طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > شرح كتاب العظمة 2

ملتقى الخطباء

(3٬571)
132

شرح كتاب العظمة 2

1431/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

” ولذلك يأمر الله تعالى بالتأمل والتفكر في هذه المخلوقات, فإن في التفكر فيها عبرة لمن اعتبر, حيث إن هذه الأرض أرض واحدة من جملة الأرضين التي خلقها الله, وخلق لها سكانا لا يعلم بعضهم ببعض, ثم إنه تعالى جعل فيها آيات وعبرا للمعتبرين, لو تأملوا وتفكروا فيها لعرفوا عظمة من أوجدها وخلقها على هذه الهيئة التي هم عليها يتنقلون ويتقلبون..”

 

 

 

 

العلاّمة:عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

 

الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مر بنا أمثلة من مخلوقات الله التي نصبها كدلالة على ذاته, وعلى عظمته, وعلى كمال صفاته, وعلى استحقاقه للعبادة, وعلى تفرده بالخلق والرزق والتدبير للأمور, فمن ذلك: خلق السماوات والأرض, فإنه أكبر آياته, قال الله تعالى: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ .

ولذلك يأمر الله تعالى بالتأمل والتفكر في هذه المخلوقات, فإن في التفكر فيها عبرة لمن اعتبر, حيث إن هذه الأرض أرض واحدة من جملة الأرضين التي خلقها الله, وخلق لها سكانا لا يعلم بعضهم ببعض, ثم إنه تعالى جعل فيها آيات وعبرا للمعتبرين, لو تأملوا وتفكروا فيها لعرفوا عظمة من أوجدها وخلقها على هذه الهيئة التي هم عليها يتنقلون ويتقلبون.

كذلك أخبر بأنه خلق هذه السماوات العلى, ورفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها وجعل فيها شمسها وقمرها وأفلاكها. لا شك أن هذا أيضا من أكبر آياته, وقد أخبر تعالى بأن هذه السماء مع غلظها ومع كبرها تتشقق يوم القيامة, قال تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا أي: تتشقق كقطع الغمام الذي نشاهده, وتنزل الملائكة فيها, فإن الملائكة يسكنون في السماوات كما وردت الأدلة على ذلك. أخبر تعالى بأنها تُفَتَّحُ يوم القيامة, قال تعالى: وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا أي: في يوم القيامة: تُفَتَّحُ وتَتَشَقَّقُ فتكون أبوابا ينزل منها الملائكة الذين كانوا يعمرونها كما شاء الله تعالى.

أخبر أيضا بأن من آياته العجيبة هذه الأفلاك التي ركبها في هذه السماء, فمنها الشمس والقمر, فإن الشمس والقمر آيتان من آيات الله مركبان في هذه السماء, يدوران في فلكهما, لا يتأخران, كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا والقمر قدَّرَهُ الله تعالى منازل، لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ الشمس والقمر والليل والنهار كلها في أفلاكها التي رُكِّبَتْ فيها, تسبح في هذا الفلك, كما أجراها الله تعالى تجري, إلى أن يأتي الأجل الذي تتوقف فيه.

وقد أخبر الله تعالى بأنه في يوم القيامة تنقضي حالتها, قال تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ أي: في يوم القيامة تُكَوَّرُ الشمس مع عظمها, فتُكَوَّرُ إلى أن تكون مطوية, حيث شاء الله تعالى.

وكذلك القمر يُكَوَّرُ, وكذلك بقية الأفلاك. ففي الدنيا جعلهما الله تعالى سائرين, يجريان لمصالح العباد, يقول الله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ .

أخبر بأنه جعل الليل والنهار آيتين من آياته, الليل: يظلم, ويغشى الدنيا هذا الظلام, حتى يهدأ الناس ويريحوا أنفسهم, وتستريح كل الدواب, إلا الدواب التي جعل الله سلطانها بالليل, كبعض الطيور ونحوها. فجعله الله راحة للعباد, وكذلك جعل النهار آية من آياته, حيث جعله مضيئا منيرا, يتقلبون فيه في حوائجهم, يتكسبون ويحترفون, ويشتغلون ويتنقلون من مكان إلى مكان, ويبصرون الطرق, ويعرفون الأمثال والأماكن, ويعرفون كيف يتوجهون.

كذلك أيضا جعل آية الليل هي القمر, أي: جعل سلطانه وَضَوْءَهُ يكون في الليل, وذلك ليُهْتَدَى به, وليضيء من يسير ليلا, يستدلون به ويستضيئون بضوئه. فهو آية من آيات الله, وجعل آية النهار مبصرة أي: مضيئة, وهي هذه الشمس, جعل ضوءها شديدا بحيث إنه ينير داخل المنازل لشدة ضوئها, فجعلها آية النهار وجعل القمر آية الليل.

كذلك أيضا أخبر بأنه جعل في السماء هذه النجوم, وهي من آيات الله الكونية التي قدرها وجعل لها سيرا محددا. هذه النجوم فيها عبر وآيات, فسيرها أبطأ من سير الشمس, وأبطأ من سير القمر. جعل الله سير القمر أبطأ من سير الشمس بحيث إنه يتأخر عن الشمس كل يوم نحو أربعين دقيقة, أو قريبا منها, حتى يدور في فلكه في الشهر دورة واحدة, كل يوم ينزل في منزلة.

وأما الكواكب التي هي النجوم فإن الله جعل سيرها أبطأ من سير القمر, تتأخر عن القمر حتى يكون قطعها لهذا الفلك في السنة الشمسية مرة واحدة. لا شك أن هذا من آيات الله, ومع ذلك فإن سيرها معتدل. جعل الله تعالى منها ما هو سائر ومنها ما هو ثابت: منها ما هو ثابت كالقطب, الذي لا يتغير ولا يتحرك من مكانه إلا قليلا. ومنها ما سيره أسرع من سير الشمس, ومنها ما لا يسير إلا قليلا, كالْخُنَّس الجوارِ الْكُنَّس, التي سيرها إنما يكون في آخر الليل, تسرع في السير إلى أن تصل إلى قطع نصف المسافة, ثم بعد ذلك تتراجع وتتأخر شيئا فشيئا إلى أن تختفي.

هذا دليل على أن الذي يسيرها هو الذي أحكم كل شيء وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى. وقد ذكر الله تعالى فوائد هذه النجوم فقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أي: تستدلوا بها على الجهات التي تسيرون نحوها, وقال تعالى: وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أي: يستدلون به في الليلة الظلماء, ويسيرون نحو الجهة التي يقصدونها, وكذلك أخبر بأنها رجوم للشياطين قال تعالى : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ فهذه فوائد هذه النجوم.

ولا شك أنها كما خلقها الله تعالى, تعرف بها أيضا مواقيت السير: مواقيت الشتاء والصيف ونحو ذلك. ثم إن كثيرا من السحرة والمشعوذين صاروا يستدلون بها على الأمور المغيبة, وهذا من التدخل فيما لا يعنيهم. وقد جعل ذلك النبي-صلى الله عليه وسلم- من عمل السحرة, فقال-صلى الله عليه وسلم- من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر, زاد ما زاد أي: كلما زاد في الاقتباس زاد في حظه من السحر. والاقتباس: هو التعلم والأخذ, فالذين يتعلمون السحر بالنجوم, أو يتعلمون علم الغيب بالنجوم, ويقولون: إذا طلع هذا النجم حدث مرض أو حدث غرق أو ما أشبه ذلك, هؤلاء من المنجمين يدخلون في هذا الوعيد.

ورد أيضا أنه-صلى الله عليه وسلم- قال: ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم , ذكر منهم مدمن الخمر, ومصدقا بالسحر الذي منه هذه النجوم, وقاطع الرحم. فالمصدق بالسحر يعني: الذي يتعلم ما في هذه النجوم ويستدل بها على الأمور المغيبة.
إنما هذه النجوم أفلاك مركبة فيها هذه الكواكب, تسير كما يسيرها ربها, وليست معبودة, وليست دالة على أمر من الأمور المستقبلة. وأما الذين يتعلمون منها الأمور الغيبية فإنهم -والحال هذه- يتدخلون فيما لا يعنيهم. وقد كان من هؤلاء: الكلدانيون الذين كان فيهم إبراهيم عليه السلام, كانوا يستدلون بالنجوم على الأمور المستقبلة, ولذلك حاكاهم إبراهيم حتى يتركوه, قال تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ كأنه أراد أن يتركوه حتى يحطم آلهتهم. فالنظر في النجوم إذا كان القصد منه الاستدلال بها على الأمور الغيبية فإن ذلك من الشرك, ومن التصديق به.

ثم من آيات الله تعالى أنه يرسل الرياح, هذه الرياح التي يرسلها إذا شاء عذابا, ويرسلها إذا شاء رحمة: آية من آيات الله, لو توقفت الرياح ما قدر الخلق على أن يرسلوها, ولو ثارت واشتدت ما قدروا على أن يوقفوها. ولا يدري أحد من أين تأتي هذه الرياح وهذه العواصف التي قد تشتد حتى تقلع الأشجار وتهدم الخيام وتقلب القدور وتطفئ النيران, لا يُدْرى من أن تثور, ولا يُعْرَف أين مخزنها الذي كانت مخزونة فيه؟ ولا إلى أين تنتهي؟ الله هو الذي يرسلها, قال تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ وقال: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا أخبر بأنها لواقح: يعني تلقح السحاب مطرا, وأنه أرسلها بشرا بين يدي رحمته, ومبشرات , قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ أي: تبشر بالرحمة, أي بنزول المطر, بأنها بإذن الله تثير السحب, فإذا تراكمت السحب بأمر الله نزل المطر فسقى الله به البلاد.

فهي من آيات الله تعالى، لا شك أيضا أن من آياته إنشاء هذه السحب المتكاثفة المتكاثرة التي لا يعرف من أي شيء هي؟ إلا أنها شبه غمام, ولا يدرى من أي شيء تتركب؟ ومع ذلك تمتلئ بالماء, فيسيرها الله تعالى, ثم يأمرها أن تمطر في أي البقع التي قدر أنها تنزل ماءها فيها, فيشاهد أنها تسير مثلا إلى جهة الشرق, ثم يأمرها الله فتسير إلى جهة الجنوب -وإن لم يكن هناك رياح – فتنزل المطر, وأحيانا ترجع إلى جهة الغرب, وأحيانا ترجع إلى جهة الشمال, الله هو الذي يسيرها وهو الذي يصرفها : وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا وهو الذي حَمَّلَهَا هذا الماء الغزير الذي جعله رحمة للعباد, ولهذا قال: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي: أمام المطر, قبيل نزول المطر تثور الرياح, فتنشئ السحاب فيسيره الله إلى البقع التي قُدِّرَ أنه يسير إليها.

وهذا المطر الذي ينزل من السماء لا يدرى من أي شيء ينشأ؟ الذين يدعون أنه يتبخر من الأرض لا دليل عندهم على ذلك! الله تعالى ذكر أن الأرض تشرب الماء الذي ينزل عليها, ولهذا إذا نزل عليها لم ينعصر ولم يبق منه شيء, ثم ينشف وييبس. فقولهم بأنه يتبخر, وأنه يطير, أو أن ماء البحر يتبخر إلى أن يتكاثف في السماء, ثم ينزل بعد أن يكون حاليا عذبا, لا دليل على ذلك.

الله تعالى أخبر بأنه ينزل من السماء ماء وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا أنزله من السماء, والسماء كل ما ارتفع. فالله قادر على أن يخلقه حيث شاء أن يخلقه في هذا الجو في السماء, ثم بعد ذلك يُضَمِّنُهُ هذه السحب التي تحمله وتسوقها الرياح التي يسيرها الله بها, وسمى الله هذه السحب بالمعصرات, قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا كأنها تنعصر, ويخرج منها هذا الماء من غير أن يحس الناس به, ولا أن يروا له أثرا, رحمةً من الله, حتى يعيشوا بهذا الماء الذي يسقي أرضهم, والذي يكون أيضا نافعا لهم في الحال وفي المآل, حيث تمتصه الأرض فيختزن في جوفها, حيث جعل الله في جوف الأرض مستودعات ومخازن كبيرة أو صغيرة, إذا نزل المطر امتصت ذلك الماء الذي على ظهرها يتسرب حتى يأتي إلى جوفها, ويبقى فيها في تلك الفراغات التي قدرها, ثم عند الحاجة يستخرجه الناس بأدواتهم وبِدِلَائِهِم ويشربون منه ويسقون بهائمهم, ويسقون أشجارهم, ويكون سببا في حياتهم؛ لقوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ فكل ذلك من آيات الله الكونية التي يستدل بها على عظمته. فمن تفكر في ذلك وعرف هذه الآيات اعتبر بها وأخذ منها قوة دالة على عظمة من أنشأ ذلك وَكَوَّنَهُ, وجعله على هذه المنفعة.

من آياته سبحانه: إخراج هذا النبات الذي تنبته الأرض, ويكون هذا النبات غذاء للإنسان, وغذاء لبقية الحيوانات, وغذاء لمن على وجه الأرض, فهو من آيات الله. أخبر تعالى بأن ذلك من عجائب آياته, قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وسبلا لعلكم تهتدون، مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا, يعني: أنهارا جارية, إذا شاء أجراها وإذا شاء أغارها, وجعل فيها سبلا لعلكم تهتدون.

كذلك أيضا أخبر بأنها تنبت النبات في قوله تعالى: وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ يعني: ويخرج لكم من كل الثمرات كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى إذا نزل الماء, وإذا هو ماء واحد. اللقاح شيء واحد, وهو هذا الماء, والأرض التي هي الأم واحدة, فاللقاح واحد, والأم واحدة, ومع ذلك يخرج الله أنواعا من هذه النباتات مع اختلافها مختلفة في أنواعها, مختلفة الزهور والطعوم والألوان والروائح والطبائع والأغراض. يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وينبت من مكان واحد, وكذلك أيضا جعل الله تعالى فيه البركة, بحيث إنها إذا سقيت مرة واحدة تغذت بهذا الماء المبارك مدة طويلة, بخلاف ما يسقى من جوف الأرض, فإنه غالبا يحتاج إلى متابعة السقي.

فعرفنا بذلك أن ربنا سبحانه نصب لنا هذه الآيات حتى نعتبر بها ونتفكر، وآيات الله الكونية كثيرة, لا يحيط بها الوصف, ومن أهمها: ما ينبته الله تعالى على وجه الأرض يقول بعض الشعراء:
تأمل فـي نبات الأرض وانـظر
إلـى آثار مـا صنـع الـمليك
عيـون مـن لجين شاخصـات
بأحـداق هـي الـذهب السبيك
على قضب الزبرجد شـاهـدات
بـأن الله ليـس لـه شـريـك
يمثل النباتات التي تنبت على الأرض, والتي لها عيون, عيونها هو هذا الزهر وهذا النَّوْر, وأن تلك العيون كأنها من لجين, أي: من فضة. وأنها شاخصات, أي: أنها مفتحة, العين الشاخصة: هي التي تنفتح وتقابل من ينظر إليها, وأنها على قضب الزبرجد. قضبها: أي سيقانها وأغصانها التي تعتمد عليها. شبهها بأنها من الزبرجد, يعني: نوع من المعادن الثمينة التي تستخرج من البحار. ستشهد بأن الله تعالى ليس له شريك.

فإذا تأمل العباد آيات الله تعالى الكونية عرفوا بذلك كمال قدرة الرب, وكمال عظمته وجلاله وكبريائه, وعرفوا أيضا أنه وحده هو الذي تفرد بالخلق والتبليغ, وتفرد برزق العباد وبملكهم وبالتصرف فيهم, فحينئذ يعبدونه ويخلصون العبادة له, ويصدون بقلوبهم عما سوى الله. هذه من آيات الله التي تدل على عظمته.

وكذلك أيضا ما في خلقه من العجائب التي بَيَّنَ العلماء أنها من أعجب عجائب الله تعالى كذلك أيضا: إذا تأملنا في هذه المخلوقات الحية، نتأمل أن الحيوانات التي على الأرض منها ما هو حيوان يمشي على أربع، كبهيمة الأنعام، ومنها ما يمشي على رجلين، ومنها ما على أكثر من ذلك، ومنها ما يمشي على بطنه، قال تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ) يعني كالحيات ونحوها (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ) كالإنسان والطير (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ) كبهيمة الأنعام الله هو الذي أعطى كل شىء خلقه ثم هدى .

وكذلك أيضا جعل بينها هذا التزاوج، ليكون ذلك سببا في بقائها، فجعل في الإناث ميلا إلى الذكور وفي الذكور ميلا إلى الإناث، ليحصل بذلك التزاوج، ويحصل التوالد، حتى تبقى هذه الأجناس. كما قدر الله تعالى وجودها. والمشاهد أن فيها هذه العجائب، فنعرف مثلا أن الضأن والماعز تجتمع جميعا وترعى سويا، ولكن لهذه فحل، ولهذه فحل، ففحل الضأن لا ينزو على الماعز، وكذلك فحل الماعز لا ينزو على الضأن. جعل الله في كل ميلا إلى ما يلائمه، وإلى ما يناسبه. المشاهد أن الضأن يكون لها ألية كبيرة، تستر فرجها، ثم ألهم الله الفحل الذي هو الكبش إذا أراد النزوان أن يرفع هذه الألية بيديه، ألهمه الله أن الفرج تحت هذه الألية حتى يحصل بذلك اللقاح. وكذلك أيضا بقية الحيوانات: ألهم الله تعالى كل ذكر كيف ينزو على الأنثى التي من جنسه. وهكذا أيضا الحشرات تتزاوج حتى تتوالد، ويكون من آثار تزاوجها وتوالدها بقاؤها، أي بقاء هذا الجنس، وذلك لأنه كلما خلق الله ، فإنه يخلق ويبقى مدة ثم يموت، ثم يخلفه غيره من جنسه، ولو قدر الله تعالى أنه ينقطع لما حصل هذا التزاوج.

لما أرسل الله تعالى الغرق على أهل الأرض في زمن نوح عليه السلام، قال الله له قال تعالى : قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ألهم الله نوحا أن يحمل معه من كل من كل الحشرات والدواب والسباع وما أشبهها، يحمل من كل زوجين اثنين، حتى أن الله تعالى أزال العداوة بينها، فحمل الذئاب مع الغنم، مع ما بينها من العداوة، إلى أن نفد الماء، ونزل. وكذلك حمل الحيات والعقارب مع غيرها، وحمل الصقور ونحوها مع الحبارة وما أشبهها، ولم يكن بينها اعتداء. بل جعلها الله تعالى متآلفة إلى أن أذن الله تعالى لها بالخروج حتى تتوالد ويبقى نسلها على الأرض المدة التي قدر الله بقاءه.

مع كثرة ما على الأرض من هذه الدواب وهذه البهائم وما أشبهها، فإن كل جنس يميل إلى جنسه، وكل ذكر يميل إلى أنثاه. ذلك تقدير العزيز العليم. لا شك أن هذا كله دليل على ما أعطاها الله تعالى من الفهم : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى إن في ذلك لآية إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ .

فكذلك أيضا جعل الله في البحر حيوانات تعيش في البحر، نَفَسُها الذي تتنفسه من الماء، يعني: جعل الله هذا الماء سبيلا لحياتها، إذا خرجت إلى البر هلكت، كما أن حيوانات البر إذا رسبت في الماء وغُمِسَت فيه هلكت أيا كانت، ولو كانت صغيرة. يعني البعوضة مثلا، والذر والذباب، إذا غمس في الماء يموت، وكذلك السمك ونحوه إذا خرج إلى البر يموت. لا شك أن هذا دليل على أنه سبحانه أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. فهدى بعضها لبعض، ولا شك أيضا أن فيها عبرة لمن اعتبر، وموعظة عظيمة.

إذا قال قائل: لماذا خلق الله هذه السباع التي هي مضرة؟ تعدو على الناس، وتفترس بهائمهم ودوابهم، إن خلقها فيه ضرر، ولا نفع فيه؟ فالجواب: بلى، إن فيها لذكرى، وإن فيها لموعظة، حيث يتأمل الإنسان فيما خلقت فيه، وينظر فيما جبلت عليه، ويتفكر في جِبِلَّتِهَا وطبيعتها، وأن هذه الطباع مرسومة راسخة فيها.

ذكروا أن امرأة وجدت جروا- ذئبا صغيرا- فحَنَت عليه، وجاءت به إلى بيتها، وأخذت ترضعه من شاة لها، ولما كبر افترس تلك الشاة ! وهو مع ذلك يألف ذلك المنزل، ويذهب ويجيء إلى خدرها، فجاءها رجل، فقال: ما هذه الشاة؟ فقالت: هذا جرو ذئب، ربيناه فينا حتى كبر، فعقر شاتنا، وأنشأت تقول تخاطبه:

عقـرت شُـوَيْهَتِي وفجعـت قلـبي
وأنــت لشــاتنا ولــدٌ ربيـبُ
غُــذِيت بضرعهـا ونشـأت فينـا
فَـمَـنْ أدراك أن أبـاك ذيـبُ ؟!!
إذا كـان الطبــاع طبــاعَ سـوءٍ
فليـس بنـافع فيـهـا الأديـبُ !!

طبع الله كل جنس على جنسه على ما هو عليه، فلا شك أن هذا دليل على أن كل جنس يميل إلى جنسه، وعلى ما طبع عليه:

إذا كـان الطبــاع طبــاعَ سـوءٍ
فليـس بنـافع فيـهـا الأديـبُ !!

لا شك أن هذه من آيات الله: أن جعل لهذه السباع طبعا، وللكلاب طبعا، وللبهائم – مثلا: الضأن- طبعا، وللبقر طبائع، وما أشبه ذلك، كل يميل إلى ما هو عليه. فلا شك أن هذا دليل على قدرة الخالق سبحانه، وأنه أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
فإذا تفكر في ذلك كله، عرف قدرة الله: أنه الخالق لهؤلاء، وأنه الذي يُؤَلِّف بينها، وأنه الذي جعل بينها هذه العداوة، وجعل بينها هذه الألفة، وجعل لكل ميلا لكل شيء ما يميل إليه. هذا خلق الله تعالى، يقول تعالى: فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ومن ذلك أيضا: التأمل في المخلوقات العلوية والسفلية: التفكر في خلق السماوات، والتفكر في خلق الأرض، والتفكر أيضا في إرسال الرياح، وفي إنشاء السحب، وفي إنزال الماء من السحب، وفي إنبات النباتات التي قدَّرَ الله أنها تنبت في الأرض، وكذلك في جريان الأفلاك، وفي سير النجوم سيرا منتظما. كل ذلك من الأدلة القوية على قدرة الخالق، وإذا أيقن المسلم في ذلك عرف أنه وحده هو المستحق للعبادة.

 

كذلك أيضا بقية المخلوقات فيها أيضا عظة وعبرة.

مر بنا ذكر الرياح التي يرسلها الله تعالى كما يشاء هذه من آيات الله: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ فهذه الرياح آية من آيات الله لا يرسلها إلا الله، ولا يوقفها إلا هو.

مر بنا أيضا من آيات الله إنشاء هذه السحب الكثيفة المتراكمة التي تحمل المطر كثيرا أو قليلا، ويسمع لها هذا الصوت صوت الرعد، ويرى هذا البريق الذي هو البرق آية من آيات الله، لا يقدر على إنشائها إلا الله، يرسلها إلى ما يشاء. فتارة يحصل بها الغرق، وتارة يحصل بها المطر، وتارة يحصل بها نوع من المطر وإن كان قليلا، ويصرِّفها الله تعالى ويرسلها حيث يشاء إلى هذه البلدة والتي إلى جانبها لم يصبها شيء آية من آيات الله.

كذلك أيضا مر بنا الكلام في هذه النجوم التي يسيرها الله تعالى، ويرسلها. يقول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ هذه من فوائدها. كذلك أيضا من فوائدها: معرفة الأوقات؛ معرفة الشتاء والصيف والربيع والخريف، معرفة الأوقات التي يكون فيها برد أو حر أو يكون فيها مثلا غرس للأشجار أو بذر للبذورات أو ما أشبه ذلك، فيكون فيها أيضا عبرة لمن تأمل فيها وفي سيرها كما تقدم. هذه مثلا تسير سيرا حثيثا، وهذه تسير ببطء، وهذه لا تسير إلا إلى نصف الجو، ثم تتراجع آية وعبرة.

وكذلك أيضا مر بنا كلام حول الشمس والقمر، وكيف سخر الله تعالى هذه الأفلاك وسيرها بحيث أن هذه الشمس تطلع كل يوم وتنير على ما طلعت عليه، وأن هذا القمر ينير إذا كان في وسط الشهر نورا ساطعا ظاهرا يستضيء به الناس، ويسيرون في ضوئه؛ آية من آيات الله وفيها أيضا فائدة معرفة الحساب وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ .

وهكذا أيضا خلق السماوات والأرض. كيف خلق الله هذه السماوات بهذا الارتفاع، وأخبر بأنها سبع سماوات، وأن كل سماء فوقها أخرى إلى سبع، وكذلك خلق هذه الأرض الأرض التي نحن عليها، والتي نشاهد اتساعها ونشاهد ما فيها أيضا من الآيات. إذا سرت فيها وجدت أو رأيت عجبا تسير وقت طويلا في أرض صحراء، ثم تنتقل إلى أرض رملية، ثم تنتقل إلى أرض حارة فيها حجارة منبثة على الأرض، ثم تنتقل إلى أرض جبلية بها جبال واطئة، ثم إلى جبال مرتفعة شاهقة، وكل ذلك في أرض واحدة. لا شك أن هذا أيضا آية من آيات الله عبرة لمن تذكر واعتبر.

وكذلك أيضا إذا نظرت إلى هذا النبات الذي تنبته هذه الأرض، فينبت كما شاء الله تعالى فتُنبت الأرض هذه أعشابا لا تنبتها الأرض الأخرى، وينبت في الصيف ما لا ينبت في الشتاء أو ما لا ينبت في الربيع، واللقاح واحد الذي هو الماء، والأم واحدة التي هي الأرض قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، هكذا مد الأرض وجعل فيها أنهارا أي: أنهار جارية يجري معها الماء يجريه الله تعالى من مكان لا يعلم به غيره، ويخبر تعالى بأن هذه عبرة وموعظة لمن يتعظ بها ويتذكر.

وإذا تأملنا في هذه المخلوقات عرفنا أن الذي خلقها هو رب العالمين، وأنه ما خلقها عبثا قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وقال تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ الذين يعتقدون أنها خلقت باطلا، أو أنها أوجدت نفسها، أو أن الذي توجدها الطبائع أو ما أشبه ذلك. هؤلاء هم الخاسرون الذين سلبوا عقولهم، أو صرفوا عقولهم إلى أمور تافهة دنيوية لا تسوى من يهتم بها.

فنتواصى بأن نكثر من التأمل والتفكر في آيات الله وفي مخلوقاته.
ورد في حديث ذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية من سورة آل عمران: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أنزلت عليه بكى تلك الليلة حتى أخضل لحيته فسألته عائشة ما هذا البكاء؟ فقال: أنزلت علي هذه الآيات التي فيها الأمر بالتفكر وفيها أنها آيات لمن يتفكر: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأُولِي الْأَلْبَابِ أي: لأصحاب العقول الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .
ثم قال: ويل لمن قرأهن ولم يتفكر فيهن. وعيد وسئل بعض الرواة كيف نخرج من هذا الوعيد حتى نسلم من هذا الوعيد؟ فقال: أن يقرأهن وهو يعقلهن. يعني: كلما مررت بهذه الآيات فإنك تقرأها وأنت حاضر العقل وأنت متأمل متفكر فيها، لا تمر عليها وأنت غافل ساه منشغل القلب فإن في ذلك تعرض لهذا الويل. وما أكثر الذين يقرءونها وهم غافلون عنها، أو تقرأ عليهم وتقرع مسامعهم وهم لا يتفكرون فيها ولا يتذكرون إذا تفكروا.
والآن نواصل القراءة.

 

 

موقع الشيخ عبد الله بن جبرين –رحمة الله عليه.