما حدث؟!
فأول هذا اللطف إذًا: أنهم قد أخذوا يوسفَ من أبيهم – يعقوب – عليه السلام – ، وأبوهم لا يريد أن يأخذوا يوسفَ معهم أبدًا؛ لأنه لا يأمَنُهم عليه، ولأنه يعلم أن الشيطان لن يتركهم حال أَخْذِهم ليوسف – عليه السلام – . ويأتي لطفُ الله تعالى على خلاف ما يريد يعقوب – عليه السلام – .
فجَعَل – سبحانه وتعالى – من الكَيد لُطفًا، وهو ما يُعَلِّم المرءَ أن قضاء الله كلَّه حَسَنٌ، وأنه مطالَبٌ بعبودية الله تعالى في السراء والضراء، وأن ما يظنه شرًّا إذا هو الخير من حيث لا يعلم.
فلُطْفُ الله تبارك وتعالى الأول بيوسف: أنَّ يعقوب أطاع أولادَه فأخذوا يوسفَ منه. ولو لم يكن أولُ لطفٍ كذلك لَمَا وصلنا إلى هذه النهاية التي جاءت في آخر السورة.

واللطف الثاني: أنه – سبحانه وتعالى – صَرَفهم عن أنْ يقتلوه – عليه السلام – أو أن يَطْرحوه أرضًا، لكي يَجِدَه هؤلاء السيَّارة – القافلة – ويأخذوه ويبيعوه لعزيز مصر.
فانظر إلى لُطْف الله تعالى في هذا السياق!
هم – إخوته – يقولون: ( اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا ) ، و"اطْرَحُوهُ أَرْضًا" يعني: انْفُوهُ إلى أرضٍ بعيدة لا يمكن أن يَصِل فيه يوسفُ إلى أبيه إ بعد ذلك(14).
ثم يقول قائلٌ منهم: ( لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ ) [يوسف: 10].
وكان يمكن أن يقتلوه أو يطرحوه أرضًا كما اتفقوا، لكنَّ اللهَ تعالى قد قَدَّرَ ليوسف – عليه السلام – أن ينشأ في بيت العزيز؛ ليتحول الحالُ ويرجع أبوه ويرجع إخوتُه ليسجدوا له، كما سنرى في بقية القصة.
تُرى لو أُلْقِي في أرضٍ بعيدةٍ هل كانت ستتحقق هذه الأحداث؟! فكان إلقاؤُه إذًا في الجُبِّ لُطْفًا.

والثالث: أنه كان يمكن ألَّا يذهبَ به هؤلاءُ السيارة – الذين وجدوه – إلى مصر. لكن هذا لطف الله تعالى به: أنْ ساقَهُ – سبحانه وتعالى – إلى مصر؛ ليتحول المُلْكُ له ويَجِيئه إخوتُه كما ذكرت الآيات.

والرابع: أنه كان يمكن أن يَشْتريَه أحدٌ غير العزيز وامرأته. فما الذي يجعل عزيز مصر نفسه يشتري طفلًا عبدًا قد أُلْقِي به في هذا الجُبِّ؟! كان يمكن أن يشتري من أشراف الناس عبيدَهم الذين يستحقون أكثرَ من ذلك، ولكن هذا لطف الله تبارك وتعالى.

اللطف الخامس: أَخَذَهُ بعد ذلك عزيزُ مصر، ونشأ هناك، وراودته عن نفسه امرأةُ العزيز.. لماذا؟!
لِيدخُل السجن.
تُرَى لو لم تُراوده امرأةُ العزيز عن نفسه، لَبَقِيَ عبدًا في بيتها إلى النهاية. وما تحقق أبدًا هذا الذي قد تحقق له إلا لَمَّا أُخِذَ إلى السجن.

السادس: أُخِذَ إلى السجن.. فجاء لُطف اللهِ تبارك وتعالى التالي:
دخل معه السجنَ فتيانِ، وكان لكلٍّ منهما رؤيا رآها، كما قال الله تعالى: ( وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) [يوسف: 36]. ففسَّر لكلٍّ منهما رؤياه: ( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ) [يوسف: 41]، فعُلِمَ حينئذٍ معرفةُ يوسف – عليه السلام – بالتَّعْبير(15).

ولما رأى المَلِكُ رُؤياه أخبره الذي نجا منهما بمعرفة يوسف بالتعبير، ثم أوَّلها له يوسفُ – عليه السلام – ، فقال الملِكُ: ( ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) [يوسف: 50، 51]، فظَهَرَتْ براءتُه – عليه السلام – ، وذلك من لُطْف الله تعالى به.

السابع: ولما ظهرت براءة يوسف – عليه السلام – قال المَلِكُ: ( ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ) [يوسف: 54]، فقال يوسفُ – عليه السلام – : ( اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ ) [يوسف: 55]، فتحول المُلْك ليوسف – عليه السلام – حينئذٍ.

وجَرَتِ الأحداثُ بعد ذلك بين يوسف وإخوته وهم لا يعلمون أنه أخوهم، حتى عرَّفهم في النهاية: ( …قالوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَن اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِن اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ) [يوسف: 90، 91].
ولو لم يكن كذلك لَمَا كان يمكن أن يأتي بأهله.. بأبيه وخالتِه(16) – التي هي كأمه كما في الحديث(17)- وإخوتِه. فلو لم يكن يوسفُ – عليه السلام – في حاشية المَلِك، لم يكن عزيزًا لمصر أبدًا، ولم يجعله على خزائن الأرض. فلو لمن يكن ذلك فمِن أين كان سيرى إخوته؟! ومن أين سيَرُدُّ له بضاعتَه؟ ومن أين سيقول لهم: ( ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ) [يوسف: 59]؟ إلى غير ذلك مما ذكر الله تبارك وتعالى في قصته – عليه السلام – .
فكل هذه المعاني من أولها إلى آخرها فيها لطفُ الله تبارك وتعالى، فاللهُ جل وعلا هو الذي قد أَبْدَعَها، يعني اخترعها على غير مثال سابق، فهذه القصة مُرَتَّبة بترتيبه هو – سبحانه وتعالى – ، لا دَخْلَ لأحدٍ فيها البتة، وكلُّ شيءٍ في العالم ترتيبُه. كلما عَرَض ليوسف – عليه السلام – عارِضٌ، إذَا بعناية الله تعالى تأخذه إلى الحال الأخرى التي يُريدها اللهُ تبارك وتعالى، وهكذا.. حتى وصل إلى قوله لما خَرُّوا له سُجَّدًا: ( يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حقا ) [يوسف: 100] أي: بهذا اللطف الذي رَتَّبَ به الربُّ – عز وجل – هذه الأحداثَ لِتَصِلَ إلى هذا الحقِّ الذي وصلت إليه القصةُ في نهايتها.

ثم قال – عليه السلام – : ( وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ) ، و"السِّجْن" هنا بمعنى: الجُبُّ، بدليل أنهم لم يَرَوْهُ في السجن. فيوسفُ – عليه السلام – لا يريد أن يُحْرِج إخوتَه بتَذْكيرِهم بالجُبِّ، ولكنه قال: ( مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ) ، وهذا أدبٌ آخر من يوسف – عليه السلام – مع إخوته: فلم يكن بينه وبين إخوته نَزْغُ الشيطان؛ حيث كان صغيرًا وهم كِبارٌ، وهم الذين سَعَوْا به إلى أن يقتلوه أو أن يَطْرَحوه أرضًا أو أن يُلْقوه في الجُبِّ. ومع ذلك تأدَّب معهم حتى لا يُحْرِجَهم، قال: ( مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ) ، فلم يَنْزِغ الشيطانُ بينهما، وإنما كان نَزْغُ الشيطان فيهم، وكانت المخالفةُ منهم، وكان منهم ما وقع بأبيهم حتى ابْيَضَّتْ عيناه من الحزن.. كان منهم كل ذلك، لم يكن من يوسف – عليه السلام – أبدًا، ولكن هذا هو الأدب الذي رأيناه منه – عليه السلام – : ( مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ) ..

ولذلك في النهاية قال: ( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ) يعني: إن ربي لطيفٌ بما يشاء أن يلطف به، بِلُطْفه قد قَدَّر ذلك كله، ورَفَقَ في إيصاله على هذا النحو؛ لِيتمَّ ذلك المراد لله تعالى. ( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) : "العليم" بما كان وما يكون وما كان لو كان كيف كان يكون، و"الحكيم" في تقدير هذه الأمور وترتيبها على ما حَدَث؛ لترى قدرة الله تعالى وترى تربية الله تعالى.. وترى ترتيب الله تعالى.. وترى لطف الله تعالى، الذي يُرَتِّب لهم ويوصِّل لهم برفقه من حيث لا يحتسبون ومن حيث لا يعلمون.

ولو رأى المرءُ ظاهرَ هذه الأمور كلها على هذا النحو لكان له تخيُّلٌ آخرُ؛ يقول: لا يمكن هذا.. وهذا ما كان ليحدث، ولماذا حدث هذا؟ ولماذا كان هذا الترتيب؟… إلى آخر ذلك. وإذَا بترتيب الله تعالى على هذا النحو من اللطف من أول القصة إلى نهايتها.
وهذا يُعَلِّم المرءَ أنَّ اليُسر كامِنٌ في العُسر، ويعلمه أنْ يَرضى بقضاء الله كله، وأن يُفوض ويسلِّم لله تعالى في اختياره، وأن يتَّهم عقلَه القاصر وفَهمه الكليل عند تقدير حكمة الله تعالى في الأشياء، وأنَّ وراء ذلك ما لا يعلمه أو يصل إليه علمُه.. فضلًا عن أن يدرِك حكمتَه أو أن يُلِمَّ بعاقبته.

ثالثًا: قوله تعالى: ( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ) [الأحزاب: 34].
وهذا الخطاب لزوجاتِ النبي غ أمهاتِ المؤمنين، رضوان الله عليهن أجمعين.
وقوله تعالى: ( وَاذْكُرْنَ ) ؛ إما أن تكون من "الذُّكْر" وهو: عدم النسيان، أي: التَّذَكُّر. وإما أن تكون من "الذِّكْر" وهو: النطق باللسان والكلام.
* ( وَاذْكُرْنَ ) من "الذُّكر"، أي: تَذَكَّرْنَ ما يُتلى في بُيوتِكُنَّ، ولا تَغْفَلْنَ عنه من آيات الله والحكمة. يعنى كأنه يقول لهنَّ: تَذَكَّرْنَ ذلك عِلْمًا وعَمَلًا، أي: تَذَكَّرْنَ ما يُتلى في بُيوتِكنَّ من آيات الله ومما يكون من هَدْيِ النبي غ في بُيوتِكنَّ، واذْكُرْنَ ما يَنْبَنِي على ذلك من العَمَلِ به والدعوةِ إليه وإظهارِ هذا العِلم والعمل لغيركنَّ.
ولها معنًى آخر جميل يُكَنَّى عنه بالشكر، فلما قال – سبحانه وتعالى – : ( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ) كأنه يقول لهنَّ: تَذَكَّرْنَ شُكْرَ الله تعالى على هذه النعمة العظيمة؛ أنِ اخْتَصَّكُنَّ اللهُ تبارك وتعالى يا نساءَ النبي غ بهذه النعمة من آيات الله والحكمة والعمل، وأنْ شَرَّفَكُنَّ بأنْ كُنْتنَّ في بيت النبي غ، فعليكنَّ أن تَكُنَّ مواردَ للخير وداعياتٍ إليه ومُبَيِّناتٍ له من قرآن الله تعالى ومن هدي النبي غ ومن سيرته، علاوةً على شُكر نعمته التي اخْتَصَّكُنَّ بها في ذلك.
* ( وَاذْكُرْنَ ) من "الذِّكْر"، أي: اذْكُرْنَ كلامَ الله تعالى، يعني ذِكرًا وعملًا، وسنةَ النبي غ وهديَه كذلك.
ثم في نهاية المطاف: ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ) .
يعني: واعْلَمْنَ أنَّ ذلك لُطْفُ الله بِكُنَّ، ما كان ليحدث لَكُنَّ ذلك إلا لِلُطْفِ الله تعالى. ولُطْفُ الله تعالى ينبغي أن يَشْكُر المرءُ ربَّه عليه، بأن يكون أهلًا للقرآنِ والحكمة والعلم به جل وعلا، وأن يكون أهلًا لتلاوَتِهما والعملِ بهما والدعوةِ إليهما.
فإذا كان هذا الخطاب لأزواج النبي غ، فلا شك أن المرء ينتفع به كذلك، فيكون له حَظُّه من هذه المعاني مِن تَذَكُّرِها وذِكْرِها والشكرِ لها، ثم العمل بها والدعوة إليها.
ولهنَّ – أي: أزواج النبي غ – معنًى زائدٌ، وهو تأنِيسُهنَّ بأَنهُنَّ أزواج النبي غ وفي بيته، مما يكون ذلك داعيًا على حُسْنِ معاشرته غ والقيام بحقه صلى الله عليه وآله وسلم. فكان من لطف الله تعالى بِهنَّ – وهو لطفه بأهل الإيمان كذلك – تلك الآياتُ والحكمة والموعظة والعلم والعمل بها والشكر عليها والدعوةُ إليها، كما ذكر الله تعالى.

وانظر إلى ذلك اللطف ليكون حظُّك منه ما يمكن أن يكون سببًا لسعادتك في الدنيا والآخرة.

حظ العبد من اسمه تعالى " اللطيف "

حَظُّ العبد من هذا الوصف: الرفقُ بعباد الله تعالى، والتلطُّف بهم في الدعوةِ إلى الله والهدايةِ إلى سعادة الآخرة، من غير ازْدِرَاءٍ وعُنْفٍ، ومن غير تَعَصُّبٍ وخِصام. وأحسنُ وُجوه اللُّطف فيه هو الجَذْبُ إلى قَبول الحق بالشمائلِ والسِّيَرِ المَرْضِيَّة والأعمالِ الصالحة، فإنها أَوْقَعُ وأَلْطَفُ من الألفاظ المُزَيَّنة(18).

فالحظُّ الأول مُتعلِّقٌ بالآخرة، وهو ألَّا تُقَصِّر في أن تكون رفيقًا بالعباد، تَتلطَّف بهم في إيصال معرفةِ الله لهم ودعوتِهم إلى طريق ربهم – سبحانه وتعالى – ، وهدايتِهم إلى سعادة الآخرة.. سعادة الأبد، يعني أن لا تكون صادًّا عن سبيل الله – سبحانه وتعالى – بأقوالك وأفعالك وتصرُّفاتك السيئة، بل ينبغي أن تكون رفيقًا بعباد الله تعالى، مُتلَطِّفًا بهم في الدعوة إلى الله تعالى والهداية إلى سعادة الآخرة، من غير ازْدِراءٍ ولا عُنْفٍ، ومن غير خِصام ولا تعصُّب. وأحسنُ وجوه اللطف أن يكون ظاهِرُك وهَيْئتُك وكلُّ ذلك سببَ جَذْبِ الناس إلى محبة النبي غ ومحبة الله تعالى.

والحظ الثاني هو أن تتلطف في إيصال البِرِّ والإحسان لهم، وقد ذَكَر العلماء في ذلك المعنى حديثَ جابر – رضي الله عنه – أنه باع جَمَلَهُ إلى النبي غ قبل أن يدخُلَا المدينة، فاشترط عليه جابرٌ – رضي الله عنه – ظَهْرَه، يعني اشترط عليه أنْ يُوَصِّله إلى المدينة ثم يَسْتَلِمه النبيُّ غ منه بعد أن يصل إلى المدينة عليه.
وانظر إلى هذا اللطف الجميل في البِر! وقد ذكرنا في بداية تعريف اللطف أن "اللَّطَفَة" هي الهدية التي تُهدى أو التُّحفة التي يُتْحِف بها المرءُ إخوانَه ويَبَرُّهم بها، وأن يتوصل بكل سبيل حَسَنٍ إليهم في إيصال هذه الألطاف والمَبَرَّات إليهم.
يقول جابر – رضي الله عنه – : "فلما رَجَعَ النبيُّ غ إلى المدينة أعطاه جَمَلَهُ وأعطاه ثَمَنَه"(19).
وذلك من حُسْن البرِّ واللطف منه غ؛ أنه وَجَدهُ يحتاج هذا الجملَ، تُراه يَرُدُّ الجملَ ويأخذ ثمنَه؟ لا.. ليس ذلك من اللطف والبِر به، وليس من إيصال الهدية والصِّلة وتلك اللَّطَفة – كما عرَّفناها – والمَبرَّة إليه، فتَرَكَ له جَملَه وثمنَه غ!

فينبغي فُشُوُّ هذه الأخلاق من صفات الله تعالى بين أهل الإيمان، ينبغي أن تتفشَّى بينهم هذه الأخلاق في تحبيب الناس في الله تعالى وأخذِهم إليه سُلوكًا وقولًا وعملًا، وكذلك في هدايتهم إلى سعادتِهم سعادةِ الأبد، وكذلك في إيصال المَبَرَّات والهدايا والصِّلات واللطائف إليهم، على سبيل هذه المعاني التي يتحقق فيها المرءُ بهذا الاسم المشرف، وأن يأخذ حظه منه(20).

والحظ الثالث: أنْ تُوحِّد اللهَ تعالى بهذا الاسم وتَدْعُوَه به، كأنْ تقول: "يا لطيف الْطُفْ بنا"، وأن تُقبِل على الله تعالى بعدما عَلِمتَ شيئًا من لُطفه – سبحانه وتعالى – في كَوْنِهِ وفي أرضه وفي سَمائه وفي خَلْقه وفي عِباده.. إلى غير ذلك من آثار عظمته – سبحانه وتعالى – التي أشرنا إليها.

فإنك ما عَرَفْتَ معنى اسم الله تعالى "اللطيف" وعرفتَ سَعة لُطفه – سبحانه وتعالى – إلا لِتَعرف حظَّك من ذلك، ثم تدعوه جل وعلا به، وتوحِّده به.. بهذا الاسم المشرف المعظَّم "اللطيف" – سبحانه وتعالى – .

__________
(1) وإلى بعض هذه المعاني السابقة أشار العلامة ابن منظور / في "لسان العرب"، فقال: "اللطيفُ صفةٌ من أسماء الله تعالى واسمٌ من أسمائه. وفي التنزيل: ( ال