طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَها

ملتقى الخطباء

(3٬226)
117

وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَها

1431/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

“ولو اجتمع الخلق أجمعون على أن يرزقوا إنساناً شيئاً لم يقدره الله له، فلا ريب أن سعيهم في تباب، ولو اجتمعوا على أن يمنعوه رزقاً كتبه الله له فسعيهم ذلك في خسران، قد جفّت الصحف بما هو كائن إلى يوم القيامة، ولن يزيدَ الحرصُ في المرزوق، ولن تُنْقِصَ منه جَلَبَةُ غِيَرِ الزَّمان، ولا ينفع الإنسانَ حينذاك..”

 

 

 

د. سعد الدريهم

 

إن من مكنون النفوس المؤمنة، وما انطوى عليه سليمُ الفطر منها: أنه لن تهلِك نفسٌ منفوسةٌ حتى تستهلك ما كُتِبَ لها من رزق؛ بل إن الرزق المسطور في المقدور للإنسان ليطلبه طلباً حثيثاً حتى يدركه، ولا بدّ أنه مدركه وعداً من الله حقاً.

ولو اجتمع الخلق أجمعون على أن يرزقوا إنساناً شيئاً لم يقدره الله له، فلا ريب أن سعيهم في تباب، ولو اجتمعوا على أن يمنعوه رزقاً كتبه الله له فسعيهم ذلك في خسران، قد جفّت الصحف بما هو كائن إلى يوم القيامة، ولن يزيدَ الحرصُ في المرزوق، ولن تُنْقِصَ منه جَلَبَةُ غِيَرِ الزَّمان، ولا ينفع الإنسانَ حينذاك إلاّ تقوى الله، والإجمال في الطلب بأن تأخذ الشيء من وجهته الحقّة، وتضعه حيث أُمِرتَ بذلك في وجوهه المعتبرة شرعاً. يقول النبي-صلى الله عليه وسلم-: "إنّ أحدكم ليطلبه رزقه كما يطلبه أجله؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب".

 

ومنطوق الكتاب العزيز ومفهومه يعزز من هذا الفهم القويم، ويعلي من شأنه، ولعلك لو تدبرت قول ربك سبحانه: ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الروم:40]، لأدركت ذلك، فالحق سبحانه أورد الخلق والرزق بالفعل الماضي الدال على الانقضاء والانتهاء، وعندما أورد الإماتة والإحياء عبّر بالفعل المضارع الدال على التجدّد والاستمرار؛ ليوقف الخلق على أن أرزاقهم قد فرغ منها كما فرغ من خلقهم، ومن هنا انطلق الفهم النبوي الكريم.

 

وهذا المفهوم للرزق مستقر في روع المسلم ـ كما أسلفت ـ لا تكدّر من صفوه الأبواق الناعقة بالنذير بأن العالم مقبل على باقعة تكاد تحيل أمنه الغذائي إلى مجاعة بسببٍ من كثرة الناس على هذا الكوكب، وقلة إمكانات الأرض؛ لكي تعوض هذا النقص في مواجهة هذا الكثرة المتكاثرة من البشر وما على الأرض من دابة، وحينئذ لا بد للعالم أن يتخذ الاحتياطات لكي يواجه هذه المجاعة المحتملة، ومن الحلول المطروحة من قِبَلِ مفكري الغرب ودهاقين الحكمة لديه أن يُقلّل النسل وتُؤخر سني الزواج؛ ليقل عدد سكان العالم؛ لكي يكون في مقدور الأرض الوفاء باحتياجاتهم.

 

هذه نظرة الغرب ومن استفزته قناعاته لمواجهة النكبات والنوازل الحادثة، وهي ولا ريب تخالف المسلمات الإسلامية التي أوردتها في صدر مقالتي هذه. فالمؤمنون أخذوا بموعود الله، والكفرة الفجرة انتجعوا موعود الشيطان، وكلٌّ يعمل على شاكلته ( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 268]، ولن يكون في خلق الله إلاّ ما يشاء سبحانه وتعالى.

 

ولو نظرنا في الحلول المطروحة من قبل أولئك القوم لوجدناها تخالف تعاليم الإسلام وأحكامه، التي أمرت بالزواج لمن استطاعه، وحثَّت الأمة على الإكثار من النسل لمغالبة الأمم ومكاثرتهم، ولو نظرنا في توقعات أولئك الغربيين، لوجدنا أنها كثيراً ما تخالفها الأحوال؛ فلا يكاد يمر العالم بنازلة إلاّ ويعقبها الرخاء، ويأتيهم الرزق من حيث لا يحتسبون، بل لو عاش على هذا الكوكب أضعاف ما عليه لكفاهم ما قدَّر الله فيها من أرزاق. يقول الحق سبحانه وتعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ) [فصلت:9،10]، لكن الحق سبحانه لعلمه وحكمته سبحـانه يخـرجـه لـهـم حـيـث حاجتهم له بمقدار موزون، فسبحانه من إله ما أحكمه. يقول الحق سبحانه: (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ). [الحجر:19،21] ، ولو أنعمت النظر لرأيت أن الناس لمّا كانوا قلة على ظهر الأرض كانت طرق الزراعة والري بدائية وذات قدرات محدودة، ولمّا تكاثروا ألهمهم الله اختراع هذه الآلات الحديثة ذات الأثر الكبير، وقسْ على ذلك كل أمر يتعلق بمعايش الناس وحاجاتهم.

 

ولو دققت في نظم الآية السالفة من سورة فصلت، وهي قوله تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ). [فصلت:9،10]، فلا يروعك وأنت تتفحصها إلاّ قوله: {وَبَارَكَ فِيهَا}، ولا ريب أن ما بارك الله فيه فلا حد لبركته، وأنت ترى ذلك واقعاً لا لبس فيه، فالعالم قاطبة يعمل تفتيشاً وتقليباً في الأرض فتعطيه ما أراد، وكل هذا من بركات ربها سبحانه وتعالى. وارجع البصر كرة أخرى لترى أن هذه البركات محيطة بالأرض ففي كل قطر منها نصيب؛ ليتوزعها البشر، وتتعلق مصالحهم بعضهم ببعض؛ لكيلا تكون دولة بين فئة دون فئة، وهذا من مقتضى الحكمة والبركة الإلهية، فسبحان من خلق وأوجد وبارك.

 

ومما يبعث على الطمأنينة، ويقذف الراحة في النفوس أن الأرض ستفنى، ولما تستنفد ما أودع الله فيها من الأقوات والبركات، وهذا ما استقر في نفوس أهل الإيمان دون غيرهم من بني الإنسان. فالحق سبحانه عندما يأذن بزوال الدنيا يأمر الأرض أن تخرج بركاتها، ولا تسل عن بركتها حينذاك. يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "ويرسل الله عليهم ـ أي على من يكونون من أهل تلك الأزمان السحيقة ـ مطراً لا يُكِّنُ منه بيتُ وبرٍ ولا مدرٍ قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: فيغسل الأرض فيتركها كالزلفة، قال: ثم يُقال للأرض: أخرجي ثمرتك وردّي بركتك؛ فيومئذ تأكل العصابة ـ أي الجماعة من الناس ـ من الرمانة ويستظلون بقحفها ـ أي: قشرها ـ ويُبارك في الرَّسَل حتى إن الفئام من الناس ليكتفون باللقحة من الإبل؛ وإن القبيلة ليكتفون باللقحة من البقر، وإن الفَخِذَ ليكتفون باللقحة من الغنم ".

فهل تخالف البشرية بعد هذا ضَيْعة أو عَيْلَةً؟!

ولكن هذا مرهون بطاعة الله سبحانه وتعالى، وأرزاق الله لا تُطلب إلاّ بطاعته والإيمان به؛ لذا كلما ندّت البشرية عن رحبة الفطرة ألبسها الله لباس الخوف والجوع، ونقص الأموال والثمرات لتتدارك أمرها. فإذا أرادت البشرية الأمن بأشمل معانيه فعليها أن تراجع فطرها ومكنونَ الخير فيها، والله قريب كريم من عباده المحسنين.

الإسلام اليوم