طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > اسم الله تعالى (الرَّفِيق)

ملتقى الخطباء

(2٬555)
147

اسم الله تعالى (الرَّفِيق)

1431/02/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

فإذا صعبت عليك الأمور، وضاقت عليك الأحوال وشُدد عليك في دنياك وفي عبادتك وفي أخراك، ووجدتَ نفسك قد ضاق صدرُك بما تراه.. وَحِّد ربَّك بـ”الرفيق”، وادعوه به؛ لأن المسهِّل لذلك والميسِّر له والمعطي أسبابه هو اللهُ – سبحانه وتعالى – . وحينئذ ينشرح صدرك بالله تعالى، ويذهب عنك هذا الصعب والضيق وهذا …

 

 

 

 

الشيخ: محمد الدبيسي

بسم الله الرحمن الرحيم

أَمَّا بَعْدُ..

أهمية اسم الله تعالى المشرف " الرَّفِيق "

وهذا الاسم – كباقي أسماء الله تعالى – نحن في حاجةٍ إليه أشد الاحتياج: في توحيد الله تعالى بها، وفي دعاء اللهِ تعالى بها، وفي أن يأخذ المرءُ حظَّه منها. حتى إذا ما تَخَلَّق المرءُ بمعاني هذه الأسماء والصفات، أوشك أن يكون ذلك سببًا لأن يكون أهلًا لمجاورة الله تعالى في جنته يوم القيامة؛ إذ لا يجاوره إلا الطيبون.
وهذا الاسم المشرف يحتاجه المؤمنون في أنفسهم، ومع أهليهم وأولادهم، ومع كل أحدٍ؛ يرجون بالتَّخَلُّقِ به رحمةَ الله تعالى، ويَتسَلَّحون به في الدعوةِ لدين الله تعالى، مع ما يَهْدُفون إليه من حُسنِ الخُلُق الذي اتَّسم به النبيُّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) [القلم: 4].
فأحدُ أسباب الصَّدِّ عن سبيل الله تعالى هو: العُنْف، وترك الرِّفْق. وأنَّ من طرق القطيعة والبغضاء والشحناء هو: العنفُ بين المؤمنين وعدمُ اللينِ وسُهولةِ الجانب وعدمُ الرِّفق. فإذا كان عدمُ الرفق سببًا لِمَا سبق، فإنَّ الأحاديث التي قالها النبيُّ صلى الله عليه وسلم تدل على أنَّ الرِّفقَ سببُ الخير وأنَّ "مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الخَيْرَ كُلَّهُ"(1).
وهذه مشكلةٌ عظيمة تُبَيِّن لنا ما وَصَلنا إليه من الأحوال السيئة بسبب حرمان هذا الخير من الله تعالى. وتُبين لنا كذلك قيمة هذا الاسم المعظَّم الذي يُشعرنا بعظمة هذا الموضوع، وهو الرفق، وكيف يدعو المرءُ ربَّه: أن يرزقه الرفق، وأن يرزقه بهذا الرفق الخيرَ الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يُوحِّده ويذكره باسمه "الرفيق" – سبحانه وتعالى – ، يرجو به أن يأخذ حظه من هذا الرفق، وأن يُتبع ذلك بالمجاهدة عليه ومكافحة النفس على القيام به؛ لِتَخْرُج النفسُ عن شَطَطِها وعُنْفها ورَعُونتها في المعاملة ترجو بذلك رحمة الله تعالى، وترجو بها نشرَ دعوة الله تعالى، وترجو بها الأخلاق الحسنة التي تُقَرِّبها من النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة.

دليل اسم الله تعالى المشرف " الرَّفِيق "

ونذكر في ذلك كلام الإمام القرطبي /(2).
يقول الإمام /: "ومنها" أي من أسماء الله الحسنى "الرَّفِيقُ جل جلاله وتَقدَّسَتْ أسماؤُه". وهذا الاسمُ "لم يَرِدْ في القرآن اسمًا ولا فعلًا، ولا ورد في عِداد الأسماء" التي جاءت في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – الذي رواه الترمذي وسَرَد فيه تسعةً وتسعين اسمًا من أسماء الله الحسنى، وهذا الحديث ضعيف الإسناد(3).
"ولكن ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عائشة" رضوان الله تعالى عليها "زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم(4) تُوفيت سنة 57 هـ على الصحيح، وقيل سنة 58 هـ، ودُفنت في البقيع. انظر: سير أعلام النبلاء، وتهذيب التهذيب.
أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يَا عَائِشَةُ: إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ"(5)". فهذا الحديث يَدلُّنا على أن هذا الاسم قد ورد في سُنة النبي صلى الله عليه وسلم، وسنعود لشرحه بعد ذلك إن شاء الله تعالى.

المعنى اللغوي:

وللرفق عدةُ مَعانٍ..(6)
" الأول: قال الجوهريُّ صاحب كتاب "الصِّحاح في اللغة": "الرِّفْقُ ضِدُّ العُنْفِ" والفعل منه: "رَفَقَ يَرْفُقُ. وحكى أبو زيدٍ: "رَفَقْتُ بِهِ، وأَرْفَقْتُهُ" بمعنًى" أي أن رَفَقَ بمعنى أَرْفَقَ، فلو قلنا: أَرْفَقَ بفلان، فمعناه: رَفَقَ بفلان، "وكذلك: تَرَفَّقْتُ بِهِ" بمعنى رَفَقَ وأَرْفَقَ.
" الثاني: "ويقال أيضًا: أَرْفَقْتُ، يعني: نَفَعْتُ، يعني: أَوْصَلْتُ له النَّفْعَ. و"الرَّفِيقُ": المُرَافِقُ في السفر"؛ ولذلك فـ"الرفيق" "يُطلق على غير الله – عز وجل – " فهذا الاسم من الأسماء التي تُطلق على غير الله جل وعلا، وجمعه: رُفَقَاء. "وقد يكون الرفيق أيضًا واحِدًا وجَمْعًا" أي بمعنى الجمع، كـ"صديق" تُطلق على الواحد وتطلق على الجمع، فقوله تعالى: ( وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) [النساء: 69] تُطلق على الجمع كما تطلق على المفرد.

" الثالث: "والرفيق" له معنًى ثالث وهو "ضد الأَخْرَق"، فلذلك يقال: "هو مُشْتَرَك(7)" كما نقول على الشاري "ابتاع كذا" يعني: اشترى كذا(8)، فهذا يقال عليه من المشترَك، فـ"رفيق" كذلك يطلق على الرفيق وعلى عكسه.
" الرابع: وأَصْلُ الرِّفق الاحتيالُ – يعني: المُحاولة- لإصلاح الأمور وإتمامها، فالرفق أصله أن يحاول المرءُ أن يصلح الأمور وأن يُتِمَّها، ولله تعالى من ذلك ما يليق بجلاله.

معنى " الرفيق " في حق الله تعالى
وله كذلك معانٍ عدة عندما نُطلقه في حق الله تعالى، نشير إليها فيما يلي(9):
المعنى الأول: اللِّين والسهولة:
فـ"الرفيق" عندما نُطْلِقه في حق الله تعالى نَعني به أنه تعالى كثير الرفق، وهو اللِّين والسهولة. وضده: العُنْف، وهو التشديد والتصعيب، وذلك مُنَزَّه عنه – سبحانه وتعالى – .

المعنى الثاني: الإرفاق وهو الإعطاء:

فيجيء الرفقُ بمعنى: الإرفاق، وهو الإعطاء، فـ"أَرْفَقَهُ" أي: نفعه وأعطاه.
وكلا المعنيين صحيحٌ في حق الله تعالى: أي الرفق الذي هو ضد العنف، والرفق الذي هو الإعطاء والنفع. إذْ هو المُيَسِّر – سبحانه وتعالى – والمُسَهِّل لأسباب الخير كلها من ناحية، وهو المُعطِي لها جلَّ وعلا من ناحية أخرى. فكلا الأمرين في حق الله تعالى صحيح، وهو التيسير والتسهيل لأسباب الخير كلها، وفي نفس الوقت هو الذي يعطي هذه الأسباب للمرء، فيعطي له الخير ويعطي له أسبابه ويُيَسر له – سبحانه وتعالى – تلك الأسباب ويسهِّلها عليه.

(فائدة)
هذا المعنى السابق مهم جدًّا؛ لأن المرء في هذه الحياة الدنيا – وهو الواقع المؤلِم – كثيرًا ما تَصْعُب عليه أحوالُ الدنيا وأحوالُ العبادة، ويشق عليه الطريقُ إلى الله تعالى والمعاملةُ مع الناس، والرزقُ والسعيُ، والطاعةُ وتسهيلها والاستمرار عليها والثبات عليها، وقد تنغلق في وجهه أسبابُ الطاعات وأبوابها، فلا يستطيع أن يصلي ولا يستطيع أن يَذْكر الله تعالى، ولا أن يقوم ولا أن… إلخ، وتراه حزينًا على نفسه وأحواله. والذي يُيَسر له ذلك كله ويُسهل له ذلك كله هو المولى جل وعلا، والذي يعطيه ذلك ويرفُق به في ذلك ويوصِّل له ذلك ويَدْفَعه إلى ذلك هو اللهُ جل وعلا. وذلك يجعل المرءَ يركن إلى الله تعالى. فالمشكلة التي نحياها اليوم: أن يتعلم المرءُ هذه الأسماء الحسنى وهذه الصفات العليا ثم لا يَرْكَنُ إلى ربه! ولا يدعوه بها، ولا يتحقق بمعانيها، ولا يحاول أن يلجأ إلى الله تعالى من بابها؛ لتظهر عليه آثارُها، آثارُ اللين والرفق والإعطاء من الله تعالى والتسهيل. فإذا لم يُعَرِّضِ المرءُ نفسَه لهذه البركات فلا بد أن يحدث له هذه الأحوال التي ذكرنا: من التصعيب والتشديد وإغلاق الأبواب، ويظهر عليه هذه الآفات والمصائب. فإذا صعبت عليك الأمور، وضاقت عليك الأحوال وشُدد عليك في دنياك وفي عبادتك وفي أخراك، ووجدتَ نفسك قد ضاق صدرُك بما تراه.. وَحِّد ربَّك بـ"الرفيق"، وادعوه به؛ لأن المسهِّل لذلك والميسِّر له والمعطي أسبابه هو اللهُ – سبحانه وتعالى – . وحينئذ ينشرح صدرك بالله تعالى، ويذهب عنك هذا الصعب والضيق وهذا الألم الذي تحسه.
وهذه المسالة ينبغي أن يتعلمها المرء: إذا ضاق عليك طلب العلمُ، وضاق عليك العملُ به، وضاق عليك الذِّكْر، وضاق عليك القيام وصَعُب عليك، واستثقلت ذلك كله ومَلَلْتَ منه، وضاقت عليك كذلك أمورُ دنياك، وأُغْلِقت الأبوابُ في وجهك.. فهي مِنْحَةٌ في صورة المِحْنة حينئذٍ، كأنَّ اللهَ تعالى يريدكَ أن توحِّده بأنه "الرفيق"، يريدك أن تَدْعُوَه بأنه "الرفيق". انظر إلى رحمته – سبحانه وتعالى – : يريد منك أن يَظْهر عليك آثارُ رِفقه، فلماذا تبتعد أنتَ عن الأسباب؟! ولماذا تُغلق في وجهك الأبواب؟! أنتَ الذي تغلق على نفسك وفي وجهك هذه الأبواب من أسباب الرفق ومن أسباب الإعطاء والخير التي يعطيها المولى – سبحانه وتعالى – لعباده ويحب أن تظهر آثارها عليهم!!
فاللهُ – سبحانه وتعالى – يحب أن تَظْهَرَ على العبد هذه الآثارُ من أسمائه وصفاته، فهو – سبحانه وتعالى – "الغفور" يحب أن تظهر آثار مغفرته على العبد، كما قال صلى الله عليه وسلم: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرَ لَهُمْ"(10). وهو – سبحانه وتعالى – "الرحمن، الرحيم، الرزاق، اللطيف، التواب…" يحب أن تظهر آثار ذلك كله على عباده. ومن هذه الآثار التي يحب أن تظهر بين الناس وبين المؤمنين بالذات هو الرِّفق.

وأنتَ.. إذا صعبت عليك الأحوالُ اذهبْ إليه – سبحانه وتعالى – ؛ لأنه إذا لم يُسَهِّلْها لك لا يسهلُها أحدٌ(11)، وإذا أغلقها في وجهك لن يفتحها لك أحدٌ، وإذا ضاقت عليك فلن يفرجها أحدٌ.. إلا هو – سبحانه وتعالى – .
سيَضِيقُ عليك الأمرُ حتى تظن أن لا ملجأ منه إلا إليه – سبحانه وتعالى – ، حينئذ تنفرج هذه الأمور، وتنفك هذه الأحوال، وتَسْهُل هذه الصعاب، وتلين هذه الشدائد، وإذا بالله تعالى يُفرِّج ذلك كلَّه في أعمال الدنيا وأعمال الآخرة التي نعاني منها جميعًا إلا مَنْ رَحِمَ اللهُ تعالى؛ إِذْ هُوَ المُيَسِّر والمُسَهِّل – سبحانه وتعالى – لأعمال الخير والمعطِي لها.

وينبغي أن يحفظها المرء هكذا: إذا ضاقت عليك فاعلمْ أنه لا يوجد تيسيرٌ إلا تيسيره – سبحانه وتعالى – .. فلا تَلْتَفِتْ يمينًا أو شمالًا إلى غيره لِيَفُكَّ عنك! اذهب إليه؛ لأنه هو الذي يدفعك إليه بهذه القوارع. فكلُّ الشدائد التي تنزل بك في أمور الدنيا والآخرة تَدُلُّكَ على الله تعالى دليلًا، وتهديك إليه – سبحانه وتعالى – سبيلًا. نزلت عليك الشدة في العبادة.. في المال.. في الولد.. في الطاعة.. في الأهل.. في النفس.. في القلب.. في المرض… في غير ذلك، فاعلم أنَّ ما يسوقه إليك المولى – سبحانه وتعالى – ليسوقك إليه به، ليأخذ بيدك وقلبك إليه – سبحانه وتعالى – (12). فلا تُقَصِّر حينئذٍ إذا جاءك شيءٌ من ذلك بأن يكون سبيلَك إلى الله، وأن يكون طريقًا لك إلى معرفةِ الله – سبحانه وتعالى – وتوحيده جل وعلا باسمه "الرفيق"، وأن تتعلم من هذا الباب ما ينفعك في الإقبال على الله. فلا تيسير إلا بتيسيره ولا منفعة إلا بإعطائه وتقديره – سبحانه وتعالى – ، هاتفًا:

مَا مَسَّنِي قَدَرٌ بِكُرْهٍ أَوْ رِضًى *** إِلَّا اهْتَدَيْتُ بِهِ إليكَ طَريقًا
أَمْضِ القَضَاءَ عَلى الرِّضا مِنِّي بِهِ *** إِنِّي وَجَدْتُكَ في البَلاءِ رَفِيقًا(13)

وننتقل إلى هدفٍ جليل من أهداف الرفق..

وهو أن أعظم هذه الأمور التي ييسرها – سبحانه وتعالى – تيسير القرآن للحِفْظ، وتسهيله لعباده المُقْبِلين المُحِبِّين. وهي من مهمات الدين التي ذَكَرها الله تعالى في كتابه في قوله جلَّ ذِكرُه: ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) [القمر: 17]. ولولا تيسيره وتسهيله – سبحانه وتعالى – لهذا الأمر ما قَدَر على حفظه أحدٌ، فلا تيسير إلا بتيسيره – سبحانه وتعالى – .

المعنى الثالث: التمهل والتأني في الأمور:

وهذا أمر كذلك من الأمور المهمة التي يجب أن يعلمها المرءُ عن ربه ويوحِّدَه بها، فيستعمل هذا الرفق – بمعنى التمهل والتأني والتريث – في أموره وأحواله كلها. وعلى هذا يكون "الرفيق" في حق الله تعالى قريبًا من معنى "الحليم"(14) – سبحانه وتعالى – ، ولكن له معنًى إضافيًّا: فـ"الرفيق" هنا فيه شيء من الرحمة، أما الحِلْم فمُتَعَلِّق بعدم تعجيل العقوبة فقط؛ فإنه لا يَعْجَل بعقوبة العصاة لِيتوبَ مَنْ سَبَقَتْ له العنايةُ فيَرْفُق بهم – سبحانه وتعالى – ، ويؤخِّر عنهم العقوبةَ لِمَنْ كانت له توبةٌ وسَبَقَتْ له أسبابُ السعادة أن يتوب ويرجِع إلى الله تعالى، ولِيزداد مَن سبقت له الشقاوةُ إثمًا والعياذ بالله تعالى.
فالمعنى الثالث الذي ينبغي أن يتعلمه المؤمنون إذًا في معاملاتهم هو: التأني وعدم العجلة والتريث.
لكنَّ هذا كله لا يمنع الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، فليس معنى هذا الكلام السابق أن يُضيِّع معه المرءُ الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر كما سنذكر، وإنما انظر إلى هذه المعاني أولًا فتعلَّمْها، ثم بعد ذلك تَدَبَّرْ فيما وراء ذلك من أمور الشرع الشريف.

يقول الإمام القرطبي /(15): "وقال الخطَّابي: قوله(16) "إنَّ اللهَ رفيقٌ" معناه: ليس بعَجُول" لا يتعجل الأمرَ كما هي حال البشر – حال المؤمنين اليوم وغيرهم -. كلما حدث لأحدهم سُوء تَفاهُمٍ مع أخيه المسلم سارَعَ بالغضب لنفسه؛ حتى إذا كَلَّمه أخوه المسلم مستعمِلًا الذَّوْق والأدب معه، حَمَل كلامَه على سوء الظن وأساء إليه وشتمه.. ثم تعلو أصواتُهما، ثم تأتي بعد ذلك القطيعةُ والبغضاءُ والشحناءُ بسبب عدم أخذ الأمور بالتأني والتريث والرفق!
ونرجع إلى قول الخطَّابي من أوله حيث يقول: "إن الله رفيق، معناه: ليس بعجول، وإنما يعجل مَنْ يخاف الفوت" يعني: لماذا يتعجل المرءُ في أمره؟ لأنه خائف أن يفوت ويضيع عليه، والله تعالى لا يضيع له شيء؛ إذ مَنْ كانت الأشياء في قبضته ومُلْكه فليس يَعْجَل فيها، فكل شيء في قبضته – سبحانه وتعالى – ، لا يفوته ولا يخرج عن ملكه.
يقول الإمام القرطبي /: "وأما قوله: "يُحبُّ الرفق"، يعني: يُحب تَرْكَ العَجَلة في الأعمال والأمور" فليس كلُّ أمرٍ لا بد أن تأخذ فيه قرارًا فوريًّا.. فاللهُ – سبحانه وتعالى – يحب الترفقَ في الأمر كلِّه. فتَرَفَّقْ، وخُذْ حِذرك، وتأنَّ في أمورك، ولا تَعْجَلْ، وتَرَيَّثْ. وليس من ذلك التمهلُ الذي يُضيِّع عليك أمورَ الخير وغيرَها، لا.. وإنما ذلك ينبغي أن يكون في الأمور التي لا يكون عاقبةُ الترفق فيها الأسف والندم. وقد رأينا مصداق ذلك في خُلقه صلى الله عليه وسلم، وسنذكر الأحاديث التي تبين هذه المعاني.
وكما أشرنا فإننا كلنا – إلا من رحم الله تعالى – على عكس حاله المشرَّف صلى الله عليه وسلم؛ فما أن يحدث شيء ما بين أحد منا وبين أخيه المسلم اليوم إلا بادر إلى البغضاء والقطيعة بدون رفق أو تمهل حتى يعلم عذره، وحتى إذا لم يكن له عذرٌ! فالرفق والمودة وسلامة الصدر والقلب واللسان أولى من البغضاء والشحناء وسوء الظن. فنتعلم هذا الرفق في الأمور وترك العجلة والتأني.
وينبغي لكل مسلم أن يكون رفيقًا في أموره وجميع أحواله، غيرَ عَجِلٍ فيها؛ فإن "الْعَجَلَة مِنَ الشَّيْطَانِ"(17)، ولا تفارقه الخيبة والخسران على ما تَعَجَّل فيه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشجِّ عبدِ القيس – رضي الله عنه – ، وهو أحد الصحابة المُبَجَّلين: "إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ"(18).

الأحاديث الواردة في معاني اسم الله تعالى " الرفيق "
1) "مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الخَيْرَ"(19). وهذا الحديث رواه مسلم.
وفي راوية الترمذي: "مَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ"(20).
2) "إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى سِوَاهُ"(21).
3) "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ"(22).
4) "إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ"(23).
وهذه الأحاديث كل معانيها جميلة، ولكن نشير أولًا إلى هذا الحديث، وفيه قصة نذكرها ثم نعود بعد ذلك إلى بقية الأحاديث. وهذا الحديث هو: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ". والإمام البخاري بَوَّبَ في صحيحه [باب: الرِّفْق فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ](24). وورد تحت هذا الباب حديثان.
الحديث الأول هو حديث أم المؤمنين عائشة ل؛ تقول: [دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: "السَّامُ عَلَيْكُمْ". ففَهِمْتُها، فَقُلْتُ: "وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ". فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَهْلًا يَا عَائِشَةُ.. إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ". فَقُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟!". قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ"](25).
و"السَّامُ" معناه: الموت. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ الْيَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ: السَّامُ عَلَيْكَ. فَقُلْ: وَعَلَيْكَ"(26). وفي راوية: "فَقُلْ: عَلَيْكَ"(27)، فهذا سلامهم.
وقولها ل "فَفَهِمْتُهَا" يعني: فَهِمتْ بِفِطْنَتها أنهم يقصدون: الموتُ عليكم.
ولما فَطِنَتْ إلى الكلمة وأنهم لا يُسَلِّمُون بل يدعون بالموت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: "وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ". فَقَالَ لها رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَهْلًا يَا عَائِشَةُ.. فَإِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ". فقالت – وكأنها ظنَّت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع ما قالوا -: "أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟". فقَالَ لها رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ".
وهناك رواية أخرى للحديث ذكرها الحافظ في شرح هذا الحديث في "فتح الباري" وهي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: "إِنَّمَا يُجَابُ لَنَا وَلَا يُجَابُونَ عَلَيْنَا" يعني: إن الله يجيب دعوتنا عليهم ولا يجيب دعوتهم علينا. وهذا دليل على أن الظالم إذا دعا على المظلوم فإنه لا يُستجاب له، بل قد ترجع عليه الدعوة كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم. يعني إذا دعا امرؤٌ على رجل، ولم يكن ذلك الرجل أهلًا لإجابة الدعاء فيه، فإنها تعود على الداعي، فإنما يجاب لنا عليهم ولا يجابون علينا كما يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ وهذا المعنى الأول.
والمعنى الثاني وهو المهم، ألا وهو الرفق كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَهْلًا يَا عَائِشَةُ"؛ اليهود يقولون: "السام عليكم" وهو يقول صلى الله عليه وسلم: "مَهْلًا.. إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ". يعني حتى لو كان القائلُ لك ذلك يهوديًّا – وقد كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عَهْدٌ يومئذٍ – فإنه صلوات الله وسلامه عليه يقول لها: "مَهْلًا.. إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ". لا يردُّ عليهم هذا الرد، وإنما بكل ما أوتي من رِفقٍ صلى الله عليه وسلم يقول لها: "قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ". فيُبين لها أنه لا ينبغي أن يعجل المرءُ ولا أن يكون على هذا الحال من عدم التأني أو العنف عندما يَردُّ، حتى ولو كان هذا الشخص الآخر على هذا النحو من سوء الخُلق ومن العمل السيئ ومن القول المسيء؛ كل ذلك يرجو به المرءُ أن يتألف مَنْ أمامه، كما قال الحافظ في شرح الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك على سبيل المصلحة في تألفهم وفي نفس الوقت قد رَدَّ عليهم ما يستحقون به، ولكن في غير شَطَطٍ.. وفي غير ما يكون سببًا للمؤاخذة عند الله تعالى ولا عند الناس.
ووقفة أخرى مع الرفق تُظهر قيمته وأثره يُبينها حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكره كذلك البخاري في نفس الباب، وله روايات أخرى صحيحة في صحيح مسلم وغيره نذكرها كذلك؛ يقول الراوي(28): "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي المَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ الصَّحَابَةُ" أي وَثَبُوا إليه "فَقَالُوا: مَهْ مَهْ" زَجَروه.. قاموا إليه.. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَا تُزْرِمُوهُ"، ثُمَّ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ. فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: "اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا"! فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا"(29).
انظر إلى هذا الرفق كما يشرح العلماء معنى الحديث، "لَا تُزْرِمُوهُ" يعني: لا تقطعوا عليه بَوْلَه، يعني: دَعُوه. و"تُزْرِمُوهُ" من الإِزْرَام، يقال: "زَرَمَ البولُ" إذا انقطع، و"أَزْرَمْتُهُ" يعني إذا قَطَعْتُه. وكذلك يقال في الدمع.
فـ"لَا تُزْرِمُوهُ" يعني: لا تقطعوا عليه بَوْلَه.. إنه يبول في مسجد النبي!! ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم: "لَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ بَوْلَهُ". ولم يكن منه صلى الله عليه وسلم إلا أن دعا بدلو من ماء فصُبَّ عليها، فكان أن حل عليه الصلاة والسلام المشكلة ببساطة وبغير فظاظة ولا إغلاظ ولا سخرية ولا غيره بل بالرفق. وهذا فيه كما يقول أهلُ العلم: إرشادُ الجاهل وتعليمه مع الرفق به إذا لم يظهر منه العِناد. فإذا رأيتَ مثلًا أحدًا من إخوانك يفعل أو يأتي بقول أو بتصرف من التصرفات السيئة التي علمتَ أنه ينبغي إرشاده وتعليمه فيها، فحينئذ ينبغي استعمالُ الرفق معه حتى تصل إلى ما تصبو إليه من هدايته وأَخْذِه إلى الله تعالى، وتقريبِه إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم. تأملْ كيف فتح الرفقُ قلبَ الأعرابي وأثر فيه، حتى قال لما رأى ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا"! فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا" يعني من رحمة الله تعالى. كأنه يقول: ارحم من رفق بي فقط محبةً لفعله وتقديرًا له.

فانظر كيف كان فِعْلُ النبي صلى الله عليه وسلم وقوله معه! وتأمل ما يُدخل الرفقُ في قلوب الناس من المحبة للرفيق التي بها يستجيب الخلقُ إلى الله تبارك وتعالى، ويبتعد بها الشيطان، ويحتفظ بها المرءُ بمودته بينه وبين إخوانه، ثم يجعل للمسيء طريقًا للرجوع. وعلى عكس ذلك: فلو قلتَ له قولًا غليظًا لأغلقتَ عليه طريق الرجوع عن فِعلته ولعاند واستمر في غيه، وعندئذٍ يصعب عليك أن تكلمه مرة أخرى، ولا أن تسلم عليه. فهذه مشاكل وطرق الشيطان التي يسلكها من لم يستفد من اسمه "الرفيق" – سبحانه وتعالى – .
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث التالي: "إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ". فإذا كنتَ تظن أن الشدة مطلوبة ومستحبة في دين الله تعالى مثلًا، وأن مثل هذا الشخص لا يصلح إلا بذلك، فإنه إذا لم يكن موضعها ذلك الموضع فهذه ليست من الدين في شيء لأنها ليست رفقًا، بل هي عنفٌ. لذلك يقول: "ويُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ". وقد يتطرق إلى عقل المرء أنه ليس بعُنْفٍ ولا شيء، إنما يقول: "أنا أتكلم معه فقط، ولا يكون كلامي على هذا هو العنف المقصود". لذلك نستكمل كلام النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: "إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ ويُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ" فليس المقصود ترك العنف فقط، بل وترك كل ما سوى اللين لأنه – سبحانه وتعالى – يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ولا على ما سواه(30). وهذه الرواية الأخيرة رواية الإمام مسلم. فأنت إذا كنتَ تريد – أيها المسكين – بعُنْفِك أو بفَظَاظَتِك أو بشدَّتك أو بتَصْعِيدك للأمور أو بإِغْلاظِك وزَجْرِك أن تُحصِّل ثوابَ الله تعالى فاعْلَمْ أنك لا تُحصِّل ثوابًا بذلك، بل على العكس: فإن الله تعالى يُثيب على الرفق – يعني يعطي الثواب الجزيل على الرفق – ولا يُعطيه على العنف ولا يعطيه على ما سواه. يعني كأنه يريد منك ما هو أكثر من مجرد ترك العنف.. يريدك أن تترك العنف وأن تكون لَيِّنًا، لأنك ترجو بذلك ثواب الله تعالى كما ذكر، لذلك يقول: "وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ" يعني: يُثيب.

ولها معنى آخر ذكره القاضي عياض فيما نقله عنه الإمام النووي / في شرح مسلم في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ": "معناه: يتأتى به من الأغراض ويَسْهُل من المطالب ما لا يتأتى بغيره"(31). وهذا المعنى الثاني اختاره الحافظ ابن حجر على المعنى الأول وهو الثواب. فالحديث إذًا فيه معنيانِ في قوله: "وَيُثِيبُ عَلَى الرِّفْقِ".
الأول: يعني الثواب الجزيل على الرفق. والثاني: أنه يأتي من وراء الرفق من الأغراض والمطالب التي تُرِيدها ما لا يأتي بغير الرفق وما لا يأتي بالعنف. فإن قلتَ: إذن أترك العنف؟ نقول لك: ليس العنف فقط، بل وتترك ما سواه أيضًا، أي كل ما سوى الرفق. ففي الحديث "وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ" كأنه يقول: دع كل ما لا يُسمَّى رفقًا – يدخل فيه العنف وغير العنف – لأنه لا يُثيب عليه – سبحانه وتعالى – ، وفي نفس الوقت لا يأتي به من الأغراض ويَسْهُل به من المطالب كما يسهل بالرفق.
والحديث التالي: "إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ"(32). وهذا الحديث كذلك في صحيح مسلم.
وهذا الحديث له قصة قصيرة كذلك: وهي أن السيدة عائشة ل صَعُبَت عليها ناقة – كانت تركب ناقة وصعبت عليها – فأخذت تُرَدِّدُها، يعني تشدها هكذا وهكذا.. يمينًا ويسارًا. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، فَإِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ".
وهذا المعنى الثالث: وهو كون الرفق زينةَ الأعمال، وزينةَ الأقوال، وزينةَ الأشياء، ومعنى أن يكون الرفق زينةً أي هو مما ينبغي أن يتحلى به المؤمنُ، وأن يكون من أخلاقه وشمائله التي تكون سببًا لإظهار هذه المعاني الجميلة التي ينبغي أن تُرى على المؤمنين كافة في جميع معاملاتهم مع المسلمين ومع الكفرة ومع الدواب(33)

قال الإمام النووي في الشرح: ["الْخِصْب" بكسر الخاء، وهو كثرة العُشب والمرعى، وهو ضد الجَدْب. والمراد بـ"السَّنة" هنا القَحْط، ومنه قوله تعالى: ( وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ) [الأعراف: 130]، أي: بالقُحُوط. و"نِقْيهَا" بكسر النون وإسكان القاف، وهو: المخ. ومعنى الحديث: الحثُّ على الرفق بالدواب ومراعاةُ مصلحتها؛ فإن سافروا في الخصب قَلَّلوا السيرَ وتركوها ترعى في بعض النهار وفي أثناء السير فتأخذ حظَّها من الأرض بما ترعاه منها، وإن سافروا في القحط عَجَّلوا السيرَ لِيصلوا المقصدَ وفيها بقيةٌ من قُوتها، ولا يُقَلِّلوا السيرَ فيَلْحَقها الضررُ لأنها لا تَجِد ما ترعى فتَضْعُف ويذهب نِقْيُها، وربما كَلَّت ووقفتْ، وقد جاء في أول هذا الحديث في رواية مالك في الموطأ: "إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ"]. ا.هـ من شرح الإمام النووي على صحيح مسلم، شرح الحديث رقم [1926].

ومع كل شيء.

ونشير إلى آخر الأحاديث..
وهو موضع الخطر في قضية الرفق: "مَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ"(34).
فاحفظ ذلك جيدًا: كلما هَمَّتْ نفسُك بالخروج عن الرفق واللين والسهولة والتيسير والتريث والتؤدة، وخرجت نفسُك إلى الصعوبة والشدة والعنف والردود السيئة والأعمال الشديدة، إذا خرجَتْ إلى الرعونة والتهور وما إلى ذلك قُلْ لها هذا المعنى: مَن يُحرم الرفقَ يُحرم الخيرَ. مَنْ حُرم حظَّه من الرفق حُرم حظَّه من الخير.
وهذه مسألة خطرة، فالأصل في أُمَّة النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) [آل عمران: 110].
والمرء إذا كان على هذا الحال السيئ من العنف وغيره مما سوى اللين والرفق – فإنه بِقَدْرِ ما يَقِلُّ حظُّه من هذا الرِّفق يُحرم هذا الحظَّ من الخير.
وهذه المسألة خطيرة: كيف يتحقق المرءُ بالخير؟ وأن يرى طريقًا يحقق به خيرَ نفسه وخيرَ قلبه وخيرَ أهله وخيرَ أولاده وخيرَه مع الناس جميعًا وأن يكون محِلًّا للخير. فمن رأى حاله على هذا المنوال – يعني منوال مَنْ حُرِم الخير – فإنه يعلم أنه لا يتأتي منه لا دعوة ولا صلاة ولا عبادة ولا ذِكْر على حالٍ يُرجى منه الثوابُ، ويُرْجى منه الفَضْل، ويُرْجى منه الدرجة عند الله تعالى؛ لأنه شخصٌ محروم من هذا الخير، حُرم هذا الحظ، فكيف يتأتى منه الخير، وكيف يتأتى منه دِين، وكيف يتأتى منه أخلاق، وكيف يتأتى منه عبادة، وكيف يتأتى منه مودة، ومعاملة وغير ذلك مما قد حُرِمَه بسبب حرمان هذا الخير؟! وهذه مشكلة! فعلى قَدْر ما يُحرم المرء من الرفق على قدر ما يحرم من الخير.

لم يقتصر توجيه النبي صلى الله عليه وسلم وتحذيره للمرء وحده من ترك العنف لتحصيل الخير وعدم حرمانه، بل تَعَدَّاهُ إلى أهله وبيته؛ إذ أراد كذلك صلى الله عليه وسلم أن يعمَّ الرفقُ بيوتَ المسلمين وأهاليَهم لِتَتَنَزَّل محبةُ الله تعالى عليهم، ويُعْطَى كلُّ أهلِ بيتٍ حَظَّهُم من الخير، ولذا قال صلى الله عليه وسلم مُرَغِّبًا في الرفق: "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ"(35). وترى الحديث يُبَيِّن هذه الفضيلة أن إدخال الرفق إنما هو من الله تعالى لمحبته الخير لهم، ثم يقول صلى الله عليه وسلم محذِّرًا من العنف: "مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يُحْرَمُونَ مِنَ الرِّفْقِ إِلَّا حُرِمُوا"(36).
إنَّ الرِّفْقَ عندما يُرَفْرِفُ على بيوت المسلمين في مِثْلِ هذه الآوِنة الصعبة التي غَلَبَتْ عليها الأخلاقُ السيئة لَيُعْطِي الأملَ في أن تُبْنَى بيوتٌ صالحة مِلْؤُها الخير، تكون سببًا في عودة الإسلام ورفعِ رايته. وإنَّ أكثرَ ما نعاني منه في البيوت اليوم سَبَبُه حِرْمانُ الخير، فتلك دعوة إلى سلوك هذا السبيل من قومٍ يُهِمُّهم محبةُ ربهم ويُقْلِقُهم أمرُ دينهم.

حظ العبد من هذا الاسم المشرف

1- أما حظ العبد إذًا من هذا الاسم المشرَّف: فبأن يعتقد أن الله تعالى هو الرفيق، فيُوَحِّده بذلك – سبحانه وتعالى – ويدعوه – جل وعلا – بهذا الاسم المشرف أن يرزقه الرفق واللين، وأن يُوسِّع صدرَه، وأن يُبعد عنه أسبابَ العجلة وأسباب الغضب، وأن يُكثر من الدعاء، يقول: يا رفيق افتَحْ عليَّ بالرفق.. ويا رفيق ارحمني.. يا رفيق خُذْ بيدي.. يا رفيق علمني… كل الأمور التي يدعوها ويكثر منها(37).
2- أن يكون المرءُ مثالًا لهذا الرفق الذي ورد في حديث السيدة عائشة ل: "مَهْلًا يَا عَائِشَةُ.. إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ"(38). ولا يتحقق هذا الأمر إلا بمجاهدة النفس علىه؛ فإذا شتمك أحدٌ فلن تتركك نفسُك وتقول لك: "كن رفيقًا"!، بل ستقول لك: "اشتمه مثلما شتمك واضربه…إلخ"، بل عليك بالرفق حال أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر. ويقول قائل: "لِمَ.. فهذا غضبٌ لله؟!" والجواب: إذا أنكرتَ هذا المنكر كما تقول ولم يذهب هذا المنكرُ بل بقي، أو زاد، أو صددت بسبب ذلك عن سبيل الله تعالى، فأين المنكر الذي أزلتَ؟ أو أين أثر الإنكار الذي قمت به؟

فهذا الحظُّ بالذات من حظوظ المرء من اسم الله تعالى "الرفيق" يحتاج إلى المجاهدة، وإلى مكافحة النفس على التخلُّق بهذه الأخلاق الحسنة، وإلى التريُّث في اتخاذ القرارات الصعبة التي تَخرِب البيوتَ(39) وتُوجِد البغضاءَ والعَداوةَ بين الناس والشِّقاقَ والفُرقةَ، ويترتب عليها الشَّتمُ واللعنُ والسَّبُّ والقطيعةُ وغير ذلك . فيتعلم المرءُ أن يكون رفيقًا في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ويتعلم المرء كذلك أن يكون رفيقًا في أخذه وعطائه وتناوله، وأن يكون رفيقًا تاركًا للشدة والعنف ينتظر الثواب(40) وينتظر تحصيلَ أغراضه التي يريدها ومطالَبه التي يود تحصيلَها كما ذكرنا في الحديث. فلا تتحقق هذه الأغراض ولا يمكن تحقق هذه المصالح إلا بالرفق كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.

3- وحظه من هذا الرفق أيضًا هو الوقوف بباب الله تعالى؛ كلما استصعبت عليه الأمور وأُغلقت في وجهه الأبواب في الدنيا والآخرة والعبادة، فإنه لا يسهلها إلا هو – سبحانه وتعالى – ولا ييسرها إلا هو، وقد ضربنا مثلًا في كلام الإمام القرطبي / وهو حفظ القرآن الكريم وأن الله تعالى كيف يسرَّه؟ وأن الله تعالى يسر الأمور كلها، ويسر أسبابها وأنه لا تيسير إلا بتيسيره – سبحانه وتعالى – ولا عطاء إلا بعطائه – جل وعلا – ولا رفق إلا بإرفاقه – سبحانه وتعالى – . فيتعلم كيف يَرْتَفِق من ربه، يعني كيف يأخذ العطاء من الله – تبارك وتعالى – ويأخذ من الله تعالى ما يكون سببًا لِأَنْ يَشرح صدرَه، وأن ييسر أمرَه في كل أحواله المتعسرة عليه، وفي كل الأمور التي يضيق بها صدرُه فيُحِسُّ فيها بالألم والنَّكد في هذه الحياة الدنيا… فيُيسِّرها ويُسهِّلها الربُّ جل وعلا.
4- والحظ الرابع هو حظ بيته وأهلِه من الرفق، بأن يكون سببًا لِنُزول الخير على بيته؛ إذ "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ"(41)، وأن يعمل جاهدًا على رفع البلاء النازِل عن بيوت المسلمين وأولادهم اليوم؛ إذ هو من أشد البلاء وأصعبه وما يَنْبَنِي عليه أسوأُ منه.
إنَّ دَفْعَ الهَجْمَة على أولاد المسلمين لَمِنْ أهمِّ الواجبات وأعلى المُهِمَّات التي يجب بَذْلُ الجهد والوقت لها اليوم.
اللهم رِفْقُك يا رفيق..

الهوامش:
_________
(1) رواه الإمام مسلم مرفوعًا من رواية جرير – رضي الله عنه – [2592] بنحوه، وأبو داود [4809].
(2) انظر – بتصرف كثير: الأسنى في شرح الأسماء الحسنى، للإمام القرطبي /، جـ1/556 – دار الصحابة للتراث بطنطا – الطبعة الأولى – سنة 1412هـ، 1995م. وقد جعلنا كلام الإمام القرطبي بين تنصيص هكذا "…".
(3) رواه الترمذي [3507]، وأشار الحافظ في التلخيص الحبِّير إلى روايات أخرى للحديث فيها سردُ الأسماء بزيادةٍ أو نقصان ثم قال: [قال القاضي ابن العربي: "لا نعلم هل تفسير هذه الأسماء في الحديث أو من قول الراوي". قلتُ: والدليل على ذلك اختلافها. وقال محمد بن حزم: "جاء في أحاديث مضطربة لا يصح منها شيء".] ا. هـ. من التلخيص الحبير، جـ4/338. مؤسسة قرطبة – الطبعة الثانية، سنة 2006م. وانظر أيضًا: تحقيق الحافظ في الفتح في شرح حديث رقم [6410]. وقال الحافظ ابن كثير: "والذي عوَّل عليه جماعة من الحفاظ أنَّ سرد الأسماء في هذا الحديث مُدْرَج" عمدة التفسير، جـ2/69. دار الوفاء – الطبعة الثالثة، سنة 1425هـ، 2005م. أما الحديث بدون ذِكر الأسماء فرواه البخاري مرفوعًا [6410] بلفظ: "للهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا، لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ وَهُوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ". وبقريب منه أخرجه مسلم [2677].
(4) عائشةُ بنتُ الإمامِ الصديق الأكبر خليفةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر عبدِ الله بن أبي قُحافة، التَّيْمِيَّةُ، أمُّ المؤمنين، زوجةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أَفْقَهُ نساء الأمة على الإطلاق، وأفضلُ نسائه جميعًا عدا خديجة ل. تَزوَّجها النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعد وفاة السيدة خديجة ل وذلك قبل الهجرة ببضعة عشر شهرًا، وقيل بعامين، ودخل بها في شوال سنة اثنتين، فرَوَتْ عنه علمًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. وعن عمرو بن العاص – رضي الله عنه – أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟" قال: "عَائِشَةُ"؛ متفق عليه: البخاري [3662]، ومسلم [2384]. وفي الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى الطَّعَامِ"؛ البخاري [3770]، ومسلم [2446]. وعن عائشة ل: "لَقَدْ أُعْطِيتُ تِسْعًا مَا أُعْطِيَتْهَا امْرَأَةٌ بَعْدَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ: لَقَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِصُورَتِي فِي رَاحَتِهِ حَتَّى أَمَرَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَتَزَوَّجَنِي، وَلَقَدْ تَزَوَّجَنِي بِكْرًا، وَمَا تَزَوَّجَ بِكْرًا غَيْرِي، وَلَقَدْ قُبِضَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِي، وَلَقَدْ قَبَرْتُهُ فِي بَيْتِي، وَلَقَدْ حَفَّتِ المَلَائِكَةُ بِبَيْتِي، وَإِنْ كَانَ الْوَحْيُ لَيَنْزِلُ عَلَيْهِ وَإِنِّي لَمَعَهُ فِي لِحَافِهِ، وَإِنِّي لَابْنَةُ خَلِيفَتِهِ وَصِدِّيقِهِ، وَلَقَدْ نَزَلَ عُذْرِي مِنَ السَّمَاءِ، وَلَقَدْ خُلِقْتُ طَيِّبَةً عِنْدَ طَيِّبٍ، وَلَقَدْ وُعِدْتُ مَغْفِرَةً وَرِزْقًا كَرِيمًا". رواه أبو بكر الآجُري. قال الذهبيُّ في سير أعلام النبلاء: "إسناده جيد".
(5) أخرجه بنحوه الإمام مسلم [2593]، وأبو داود [4807]، وابن ماجه [3688]، ورواه الإمام البخاري [6927] بلفظ: "يَا عَائِشَةُ: إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ".
(6) انظر: الأسنى، للإمام القرطبي / جـ1/556، بتصرف.
(7) المُشْتَرَكُ] هو اللفظ الواحد الدالُّ على معنيين مختلفين فأكثر دلالةً على السواء عند أهل اللغة. ومن أمثلته أيضًا لفظ (العَيْن) يطلق على معانٍ كثيرة منها: العَيْن لكل ذي رُوح يُبْصِر بها، والعَيْن التي تُصِيب الإنسانَ، وفي الحديث: "الْعَيْنُ حَقٌّ"، والعين: عين الماء. والعين: عين البئر… إلخ.
أما [الأَضْدَاد] فهو نوع من المشترك إذا وقع على شيئين ضِدَّينِ كـ(الجَوْن) يطلق على الأسود والأبيض، و(الجَلَل): الشيء الصغير، والجَلَل: العظيم. و"أَسْرَرْتُ الشيءَ": أخفيته وأعلنته، وبه – أي بالمعنى الأخير – فُسر قوله تعالى: ( أَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ) [يونس: 54] أي: أظهِرُوها. انتهى بتصرف واختصار من المزهر في علوم اللغة وأنواعها، للحافظ السيوطي /، جـ1/369-392.
(8) "باع" الشيءَ، يَبِيعه بَيْعًا ومَبِيعًا: شراه، و"باعه" أيضًا: اشتراه؛ فهو من الأضداد. وفي الحديث: "لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا يَبِيعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ" أي: لا يشتري على شراء أخيه، فإنما وقع النهي على المشتري لا على البائع. ا.هـ من مختار الصحاح [مادة: ب ي ع].
(9) انظر – بتصرف كثير: الأسنى، للإمام القرطبي / جـ1/556.
(10) رواه الإمام مسلم في صحيحه من رواية أبي هريرة – رضي الله عنه – عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم [2749].
(11) وقد كان من هديه المشرف صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا الذكر المبارك إذا صَعُبت عليه الأمور، عن أنس – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللَّهُمَّ لَا سَهْلَ إِلَّا مَا جَعَلْتَهُ سَهْلًا وَأَنْتَ تَجْعَلُ الحَزْنَ سَهْلًا إِذَا شِئْتَ" رواه ابن حبان في صحيحه: الإحسان، حديث رقم 979/ص366. طبعة دار المعرفة. وصححه الحافظ ابن حجر كما في الفتوحات الربانية، جـ4/24، 25.
(12) كما قال تعالى: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [الأنعام: 42، 43].
(13) انظر: إغاثة اللهفان، للإمام ابن القيم – الباب العاشر: في علامات مرض القلب وصحته.
(14) وقد شُرح هذا الاسم المشرف "الحليم" من قبل، وهو متوفر في صورة صوتية على موقع طريق الإسلام وغيره من المواقع على الشبكة العنكبوتية للمعلومات (الإنترنت).
(15) انظر: الأسنى، للإمام القرطبي / 1/557.
(16) يعني قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث السيدة عائشة ل.
(17) أخرجه أبو يعلى في مسنده 7/248، مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وتمامه: "التَّأَنِّي مِنَ اللهِ وَالعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ". قال الإمام ابنُ القيم في أعلام الموقعين: "إسناده جيد".
(18) رواه الإمام مسلم في صحيحه [18].
(19) سبق تخريجه، انظر هامش رقم (1).
(20) رواه الترمذي من رواية عائشة وجرير وأبي هريرة – رضي الله عنهم – [2013] وقال: حديث حسن صحيح.
(21) سبق تخريجه، انظر هامش رقم (5).
(22) متفق عليه من رواية السيدة عائشة ل مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: البخاري [6024]، ومسلم [2165].
(23) رواه الإمام مسلم في صحيحه من رواية السيدة عائشة ل مرفوعًا – كتاب: البر والصلة والأدب [2549].
(24) وهو الباب الخامس والثلاثون من كتاب الأدب – الكتاب الثامن والسبعين، ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي. أو فتح الباري جـ10/506، طبعة دار الحديث – سنة 1424هـ، 2004م.
(25) رواه الإمام البخاري [6024].
(26) رواه الإمام البخاري [6257] من رواية ابن عمر – رضي الله عنه – .
(27) رواه الإمام مسلم [2164] من رواية ابن عمر – رضي الله عنه – .
(28) هذا الحديث رواه كُلٌّ من أبي هريرة وأنس بن مالك ب كما هو في البخاري ومسلم وغيرهما.
(29) انظر روايات هذا الحديث في البخاري [6025]، ومسلم [285].
(30) وفي رواية في الموطأ وغيره: "إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيَرْضَى بِهِ وَيُعِينُ عَلَيْهِ مَا لَا يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ". ص645، دار ابن رجب.
(31) انظر: شرح الإمام النووي على الحديث رقم [2592] في كتاب البر والصلة والآداب، باب: فضل الرفق. أو جـ8/391، دار الحديث – الطبعة الأولى – سنة 1422هـ، 2001م.
(32) سبق تخريجه، انظر هامش رقم (23).
(33) وفي الحديث: "إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيَرْضَى بِهِ وَيُعِينُ عَلَيْهِ مَا لَا يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ، فَإِذَا رَكِبْتُمْ هَذِهِ الدَّوَابَّ الْعُجْمَ فَأَنْزِلُوهَا مَنَازِلَهَا، فَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ جَدْبَةً فَانْجُوا عَلَيْهَا بِنِقْيِهَا. وَعَلَيْكُمْ بِسَيْرِ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ مَا لَا تُطْوَى بِالنَّهَارِ". رواه الإمام مالك في الموطأ مرفوعًا [1801] ط. المكنز. =
= وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ فَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا". رواه الإمام مسلم [1926].
(34) سبق تخريجه، انظر هامش رقم (20).
(35) أخرجه الإمام أحمد في مسنده من رواية عائشة ل، جـ 6/71، الطبعة الميمنية، وصححه المنذري في الترغيب، جـ3/361، دار الفجر.
(36) رواه الطبراني في الكبير [2274] مكتبة العلوم والحكم – الموصل، قال المنذري في الترغيب: "رواته ثقات"، جـ3/361.

(37) قالت السيدة عائشة ل: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وأصغتْ إليه قبل أن يموت وهو مسند ظهره يقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى" أخرجه الإمام البخاري [4440].
(38) سبق تخريجه، انظر هامش رقم (25).
(39) وقد سبقت الإشارة إلى بعض الأحاديث النبوية التي تنبه على أهمية الرفق في إصلاح البيوت ونفعها، وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن عمر ب عن النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا أُعْطِيَ أَهْلُ بَيْتٍ الرِّفْقَ إِلَّا نَفَعَهُمْ وَلَا مُنِعُوهُ إِلَّا ضَرَّهُمْ" جود إسناده المنذري في الترغيب، جـ3/362.
(40) وبالإضافة إلى الثواب الجزيل الذي ذكرته الأحاديث السابقة في الترغيب في الرفق والحثِّ عليه نذكر بعض الأحاديث الأخرى:
– قال صلى الله عليه وسلم: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ.. تَحرُمُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ" رواه الترمذي [2488] وقال: حديث حسن صحيح.
– وقال صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئً