طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > الله العظيم – أحمد الزهراني

ملتقى الخطباء

(3٬547)
135

الله العظيم – أحمد الزهراني

1431/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

” التعظيم الحقيقي هو الّذي يظهر على العبد بإخلاص العمل له تعالى وبعده عن مظاهر الشّرك.هو الّذي يظهر على العبد بإثباته أسماءه الحسنى وصفاته العليا.هو الّذي يظهر أثره بتقفي سنّة النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وتلمّس أثره والسير على هديه.فلو أنّ عبداً ذرف من الدموع ما ذرف، وأسهر ليله، وأظمأ نهاره، ثم هو بعد ذلك …”

 

 

 

د. أحمد بن صالح الزهراني

 

 

في كتاب التوحيد للإمام المجدّد محمّد بن عبدالوهاب -رحمه الله- من لطائف المعرفة ودقائق الإشارات التي تشير إلى حقائق التوحيد ومعانيه الإجمالية والتفصيلية، ما يمكن أن يُقال فيه الشيء الكثير.

 

 

ومن أجمل تلك الإشارات ختمه كتاب التوحيد بقوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)؛ إذ أراد الشيخ أنّ يبيّن ما في هذه الآية من الدلالة على ارتباط التوحيد في كلّ جزئيّاته بتعظيم الله تعالى وقدره في نفس العبد، فكلّما كان العبد أكثر تعظيماً له كلّما كان أقرب للتوحيد والإخلاص، وأبعد عن الشرك: صغيره وكبيره وخفيّه وعلنيّه.

وفي الصحيح عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع فيقول: أنا الملك، فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).

ففي الحديث شيء من بيان عظمة الله تعالى، وختام الآية عتب الله تعالى وغضبه ممّن يشرك معه أحداً من خلقه، بعد إذ علم شيئاً من عظمته وقدرته وسعته تبارك وتقدّس.

 

 

والحقيقة الّتي أحبّ تجليتها في مقالي هذا أنّ أثر تعظيم الله تعالى وقدره في قلب العبد ليس هو ما يظهر على العبد من البكاء والعويل، وما يذرفه من الدموع عند الرقائق.. فهذه كلّها حواشٍ على المتن، وليست أصل الباب.

التعظيم الحقيقي هو الّذي يظهر على العبد بإخلاص العمل له تعالى وبعده عن مظاهر الشّرك.

والتعظيم الحقيقي هو الّذي يظهر على العبد بإثباته أسماءه الحسنى وصفاته العليا.

والتعظيم الحقيقي هو الّذي يظهر أثره بتقفي سنّة النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وتلمّس أثره والسير على هديه.

والتعظيم الحقيقي هو الّذي يظهر على العبد بامتثال أمره واجتناب نهيه.

فلو أنّ عبداً ذرف من الدموع ما ذرف، وأسهر ليله، وأظمأ نهاره، ثم هو بعد ذلك واقع في شيء من الشرك الأصغر أو الأكبر، لم تزده دموعه تلك وعمله ذاك من الله إلاّ بعداً وشقاء.

ولو أنّه أخلص توحيده وأجهد بدنه في العمل، وهو مع ذلك منكر لشيء من أسماء الله وصفاته أو واقع في التأويل، متخبّط في نصوص الصفات يؤوّل هذا، ويردّ ذاك لكان ذلك دليلاً على انتقاصه من عظمة الله، وأنّه لم يقدر الله حق قدره..

وهذان الأمران السالفان – اللّذان يجمعهما الجفاء عن سنّة النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ومنهج السلف الصالح – هما أخطر وأعظم في حق العبد، وأكثر ما يورد صاحبه المهالك، وإن تمشعر وتدثّر بالخوف والزهد والورع والدموع..

أمّا إن كان مكملاً لهذين واقعاً بعد ذلك في شيء من الكبائر فهو درجة أخرى نازلة في تعظيم الله وقدره حق قدره، لكنّه موعود مع ذلك بالمغفرة والرحمة من الله تعالى..

ولا أريد من هذا التخفيف من أثر الكبائر على دين العبد معاذ الله..

 

ولكن أريد لفت النظر إلى ما غفل عنه الكثير من النّاس؛ اغتراراً بسحّ الدموع، والصياح الّذي يظهره بعض المتصدرين للدعوة حتى اغتر بهم الكثير من العامة، وأصبحوا يغضّون الطرف عمّا عندهم من خبط وانحراف في مسلك التوحيد والاتّباع، مع أنّه أعظم وأشدّ من مظاهر الانحراف السلوكي.

 

قالَ الشّاطبيُّ ـ رحِمَه اللهُ ـ: "رُوِيَ عن الأوزاعِي قالَ: بلغَني أنّ من ابتدَعَ بِدعةً ضلالةً آلفَه الشّيطانُ العبادةَ، أو ألقَى عليهِ الخشوعَ والبُكاءَ كَي يصطادَ بِه.

وقالَ بعضُ الصّحابةِ: أشدّ النّاسِ عبادةً مَفتُون، واحتجّ بقولِه عليه الصّلاةِ والسّلامِ: «يحقِرُ أحدُكم صلاتَه في صلاتِه، وصيامَه في صيامِه» [أخرجه البخاري في المناقب (ح3610)، ومسلم في الزكاة (ح1604)] إلى آخر الحديث، ويحقّقُ ما قالَه الواقعُ، كما نُقِلَ في الأخبارِ عن الخوارِج وغيرِهم.

 

 

فالمبتدِعُ يزيدُ في الاجتهادِ، لينالَ في الدّنيا التّعظيمَ، والمالَ، والجاهَ، وغيرَ ذلكَ من أصنافِ الشّهواتِ، بل التعظيمَ على شهوات الدنيا [كذا، ولعلّ هناك سقطاً، وسياق العبارة في ظني: «بل التّعظيم مقدّمٌ عندهم على شهوات الدّنيا» أو نحوها ليستقيم المعنى]، ألا ترى إلى انقطاعِ الرّهبانِ في الصّوامِعِ والدّياراتِ، عن جميعِ الملذوذاتِ، ومُقاسَاتِهم في أصنافِ العباداتِ، والكفِّ عن الشّهوات؟ وهُم مع ذلكَ خالِدونَ في جهنّم، قالَ اللهُ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً). [الغاشية:2-4] ، (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً). [الكهف:103ـ104].

وما ذاكَ إلاّ لخفّةٍ يجدونَها في ذلكَ الالتزامِ، ونشاطٍ بداخلِهم يستسهِلونَ به الصّعبَ بسببِ ما داخلَ النّفسَ مِن الهوَى، فإذا بدَا للمبتدِعِ ما هوَ عليهِ رآهُ محبوباً عندَه لاستبعادِه للشّهواِت، وعملُه من جملتِها [أي أنّ البدعة الّتي يعملها هي من ضمن الشّهوات المحبوبة لنفسه]، ورآه موافقاً للدّليلِ عندَه، فما الّذي يصدّه عن الاستمساكِ به، والازديادِ منه؟ وهو يرَى أن أعمالَه أفضلُ من أعمالِ غيرِه، واعتقاداتَه أوفقُ وأعلَى؟ أفَيُفيِدُ البرهانُ مطلَباً؟ (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ). [المدثر:31] » [الاعتصام(ص101)]

 

رحم الله الشاطبي، وهذا يفسر قول أرطاة بن المنذر: «لأن يكون ابني فاسِقًا مِن الفسّاقِ أحبّ إليّ من أن يكونَ صاحِبَ هَوى».

وقولَ التّابعيُّ الجليلُ سعيدُ بنُ جبيرٍ: « لأَن يصحبَ ابني فاسِقًا شاطِرًا [أي: قاطع طريق] سنّيًّا؛ أحبّ إليّ من أن يصحَب عابِدًا مبتدِعًا».

وقيلَ لمالكِ بنِ مِغولٍ: رأَينا ابنَك يلعَبُ بالطّيور، فقالَ: «حبّذا إن شغلَته عن صحبةِ مبتدِعٍ».

 

 

ولابن القيّم -رحمه الله- كلام يدور في فلك هذه الآية أنقله بشيء من الاختصار، وإلاّ فحقّه أن يُقرأ كاملاً؛ لأنّه من درره وغالي نفائسه قال رحمه الله: «قال تعالى: (ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)؛ أي إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريك له في رزقه، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا به متفرد، وهو الإلهية التى لاتنبغي لغيري، ولا تصح لسوائي، فمن زعم ذلك فما قدرني حق قدري، ولا عظمني حق عظمتي، ولا أفردني بما أنا متفرد به وحدي دون خلقي:

 

– فما قدر الله بحق قدره مَن عبد معه غيره كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ). [الحج:73-74] فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره من لايقدر على خلق أضعف حيوان وأصغر، وإن يسلبهم الذباب شيئاً مما عليه لم يقدروا على الاستعاذة منه.

قال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). [الزمر:67] فما قدر من هذا شأنه وعظمته حق قدره من أشرك معه في عبادته من ليس له شيء من ذلك البتة، بل هو أعجز شيء وأضعفه. فما قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل.

 

– وكذا ما قدره حق قدره من نفى حقائق أسمائه الحسنى وصفاته العلا؛ فنفى سمعه وبصره وإرادته واختياره وعلوه فوق خلقه وكلامه وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريد، ونفى عموم قدرته وتعلقها بأفعال عباده من طاعتهم ومعاصيهم فأخرجها عن قدرته ومشيئته، وجعلهم يخلقون لأنفسهم ما يشاؤون بدون مشيئة الرب، فيكون في ملكه ما لا يشاء، ويشاء مالا يكون، فتعالى عن قوله أشباه المجوس علواً كبيراً.

 

-وكذلك ما قدره حق قدره من لم يصنه عن نتن ولا حش، ولا مكان يرغب عن ذكره، بل جعله في كل مكان وصانه عن عرشه أن يكون مستوياً عليه، إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، وتعرج الملائكة والروح، وتنزل من عنده وتدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم تعرج إليه، فصانه عن استوائه على سرير الملك، ثم جعله في كل مكان يأنف الإنسان بل غيره من الحيوان أن يكون فيه.

 

-وما قدر الله حق قدره من نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ومقته، ولا من نفى حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله، ولا من نفى حقيقة فعله، ولم يجعل له فعلاً اختيارياً يقوم به، فنفى حقيقة مجيئه وإتيانه واستوائه على عرشه، وتكليمه موسى من جانب الطور، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه، إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفوها، وزعموا أنهم بنفيها قد قدروه حق قدره.

 

-وكذلك لم يقدره حق قدره من قال إنه رفع أعداء رسول الله، وأهل بيته وأعلى ذكرهم، وجعل الله فيهم الملك والخلافة والعزّ، ووضع أولياء رسول الله وأهل بيته، وأهانهم وأذلهم وضرب عليهم الذل أين ما ثُقفوا، وهذا يتضمن غاية القدح في جناب الرب تعالى عن قول الرافضة علواً كبيراً، وهذا القول مشتق من قول اليهود والنصارى في رب العالمين أنه أرسل ملكاً ظالماً فادّعى النبوة لنفسه، وكذب على الله وأخذ زماناً طويلا يكذب على الله كل وقت، ويقول: قال كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وينسخ شرائع أنبيائه ورسله، ويستبيح دماء أتباعهم وأموالهم وحريمهم ويقول: الله أباح لي ذلك والرب تعالى يظهره ويؤيده ويعليه ويقربه، ويجيب دعواته، ويمكنه ممن يخالفه، ويقيم الأدلة على صدقه، ولا يعاديه أحد إلاّ ظفر به فيصدقه بقوله وفعله وتقريره، وتحدث أدلة تصديقه شيئاً بعد شيء إلى يوم القيامة، ومعلوم أن هذا يتضمن أعظم القدح والطعن في الرب سبحانه وتعالى وعلمه وحكمته ورحمته وربوبيته، تعالى الله عن قول الجاحدين علواً كبيراً، فوازن بين قول هؤلاء وقول إخوانهم من الرافضة تجد القولين كما قال الشاعر:

 

رضيعي لبان ثدي أم تقاسما   ***    بأسحم داج عوض لا يتفرق

 

-وكذلك لم يقدره حق قدره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيعه، وذكره فأهمله، وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، وطاعة المخلوق أهم عنده من طاعة الله، فلله الفضلة من قلبه وعلمه وقوله وعمله، وماله وسواه المقدم في ذلك؛ لأنه المهم عنده، يستخف بنظر الله إليه، واطلاعه عليه، وهو في قبضته وناصيته بيده، ويعظم نظر المخلوق إليه واطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه، ويستخفي من الناس، ولا يستخفي من الله، ويخشى الناس ولا يخشى الله، ويعامل الخلق بأفضل ما عنده وما يقدر عليه، وإن عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره، وإن قام في خدمة من يحبه من البشر قام بالجد والاجتهاد وبذل النصيحة، وقد أفرغ له قلبه وجوارحه، وقدمه على كثير من مصالحه، حتى إذا قام في حق ربه إن ساعد القدر قام قياماً لا يرضاه مخلوق من مخلوق مثله، وبذل له من ماله ما يستحي أن يواجه به مخلوقاً مثله.. فهل قدر الله حق قدره من هذا وصفه؟

 

-وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه في محض حقه من الإجلال والتعظيم والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء، فلو جعل له من أقرب الخلق إليه شريكاً في ذلك لكان ذلك جراءة وتوثباً على محض حقّه، واستهانة به، وتشريكاً بينه وبين غيره، فيما لا ينبغي ولا يصلح الإله سبحانه، فكيف وإنما أشرك معه أبغض الخلق إليه وأهونهم عليه وأمقتهم عنده، وهو عدوه على الحقيقة فإنه ما عَبد من دون الله إلاّ الشيطان كما قال تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ). [فاطر:60-61].

 

فالشيطان يدعو المشركين إلى عبادته.. فما عبد أحد من بني آدم غير الله كائناً من كان إلاّ وقعت عبادته للشيطان، فيستمتع العابد بالمعبود في حصول إغراضه، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له، وإشراكه مع الله الذي هو غاية رضاه الشيطان، ولهذا قال تعالى: (وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ).[الأنعام:126] فهذه إشارة لطيفة إلى السرّ الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله، وأنه لا يغفره بغير التوبة منه، وأنه يوجب الخلود في النار، وأنه ليس تحريمه وقبحه بمجرد النهي عنه، بل يستحيل على الله سبحانه أن يشرع لعباده إلهاً غيره، كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كمال ونعوت جلاله، وكيف يظن بالمنفرد بالربوبية والإلهية والعظمة والإجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك أو يرضى به، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً»[الجواب الكافي(ص139-143) باختصار].

المصدر: الإسلام اليوم