طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > الآثار .. دعوة للتأمل

ملتقى الخطباء

(2٬784)
126

الآثار .. دعوة للتأمل

1431/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

“والغرض من السير في الأرض والنظر في عاقبة من سبق من الأمم المكذبة، هو الاتعاظ بما آل إليه حال هذه الأمم بسبب تكذيبهم لأنبياء الله وإنكارهم لوحدانيته سبحانه وتعالى، وقد قص القرآن الكريم عن أمم مكنت في الأرض بأن أعطيت ما لم يعط لغيرها، من مال وجاه وقوة وعدة وعتاد، وما أن..”

 

 

 

 

بقلم الكاتب: أشرف شعبان

 

قال تعالى في سورة (آل عمران: 137-138) (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين. هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) حيث أمر الله تعالى بالسير في الأرض والنظر في عاقبة من سبق من الأمم المكذبة، وقد وردت آيات كثيرة قريبة في المعنى من هذه الآية وتبلغ ست آيات بلفظ الأمر وسبع آيات بلفظ المضارع، والسير في الأرض إما حسي بالترحال والانتقال، وإما معنوي بالنظر في كتب التاريخ وتحصيل أحوال الأمم، وللمَشاهد أثر أقوى من السماع والقراءة.. (1)

 

والغرض من السير في الأرض والنظر في عاقبة من سبق من الأمم المكذبة، هو الاتعاظ بما آل إليه حال هذه الأمم بسبب تكذيبهم لأنبياء الله وإنكارهم لوحدانيته سبحانه وتعالى، وقد قص القرآن الكريم عن أمم مكنت في الأرض بأن أعطيت ما لم يعط لغيرها، من مال وجاه وقوة وعدة وعتاد، وما أن ازدادت ذنوبهم، حتى دمر كل شىء عليهم وأهلكوا على آخرهم، قال تعالى (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين) (الأنعام:6).

 

 

والسير في الأرض وتأمل ما كانت عليه الأمم السابقة وما صارت إليه، يوجه الحس إلى قوة الله الكبرى، هذه القوة التي لا يغلبها شيء ولا يعجزها شيء والتي كما أخذت الغابرين فهي قادرة على أخذ كل المكذبين في كل زمان ومكان، قال تعالى (وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض) (فاطر:44)، وكما أنها دعوة للتأمل في مصائر الغابرين، فهي أيضا دعوة لإدراك حقيقة هذه الحياة، وحقيقة هذه الإنسانية الموحدة المنشأ والمصير، والتي تحكمها السنن والنواميس نفسها، كي لا ينعزل جيل من الناس بنفسه وحياته وقيمه وتصوراته، ويظن واهماً بقدرته على اخضاع هذه السنن والنواميس لأهوائه، فعندما تنطبق عليهم مشيئة الله وإرادته فلن تنفعهم قوتهم ولن يغني عنهم علمهم ولا حضارتهم (2) ومن أجل هذه الحكمة أمر الله تعالى البحر أن يلقي بجسد فرعون سوياً بلا روح، وعليه درعه المعروفة على مكان مرتفع من الأرض ليتحقق بنو إسرائيل من موته وهلاكه بعد أن شكك بعضهم في موته وليكون لهم ولغيرهم عبرة وعظة، قال تعالى (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلقك آية) (يونس: 92)، (3)، وعلى الرغم من أن التقدم العلمي والتكنولوجي في سائر مجالات الحياة في عصرنا هذا يفوق ما وصل إليه الفراعنة فإننا لم نصل إلى ما وصلوا إليه في علم أو فن التحنيط، وقد هداهم المولى عز وجل لذلك ليحافظوا على جثثهم في شكل يقارب شكلها أثناء الحياة لتكون لنا ولغيرنا شاهدة عليهم.

 

فكما كان كل ماسبق دليلا على جواز السفر في فجاج الأرض للاعتبار بالنظر فيما حوت من عجائب مخلوقات الله فإنه لدليل على عدم التعدي على الآثار والحفاظ عليها لنا ولغيرنا، وعلى أهمية وجودها لدلالاتها على عاقبة المكذبين، وبالنظر فيها يحصل التحقيق مما بلغ عن أخبارهم، والسؤال عن أسباب هلاكهم وكيف كانوا وإلى أين صاروا، فإن حصلت هذه المعرفة بغير السير في الأرض كان المقصود حاصلا. (4).

 

ومن الثابت تاريخياً أن الملوك والخلفاء المسلمين كانت ترعى بقاء هذه الآثار وتمنع من العبث فيها وإن كانوا أعداء لأربابها، وكانوا يفعلون ذلك لمصالح وأهداف، منها لتبقى تاريخا يتنبه به على الاحقاب، ومنها أنها مذكرة بالمصير ومنبهة على المآل، ومنها أنها تدل على شيء من أحوال من سلف وسيرتهم وتوفر علومهم وصفاء فكرهم، وفي رؤيتها تصديق لماجاء بالكتب المنزلة. (5)،

 

 

ووجود كثير من الآثار على حالها دليل على أن هذه الآثار لم تمس بسوء من جانب المسلمين، وأكبر شاهد على ذلك المسلات الفرعونية التي ظلت على حالاتها كما هي إلى أن سرقت في عهد الاحتلال الإنجليزي لمصر، بل وقد أفاض كثير من المؤرخين المسلمين في وصف الآثار الفرعونية وانبهارهم بها، كما ثبت أيضا أن معابد الكنهة استخدمت ككنائس، ولما كان المسلمون لا يعتدون على الكنائس فقد تركت المعابد الفرعونية التي اتخذها الأقباط كنائس لهم كما هي، فعند انتشار المسيحية في مصر قبيل الفتح الإسلامي لها، حولت بعض معابد مدينة الأقصر إلى كنائس وتعرضت نقوش المعابد للتشويه سواء لأنها من آثار الوثنية، أو لإخفاء الصور الفاضحة للنساء العاريات والأعضاء الجنسية للرجال التي كانت منقوشة على جدران هذه المعابد، وذلك إما بالطمس أو بالتغطية باستخدام مواد جصية «إسمنتية»، ولكن عوامل التعرية والظروف الجوية ومرور الزمن أسقط بعض هذه التغطيات وظهرت الرسوم الفرعونية القديمة من تحتها. (6).

 

____________
المراجع:
1- الصيحة الحزينة في البلد اللعينة محمد بن رزق بن الطرهوني ص 37 وص 42.
2- في ظلال القرآن سيد قطب ج 5 ص 2760 وص 2950 بتصرف.
3- تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج2 ص 413.
4-الصيحة الحزينة في البلد اللعينة محمد بن رزق بن الطرهوني ص 44 وص 12.
5- الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوارات المعاينة بأرض مصر عبد اللطيف البغدادي ص 34.
6- الموسوعة المصرية بتاريخ مصر القديم وآثارها، المجلد الأول، الجزء الأول ص 115.

 

 

مجلة الوعي
(العدد : 527)